مقالاتنا, تجارب ثورية

اسبانيا .. ثورة منتصف الطرق


دخلت اسبانيا القرن العشرين بواقع اقتصادي شديد التخلف، وحكم ملكي مستبد قائم على تحالف بين رجال الدين وضباط الجيش ذوي الأصول الأرستقراطية وكبار الملاك الزراعيين والصناعيين، الذين مثلت لهم الحرب العالمية الأولى مصدر ثروة كبير نتيجة لتصدير المنتجات الزراعية والصناعية للبلدان المتحاربة، الأمر الذي أدى إلى تطور صناعي كبير أدى إلى زيادة وتنظيم أعداد كبيرة من الطبقة العاملة. وبإنتهاء الحرب بدأت الأزمة الاقتصادية في الظهور وازدادت تعمقاً مع الأزمة الاقتصادية العالمية التي عصفت بأوروبا وأدت الى أسوء ازمات الهبوط الاقتصادي.

ولم تكن أسبانيا استثناء عن ذلك فقد تجسدت فيها حدة الفقر والبؤس الناتجان عن الازمة متمثلاً في زيادة عدد الفقراء إلى حوالي 8 مليون بالاضافة إلى مليون فلاح بدون أرض في الوقت الذي كان نصف السكان تقريباً من العمال الزراعيين، على النقيض كان من يملكون 68 % من الارض 2 % فقط من السكان وارتفعت نسبة البطالة الى حوالي 30 % من السكان، تعمقت الازمة في اسبانيا بدءاً من 1923 وصولاً الى انفجار الأزمة الاقتصادية في 1929، في هذه الفترة أطلق الملك الضوء الاخضر لعسكرييه لاتخاذ كافة الاجراءات لقمع أي احتجاج جماهيري، وضمان وأد انتفاضة الجماهير القادمة، وتحقيق استقرار الطبقة الحاكمة بقيادة الديكتاتور العسكري بريمودي ريفيرا، والذي أجبرته الجماهير الثائرة في 1930 على تقديم استقالته بعد ثمان سنوات من القمع، الأمر الذي مهد الطريق لسقوط الملكية وقيام الجمهورية في 1931.

قامت الجمهورية على ائتلاف من الاحزاب البرجوازية الليبرالية التي كانت تتحاشى النزول في مواجهة الديكتاتورية – أخذت تتحدث بعدها عن كراهيتها للنظام السابق – والاحزاب الاشتراكية، هذا التحالف الذي دخلت فيه أحزاب ذات مصالح طبقية متناقضة كان الأب الشرعي للجبهة الشعبية التي ولدت لاحقاً في 1936، قام هذا التحالف على أساس الدفاع عن الحريات الديمقراطية والاصلاح الاجتماعي المحدود في الوقت الذي أطلقت فيه الجماهير العنان لاحلامها في التغيير الاجتماعي بشكل أكثر جذرية بشكل يتعدى السقف المنخفض في قيام الجمهورية والمصالح الضيقة لأحزاب الائتلاف.

فتحت انتفاضة الجماهير الاسبانية بدءاً من 1931 طريقاً امام إنجاز ثورة اجتماعية حقيقية تتجاوز الخطوط الديمقراطية الشكلية والمسكنات الاجتماعية؛ انتفض الفلاحون مطالبين بمصادرة الملكيات الزراعية الكبيرة وتوزيع الاراضي على الفلاحين، ورفع العمال مطالبهم بزيادة الاجور وصرف اعانات البطالة وتطهير مؤسساتهم من رجال النظام، إلا ان النخبة السياسية متمثلة في احزاب الائتلاف انتبهت إلى امكانية أن تتجاوز الجماهير خطتها ومصالحها الضيقة، وكان خوفهم من حركة الجماهير أكبر من عدائهم للاستبداد، وضحت الاحزاب الاشتراكية بإمكانية الثورة الاجتماعية فداءاً للجمهورية “الديمقراطية” والتحالف الذي لم يحقق للجماهير اي تغيير حقيقي في أوضاعهم؛ حيث لم تستجيب الحكومة الإئتلافية للمطالب الاجتماعية إلا بدعوة الجماهير للصبر وزيادة الانتاج، وتعمقت الفجوة بين مطالب وتطلعات الجماهير التي انتخبتها وبين دفاعها عن مصالح الرأسمالية وتقليصها للإصلاحات الاجتماعية لطمأنة الاستثمارات، عند هذا المنعطف بدأ فقدان الثقة في القوى السياسية يتسلل للجماهير وبدأ العمال في تحدي النظام بقوة في الوقت الذي استخدم الائتلاف الحاكم رد الفعل التقليدي لأي مستبد في قمع الجماهير الثائرة بدءاً من العصي و الرصاص وصولاً الى القصف المدفعي ضد المناطق العمالية لانهاء الاضرابات.

إزاء القمع استخدمت الجماهير التصويت العقابي ضد الأحزاب الجمهورية مما ادى إلى الاتيان بحكومة اكثر عجزاً برئاسة لاروكس استندت الى نفس القاعدة الاجتماعية للملكية الزائلة (الكنيسة والجيش وكبار الملاك ) وضم إلى حكومته اكثر الاحزاب يمينية وعداء للجماهير، الأمر الذي لم ينهي عمليات القمع على العكس بدأت عمليات الاغتيال المنظم لقادة النقابات العمالية التي كانت رأس حربة النضال الثوري، مما دفع الحزب الجمهوري تحت ضغط الجماهير الى انشاء لجنة لتسليح اعضائه، وكرد فعل لذلك انطلق الاضراب العام تحت قيادة المنظمات الفوضوية والاشتراكية للعمال وتم اعلان كوميونة – مجتمع اشتراكي لا طبقي مصغر – في اوسترياس.

استدعى النظام عسكرييه مرة اخرى لقمع الجماهير هذه المرة بقيادة الجنرال الفاشي فرانكو، حيث قاموا بمذابح هائلة وعمليات اعتقال واسعة وإستخدام الاعدامات الجماعية لقيادات العمال، في مواجهة ذلك وصل ائتلاف الجبهة الشعبية للحكم بانتخابات 1936، وضم في عضويته الأحزاب الاشتراكية كتابع للأحزاب الليبرالية بحجة مواجهة الفاشية واطلاق سراح المعتقلين مما وضع العمال الاسبان تحت سيطرة احزاب تتعارض مع مصالحها، قامت هذه الاحزاب التي كانت تشعر بقوة الجماهير في محاولة لإيجاد مخرج من المأزق – حيث أدركوا ان استمرار الازمة يعني الاستيقاظ الثوري للكادحين – بدفع المطالب السياسية للمقدمة ومغازلة قيادات الجيش ذات المصالح المعادية للجماهير واطلاق صلاحياتها بدلاً من تسليح الجماهير للدفاع عن نفسها ومصالحها، ورفضت الحكومة تطهير المؤسسة العسكرية، في المقابل سلحت الفاشية انصارها وبدأت انتفاضتها المضادة بمؤازرة الحاميات العسكرية والرأسمالية وقاد الجنرال فرانكو الانقلاب العسكري ضد الحكومة المنتخبة ديمقراطياً وضد كافة المنظمات العمالية التي اتت بها الى السلطة، فقط العمال الذين سلحوا انفسهم في مواجهة الفاشية استطاعوا المقاومة .

تطور المقاومة ضد فرانكو ترك مدناً كاملة تحت سيطرة العمال والفلاحين، وكان الاتحاد النقابي الفوضوي يدير برشلونة بشكل كامل، و نظموا لجان محلية للدفاع عن الثورة وتدريب الجماهير على المقاومة، بشكل واضح كان هناك ازدواجية سلطة، لكن الفوضويين سمحوا لحكومة الجبهة الشعبية التي خذلت الجماهير بالاستمرار في السلطة، واستطاعت الحكومة في النهاية أن تستعيد ببطئ السيطرة على كافة انحاء اسبانيا من تحت يد العمال والفلاحين، وتقلص استقلال اللجان الثورية وتجريدها من السلاح و تركها عارية امام قوات فرانكو التي زحفت على المدينة بدون اي مقاومة وكانت المحصلة النهائية هزيمة برشلونة وصعود الفاشية.

قراءة الثورة الاسبانية ترسم لنا عدداً من المشاهد:

ان الثورات تبدأ عادة بوحدة الجماهير ضد النظام القائم لكن تطور الصراع يفرز مصالح متعارضة بين جموع الجماهير وعادة تضغط القوى الاصلاحية على الجماهيير لاستعادة هذه الوحدة وكبح الجموع الثائرة من خلق سلطتها البديلة،

ليس هناك ما يسمى بثورة منتصف الطريق وعلى الجماهير اما ان تستكمل نضالها لبناء مجتمع جديد وتتبنى بديلاً ثورياً واكثر ديمقراطية وعدالة متحدية بذلك سقف طموحات القوى السياسية وتقييمها الانتهازي للوضع الثوري أو يستطيع النظام القديم استعادة قوته والسيطرة من جديد مما يعني هزيمة الثورة،

على القوى الثورية ان لا تقدم أي تنازل في مواجهة النظام فباب التنازلات حين يفتح تبدأ هزيمة الثوار بدلا من ذلك على القوى الثورية دعم تحركات الجماهير الديمقراطية وربط النضال السياسي بالمطالب الاقتصادية فلا يمكن تقديم مطالب اقتصادية واجتماعية بمعزل عن المهام الديمقراطية للثورة ولا يمكن طرح قضية السلطة بمعزل عن قضية الثروة،

اي ثورة تخشى من اجراءات جذرية لاعادة توزيع الثروة وانتاج شكل السلطة الخاص بها تنتهي لمجرد اصلاح شكلي لا يرقى الى أحلام و طموحات الجماهير التي قامت بالثورة لاسترداد حقوقها التاريخية.

و اخيراً ان القضية التي تحسم انتصار او هزيمة الثورة هي قضية السلطة فالثوار الذين لا يبنون سلطتهم البديلة المرتكزة على جيش اجتماعي من الطبقات الكادحة والمنتجة الحقيقية لثروات المجتمع، قادر على المقاومة وتحقيق النصر بكافة الوسائل يخسرون المعركة مهما طالت المدة، والاستسلام لعقلية النظام القديم في ذلك تؤدي إلى إعادة إنتاجه.

ندى ابراهيم

Advertisements

مناقشة

One thought on “اسبانيا .. ثورة منتصف الطرق

  1. مقال جميل خاصة في ظل ظروف الربيع العربي

    إعجاب

    Posted by معاذ التل | أكتوبر 11, 2012, 1:01 م

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

حمل العدد الأخير من نشرة الثوري

آخر اصداراتنا

أنت الزائر رقم

  • 69,389

%d مدونون معجبون بهذه: