مقالاتنا, تجارب ثورية

تشيلي 1973 – ثورة شعبية أجهضها العسكر


في صباح 11 سبتمبر 1973 تحركت القوات المسلحة التشيلية بأوامر من الخونتا العسكرية (المجلس العسكري التشيلي) لتسيطر على المناطق الاستراتيجية في تشيلي، ووجه جنرالات الخونتا إنذاراً عبر الإذاعة التشيلية مطالبين بنقل السلطة من الرئيس المنتخب سلفادور الليندي إليهم وأن تتوقف كل وسائل الإعلام الرسمية عن بث الأخبار وإلا ستتعرض للهجوم من قبل القوات المسلحة، وتطورت الأمور برفض الليندي التنازل عن السلطة فتحركت القوات المسلحة نحو القصر الجمهوري وبدأ قصف القصر بالدبابات والمدفعية والطائرات ويستمر إطلاق النار حتى يتم تصفية الرئيس وكل من فضلوا البقاء معه في القصر الرئاسي وعدم الهرب، ليعلن بعدها جنرالات الخونتا بقيادة الجنرال أوغستو بينوشيه استلامهم السلطة ويصدرون قراراً بإلغاء الصحف، ويستمر القتال لبضعة أيام في الأحياء العمالية والورش والمصانع بين الجيش من ناحية والعمال ورافضي الانقلاب العسكري من جهة أخرى.

التحليل التقليدي للانقلاب الذي قام به العسكر بقيادة بينوشيه في تشيلي يتبنى منطق المؤامرة الثلاثية ضد الليندي وحكومته، وأركان المؤامرة الثلاثة هم المخابرات المركزية الأمريكية، والمجلس العسكري التشيلي، وممثلي الرأسمالية التشيلية الكبيرة، وهي أطراف كانت متضررة من سياسات الليندي الاجتماعية التي جعلت تشيلي خارجة عن سيطرة الولايات المتحدة الأمريكية والرأسمالية العالمية، فدبروا المؤامرة للتخلص من الليندي وسياساته ليتولى بينوشيه قيادة البلاد ويعود بها من جديد إلى حظيرة التبعية ويعود لتبني سياسات الاقتصاد الحر التي تخدم المصالح التقليدية للولايات المتحدة والجنرالات وكبار رجال الأعمال.

يبدو التحليل التقليدي منطقياً، خاصة مع ما يعرف عن العلاقات الدائمة التي تجمع ما بين  الولايات المتحدة والقادة العسكريين لجيوش العالم الثالث، سواء عن طريق المعونات العسكرية والمناورات والتدريبات المشتركة وهي العلاقات المعلنة أو عن طريق صفقات الأسلحة والعمليات المخابراتية وهي العلاقات التي تبقى سرية، أيضاً مما يدعم هذا التحليل تضرر الولايات المتحدة من تأميم الليندي لمناجم النحاس التشيلية والتي كانت خاضعة لاستغلال الشركات الأمريكية، والعبارة التي وردت على لسان وزير الخارجية الأمريكي في هذا الوقت هنري كيسنجر :

لا أفهم لم يجب أن نجلس جانباً ونراقب دولة تسير في طريق الشيوعية نتيجة لعدم تحمل شعبها المسئولية .. المواضيع أكثر أهمية بالنسبة للناخبين التشيليين من أن تترك ليقرروها بأنفسهم” ،

لكن النظرة المتعمقة تكشف زيف هذا التحليل وتهافته، فباستثناء تأميم مناجم النحاس التي كانت تحت سيطرة الشركات الأمريكية لم يكن أداء حكومة الوحدة الشعبية برئاسة الليندي أداءاً ثورياً بأي حال من الأحوال، ولم تكن تمثل أي تهديد لجنرالات الجيش وكبار رجال الأعمال وممثلي البرجوازية التشيلية.

فبرغم أن الوحدة الشعبية كانت تتكون من نظرياً من أكثر الأحزاب راديكالية، والتي نجحت في أن تتحد خلف الليندي كمرشح واحد للمعارضة في انتخابات 1969 يجذب أصوات كل الناخبين الراغبين في إحداث تغيير جذري في حالة البلاد، وبرغم إصرار الحزب الشيوعي التشيلي والحزب الاشتراكي التشيلي  القطبان الرئيسيان في حكومة الوحدة الشعبية على تسمية عملية وصول الليندي لرئاسة الجمهورية في 1970 بالثورة السلمية وأنها تفتح آفاق لتغيير المجتمع التشيلي عن طريق العملية السياسية البرلمانية البرجوازية التقليدية، إلا أن أداء الليندي وحكومته لم يتجاوز سقف الحكومة الاصلاحية التي سبقته.

فحكومة الليندي لم تطرح قانوناً جديداً للإصلاح الزراعي بخلاف ما طرحته الحكومة السابقة، ولم تسترد المصانع لصالح العاملين فيها، بل أنه في أحد التعديلات الوزارية تم تشكيل وزارة من جنرالات الجيش، هذا بالإضافة لأن الليندي كان قد وقع على اتفاقية مع ممثلي الرأسمالية التشيلية سميت قانون الضمانات يتعهد فيها بعدم إحداث أي تغيير جوهري في بنية مؤسسات الدولة القديمة؛ أي أنه ألزم نفسه بالعمل من خلال المؤسسات القديمة وبالأسلوب القديم ذاته، وفوق هذا عندما حدثت إضرابات عمالية في بعض الأقاليم أعلن الليندي حالة الطوارئ ووضع الأمور كلها في يد الجيش.

إذا فحكومة الليندي لم تكن تشكل الخطر الذي يدفع ثلاثي للمؤامرة للإطاحة بها، لكنها كانت حكومة إصلاحية مثل حكومات كثيرة في العالم الثالث وفي أمريكا اللاتينية تحديداً يمكن الضغط عليها باستمرار لتقليل هامش التغيير الاجتماعي الذي تسمح به.

لكن الخطر الحقيقي على المصالح الأمريكية، وامتيازات جنرالات الخونتا، ومشروعات كبار الرأسماليين؛ كان في الواقع هو الحراك الشعبي المتزايد والذي أدى لنجاح حكومة الوحدة الشعبية في الانتخابات، واكتسب الثقة من هذا النجاح، وانطلق وتعزز عبر النضالات العمالية والفلاحية المستمرة لاحداث تغيير حقيق وجذري.

فالاضرابات العمالية المتزايدة التي وصلت للاضراب العام في سنة 1968 هي التي زعزت الحكومة السابقة لحكومة الليندي، وبتضافرها مع موجة من احتلال الأراضي بواسطة الفلاحين المعدمين، وتنظيم فقراء المدن من العاطلين وأصحاب المهن الهامشية أنفسهم للنضال من أجل حقوقهم في السكن والخدمات الأساسية، استطاعت هذه الحركة الاجتماعية وهذا المد الطبقي أن يترجم في الانتخابات باختيار سلفادور الليندي باعتباره مرشح أكثر الأحزاب جذرية.

وباحساس الجماهير بقوتها في الانتخابات زادت الحركة العمالية قوة وثقة، وبدءت حركة الفلاحين للاستيلاء على الأراضي من كبار الملاك تنتشر أكثر وأكثر، وحاول الليندي أن يكبح جماح هذه الحركة حتى لا يخسر ثقة الرأسمالية التشيلية، لكن الحركة استمرت وأبدع العمال التشيليين شكلاً جديداً من اللجان العمالية على مستوى المناطق أسموه “الكردون“، وقادت الكردونات النضالات في نفس الوقت التي بدأت الرأسمالية التشيلية تقلق وتدبر تحركاتها لكسر حركة الجماهير، بدءاً من اضراب لأصحاب اللوريات وحتى محاولة فاشلة لانقلاب عسكري في بدايات 1973، لكن تنظيم العمال والطبقات الشعبية لأنفسهم وتشبيك هذه الكيانات أفشل كل هذه التحركات، وأثبت أن الطبقة العاملة يمكنها أن تقود الثورة الاجتماعية في تشيلي لتحدث تغييرات جذرية في المجتمع التشيلي.

لكن الليندي لم يدرك هذا الدرس الذي أدركه أعداؤه – الولايات المتحدة، الخونتا، الرأسمالية التشيلية – وكان خطيئته الكبرى أنه بدلاً من أن يعزز هذا النضال باعتباره قاعدته الشعبية التي يمكن أن يستند عليها ليتخذ إجراءات ثورية حقيقية، لجأ إلى الاستناد على الجيش فشكل وزارة جديدة من جنرالات الجيش معتقداً أن هذه هي الوسيلة التي يمكن أن يمنع بها الأوضاع من الانفجار، لكن ثلاثي المؤامرة الذي كان قد اتخذ القرار بتصفية الحركة الجماهيرية التشيلية وجنين الثورة الشعبية داخلها ووجدها الفرصة السانحة لإعادة ترتيب الأوراق استعداداً للانقلاب.

بعد الانقلاب العسكري بدأت السلطة العسكرية في تصفية الحركة العمالية والجماهيرية بالقتل والاعتقالات، فتم التخلص من حوالي 30 ألف شخص، واعتمدت السلطة العسكرية برئاسة بينوشيه نظام الاقتصاد الحر المفتوح تماماً على السوق العالمية والاستثمار والاستغلال الأجنبي والمرتبط بالخضوع السياسي للولايات المتحدة، في الوقت ذاته الذي كان فيه بينوشيه يرفع شعارات الوطنية والقومية للتنكيل بكل معارضيه.

أحداث تشيلي 1973 تضع أمامنا بوضوح الاستنتاجات التالية:

دائماً ما تكون النخبة العسكرية في دول العالم الثالث ذات مصالح مترابطة ومتشابكة مع النظام الرأسمالي العالمي ومع القطب الأوحد المهيمن على هذا النظام (الولايات المتحدة الأمريكية).

مؤسسات الجيش والشرطة هي أدوات قمع في يد الطبقة المسيطرة لمنع حدوث أي تغيير في المجتمع، وقياداتها غالباً ما تكون جزء من هذه الطبقة أو ذات مصالح مادية مباشرة معها.

المؤسسات القديمة في أي مجتمع يمر بثورة أو عملية تغيير جذري هي أدوات تابعة للنظام القديم، وبالتالي هي معوقات لحركة الجماهير ولا يمكن الاعتماد عليها لاحداث هذا التغيير لأنها غالباً ما تحاول إعادة إفراز النظام القديم في صور جديدة محسنة.

عندما تصبح الحركة الشعبية من القوة بحيث يمكنها أن تهدد بتغيير حقيقي تتوحد كل الأطراف الرافضة لهذا التغيير في جبهة واحدة لتصفية هذه الحركة، وفي الغالب ما تستخدم الفاشية كسلاح لهذه التصفية، فيتم رفع الشعارات القومية والدينية والتي تصبح مبرراً للديكتاتورية وقمع الحركة الجماهيرية.

استمرار أي ثورة وتحقيقها لأهدافها يكون بالاعتماد على حركة الجماهير ونضالاتها القاعدية وليس بالاعتماد على النخب التي تتخلي عن الجماهير بسهولة، والبديل هو بناء حركة جماهيرية قوية عن طريق كيانات تعبر عن الجماهير (عمال، فلاحيين، طلبة، …) والربط بين هذه الكيانات لتفرز السلطة البديلة.

سامح السعدي

Advertisements

مناقشة

3 thoughts on “تشيلي 1973 – ثورة شعبية أجهضها العسكر

  1. Reblogged this on aboali.

    إعجاب

    Posted by kahlot | مارس 1, 2012, 9:10 ص
  2. تحليلك لللموقف وسردك ليه ساعدنى كتير فى الكتيب اللى بنعمله عن ايرلندا الشمالية وتشيلى و جنوب افريقيا والمغرب وانسب الحلول للخروج من الازمة الراهنة بمصر

    إعجاب

    Posted by Abdalla Elgendy | أغسطس 25, 2013, 7:51 ص
  3. شكرا على المعلومة وجهد مشكور

    إعجاب

    Posted by Khaled Shamara | ديسمبر 29, 2013, 2:19 ص

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

حمل العدد الأخير من نشرة الثوري

آخر اصداراتنا

أنت الزائر رقم

  • 68,316

%d مدونون معجبون بهذه: