مقالاتنا, الثورات العربية, عربي ودولي

احتجاجات السودان .. تاريخ وآفاق


للوضع السياسي في السودان خصوصيته التي ينفرد بها عن بقية دول المنطقة، ففي خلفية المشهد السوداني الحالي يأتي تاريخ طويل من الانقلابات العسكرية والاحتجاجات الشعبية، تتقاطع فيه أنماط سياسية مختلفة بدءاً من الحركات الإسلامية والتنظيمات الشيوعية والتيارات القومية وحتى الأنظمة العسكرية التي تتلاعب بكل القوى السياسية لاجهاض أي حراك شعبي ولتثبيت سلطتها. ولا يمكن فهم ما يحدث الآن في السودان من احتجاجات جماهيرية مستمرة منذ ما يزيد عن الشهر، دون نظرة سريعة على طبيعة النظام السوداني وخلفية نشأته.

كيف بُني نظام البشير

منذ سقوط الدولة المهدية في نهايات القرن التاسع عشر ووقوع السودان تحت السيطرة الانجليزية الفعلية، والسيطرة المصرية اسمياً، تفاقمت التناقضات العرقية بين مناطق السودان المختلفة، مابين سكان الجنوب وأغلبهم من العرق الزنجي، وسكان الخرطوم والشمال أغلبهم من العرب والنوبيين، لعب الاستعمار الانجليزي دوراً كبيراً في تعظيم التناقض خاصة مع دراسة احتمال ضم إقليم الجنوب إلى أوغندا، مما أدى إلى انفصال حقيقي بين الشمال والجنوب أدى إلى اندلاع الحرب الأهلية عدة مرات بعد استقلال السودان في 1955. عمق من التناقض والنزاعات التنمية غير المتكافئة التي حرمت الجنوب من ثمار التنمية في السودان، وعدم طرح أي مبادرة جادة من الحكومات المتعاقبة لحل مشكلة الجنوب، مع نمو تيارات الاسلام السياسي في الشمال وسعيها باستمرار لطمس هوية الجنوب وتذويبه في الهوية العربية الإسلامية.

بجانب هذه التناقضات العرقية، والتفاوتات الاجتماعية، نجد مؤسسة عسكرية طامحة في السلطة، وانقلابات عسكرية متتالية، ففيما عدا انقلاب الفريق عبد الرحمن سوار الذهب في 1985 والذي التزم بتسليم السلطة للحكومة المدنية في خلال عام، كانت معظم سنوات السودان بعد الاستقلال تقع تحت الحكم العسكري بصورة أو بأخرى، الفريق ابراهيم عبود (1959 – 1964)، العقيد جعفر نميري (1969 – 1985)، العقيد عمر البشير (1989 إلى الآن).

ظل النظام العسكري للسودان يعيد انتاج نفسه، فعندما يطيح الغضب الجماهيري بالحكم العسكري (ثورة أكتوبر 1964، مظاهرات السكر المر وانتفاضة ابريل 1986) تمر البلاد بفترة انتقالية يجري فيها التأسيس لحكم مدني لا يلبث أن ينقلب عليه العسكريون ليعودون مرة أخرى للسلطة. وكان الحكم العسكري يعتمد في الاستمرار على خنق المجال المتاح للأحزاب السياسية، وإقامة نظام عسكري يستمد مشروعيته من الانقلاب العسكري واستناده – إلى حين – على أحد التيارات السياسية حتى يبنى تنظيمه السياسي.

هكذا استند نميري إلى قوى اليسار (الحزب الشيوعي تحديداً) في بدايات حكمه حتى انفجار الخلاف وإعدام قيادات الحزب الشيوعي، ثم بنى ما سماه بالاتحاد الاشتراكي السوداني (على غرار الاتحاد الاشتراكي العربي الذي بناه عبد الناصر في مصر) وفي أواخر حكمه بدأ في مغازلة الاسلاميين والتقرب منهم، أيضاً استند البشير إلى حزب الجبهة الإسلامية القومية بزعامة الترابي حتى أسسا معاً ما حزب المؤتمر الوطني، ثم إنقلب البشير على الترابي واعتقله.

نظام البشير

ولد نظام البشير، نظاماً عسكرياً، يستند إلى القوى الإسلامية والشريعة الإسلامية في شرعنة وجوده، يقدمها للجماهير كرشوة لإرضائها وإلهائها عن الأوضاع الاقتصادية المتفاقمة، وكبديل عن تنظيم أنفسهم، فالبشير اتبع انقلابه بحل الكثير من النقابات التي كانت نشطة، وفرض بديلاً عنها كيانات تحت السيطرة الحكومة.

 ونظام البشير يتبع نفس سياسات الليبرالية الجديدة التي اتبعها نظرائه من الحكام العرب من الخصخصة وتحرير الأسواق، وفي نفس الوقت لا يوجد اهتمام حقيقي بتطوير اليلاد في التصنيع، والاعتماد الأساسي للاقتصاد السوداني كان على الموارد الطبيعية، والتي زادت مع الاكتشافات البترولية، لكن حتى هذه تضيع في قلب الفساد المستشري ولا يصل أي عائد تنموي منها إلى المواطنين الفقراء، ولا يهتم نظام البشير حتى ببناء أي بينة تحتية، فالعاصمة الخرطوم على سبيل المثال لا تزال كثير من مناطقها لا تعرف المياة النظيفة والكهرباء، ولا تعرف الطرق الممهدة، ناهيك عن حالة الأقاليم.

وكانت النتيجة الطبيعة لنظام بهذه السمات ان يشتعل ضده الغضب الشعب، وحاول النظام أن يحول مسار هذا الغضب بتأجيج نزاعات أهلية داخل السودان، في دارفور أو في الجنوب، استغل فيها وضع الأقليات واستخدم الشريعة الاسلامية كمبرر، فكانت النتيجة حرب أهلية في دارفور، وانفصال الجنوب بثرواته الطبيعية، مما عمق من الأزمة الاقتصادية للمجتمع السوداني.

طبيعة الاحتجاجات الحالية

اندلعت الاحتجاجات الحالية في البداية ضد سياسات التقشف التي أقرتها الحكومة، وكان استخدام العنف سواء من قوات النظام او بلطجيته في مواجهتها هو الدافع لتطور الاحتجاجات واستمرارها لأكثر من شهر وانتشارها في كل أنحاء السودان، فبعد أن كانت البداية هي مظاهرات لطلبة جامعة الخرطوم، اشترك في الجمعات المتتالية “لحس الكوع”، “شذاذ الآفاق” “الكنداكة” آلاف من السودانيين في كل الولايات يطالبون باسقاط البشير.

ففي مواجهة تصاعد الاحتجاجات الشعبية، أعلن البشير إلغاء بعض الوزارات لتقليل الانفاق الحكومي، وإقرار موازنة جديد (لم يلغي منها بنود التقشف)، والنية لإعداد دستور جديد، وفي محاولة منه للعب بورقة الإسلاميين، أعلن أن الدستور سيكون إسلامياً يعطي درساً لكل دول الثورات العربية وهم يضعون دساتيرهم الجديدة، في محاولة منه للايحاء بعدم احتياج السودان للثورة، فالثورات العربية أتت بالإسلاميين، وهم طرف حقيقي في السلطة مع الجيش في السودان منذ 1989.

لكن الرد الشعبي كان بالمزيد من التظاهر، وبداية إعلان كيانات نقابية مستقلة في مواجهة الكيانات الرسمية، فأعلن عن نقابة الأطباء السودانيين في مواجهة اتحاد الأطباء السودانيين، وشبكة الصحفيين السودانيين المستقلة. وأخيراً كان الرد الشعبي الأبلغ بإعلان الجمعة الأخيرة من يوليو باسم “دارفور بلدنا”،من أجل إقليم دارفور في مواجهة محاولة النظام للعب بورقة الشريعة والأقليات لاجهاض الحركة الشعبية.

هل تتحول احتجاجات السودان إلى ثورة؟!!!

لم تتحول الاحتجاجات في السودان بعد إلى ثورة، وهناك بعض الأمور يجب ملاحظاتها قبل أن نحاول الإجابة عن هذا السؤال:

الأمر الأول هو مدى نضج الحركة الجماهيرية، بظهور كيانات شعبية بديلة، تشكل نواة للسلطة البديلة، وإلا ستتحول الاحتجاجات الحالية إلى نسخة جديدة من احتجاجات السكر المر في 1985 التي لم تفرز سلطتها، فاضطر العسكر إلى إزاحة نميري للحفاظ على النظام، ثم عادوا إلى السلطة مرة أخرى بعدها بأربع سنوات.

الامر الثاني هو الغياب الملحوظ للحركة العمالية الاحتجاجية، فبرغم ان السودان تمتلك حزب شيوعي عريق كانت بداياته منذ اكثر من 60 عاماً، إلا أنه لا توجد حركة عمالية قوية تعلن الإضراب العام، وهذا بسبب، أولاً الضعف العددي للطبقة العاملة السودانية نتيجة لعدم التطور الصناعي، ثانياً الأخطاء التاريخية للحزب الشيوعي السوداني، الذي كان يتبنى المنظور الكلاسيكي للثورة على مرحلتين، فأيد انقلاب نميري باعتباره سيفتح المجال أمام بناء الديمقراطية البرجوازية، ثم محاولة الانقلاب على نميري التي أدت إلى حملة من القمع والاعدامات في صفوف الحزب كانت نتيجتها تراجع دوره لفترة من الزمن.

الأمر الثالث هو أهمية النموذج الذي تطرحه الثورة السودانية للتغيير في المنطقة، فالثورة السودانية ستكون ضد نظام يتقاسم العسكر والإسلاميون فيه السلطة، وهو نموذج الأنظمة التي تدعمها الولايات المتحدة الآن للمنطقة، باعتبارها الأنظمة التي ستستطيع امتصاص الغضب الجماهيري وخلق نوع من الاستقرار يسمح  بحماية المصالح الأمريكية في المنطقة، بالتأكيد تطور الوضع في السودان إلى ثورة لن يكون مرحباً به من القوى الدولية، وقد تسعى إلى مساندة البشير – برغم الصراع شكلا بين البشير والأنظمة الغربية – أو تأييد طرح بديل من داخل النظام مثل النموذج اليمني، وهو ما سيعني احتمالات تدخل دولي إذا تطورت الأحداث.

يمكن للاحتجاجات الحالية في السودان أن تتطور شريطة أن يظهر تنظيم ثوري جماهيري حقيقي يقود الجماهير الغاضبة والساخطة نحو هدف واحد، هو هدم النظام وبناء نظام جديد، وألا يضلل هذا التنظيم الجماهير بدعايات برجوازية وسياسية تبعدهم عن المحتوى الاجتماعي المنشود لثورتهم، فأزمة السودان لن يمكن حلها داخل اطار النظام الرأسمالي الذي لن يسمح للسودان باكثر من دور الدولة المتخلفة التابعة.

سامح السعدي

Advertisements

مناقشة

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

حمل العدد الأخير من نشرة الثوري

آخر اصداراتنا

أنت الزائر رقم

  • 67,003

%d مدونون معجبون بهذه: