مقالاتنا, الثورات العربية, عربي ودولي

سوريا والبحرين …. ثورتان تحت صراعات الهيمنة‎


في غضون شهور من الانتفاضة التونسية ضد استبداد وفساد بن علي انتقلت الشرارة إلى المحيط العربي مشعلة الاحتجاجات والانتفاضات ضد الظلم والقمع ثائرة على سلاطين ورؤساء العرب الذين ظنوا أنفسهم مخلدين وظنوا أن الشعوب قد روضت بشكل كامل يضمن لهم استقرارهم على عروشهم دون أن تؤرقهم صرخات الحرية، مشهدان فيما سمي إعلاميا بالربيع العربي يؤرقان كل المؤمنين بحق الشعوب في تحديد مصيرها، ثورتان أغرقتهما – أو كادت – توازنات النظام العالمي .. ثورتان تقاومان الوأد منذ بدايتهما حيث تعتبر كل منهما حالة مثالية لدراسة تأثير العلاقات الدولية على مصير المنطقة العربية وثوراتها، قد يستغرب البعض الربط بين الثورتين نظراً للطائفية التي لونت بها الميديا أعلام الثورتان، إلا أن مصير الثورتان وتطورات الأوضاع في كلا البلدين يشكل موضوعاً ذو أهمية خاصة، للمهتمين بدراسة أوضاع المنطقة، بسبب تأثير الهوية الدينية، بالإضافة إلى تعقيد المشهد لارتباطه بعلاقات متشابكة للدولتين معاً.

هل هذا الصراع ذو طابع دينى، صراع هوية أو معتقد ؟ الاجابة تكمن فى نوعية المشاركين فى الصراع، ثمة تعدد وتنوع فى هوية المشاركين فى الصراع على الجبهتين، ولم يكن الاضطهاد الدينى أو العقائدى هو مفجر الصراع، رغم ان اضطهاد مثل هذا لم يكن منتفياً، اغنياء السنة والشيعة هنا أو هناك كانوا السادة الحاكمين والمتعاونين فى قهر ونهب باقى الشعب فى البلدين معا، الاستبداد والقمع منعا تبلور قوى وتيارات على أسس سياسية او فكرية وأخمد أى اصوات غير موالية له، التأخر الذى صنعه النظامين لم يكن يسمح بتلك البلورة، ومن ثم ارتكنت جهات عديدة – واقسام من الجماهير – إلى إعطاء تفسيرات طائفية للتناقضات الاجتماعية القائمة، بدلا من تفسير ظهور، أو بقاء الطائفية نفسها على أساس الوضع الاجتماعى وتناقضاته، صار امامنا – بوعى او بدون وعى – قراءة مقلوبة للعالم الاجتماعى هناك، حيث التطور الاجتماعى ليس هو مفسر الوضع الطائفى، بل الطائفية هى المقدمة لفهم الوضع الاجتماعى، الافكار هى هكذا مفتاح الواقع وليس الواقع هو مفتاح فهم الافكار، استفاد النظام وغيره من قوى رجعية وامبريالية من تلك القراءة المقلوبة، أخفى الاستغلال خلف ستار الطائفية، وبانت القوى الامبريالية وكأنها تناصر مضطهدين عقائديا، وخلف هذا الدخان الطائفى تختفى نيران الثورة الاجتماعية. إن الاستغلال وليس المعتقد هو من فجر الثورتين، هو مفتاح فهمهما، هذا لايمنع من وجود قدر من التشوه الطائفى فى مسرح الصراع، لكنه لايفسر ذاته بذاته، تفسير الطائفية لا يكمن فى الطائفية بل فى شروط انتاجها، هذا المدخل وحده هو مايسمح بفهمها، ومن ثم فهم ادوات تجاوزها ونفيها.

الثورة والحشد الطائفي

إن أهم ما يجمع الثورتان هو الحشد الطائفي الذي يمارسه الإعلام المضاد للثورة في محاولة لإفقاد الثورة مضمونها التحرري والاجتماعي في كلا الثورتين والذي يتابع المشهد منذ بدايته يتذكر جيدا إن ثورات المنطقة كان محركها الأساسي هو الظلم الاجتماعي والاستبداد السياسي والذي كان يمارس في إطار طائفي في سوريا والبحرين على حد سواء، لذلك فمن الطبيعي إن يكون أول انتفاض ضد النظامين ذو شكل طائفي خصوصا أن ذوي الهوية المنتفضة هم الأكثر تضرراً من القهر، ولكن هل ذلك يجعل الثورة فعلاً مداناً من هؤلاء الذين يتشاركون ذات الهوية التي يحملها النظام المستبد؟! علينا إذن أن نراجع معنى إيماننا بحق الشعوب في تقرير مصيرها.

بدلاً من إباحة الثورة لشعب وتحريمه على أخر ذلك علينا إن ندرس بعمق العلاقات الداخلية التي أدت لانتفاضة الشعبين وأسباب الطائفية وكيفية نزع الوجه الطائفي واستبداله بتأييد الفئات الاجتماعية والطبقات ذات المصلحة في رحيل الاستبداد، هذا هو ما ينقص الثورتان للانتصار على القهر والظلم غير أن القوى السياسية التقليدية في كلا البلدين لم تصل إلى هذا الحد من التقدم بالإضافة إلى أنه وبرغم طول فترة الانتفاضة ودمويتها مازالت هذه القوى تلعب على التوازنات المحافظة التي لا تبغي سوى هامش من الحرية للمشاركة في السلطة دون تغييرها جذرياً.

إيران … السعودية وصراعات الهيمنة

في مواجهة الثورتان تحكم مصالح الدولتان المتصارعتان للهيمنة على تمثيل المسلمين كملعب مفتوح، والدفع بمشروعهم للحكم في البلدان الثائرة لكسب أرض يستطيعون من خلالها بسط نفوذ اكبر إقليميا وعالمياً، رفعت الدولتان المتصارعتان على النفوذ شعار “من حق الشعوب إسقاط استبداد الخصوم وليس من حقها إسقاط الحلفاء”، ظهرت في الحالتين سياسة الكيل بمكيالين وإعطاء الحق في الثورة في الإطار الذي يخدم هيمنة كل منهما فنجد السعودية تدك ميدان اللؤلؤة في ذات الوقت الذي تعلن استعدادها لدعم المنشقين في الجيش السوري الذي بات يعرف بالجيش السوري الحر، على الطرف الآخر تستميت إيران لدعم حليفها الأسد ضد ثورة شعبية في الوقت الذي تعلن مساندتها لاختيار البحرينيين، ظلال نزاعات الدولتين ومن خلفهما صراع المصالح الامبريالية للدول الكبرى تحاول خنق الثورتان في تجاهل تام إن الدماء المسفوكة هي ضريبة ارتضتها الشعوب لتحرير إرادتها وإن الشعوب المحررة الإرادة هي أقوى حين تصنع مشروعها الخاص وتدافع عنه منها حين تكون تحت نيران الاستبداد مقاومة الشعوب دائماً تنتصر وإرادتها الحرة هي الطريق للانتصار على حسابات الهيمنة.

تناقض موقف الدولتان ليس غريباً بالمرة ولا غريب هو موقف القوى التقليدية في المنطقة حيث نرى أولئك القوميين ومدعي اليسارية يحرمون على الشعب السوري الثورة ضد ما يشيعون انه نظاماً مقاوماً، على العكس نرى ان انتصار السوريين لاسترداد أرضيهم ومساندة المقاومة الفلسطينية مرتبط بلا شك بتحررهم من نظام احتكر الحديث عن المقاومة ووجه مدافعه صوب شعبه بدلاً من توجيهها تجاه الاحتلال في الجولان، وما يلوكونه عن مساندته لحزب الله ليس إلا جزء من علاقته التاريخية التي بدأت مع النظام الإيراني في مواجهة البعث العراقي في ثمانينات القرن الماضي وليس حباً في المقاومة التي تشهد على قمعها سجون الأسد الأب والابن، إن مساندة الشعوب لتحقيق استقلالها هو الطريق لمساندة المقاومة وليس الوقوف مع قامعيها.

أما فيما يخص الثورة البحرينية فإن التعتيم الذي خيم عليها و تصوير الأمر على إنها محاولة لتشييع الحكم في البحرين وتجاهل التضحيات التي قدمها البحرينيين لا لشيء إلا لتحقيق العدالة والتحرر لكل الشعب البحريني ما هو إلا أمر مثير للتقزز حيث يضع هوية الشعوب الدينية كمانع لتحررها، من الواضح إن أبواق الإعلام في العالم العربي التي استخدمت الحشد الطائفي لسنين وأصبح مجرد كون المواطن العربي شيعي تهمة تستوجب ليس فقط المحاكمة وانما الدك بالمدرعات في ميدان عام.

حمل السلاح ضدّ القمع ام نضال سلمي للنهاية

من أكثر الاتهامات حقارة التي توجه للثورة السورية والبراهين القذرة التي يسوقها لنا مؤيدين السفاح بشار الأسد على إن ثورة سورية هي ثورة ضد المقاومة ومدعومة من أعداء المقاومة وما إلى ذلك من حنجرية جوفاء إنها تحاول التسلح، “الله اكبر .. ظهر الحق”، هل هذا اتهام يمكن توجيهه لشعب يموت؟! وخذلته الثورات السابقة في المنطقة التي لم تحسم مصيرها بشكل كامل حتى اللحظة، يا لها من قذارة تلك التي ملأ بها القومين وأشباه اليساريين عقولكم كيف لشعب يموت إلا أن يختار الدفاع عن بقاءه وثورته. الاتهام الآخر إنها تضم إسلاميين ورجال دولة ذوي ولاء سعودي كثر بين صفوفها، وكأن الثورات تبدأ نقية وكأننا نسينا من كان معنا في الميدان إن الفرز الثوري عملية مستمرة، ومرتبطة بتحقيق انتصارات للثوار على الأرض وليس فقط نتيجة تحليل سياسي مهما كانت عظمته.

على الطرف الآخر من الجزء الأسيوي لعالمنا العربي استمر الشعب البحريني في نضاله السلمي من آن إلى آخر حيث لم يصبح قادراً بعد على مقاومة جيش آل سعود الداعم للنظام البحريني بالإضافة إلى عدم كسبه لتعاطف كبير من ثوار الربيع العربي الذين لا يرى اغلبهم إلا شيعية الثوار البحرينيين.

التراجيدية المعقدة للمشهدين تجعل الثوار العرب المساندين لكل ثورة ضد الأخرى وكأن تأييدهما معاً أثم، فيما عدا التيار الاشتراكي الثوري والديمقراطيين ذوي النزعة الحقوقية فإن دعم كلا الثورتين معاً بات كالفاكهة المحرمة على القوى السياسية، ونرى إن تجذر مطالب الثورتين بحيث تكسب طبقات وطوائف اجتماعية أكثر في صفوفها هو الحل لتحقيق تغيير جذري في ميزان القوى الثورية على الأرض، بحيث يتحقق في كلا الثورتين شعار الثورة لكل الشعب. ومن المهم لتحقيق ذلك ليس فقط سعي القوى الداخلية للثورة لتحقيق الشعار وإنما دعم القوى الأكثر تقدمية وثورية من الخارج لمواجهة الدعم الآتي في سبيل تحقيق الهيمنة هنا وهناك.

ندى ابراهيم

Advertisements

مناقشة

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

حمل العدد الأخير من نشرة الثوري

آخر اصداراتنا

أنت الزائر رقم

  • 69,389

%d مدونون معجبون بهذه: