مواقفنا السياسية, خطنا السياسي

الجنرال .. النظام .. الثورة


مخاض ملئ بالتوتر والتوقعات ذلك الذي أعلن فيه  فوز المهندس محمد مرسي، مرشح الإخوان، رئيساً للجمهورية، لقد أظهر الفارق بين نتيجة انتخابات البرلمان والجولة الأولى من انتخابات الرئاسة، تراجع شعبية الإخوان بقوة، فاقترب منه بقوة أحمد شفيق، مرشح فلول النظام المدعوم من الدولة والمعروف بفساده، ورغم أن حمدين، وهو مرشح ناصري معتدل يمثل بعض تطلعات الثورة، كان مزاحماً قوياً على مقعد الرئاسة ضد الاثنين معاً، الفلول والإخوان، إلا أنه خرج من السباق في الجولة الأولى وبعد أن حصد قرابة ثلث أصوات الثلاثة الأوائل. أصوات مرسي مكنته أن يكون الأول في السباق، فقد تفتت أمامه أصوات اطياف المعارضة الثورية التي لو اجتمعت وراء أحدهم لكان فاز من الجولة الأولى.

بانتهاء التصويت في الجولة الثانية، وقبل إعلان النتيجة، بدأ الإخوان حملة دعائية مصحوبة بحشود هائلة في الشوارع، أعلنت الحملة فوز مرسي وحذرت من إعلن فوز شفيق مرشح الفلول، احتشد في مواجهة شفيق أغلب المعارضين والمزاج السياسي، وبدا كأن هناك حرب وشيكة لو أُعلن نجاح شفيق، أنصار شفيق تنوعوا بين فلول وقطاعات شعبية جمع بينها الخوف من حكم الإخوان. إلا أن الإخوان المستميتين على المقعد سارعوا بتقديم أنفسهم مرة بعد أخرى إلى قطاعات النظام والإدارة الأمريكية في صورة الخادم التابع بدلاً من البدوي الثائر. بالنسبة لقطاعات النظام تعهدوا بحماية مصالحهم وعدم المساس بهم أو بثرواتهم وأكثر من ذلك اشراكهم في الحكم، ومع الإدارة الأمريكية أعلنوا التزامهم بالسلام مع اسرائيل والتعاون مع البيت الأبيض واتباع ذات السياسات الاقتصادية الخاصة بالنظام المخلوع، ذلك يعني تحقيق ذات الأهداف مع تجنب التوتر الذي يمكن أن يسببه إعلان فوز شفيق، ضغطت الإدارة الأمريكية على المجلس العسكري، وضغط الأخير بدوره على اللجنة المسئولة عن الانتخابات التي أخرت إعلان النتيجة أكثر من مرة.

في النهاية أعلن مرسي رئيساً، ليتراجع في خطاباته الأولى كرئيس عن كل ما وعد به في برنامجه، فلا محاكمات جديدة للفلول أو رموز النظام، ولا نبرة عداء مع المجلس العسكري، وحلت رطانة “التسامح” الرتيبة محل جهورية خطابات الثأر المدوية.

الصراع المكتوم وتأزيم سلطة الإخوان

رغم فوز مرسي وخطابه التسامحي الذليل، ظلت الهيمنة الفعلية لمدة 40 يوم بعد نجاحه في يد المجلس االعسكري، لم تكن ضغوط الأمريكان لتمنع الخوف التقليدي من الإخوان لدى قادة المجلس العسكري، تعامل طنطاوي مع مرسي على أنه مؤقت وسرعان ما سيزول شأن كل المؤسسات والحكومات التي أتت بها الثورة. وبدأ التمهيد لإزاحته بعدم تعاون أجهزة الدولة مع حكمه، لقد وعد مرسي الجماهير فور فوزه بأن يرفع القمامة من الطرقات وينهي أزمة الاختناق المروري، رغم تفاهة تلك الوعود، مقارنة بأهداف ثورة، أو حتى حكومة إصلاحية، إلا أن النتيجة كانت صادمة، تكدست أقوام القمامة بشكل غير مسبوق في جميع أنحاء الجمهورية، اختفى تماماً عمال النظافة ومرفقهم، وزاد الطين بلة أزمة جديدة في الكهرباء، ولم تحدث أي حلول لأزمة المرور، كان مرسي يبحث عن انجاز يدعم به سلطته، إلا أن الأجهزة أغرقت حكمه في أكوام القمامة.

ظهر إذاً مأزقاً حقيقياً أمام نظام مرسي، وفي أبسط الأمور، فلم نقترب بعد قيد انملة من مشكلات ومطالب الجماهير اقتصادياً واجتماعياً، ومن ثم احتاج المسرح السياسي إلى ترتيب جديد، فالأمريكان والكيان الصهيوني أرادوا الإخوان حليفاً وحاكماً يضمن لهم مصالحهم، إذ يستند مرسي إلى تنظيم هو الأكبر والأقوى بين الأحزاب في مصر، ويملك هامش عريض من المناورة السياسية ليس متاحاً لغيره من المستعدين للتعاون، فضلاً عن أهمية اطفاء نيران الثورة التي مازالت ألسنتها تندلع من تحت أكوام الرماد.

هكذا تم تجهيز المسرح في لقطات سريعة، ولكن هامة، للتطور التالي، للتخلص من الجنرال.

أولاً وفي التشكيل الوزاري الأول للحكومة، اختار مرسي طنطاوي وزيراً للدفاع، هكذا قدم دليلاً للمؤسسة العسكرية الحاكمة أنه سيحافظ على امتيازاتها ولن يمس أحداً بمحاكمة أو غيره، ثم في أقل من أسبوع تتالت باقي اللقطات، في حادث لا يمكن أن يتم دون اتفاق وترتيب بين ثلاثة أطراف على الأقل، الإدارة الأمريكية، الكيان الصهيوني، المخابرات المصرية، أغتيل جنود مصريين وقت إفطارهم في نقطة حدودية وألصقت التهمة بالجهاديين في سيناء.

أعطت هذ العملية مكاسب متعددة لكل أطراف اللعبة، في مصر وضعت الإدارة العسكرية في حرج وأشعلت غضب الجماهير، في اسرائيل كانت تعني ضرب الجيوب الجهادية المعادية والمسلحة على حدودها، ولدى الأمريكان سوف تحقق قدراً من المكاسب للحليف الأساسي (الكيان الصهيوني)، والأهم سوف تسهل مهمة الحليف الإخواني في التخلص من معوقات طنطاوي وعنان، ولن يتطلب الأمر اجراءات عنيفة، اعتقال أو محاكمة، سيكون الخروج مشرفاً ودون مساس، بقاء المجلس وامتيازاته ولكن مع استيعاب درس ضرورة التفاهم مع الإخوان.

هل يعني هذا نهاية الحكم العسكري في مصر؟؟

الإجابة هي نعم ولا في وقت واحد. فرغم أن الإخوان هم احتياطي سياسي وشعبي تلجأ إليه الرأسمالية المصرية عند الأزمات التي تهدد وجودها، شأنها شأن الحل الفاشي الاضطراري في الدول الأوربية، إلا أنها تظل ضرورة لا أكثر، ويظل صراعاً أو عداءاً تحت السطح تحركه الظروف التالية، فقد يتمكن الإخوان من حماية سلطتهم بمزيد من التحالفات والتنازلات مع أجنحة الرأسمالية والعسكريين، وقد يرغبون في هيمنة واحتكار السلطة والثروة معاً بغرض فرض قيود على الآخرين، وفي الخلفية يظل قطبان هامان؛ الامبريالية من جهة، والجماهير الشعبية من جهة أخرى، كليهما سيضغط على الإخوان بشدة بمطالبه، من أعلى ومن أسفل. وإن كانت الامبريالية الأمريكية مستعدة لدعم حليفها الجديد ومساندته، إلا أن الجماهير المصرية ليس لديها ما تقدمه بعد التصويت، وتنتظر النتيجة؛ اصلاحات عميقة، فواتير الاستغلال الكثيف والافقار الواسع، ملايين العاطلين والمشردين الذين ملئوا الشوارع في يناير وما تلاه، فضلاً عن العاملين الفقراء وسكان الأحياء الشعبية، كل هؤلاء قابعون في الخلفية في حالة انتظار حذر وتربص، ولا يوجد حتى الآن ما يقنعهم بعدم العودة إلى المتاريس. الشهور القليلة القادمة ستبين إذا كان لدى الإخوان ومرسي ما يقدمونه لهم غير المواعظ والاستفزازات، أو تنفجر الجماهير مجدداً ضدهم.

الممثل الجديد للرأسمالية المصرية لن يجد أمامه لمواجهة تصاعد الاحتجاجات والمطالب سوى التشريعات الرجعية وهراوة الأمن، فالرأسماليين المصريين المنهكين من فترة الانتفاضات والاحتجاجات غير مستعدين للخصم من أرباحهم لصالح العمال والضرائب، ولن يجبرهم مرسي – الذي يمثلهم – حتى لا يعبئهم ضده أو يغضب البيت الأبيض باجراءات اصلاحية عميقة. ومن ثم يظل باب الغضب الجماهيري مفتوحاً كالجحيم أمام حكمه.

ورغم الضغط الأمريكي على العسكريين إلا أن قطاعات منهم ستظل متحفزة لتأزيم الحكم الإخواني بصورة أو بأخرى. حتى الكيان الصهيوني سيضغط على الإدارة الأمريكية للاتيان بحليف غير الإخوان، الذين تظل العلاقة بينهم وبينه محل ريبة وحذر مهما قدموا من تنازلات.

إن القشرة الخارجية للدولة صارت مدنية/ إخوانية، إلا أن العمق يظل مسكوناً بالإدارة العسكرية لأغلب المرافق والبنوك والمحافظات والمحليات، فضلاً عن الدور السياسي العسكري الذي توارى ولكن يظل بكامل حضوره وإن بتنسيق وقدر من التعاون مع الإخوان، كل ذلك حتى اشعار آخر.

إن اليسار الثوري يقف موقف الرافض لحكم الإخوان بوصفهم ممثلو الرأسمالية والاستغلال، والحليف الجديد للإمبريالية والصهيونية، ولا يرى في إقالة طنطاوي وعنان وبعض اللواءات سوى ترتيب جديد اتفاقي لأوضاع الحكم مرعياً من الإدارة الأمريكية، وليس إطاحة بحكم العسكر أو امتيازاتهم اللصوصية، نحن ندين كل من مهد الطريق لمرسي من قوى المعارضة وساعد في تضليل الجماهير حول سلطة الإخوان، كان عميل سياسي (بوعي أو بدون وعي) للإخوان في صفوفنا أو صفوف الجماهير. وندعوهم لمراجعة مواقفهم والرجوع إلى صفوف الثورة أو البقاء إلى الأبد في صف أعدائها.

وندعو الجماهير الشعبية إلى تنظيم صفوفها، في روابط أو لجان شعبية أو نقابات أو تنظيمات سياسية، استعداداً للجولة القادمة ضد حكم الرأسمالية المصري الممثل في ورقتها الأخيرة، الإخوان، والقيادة العسكرية الفاسدة.

ندعو كل الوطنين إلى مواجهة الإخوان حلفاء أو عملاء الإمبريالية والصهيونية،

ندعو الشعب لمواجهة الإخوان ممثلو الاستغلال الرأسمالي،

ندعو الديموقراطيين والليبراليين لمواجهة الإخوان أعداء الحريات،

ندعو الفقراء المتدينين بين صفوف السلفيين، وقد اكتشفوا تلاعب شيوخهم الأثرياء بهم، وغدر الإخوان وإلتفافهم على الثورة، والسكوت على التحالف مع الصهاينة، أن يفيقوا من غفوتهما وينضموا إلى صفوف الثورة وأهدافها الاجتماعية والسياسية، فالعدالة هي موقف ضد الاستغلال والظلم وليست نصوص ومواعظ.

إن انتفاضة جديدة تلوح في الأفق، وسيدفع إليها سياسات الإخوان وخيانة مطالب الجماهير، وموقعنا فيها هو بين صفوف القوى الشعبية تحديداً – العمال والعاطلين والفقراء – ضد الرأسمالية وضد ممثلها الجديد.

تسقط الرأسمالية،

يسقط الإخوان وحلفائهم،

يسقط مشايخ الثروة وفقهاء العمالة لاسرائيل،

ولنتجهز ونستعد.

 اليسار الثوري
أغسطس 2012

Advertisements

مناقشة

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

حمل العدد الأخير من نشرة الثوري

آخر اصداراتنا

أنت الزائر رقم

  • 75٬512

Advertisements
%d مدونون معجبون بهذه: