مقالاتنا, عمال وفلاحين

سياسات الخصخصة والليبرالية الجديدة في مصر .. القاهرة للزيوت والصابون نموذجاً


اعتصام عمال القاهرة للزيوت والصابونفي الوقت الذي يثار فيه الجدل حول قرض البنك الدولي لمصر والشروط الغير معلنة بعد لهذا القرض، وفي الوقت الذي لم تقدم جماعة الإخوان المسلمين وحزبها الحاكم “الحرية والعدالة” تبريراً مقنعاً لتغير موقفهم إزاء القرض في خلال أقل من خمسة أشهر من الرفض التام إلى القبول والترحيب بل والمطالبة بزيادة قيمة القرض، وفي الوقت الذي تجاهل الرئيس المنتخب محمد مرسي كل وعوده بخصوص المائة يوم الأولى وكل نضالات عمال مصر المتصلة من قبل الثورة بسنوات وحتى انتخابه من أجل حقوقهم المشروعة في مواجهة استغلال وظلم الرأسمالية، في نفس هذا الوقت تبدأ موجة جديدة من الاحتجاجات والنضالات العمالية هي في جوهرها ضد السياسات الرأسمالية أو ما يسمى تحديداً بـ”الليبرالية الجديدة”، وهي ما تبناها الحزب الوطني المنحل وما يتبناها بنفس الحماس حزب “الحرية والعدالة” تحت رعاية وتوجيه الولايات المتحدة الأمريكية وذراعيها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي.

ففي بداية التسعينات كانت شروط صندوق النقد الدولي والتي خضع لها نظام مبارك من أجل القروض، هي تحرير الأسواق وبدء برامج الخصخصة لكل الشركات المملوكة للدولة، وصولاً إلى كل المرافق والخدمات، ووضع قوانين تشجع الاستثمار الخاص (أو بمعني آخر تمنح الشرعية لاستغلال الرأسمالي للعمال وتجرد العمال من قدرتهم على المواجهة)، وبالفعل بدء نظام مبارك في تطبيق هذه السياسات التي عرفت باسم “سياسات التكيف الهيكلي”، فكانت النتيجة هي إنهيار في قيمة الجنيه، وغلاء الأسعار، وخطة خصخصة فككت معظم الأصول المملوكة للشعب وباعتها تدريجياً لقلة من أصحاب المصالح والعلاقات بدوائر النظام، ويشيد صندوق النقد الدولي والحكومات المتتابعة بالنمو الاقتصادي في مصر، دون كلمة واحدة عن من استحوذ على كل عوائد هذا النمو، وعن تدهور الحالة الاقتصادية لغالبية المصريين من عمال وفلاحيين وصغار موظفين، بل وحتى أصحاب المشروعات الصغيرة.

ولعل الاقتراب بمزيد من التفاصيل إلى قصة إحدى الشركات التي عبرت جحيم الخصخصة يمكن ان يكون كاشفاً لبعض التفاصيل.

شركة القاهرة للزيوت والصابون .. من القطاع العام إلى لجنة السياسات

يمكن اعتبار شركة القاهرة للزيوت والصابون نموذجاً مكتملاً لما يمكن أن تؤدي إليه سياسات الخصخصة وانحياز الدولة لرجال الأعمال.

تأسست الشركة في عام 1963 كشركة مملوكة للدولة ومصنّعة لزيت الطعام والسمن والصابون والعلف الحيواني، وكانت الشركة مكونة من 4 مصانع رئيسية (القناطر، غمرة، البدرشين، العياط) بالاضافة إلى المقرات الإدارية في وسط البلد. كانت الشركة من الشركات الرائدة في الشرق الأوسط في هذه الصناعة، فكان منتجاتها لا تكتفي بتلبية احتياج السوق المحلي بل امتدت بالتصدير إلى كثير من دول المنطقة تركيا وسوريا والأردن وعديد من الدول الأفريقية. ومع بداية ظهور القطاع الخاص في الصناعة، كانت العديد من شركات القطاع الخاص لا تمتلك مصنعاً خاصاً بها، وتقوم بتصنيع منتجاتها في مصانع شركة القاهرة للزيوت والصابون.

مع بداية الاتجاه نحو الخصخصة في الثمانينات، ظهرت الشركات القابضة، وهي شركات وسيطة تم انشائها ونقلت إليها تبعية شركات القطاع العام لتكون خطوة لتسهيل خصخصة هذه الشركات، فتأسست بقرار من رئيس مجلس الوزراء هيئة القطاع العام للصناعات الغذائية بموجب القانون 97 لسنة 1983 ونقل إليها تبعية كل شركات القطاع العام في مجال الصناعات الغذائية (ومنها شركة القاهرة للزيوت والصابون)، ثم تحولت بإسم الشركة القابضة للصناعات الغذائية بموجب القانون 203 لسنة 1991 ورأسمالها مملوكاً للدولة مع امتلاك العمال لنسبة 10 % من الأسهم، ويتم إدراج الشركات في البورصة في 2001 ليبدأ بعدها سيناريو الخصخصة. وفي 2005 اشترى رجل الأعمال وعضو لجنة السياسات بالحزب الوطني محمد أيمن كمال الدين قره نسبة الدولة في الشركة بـ 56 مليون جنيه، دفع منها نقداً 30 مليون وقام بتقسيط الباقي.

أيمن قرة .. سياسة التفكيك والبيع قطعة قطعة

غير معلوم تحديداً من كان يدعم أيمن قرة ويقف وراء صعوده واستحواذه على شركة القاهرة للزيوت والصابون بهذه السهولة، فالمستثمر بدأ نشاطه منذ عام 97 بشركة كونسوقرة للتوكيلات التجارية والاستشارات الهندسية (وهو المجال البعيد كل البعد عن الصناعات الغذائية)، ثم يصبح عضواً باحزب الوطني المنحل وعضواً بلجنة الحزب الزراعية، ثم عضواً بلجنة السياسات، وبعد استحواذه على شركة القاهرة للزيوت والصابون أصبح رئيس شعبة صناع الزيوت بغرفة الصناعات الغذائية باتحاد الصناعات المصرية.

استحوذ المستثمر على حوالي 90 % من اسهم الشركة، ليبدأ في سيناريو التفكيك والبيع قطعة قطعة، ففي 2007 أغلق المستثمر مصنع القناطر ونقل معداته إلى مصنع البدرشين، ثم بدء في تقسيم أراضي المصنع وبيعها داخل كردون المباني بالاضافة إلى بعض الأصول الإدارية للشركة، في صفقة عادت عليه بحوالي 200 مليون جنيه، بالاضافة لبناء 30 برجاً سكنياً على باقي المساحة التي لم يتم بيعها. وفي 2010 أجبر قرة العمال على بيع حصتهم من أسهم الشركة مقابل 17 ألف جنيه لكل عامل، مستخدماً في هذا الترغيب والتهديد بالفصل أو تلفيق القضايا، مستعيناً بأحد ممثلي العمال في النقابة العامة يدعى “عادل متولي”. وفي بداية 2012 تغير إدارة مصنع الصابون تركيبة الصابون، ليصبح المنتج غير مقبولاً في الأسواق، ويبدأ سيناريو تفكيك المصنع بإعلان الخسارة المستمرة ومحاولة البدء في تقطيع وتفكيك المعدات، تمهيداً لمصير مشابه لمصير مصنع القناطر.

وبرغم إدعاءات الخسارة المستمرة يرفع المستثمر بمناسبة وبدون مناسبة شعار التطوير، فيعلن عن افتتاح المصنع “الجديد” بـالبدرشين، ويعلن عن التطوير المستمر للمنتج، ويكتب الموقع الاليكتروني للشركة “إنّ عملية التحول الجارية في شركة القاهرة للزيوت والصابون وإدارة كونسو قرة   هى مثال حي  على أن الإدارة الناجحة بإمكانها تحسين الأداء بالفعل، وتحسين الوضع المالي للشركة وطرح علامات تجارية تنافسية جديدة في الأسواق”.

مع بداية الثورة اختفى أيمن قرة تماماً واختفت تصريحاته الصحفية التي كان يطلقها في السابق باعتباره عضو الحزب او رئيس شعبة صناع الزيوت، ليظهر من جديد في أخبار اليوم يوم 21 أغسطس معلناً رفضه للتظاهر ضد الإخوان ومبدياً ثقته في حكومة هشام قنديل، في تصريح له دلالة واضحة عن طبيعة شبكة العلاقات والمصالح الجديدة التي يتم بنائها الآن.

عمال القاهرة للزيوت والصابون .. نحو بناء الوعي الطبقي

منذ انتقال ملكية الشركة للمستثمر، وبدأ يتشكل لدى عمال الشركة تدريجياً وعي مختلف، فمشاكلهم لم تعد في مواحهة فساد إداري يمكن مواجهته أو حتى احتماله ما دامت العملية مستمرة، لكنهم يواجهون فساداً جديداً، لا يهتم سوى بتحصيل الربح، ويتخذ ستاراً قانونياً يحميه من خلال ملكية المستثمر.

ويروي عمال مصنع غمرة مأساتهم عن حقوق يتم انتزاعها منهم وحرمانهم منها تحت ادعاء خسارة الشركة، فالمستثمر تسلم الشركة في 2005 وللعمال أرباح 17 شهر متاخرة، وطبقاً لمعلوماتهم فإن المستثمر تسلم هذه الأرباح من الشركة الابضة، ولم يحصل العمال منها على مليم واحد، بخلاف أنه منذ ان تسلم الشركة لم يتم صرف نصيب العمال من الأرباح.

أيضاً يروي العمال عن الإهدار المالي المتعمد والفساد في شراء المعدات والتجهيزات لتضخيم الخسارة المتعمدة للشركة، وتغيير تركيبة الصابون، الذي أصبح مرفوضاً في السوق ويتم ارتجاعه للمصنع، ليتم تسييحه وإعاده انتاجه من جديد في دائرة مفرغة لا تقدم اننتاجاً حقيقياً، برغم استمرار المستثمر في صرف حصته من الكيماويات من وزارة الصناعة.

يروي العمال عن الشركة التي تم بيعها “برخص التراب”، ليعود المستثمر ما دفعه أضعافاً من بيع مصنع القناطر، ومن المواد الخام التي كانت في الصهاريج بمصنع غمرة وظلت السيارات النقل تنقلها لخارج المصنع لمدة عام تقريباً حتى تم تفريغ الصهاريج.

كل هذا وغيره بدأ يشكل الوعي الجديد لدى عمال مصنع غمرة، بأن الصراع حتمي بينهم وبين المستثمر للحفاظ على مصنعهم، خاصة بعد ان حاولت الإدارة البدء في تفكيك جزء من المعدات بالمصنع تحت دعوى التطوير. ليبدأ العمال اعتصامهم مع نهاية شهر يوليو، من أجل حقوقهم الأساسية التي يتم إهدارها سواء مستحقاتهم المالية، أو تثبيت العمالة المؤقتة أو تحسين المنتج.

وبرغم ان عمال مصنع غمرة لم يشاركوا بفاعلية في الاضراب السابق لعمال باقي فروع الشركة في 2007 ضد إغلاق مصنع القناطر وبيعه، إلا أنهم هذه المرة مستمرون في اعتصامهم بالمصنع حتى في أيام العيد معلنين أنهم لن يتراجعوا عن النضال من اجل حقوقهم، وليبدؤوا الطريق لإنشاء نقابتهم المستقلة لتكون أداتهم الرئيسية في مواجهة رأس المال.

يضع عمال مصنع غمرة على رأس مطالبهم، عودة زميلهم في مصنع البدرشين والذي تم إيقافه عن العمل بسبب تضامنه مع إضرابهم، كما أعلنوا استعدادهم للتضامن مع أي اضراب عمالي في الفترة التالية، ويجهزون حالياً لعقد مؤتمر سياسي وعمالي بمصنعهم عن سياسات الاستثمار وحقوق العمال. هذه كلها علامات على وعي جديد بطبيعة الصراع ولد من قلب الاضراب.

القاهرة للزيوت والصابون .. بين العودة للقطاع العام والإدارة الذاتية

في نهاية شهر سبتمبر، ينتظر عمال شركة القاهرة مصير شركتهم أما القضاء، في قضية استعادة الشركة ضمن مجموعة أخرى من الشركات التي تم خصخصتها إلى القطاع العام، ورغم هذا الانتظار إلا ان العمال بدأت تظهر بينهم فكرة الإدارة الذاتية للمصنع لصالح العمال، خاصة بعد ان نظموا عرضاً سينمائياً لقيلم يروى تجربة عمال الأرجنتين في استعادة مصانعهم بعد الانهيار الاقتصادي في 2001.

يبقى التساؤل المطروح على عمال الشركة، والذي يستطيعون هم فقط الاجابة عنه، هل ستحقق عودة الشركة إلى القطاع العام، واستعادة الإدارة البيروقراطية من أعلى مطالبهم وتحمي حقوقهم، أم أنهم سيفكرون في طرح تجربة بديلة لإدارة مصنعهم بأنفسهم من خلال مجلس إدارة منتخب منهم، لتكون هذه التجربة رغم الصعوبات التي ستواجهها خطوة ملهمة للطبقة العاملة كلها لبناء المجتمع الجديد الذي نسعى له.

سامح السعدي

Advertisements

مناقشة

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

حمل العدد الأخير من نشرة الثوري

آخر اصداراتنا

أنت الزائر رقم

  • 74٬551

Advertisements
%d مدونون معجبون بهذه: