مقالاتنا, النظرية الماركسية, تعرف على الماركسية الثورية

توحش الرأسمالية وضرورة الاشتراكية


هل تحتاج البشرية فعلاً للاشتراكية، ألا يمكن أن تستمر الحياة وتزدهر في ظل الرأسمالية، أليست الرأسمالية هي التي خلقت كل أسباب الرخاء، الانتاج الضخم، التكنولوجيا المتطورة، المدن الحديثة، وسائل الانتقال والاتصال المدهشة؟ أليست الرأسمالية تساوي الحرية والديمقراطية، حيث في إمكان أي شخص صاحب مواهب أو كفاءات أن يجد فرص أفضل من غيره وأن يثري ويحسن أحواله ويدخل عالم الرأسماليين البهيج؟ لماذا إذن نحتاج إلى الاشتراكية وهي تعني الفقر، وعدم وجود فرص للأفراد، وغياب الحرية، ثم ألم نجرب الاشتراكية وقد فشلت في أن تعطي السعادة والرخاء أو حتى المساواة؟ إن كان في الرأسمالية بعض العيوب يمكن إذن إصلاحها دون أن نضطر إلى تطبيق الاشتراكية.

هذا الخطاب الشائع على ألسنة الكثيرين يرى في الرأسمالية فردوس التاريخ، والاشتراكية هي الجحيم، أو – على الأقل – ليست ضرورة إن لم تكن سيئة، لكن المقدمات السابقة كلها خاطئة، وتصل أيضاً إلى استنتاجات خاطئة.

الرأسمالية أصبحت هي جحيم الجنس البشري ورعبه الأكبر – الذري والنووي وغير ذلك – ولم يخلق الرأسماليون أي شئ ولا يفعلون أي شئ سوى استثمار عمل غيرهم، والواقع أن الرأسمالية تخنق المواهب لدى أمم بأكملها، وتقتل – ليس فقط المواهب والكفاءات بل أيضاً – الحياة والصحة والأمل والتفكير في الطبقات الاجتماعية الفقيرة على امتداد خريطة العالم.

المدن الحديث يسكنها أصحاب الامتيازات والدخول الكبيرة من الرأسماليين، وأغلب سكان العالم يعيشون في بيوت متواضعة أو أكواخ أو عشش صفيح أحياناً ويشعرون بالرعب لمجرد مرورهم في شوراع رئيسية في المدن الرأسمالية، كلنا شاهدنا أين يعيش أغلب مواطنو أفغانستان التي تقوم على أكبر احتياطي نفط في العالم، كلنا نعرف أين يعيش الملايين من الفلاحين المصريين الفقراء، في بيوت مبنية من الطين والقش ويغطيها سعف النخيل ومثلها في ذلك مثل أغلب دول دول القارتين الأفريقية والآسيوية.

وأيضاً نتسائل عن ما هي الفرص المتاحة لعشرات الملايين من الشبات والشابات الذين لا يجدون فرصة عمل ولو في مقهى أو محطة بنزين، السرقة، أم الدعارة، أم الجنون والضياع؟ من المستفيد الرئيسي من التكنولوجيا المتطورة، ومن هو الصانع الحقيقي لها؟

المستفيد هو الجيوش والحكومات والصناعات العسكرية وأجهزة الأمن والقوات الخاصة، ثم يليها الشركات العملاقة والبنوك والأجهزة الحكومية، بعد ذلك يأتي أصحاب الأموال والرأسماليين وتظهر أجيال حديثة غيرها، يأتي دور فئات محدودة من أصحاب الدخول المتوسطة والأقل من المتوسطة.

أما الملايين والملايين من المعدمين أو محدودي الدخل سيكونوا سعداء الحظ إن لم يقترضوا لتلبية الحاجات الضرورية من أكل وسكن وملابس، لا أكثر. بينما الصانع الحقيقي لتلك التكنولوجيا ليست عبقرية أو ذكاء أو جهد أصحاب الشركات وسادة البنوك والاستثمارات، فلا فرق بالنسبة لهم بين الكمبيوتر والكوكاكولا إلا في معدل الربح في كل منهم، ولكنه جهد الفنيين والعمال وغيرهم، من أول عمال استخراج المعادن وتجهيزها، وصناعة القواعد البلاستيكية وخطوط انتاج الدوائر والمعدات، حتى آخر عامل نقل، مروراً بالقطاع الفني المذكور. كل هؤلاء المبدعين والعاملين يضطرون لبيع ناتج عملهم برمته لصاحب رأس المال، صاحب المنجم، صاحب الشركة، فقط كي يعيشوا ويأكلوا وربما ليحصلوا أيضاً على بعض السلع البسيطة، وينعم هذا المالك – الذي لا يعمل أي شئ – بكل شئ، العوائد والأرباح والمباني الشاهقة واليخوت .. إلى آخره.

إن مستقبل آلاف الملايين من البشر (طلاب – عمال – فلاحين – فئات فقيرة … وغيرهم) تغامر به الرأسمالية وتضعه على حافة الكارثة، ليس فقط، بل إن كل صور الحياة مهددة ربما بالفناء، إذا ظل النظام الرأسمالي مهيمناً، فالرأسماليون في كل الدول لا يعرفون سوى إله واحد وديانة واحدة، الربح، ثم الربح، ثم المزيد والمزيد من الربح.

وليس مهماً بالنسبة إليهم، كيف، ومن أين، وعلى حساب من يحصلون على الأرباح ويضخمون الثروات، فإن أتت ثروات تجار الماس واللآلئ الأوروبيين على حساب إفقار قارة بأكملها، هي قارة أفريقيا، وتدهور حياة أبنائها، فلا مشكلة، فقد أتى العمل المأجور الرخيص من قبل باختطاف الأفارقة الفقراء وبيعهم كالعبيد لأصحاب المصانع والمزارع في اوروبا، وإن أتت ثروة تجار السلاح على حساب حصد أرواح آلاف أو ملايين من البشر البسطاء، لا مشكلة، فالمهم هو بيع السلاح وتحقيق الأرباح. وإن كانت زيادة سعر الدواء أو الغذاء أو غيرهم سيؤدي ربما إلى موت أو تدهور حياة الملايين من غير القادرين، لا مشكلة ولن يكترث الرأسماليين أبداً بهؤلاء طالما سيحقق ذلك المزيد والمزيد من ثرواتهم.

إن بعض أهم مظاهر السياسات الكارثية في النظم الرأسمالية هي ما سنتعرض إليه في الجزء التالي من هذا المقال وهذه المظاهر ستظل باقية طالما الرأسمالية لازالت باقية، وستتعرى تماماً ورقة توت الحضارة وأقنعة المدنية والديمقراطية عندما نصطدم بحقيقة هذا النظام القبيحة فعلاً والبشعة فعلاً.

الحروب

بسبب تزاحم الدول الرأسمالية الكبيرة على إيجاد أسواق لمنتجاتها ومواد أولية لصناعاتها، وكسر أي منافسة محتملة أو قائمة لاقتصادها ومصالحها، خاضت وفجرت عبر المائة وخمسون عاماً الماضة ما يقرب من مائة حرب على الأقل، بعضها حروب سريعة وأخرى امتدت لسنوات عديدة، وبعضها لم تنخرط فيه أكثر من دولتين وأخرى انخرطت فيها عشرات الدول، بعضها راح ضحيته بضعة آلاف وأخرى راح ضحيتها عشرات الملايين دفعة واحدة وكلما تطورت الرأسمالية تطورت معها قدرتها على ارتكاب الجرائم والمذابح وأدوات الإبادة.

إن الدول الرأسمالية في حالة سعار دائم لتطوير جيوشها وأسلحتها حتى تفرض إرادتها ومصالحها على أسواق ودول أخرى، وهذا يعني سباق تسلح محموم تجني منه شركات السلاح أرباح بالمليارات، كما يعني وقوف كوكبنا كله على حقل ألغام نووية وذرية وهيدروجينية وميكروبية، جواً وبراً وبحراً يمكن أن ينفجر في أي لحظة، كما أنه يعني أيضاً إهدار – ليس فقط أرواح بالملايين – ولكن أيضاً – ملايين الأطنان من المواد والموارد التي لو أنفقت على تلبية حاجات البشر، بدلاً من أن تنفق على قتلهم، لتحولت الكرة الأرضية إلى فردوس لا يعرف أحد فيه الجوع أو العوز، ناهيك عن باقي صور تدمير الحضارة، المباني، الزرع، المرافق .. إلخ.

لقد حصدت الحرب العالمية الثانية وحدها أرواح أكثر من 80 مليون شخص، دمرت القنابل موسكو وباريس وألمانيا واليابان والعديد من المدن الأخرى، كما حصدت قنبلة واحدة ألقيت على هيروشيما أرواح ما يقرب من 140 ألف شخص، وألقيت مثلها على ناجازاكي لتحصد أرواح ما يقرب من 80 ألف شخص، وكل ذلك لأن الرأسمالية أنجبت الفاشية لتنقذها من أزمتها.

كما أن تكلفة العدوان الذي دام على العراق لأكثر من 12 عام، كانت تكفي تماماً لتعمير قارة أفريقيا بأكملها وتوفير سكن مناسب وفرص تعليم ورعاية صحية وعمل لكل أبناء تلك القارة التي تم نهب ثرواتها واستعباد شعوبها. إن ما يسمى بالعولمة يرتبط ارتباط وثيق بتسويق السلاح والحروب والاستعمار العسكري وزرع القواعد العسكرية في كل مكان في العالم، ويمثل قطاع صناعة السلاح أحد أهم القطاعات الاقتصادية في الدول الرأسمالية، والحروب، كما هي وسيلة للهيمنة وتحقيق الأرباح، هي أيضاً وسيلة لاستهلاك أسلحة وقنابل ومن ثم بيع المزيد والمزيد منها، بالإضافة إلى مقاولات إعادة البناء التي تنفذها الشركات الرأسمالية الأخرى.

الهيمنة

النظام الرأسمالي نظام غير متساوي في تطوره وفي قدرته الاقتصادية، فهناك الدول الامبريالية ذات التصنيع العالي المستوى والأسواق الواسعة، وهناك دول رأسمالية ضعيفة النمو ومحدودة القدرة، إلا أن هذا التفاوت ليس صدفة، فالتقدم والتخلف وجهان لعملة واحدة هي طبيعة النظام الرأسمالي، فقد سعت الرأسمالية في أوروبا منذ قرنين إلى زيادة قدرتها وتوسيع أسواقها على حساب الدول المتأخرة، فتم استعمار أفريقيا وأغلب آسيا وتدمير الهنود والاستيلاء على أرضهم، وكذلك الدول العربية .. وغيرهم.

لقد أعاق الاستعمار نمو تلك الدول ونهب مواردها، ورغم أن الاستعمار العسكري انتهى بسبب نضالات الشعوب المستعمرة، إلا أن وسيلة أخرى ظهرت لفرض هيمنة الدول الأجنبية، هي الديون والعلاقات التجارية، ولم تنعم البشرية كثيراً بأفول شمس الاستعمار القديم، إذ أن الدول الامبريالية عادت إلى اتباع سياسة الاحتلال العسكري الاستعماري، وزرع القواعد العسكرية في أماكن كثيرة من العالم.

إن اضطهاد واستغلال الدول الكبيرة للدول الصغيرة ونهب ثرواتها وإفقارها أو إعاقة تطورها هو سمة جوهرية من سمات الرأسمالية، فالاحتكارات تريد أسواقاً ومواد أولية ولا تريد ظهور منافسين لها، ومن ثم تعمل بكل السبل على إعاقة تطور النظم المتخلفة، وحليفها في ذلك الطبقات الرأسمالية الحاكمة في الدول المتأخرة، حيث تقبل بدور الوكيل أو الشريك الأصغر في نهب قوت وموارد شعوبها، ومن لا يخضع لشروط الشركات والنظم الامبريالية يتعرض للعقاب أو العدوان العسكري.

وليس سبب ذلك هو سيطرة الإتجاهات المحافظة في الدول الامبريالية، بل هي طبيعة النظام الرأسمالي نفسه كما شرحناها، ومن ثم سيظل إفقار الشعوب في الدول المتخلفة والعدوان عليها محصلة مستمرة طالما بقيت الرأسمالية ونظامها، وليس الاضطهاد أو الهيمنة قدراً حتمياً، “أزيلو استثمار الانسان للانسان تزيلوا استثمار أمة لأخرى” هذا ما قاله ماركس منذ اكثر من 159 عام، ولازال صحيحاً حتى الآن، فالرأسمالية لن يقضى عليها وتتوقف جرائمها إلا بتغيير نظامها الاجتماعي، نظام الاستغلال الطبقى وعبادة الأرباح، وهذا ما تعد به وما تستطيعه الاشتراكية، لذلك فهي ضرورة الآن اكثر من أي وقت.

تبديد الموارد

إن التوظيف العقلاني لموارد الطبيعة أمر ضروري، أولاً لأن تكوين الموارد في باطن الأرض يتطلب حقب زمنية كبيرة، واستهلاكها بمعدلات كبيرة – يفوق بكثير الزمن اللازم لإعادة تكونها – يهدد بنفاذها الوشيك وحرمان البشرية منها، وذلك على سبيل المثال “حال البترول” الذي يكاد المخزون منه في باطن الأرض لا يفي بحاجة البشرية لأكثر من خمسون عاماً قادمة.

ونفس الأمر ينطبق على الاستخدام الكثيف الدائم للأراضي الزراعية، حيث تجهد التربة اجهاداً عالياً وسريعاً يهدد بافقادها خصوبتها – ناهيك عن زحف العمران والأبنية عليها – وقس على ذلك أيضاً تبديد ملايين الأطنان يومياً من الورق والطاقة الكهربية والألواح المعدنية أو الخشبية والأقمشة في صناعة الدعاية، فالرأسماليون لأنهم لا ينتجون حسب الاحتياج الفعلي للبشر، ويصنعون المزيد من السلع التي لا يوجد لها حاجة أو سوق، ويتنافسون فيما بينهم على بيع بضائعهم، يستخدمون جيوش كبيرة من وكالات الدعاية ويهلكون يومياً الملايين من المواد والطاقة في أعمال الدعاية، ناهيك عن أطنان الزجاج والصفيح وغيره من أجل سلع لا يحتاجها السوق، والتي سيتم تخزينها أو تطول مدة عرضها، وبالمقابل تعيش قرى كثيرة في القارات الخمس محرومة من الطاقة الكهربائية، ولا يجد أطفالهم كراريس للتعلم، وبدون ملابس مناسبة ولا يعرفون ما هي الشبابيك الزجاجية.

ويمكن أن تؤدي زيادة الانتاج إلى ركوده أو تلفه، أو إلقاء الكميات الزائدة منه في البحر – حتى لا يهبط الثمن بسبب زيادة المعروض – مثلما يحدث مع القمح واللبن وغيرهم، إن قطط وكلاب الرأسماليين أكثر حظاً من عمالهم، فالأولين يضمنون طعام دائم وفاخر ورعاية صحية دائمة، أما العمال والشعوب الفقيرة ليس لديهم نفس الضمانة بسبب فقرهم، فرغم تزايد ضحايا المجاعات في أفريقيا التي تم نهبها، إلا أن أمريكا فضلت إلقاء القمح الزائد عن طلب الأسواق في البحر عن توزيعه مجاناً أو بيعه بسعر رخيص لفقراء أفريقيا.

إن التخطيط العقلاني لاستخدام موارد الطبيعة، والانتاج في حدود الحاجة الحقيقية للبشر ونموهم وتطورهم، هو وحده الذي سيمكن من عدم إهدار مليارات الجنيهات أو ملايين أطنان المواد أو الطاقة في الدعاية، أو في السلاح، وسيحمي التربة الزراعية من العقم والتصحر، وأيضاً سيقضي على الحروب والاستعمار، كل هذا غير ممكن في ظل نظام قانون المنافسة المدمرة والسعي للهيمنة، في تحويل العالم إلى سوق بغض النظر عن البشر في صراع الذئاب الرأسماليين على أجساد الشعوب وقوتهم واغراق العالم في الفوضى ووضعه على حافة كوارث وليس كارثة واحدة، وأيضاً هذا ما تستطيع الاشتراكية انجازه، ولذلك فهي ضرورة.

التمايز

في ظل الرأسمالية لا توجد مساواة، الرأسمالية نظام هرمي لا يحترم سوى منطق القوة والثروة، يقسم كل المجتمعات إلى طبقات دنيا وطبقات عليا، يصنع هرماً للمجتمع من التمايزات في الألقاب والرتب والمكانة الاجتماعية، لقد خلقت الرأسمالية تفاوتاً وتمييزاً بين البشر، ليس فقط على أساس الثروة ولكن أيضاً على أساس اللون والجنس والعقائد والثقافات، اعتبرت البيض سادة العالم وقمته والملونين (سود أو صفر) في القاع، فقبل عدة عقود لم يكن نادراً أن تجد مطاعم في الدول الأوروبية عليها لافتة تقول (ممنوع دخول الكلاب والصينيين)، ولا تزال آثار العنصرية ضد السود حتى الآن تلقي بظلالها على النظام الأمريكي، والعرب الآن موضوعين على قائمة الهمج والمتوحشين في أغلب الدول الأوروبية، وفي داخل كل نظام رأسمالي ثمة تمييز اجتماعي قائم – بدرجة أو بأخرى – بين النساء والرجال، وفي العديد من المجتمعات الرأسمالية يتعرض الأطفال والنساء لاستغلال أكبر مما يتعرض له غيرهم. ولا يستطيع سوى قلة من النساء البررجوازيات اختراق حاجز المكانة الاجتماعية، سيدات الأعمال أو كبار موظفات الدولة، فالثروة في المجتمع الرأسمالي قوة تمكن أصحابها من نيل مكانة اجتماعية مرموقة، ولكن هذه الاستثناءات البرجوازية لا تغير من القاعدة العامة لهرم التمايزات، ولكن تجعلها أكثر فأكثر مرتبطة بالمكانة الاقتصادية، فالفقراء أولاً وقبل كل شئ هم من يقعوا ضحية لهذه التمايزات، سواء كانوا بيض أو سود، نساء أو رجال، فنحن لا نستطيع تخيل ولو مجرد تخيل، مقهى فخم في مصر الجديدة، يدخله بوكس البوليس ويتعرض للجالسين فيه، وتختلف المعاملة في أقسام الشرطة حسب المكانة الاجتماعية للشخص، نفس الأمر في الفارق بين الأحياء الفقيرة والأحياء البرجوازية تقريباً في كل مكان في عالم الرأسمالية، فتلك أماكن وحارات المشبوهين، والأخرى أحياء السادة والملاك.

الفاشية نفسها تغذت من أيدولوجية تمايز اللون الأبيض للبشرة على غيره من الملونين، وتمايز أوروبا عن غيرها من الشعوب، وتمايز ألمانيا عن باقي شعوب أوروبا والعالم. والصهيونية أيضاً تقوم على فكرة تمايز اليهود (شعب الله المختار) على باقي شعوب العالم، والعنصرية الدينية أو الثقافية بكل أشكالها نتاج لعالم التمايز الجزئي الرأسمالي.

ولا يمكن معالجة العنصرية والتمييز بواسطة القوانين فقط، مادام عالم الرأسمالية مبني كله على هرم اجتماعي ضخم من التفاوتات وأشكال التمييز. إن إلغاء الألقاب مثلاً يظل بلا معنى مادام هناك تفاوت اجتماعي وانقسام طبقي، ولأن أغلبية النساء فقيرات فلن تنقذهن أي قرارات شكلية بالمساواة القانونية من بؤسهم الواقعي ودونيتهم الاجتماعية.

إن الرأسمالية نظام قائم على التمايز والتفاوت، وللقضاء على التمايز والعنصرية وما شابه، يجب القضاء أولاً على الرأسمالية وخلق نظام قائم على المساواة الحقيقية، وخاصة المساواة الاجتماعية والاقتصادية التي تعد الأساس لخلق مساواة قانونية وثقافة اجتماعية مساواتية وهذا أيضاً ما يمكن أن تحققه الاشتراكية.

الاستغلال

يمثل الاستغلال الطبقي العنصر الجوهري في الرأسمالية، فكما هو معلوم لا يقوم أصحاب البنوك والشركات، وملاك المؤسسات الرأسمالية بأي عمل، إنهم يسخرون غير القادرين في العمل من أجلهم، يعمل ملايين وملايين من العمال والفلاحين الفقراء لحساب طبقة مكونة من عدة مئات من أصحاب الملايين والمليارات، هؤلاء لم تهبط ثرواتهم من السماء ولكنها محصلة عمل الملايين من العمال والفلاحين والفنيين، الذين يبيعون فكرهم وعمرهم وعملهم للرأسمالي، يبنون له العمارات الشاهقة ولا يسكن أحد منهم فيها، يصنعون الطائرات واليخوت التي لا يركبونها، ينتجون كل الثروة ولا يحصلون إلا على الفتات، فتزيد ثروات الرأسماليين ويظلون هم على فقرهم، ولا يملك العامل أن يرفض هذا الاستغلال، فالرأسماليون يحتكرون الثروة والأرض والمصانع والآلات، والعامل لا يملك شيئاً سوى عافيته ووقته، وإن لم يبيعها للرأسمالي سيموت من الجوع، إن استمرار فقر العمال أمر مهم للنظام الرأسمالي حتى يظلوا في حاجة للعمل كأجراء، ولذلك يحافظ الرأسماليون على أن تكون أجور العمال في وضع متدني دائماً، كما أن كل نقصان في أجر العامل يساوي زيادة في ثروة الرأسمالي، فإن تصورنا أن الرأسمالي استرد كل ما دفعه في الانتاج وحسب، فكل العائد المتبقي يساوي بالضرورة محصلة ما قدمه العمال من وقت وجهد، وعندئذ لن يكون هناك استغلال، إن ما يحصل عليه الرأسمالي من ربح ليس مقابل نقوده، فالنقود لا تنتج شيئاً، ولكنه الجزء الضخم الذي اقتطعه من عائد العمل الذي قام به العمال.

إن الأجر الذي يحصل عليه العامل ليس سوى جزء صغير من عائد عمله، وحتى لو كان الأجر كبيراً، يظل هناك جزء من عائد العمل لم يرجع إلى العامل الذي انتجه، لكنه ذهب إلى خزانة الرأسمالي في صورة ربح فقط لأن الرأسمالي يحتكر الآلات والأدوات، والعامل مضطر لأن يقبل بتلك السرقة اليومية من عائد عمله. رغم أن تلك الآلات التي يحتكرها الرأسمالي هي أيضاً محصلة عمل عمال آخرون، استغلهم رأسمالي آخر، فكل شئ بدءاً من المعادن التي تستخرج من باطن الأرض، مروراً بالتصنيع والبناء والزراعة، هو عمل عمال، العمال يقومون بكل العمل ويصنعون كل الثروة، ويموتون فقراء.

يمكن للمجتمع ان يستغني عن الرأسماليين ببساطة شديدة، ولكن لا يمكن تصور الاستغناء عن عمل العمال، فالرأسمالي طفيلي يعيش على انتاج غيره، على انتاج طبقة العمال برمتها، ويسخرها ويستغلها ويتسبب في بؤسها، كل ذلك لمضاعفة ثروته، وزيادة رأس المال، إن أصحاب المليارات يستطيعون التوقف والعيش برخاءٍ هم وأبنائهم وأحفادهم من تلك الثروة الهائلة التي أخذوها من ناتج عمل آخرين، لكنهم عبيد لجشعهم واستغلالهم ويريدون المزيد والمزيد، إن كل زيادة في رأس المال هي سرقة وافقار للعمال والفلاحين، فمن أجل زيادة رأس المال تبنى الملاهي بدلاً من المدارس، وتستعمر الشعوب، وتتفجر الحروب والكوارث، ويتدهور أكثر فأكثر أحوال المليارات من البشر في كل أنحاء المعمورة. ولا يهم الرأسمالي شيئاً من هذا كله، مادامت نتيجته زيادة أرباحه.

إن انقسام المجتمع لطبقات تملك وأخرى لا تملك، لرأسماليين وعمال، هو العلة الحقيقية التي يجب تغييرها حتى ينعم الناس بما ينتجون، وحتى لا يغتني المستغل ويفتقر من يعمل وينتج. وحتى لا يستمر دولاب الاستغلال والقهر يطحن عظامنا جميعاً.

إن كل المحاولات التي جرت عبر أكثر من قرن ونصف لإصلاح الرأسمالية أو جعلها أكثر عدالة وإنسانية باءت كلها بالفشل، لأن الرأسمالية لا يمكن أن تكون إلا ظالمة وعدوانية ومستغلة، ولا يبقى من فكرة (رأسمالية أقل ظلماً) سوى أوهام أصحابها.

لا يوجد خلاص للبشرية من الرأسمالية سوى بالقضاء على نظامها وذلك لا يكون إلا بالاشتراكية، البديل الانساني والعادل للنظام الرأسمالي. الاشتراكية، كنظام هي الوحيدة التي تنشئ عالماً بدون استغلال أو تمييز، بدون منافسة مدمرة أو حروب عدوانية، عالماً يستهدف بالأساس تلبية حاجات البشر وتنمية قدراتهم ومواهبهم، وليس تكديس ثروات ميتة في خزائن أفراد جشعين، لذلك كله الاشتراكية ضرورة.

Advertisements

مناقشة

3 thoughts on “توحش الرأسمالية وضرورة الاشتراكية

  1. يكمل الحلو بجزء إضافي يوضح بتفصيل كيف تعالج الإشتراكية أمراض الرأسمالية وتعطي للقارئ تصور ذهني عن مايجب أن يتطلع إليه .. مازال اليسار ضعيفا في تقنيات التواصل .. أين الإبداع

    إعجاب

    Posted by وجدي كمال | أغسطس 28, 2012, 7:15 ص
    • سيتم استكمال ما ورد في هذا الكراس بعدة كراسات ومقالات، تستكمل نقد تفاصيل المجتمع الرأسمالي وتشرح ما يمكن أن يقدمه المجتمع الاشتراكي، وأهم أساسيات الاشتراكية، تابعنا في باب “أساسيات الاشتراكية” خلال الأسابيع القادمة.

      إعجاب

      Posted by اليسار الثوري | أغسطس 29, 2012, 6:18 م
  2. برافو

    إعجاب

    Posted by محمد | يناير 7, 2013, 1:23 ص

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

حمل العدد الأخير من نشرة الثوري

آخر اصداراتنا

أنت الزائر رقم

  • 75٬504

Advertisements
%d مدونون معجبون بهذه: