مواقفنا السياسية, خطنا السياسي

(1) إعلان دستوري أم انقلاب بونابرتي


(الفصل الأول من كراس إعلان دستوري أم انقلاب بونابرتي)

وصلت الرأسمالية المصرية، تحت سلطة رجال الأعمال، إلى درجة من الاستغلال الطبقي والفساد السياسي لم يعد الشعب يحتملها، ومن ثم ثارت الجماهير على سلطة مبارك وجمال وأحمد عز، وطالبت الجماهير الثائرة بالعدالة والحرية والخبز، لم تكن المطالبة بالخبز عبارة أدبية، فقبل اندلاع الثورة بشهور كان الفقراء يتصارعون للحصول على الخبز وسقط بعضهم قتلى. فاجئت الثورة النظام فلجأ إلى العسكر لحمايته واضطر العسكر، الذين فشلوا في اجهاض الثورة بالعنف، إلى خلع مبارك تفادياً لمواجهات أكبر مع الجماهير الثائرة قد تطيح كلياً بسلطتهم وامبراطوريتهم الخاصة.

وتحت ضغط الاحتجاجات المليونية وتصميم الجماهير كان عليهم أن يخلوا الحكم لبديل مدني يضمن لهم امتيازاتهم واحتواء الغضب الجماهيري في آن واحد. لم يكن هناك بديل أكثر جاهزية من الإخوان والجماعات الدينية، وتدخلت الإدارة الأمريكية وعقد اتفاقاً ثلاثياً بين الإخوان والجيش والبيت الأبيض، مضمون الاتفاق هو رحيل العسكر من الحكم مع ضمان امتيازاتهم ومكانتهم الخاصة، مساندة الإخوان للوصول للسلطة مقابل إلتزام الإخوان باتباع نفس السياسات الاقتصادية  للسلطة السابقة، وضمان أمن الكيان الصهيوني والاستمرار في التطبيع معه.

هكذا تم تعبيد الطرريق للإخوان للوصول إلى الحكم بمساندة أمريكية كاملة؛ بما فيها الضغط على المجلس العسكري، والدعم المالي للإخوان في دعايتهم. وبحركة مسرحية انزاح المجلس العسكري تاركاً قصر الرئاسة للإخوان، وهلل الكثيرون لمرسي الذي أنهى حكم العسكر بهزة كتف (رغم أنه كان في أضعف حالات نظامه وجماعته).

قدم مرشح الإخوان نفسه للطبقة الحاكمة ورجال الأعمال بوصفه بطل الاستقرار والاستثمار، وقدم نفسه إلى الجماهير بوصفه الرجل العطوف الذي سيثأر للشهداء من قاتليهم ويوظف العاطلين ويضع حد أدنى وحد اقصى للأجور ويبني المساكن الشعبية، ويحمي الحرية والكرامة والديموقراطية وسيصنع عدداً من المعجزات في المائة يوم الأولى.

إلا أن الجماهير التي كانت تترقب تحسن أحوالها كانت أيضاً تنتظر في وضع الانقضاض إذا غدر بها. لم تهدأ الاضرابات والمظاهرات، وتصاعدت نبرة المعارضة، تكشفت الوعود البراقة لسلطة الإخوان عن أوهام فجة، فلم تنهال الدولارات والاستثمارات لمساندة سلطة الإخوان، ولم تتعاون الرأسمالية المصرية بما يكفي مع النظام الجديد، وذلك للأسباب الآتية :

  • لم تكن الوعود كافية لتسكين الجماهير وإنهاء الحالة الثورية، ومن ثم خاف المستثمرون من صعود جديد لسلطة قد تصادر أموالهم أو تفرض عليهم قيوداً، فنظام مرسي بدا مترنحاً وغير مستقر وعاجز عن فرض الاستقرار، فاحجموا في انتظار ما تسفر عنه الأحداث.
  • المؤسسات المالية الدولية – بسبب الاضطرابات وتصاعدها – لم تتحفز لإنقاذ مرسي، فهو على أي حال يمثل جناح محافظ ورجعي في الطبقة الحاكمة ونظامه سيصنع أوضاعاً متأزمة بدلاً من إحتواء الأزمات القائمة، ومن ثم أقدمت على اقراضه بشح وشروط محددة غير آملة في أن ذلك قد ينقذ نظامه ولو مؤقتاً.
  • تجربة البرلمان ذو الأغلبية الإسلامية كانت صادمة ايضا ، فلم يكن ذلك برلمان يدير مصالح الرأسمالية في مصر، وإنما برلمان هواة حمقى ومحدثى نعمة  يسعون لفرض قوانين رجعية منفرة، وتوالت تصريحات الإخوان المزهوين بمكانهم الجديد فى كراسى الحكم، كانت مليئة بالغرور والثقة فى النفس ولا تعبئ بالمعارضة أو بالجماهير، متغطرسة ومتعالية ومنفرة بوجه عام، لم يكن ذلك ماينتظره الجماهير من نظام صعد فى سياق ثورة، لقد حل التوعد للخصوم محل الوعود البراقة.

وأصبح نظام مرسي في شهور قليلة منفراً، عاجزاً، فاشلاً، ضعيفاً. ومحاصراً بقوى عديدة تهاجمه وتعمل على اسقاطه، وتبخر مشروع النهضة الذي هللوا له كثيراً قبل أن يبدأ، فى الواقع لم يكن هناك أي مشروع لدى الرئيس أو الجماعه، طبعو اوراق كثيرة كلها قص ولزق من نقاط متنافرة، كانت مجرد دعاية انتخابية فارغة، وما ان أعلنت النتيجه حتى ألقوها فى سلة المهملات، وبدا مرسى ورجاله مثل أعمى يمشى بلا عكاز فى غابة سياسيه جديدة عليه، وتوالى التخبط بعد الآخر فى القرارات وفى تعيين المسئولين.

حاول الرئيس توطيد موالين له فى مفاصل الدولة الهامة حتى يضمن تسخير الدولة للجماعه، وتوزيع مكافاءات الولاء على الأعضاء فى شكل مناصب هامة.

هكذا سعى الرئيس والجماعة لتنصيب موالين لهم في مرافق الدولة والمواقع الهامة، الإعلام، المحافظين، الوزارات والهيئات العامه، إلا أن محدثي النعمة هؤلاء كانوا فارغين تماماً من أي موهبة في الإدارة، بدءاً من الرئيس نفسه، فاستعاض عن الحديث السياسي بالخطب الدينية، وعن تحليل الموقف بالجمل الأخلاقية والعبارات الرنانة التى لا معنى لها، وسار أتباعه على نهجه.

واستمرت الأزمة الاقتصادية تمسك بتلابيب الجميع، لم يقدم النظام على أي إجراء ثوري لحل الأزمة، وأراد حلها بإنشاء صناديق لجمع التبرعات من أهل الإحسان، إلا أن القادرون على العطاء من الرأسمالية الكبيرة والمتوسطة لم تكن على استعداد للتبرع بأموالها لسلطة لا ترغب فيها، فضلاً عن أنها كانت تعاني من ركود نسبي. هذا المشهد الساخر لنظام ليس لديه مايقدمه من سياسات اصلاحيه أو غيرها غير صناديق الاحسان كان كاشفا بذاته عن ان جعجعة التيار الدينى برمته خاوية كلياً من أى مضمون عملى.

لم يحل نظام الإخوان أي أزمة للرأسمالية المهيمنة، ولم يقدم أي حلول لمشاكل الجماهير التي كانت حالتها تزداد سوءاً. ويبدو أن الإدارة الأمريكية والكيان الصهيوني كانوا يرغبون في خدمات مجانية – لم يكن الرئيس بخيلاً في تقديمها، فقط مقابل ضمان وجوده في السلطة – فسلطة الإخوان كانت بالنسبة لهم حلاً اضطروا إليه لانقاذ سلطة الرأسمالية المصرية، وحفظ مصالحهم في المنطقة، إلا أنه حل مؤقت، وغير مرغوب على المدى المتوسط والطويل، خاصة لو تمكنت الأجنحة الليبرالية من تقديم بديل يمكن أن يحسم المعركة لصالحه.

السلطة الجديدة للرأسمالية المصرية وجدت نفسها غير مدعومة من أجنحة الطبقة أو أجهزة دولة مبارك، وفي مواجهة غضب شعبي يتصاعد بقوة ويأكل من فرصها الانتخابية القادمة، مناورة الجمعية التأسيسية التي لجأ إليها الرئيس وضم إلى تشكيلها ممثلين ليبراليين بدأت هي الأخرى في الانهيار، سعت الجماعة لمغازلة السلفيين والليبراليين في وقت واحد، وأدى ذلك إلى نشر مسودات للدستور يفصل بين الواحدة والأخرى أيام قليلة، كل مسودة تناقض ما قبلها وما بعدها، لقد عكست نقاشات المسودة وارتباكها كل جوانب الارتباك في صفوف الرأسمالية المصرية، نصوص الحريات تم تقييدها بمرجعيات أخلاقية ودينية فضفاضة مثل؛ المحافظة على الأخلاق والتقاليد المصرية الأصيلة للأسرة المصرية، واعتبار الأزهر مرجعاً في أمور الشريعة، والتزام الدولة بالتربية الدينية والأخلاقية … إلخ، كانت النصوص تمهد لخلق سلطة دينية تحت ستار مدني، ومن ثم احتج الليبراليون ثم انسحبوا، الهيئة الاستشارية للجمعية التى كان مفترضا عرض النصوص عليها بداية، وجدت نصوصاً منشورة فى المسودات لم تعرض عليها، مرة تلو الأخرى، فانسحبت هي الأخرى، كما انسحب ممثلو الكنائس المصرية بعد ان وجدوا انفسهم فى حرب نصوص طائفية تسعى لضمان تهميشهم وهيمنة التيار الاسلامى وتكريس الوضع دستورياً، واحتج القضاة، وتقدم المحامون بمطالب خاصة وأخرى عامة تتعلق بنصوص الحريات، وجاءت نصوص اضافية من خلف لجنة الصياغة لتطبع وتنشر مباشرة، ويبدو أن هذه الجمعية قصدت منها الجماعة ألا تؤدي إلى وضع أي دستور، وإنما اغراق المجتمع في مناقشات لا جدوى لها لكسب الوقت لا أكثر. وهي على أي حال كانت مقاطعة من أغلب القوى السياسية المعارضة، وبالانسحابات المذكورة تعرت تماماً.

من جهة أخرى اشتعلت  معارك قانونية حول كل حجر في السلطة الإخوانية/ السلفية الجديدة، بدءاً من الطعن في صحة انتخابات الرئاسة، حتى مشروعية تشكيل الجمعية التأسيسية. هذه المعارك القانونية حرمت الإخوان والسلفيين من برلمان شكلوا أغلبيته، فقد تم حله نتيجة لأحد القضايا حول صحته من الناحية القانونية، ومن ثم بدا خطر هذه المعارك واضحاً أمام السلطة الجديدة، خاصة مع وجود مساحة استقلال للسلطة القضائية.

أمام هذا الحصار القانوني، والغضب الشعبي، وافلاس السلطة الجديدة أقدم الرئيس على مغامرة غير محسوبة، اختار لها لغبائه لحظة تعاني فيها سلطته وجماعته من ضعف شديد، قرر الانقلاب على القضاء وتحصين سلطاته وقراراته، والتخلص من بعض خصومه لارعاب الاخرين، واستخدام سلطات استثنائية واسعة لمواجهة الاحتجاجات المتزايدة، وذلك كله بضربة واحدة، مهد الجهاز الدعائي الرأي العام لها باعتبارها مفاجأة سارة، وأنها انتصاراً للثورة، وكان لازماً ان يغلفها بغلاف جذاب ليجعلها مقبوله من الشعب، وأعقب عمل آلة الدعاية مؤتمراً للمتحدث الرسمي بإسم الرئيس، لم يخرج الرئيس بنفسه لإعلان مفاجئته، ويبدو أن زئير الأسد الجبار كان يُخفي نفسية الكلب المضروب.

Advertisements

مناقشة

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

حمل العدد الأخير من نشرة الثوري

آخر اصداراتنا

أنت الزائر رقم

  • 74٬551

Advertisements
%d مدونون معجبون بهذه: