مواقفنا السياسية, خطنا السياسي

(2) إنقلاب بونابرتي فاشل


(الفصل الثاني من كراس إعلان دستوري أم انقلاب بونابرتي)

 عندما يصل الصراع الطبقي إلى نقطة محتدمة، تجهد فيها الطبقات الرئيسية من شدة وتيرة الصراع وتصاعده، دون أن تكون الطبقة الحاكمة قادرة على فرض سيطرتها، ودون أن تكون الطبقات الشعبية قادرة على الإطاحة بها وفرض بديل ثوري، في تلك النقطة يكون مسرح الصراع مهيئاً لظهور مخلص، يبدو وكأنه قادم من خارج مسرح الصراع، هذا المخلص يسعى فوراً إلى استعادة الاستقرار بوسائل غير تقليدية، يضرب يميناً ويساراً، ويتحدث بإسم كل الطبقات، ويقدم اصلاحات محدودة وفي المقابل يسعى إلى شل أدوات الطبقات في الصراع؛ أحزاب، جمعيات، نقابات. وكي يتمكن من القيام بتلك المهمة التاريخية يستحوذ على جميع سلطات الدولة، ويحصن قراراته من أي طعن، فتبقى كلمته هي الكلمة الأخيرة والنافذة فوق مؤسسات الدولة وطبقات المجتمع. هكذا كان لويس بونابرت في فرنسا، ومن نظامه الاستثنائي دخل مفهوم البونابرتية مسرح التاريخ الحديث.

وفرت أحداث انتفاضة يناير مناخاً ملائماً لظهور سلطة بونابرتية على مسرح الأحداث، فالطبقات الرئيسية قد أنهكت بالفعل من طول أمد الصراع واستمرار الحالة الثورية، إلا أن قدرتها على حسم الصراع لصالحها لم تكن موجودة، ونفس الوضع بالنسبة للطبقة الحاكمة التي كان يمكن أن يُزج بأي رمز من رموزها في السجن لأبسط الأسباب.

 مثَّل الحكم العسكري وضع سلطة نصف بونابرتية من حيث الخطاب والاجراءات الاستثنائية، إلا أن اجراءاتها لم تكن مرضية لأي طرف في الصراع، ولم تنجح فى تهدئة مسرح الصراع او احتواء الجماهير تحت رايتها، واندفعت موجة ثورية جديدة هدفها اسقاط حكم العسكر، ومن ثم صار العسكريون عبئاً على النظام الطبقي وزادوا من أزمته بدلاً من إنهائها. ومن ثم اضطر الجنرالات إلى تنظيم انتخابات برلمان ومجلس شورى، ثم تلاها انتخابات رئاسة، وتولت الإدارة الأمريكية ترتيب اتفاق خاص مع العسكريين ومع تنظيم الإخوان الذي يملك موارد ضخمة ولديه عضوية كبيرة ومنتشرة ولا يخلو من قبول شعبي. مثَّل السلفيون ملحقاً للاتفاق الأمريكي مع الإخوان حيث اتفق أن يكون لهم نصيب في السلطة حتى يمكن احتوائهم.

جائت انتخابات البرلمان بأغلبية إخوانية يليها السلفيون وأقلية من المعارضين لهم، إلا أن جلسات البرلمان حفلت بمهازل تليق بمهرجين مبتدئين، ولم يصدر أي تشريع اصلاحي لاحتواء التوتر الطبقي، وصاحب ذلك ظهور فضائح مالية وأخلاقية ووقائع فساد ابطالها نواب في التيار الديني صاحب الأغلبية، ومن ثم فقدت الجماهير الثقة في البرلمان بسرعة شديدة، وعندما تعرض للحل بحكم قضائي لم يجد من يدافع عنه، كان البرلمان الأقصر عمراً في التاريخ السياسي الحديث. وأصبح الرئيس عارياً من أي سند تشريعي يدعم سلطاته. أعقب حل البرلمان موجة اضرابات مطلبية ضخمة، المائة يوم التي تعهد الرئيس بحلول سريعة خلالها انقضت بعد أن راكمت أزمات أكبر دون أي حلول.

استعدت المعارضة الليبرالية واليسارية لهجوم سياسي مضاد، في جمعة سميت (جمعة كشف الحساب) التي استعدت لتنظيمها تلك القوى نزل الإخوان إلى الميدان بأعداد غفيرة للتشويش عليها واجهاضها، ومحل الصراع السياسي بدأ الصراع الجسدي، اعتدى حزب النظام على القوى المعارضة وحطموا منصاتهم.

دارت معارك بالطوب والشوم ومسدسات الخرطوش بين القوتين استغرقت النهار كله، ومع حلول المساء انهكت قوات الإخوان و ارتبكت , لقد ظنوا ان معركتهم مع القوى المدنية المعارضة بمثابة نزهة برية , فدعوا اليها عائلات واطفال بجانب عصايات الهجوم , الا انهم فوجئوا بقوة وتصميم خصومهم , وأنهم فعليا اصبحوا  محاصرين من كل الجهات  داخل التحرير، شن المعارضون هجمة حاسمة أجبرت أعضاء حزب النظام على الفرار، واشعل المعارضون النار في العربات التي كانت بانتظار الإخوان وأعلنوا انتصاراً احتفالياً عليهم.

كانت تلك المعركة منعطفاً ذو دلالة، اكتشف المعارضون قوتهم في مواجهة الإخوان، واكتشف الإخوان أنهم ليسوا مرعبين أو أقوياء كما اعتقدوا، وكانت هذه المعركة إشارة لآخرين في الطبقة الحاكمة أن الإخوان غير قادرين على حماية أنفسهم، واستدعى النظام المترنح الجمعية التأسيسية لشغل الجميع في النقاش التافه حول نصوص الدستور، وذلك حتى يتمكن من إلتقاط أنفاسه.

وبانهيار التأسيسية الوشيك أصبح النظام عارياً تماماً، ولم يكن لديه قدرة على  تنفيذ مناورة جديدة، فأسفرت قريحة رجاله عن حل استثنائي، ليضرب الرئيس ضربة ثلاثية الأبعاد، ضد خصومه في القضاء، ضد المعارضة، ضد الحريات وسلطة القانون.

إلا أن عليه أن يغلف ضربته بقفاز من حرير، لم يكن هناك أفضل وأسهل من العزف على نغمة حق الشهداء التي كانت مطلباً شعبياً غامضاً، كونه واسع الانتشار. ومن ثم سيعطي معاشات استثنائية لأهالي الشهداء وللمصابين، وأيضاً سيعيد محاكمة المتهمين بقتلهم، وسيكون ذلك باسم الثورة التي يعمل ليل نهار لوقفها والقضاء عليها.

في 21 نوفمبر خرج متحدث الرئاسة ليعلن على الشعب إعلاناً دستورياً جديداً.

تضمن الإعلان قصة المعاشات وإعادة المحاكمات، وتضمن بنوداً تعطي حصانة مطلقة لكل ما قرره الرئيس، منذ توليه وإلى ما شاء الله، وتعني الحصانة عدم جواز قبول أي طعن عليها أمام أي سلطة أو جهة، وبوجه خاص جميع محاكم الجمهورية، وأن تتوقف المحاكم عن نظر أي قضية تتعلق بأي قرار اتخذه، أو تتعلق بتشكيل الجمعية التأسيسية ومجلس الشورى.

وأيضاً له الحق أن يتخذ أي تدابير يراها لفرض الاستقرار ومنع الاحتجاجات. ومد الحصانة لتلك التدابير سيقرر دون مراجعة، وينفذ قراره أياً كان. وبقوة الدستور الذي وضعه لنفسه بنفسه، لم تكن التأسيسية أمراً هاماً كان يفكر في حمايته، فقد انهارت فعلاً قبل دستوره الصغير، بل إن مسودات الدستور صارت كلها لغواً أجوف، فكل السلطات أصبحت هكذا في يد الرئيس فعلياً وبقوة الدستور، وكل المرجعيات اختذلت في أي قرار يصدره. هذا الإعلان الدستوري الذي حل محل دستور ديموقراطي تنتظره الأمة، كان بحد ذاته انقلاب على باقي السلطات وإنهاء للحياة الدستورية ذاتها، لم تضع الأمة دستوراً تقيد به الرئيس لكن الرئيس صنع دستوراً ليقيد الأمة والسلطات ويضرب مظاهر الثورة التي تقض مضجعه.

الأمر الذي لم يلاحظه حزب الرئيس أو الرئيس نفسه، أن مؤسسات الدولة لن تعاونه في فرض الديكتاتورية، وأنها تقبله رئيساً على مضض، وأن تعويضات أو معاشات الشهداء ليست هي أهداف الثورة ولكنها مجرد طلب عارض في طريق سيرها، وأن المستفيد منها لن يتعدى بضعة آلاف بينما يرزح عشرات الملايين تحت وطأة الفقر أو البطالة، ولن تستطيع احتواء أزمة قرية بحل مشكلة فرد واحد فيها.

كذلك أنه بهذا الدستور الشخصي قد حشد ضد نظامه ليس فقط السلطة القضائية، أو جماعات النظام السابق (الفلول) بل أيضاً كل قوى المعارضة وقطاعات أوسع من الجماهير، كان الإعلان بمثابة بوق حرب على المجتمع كله أطلقته سلطة متناهية الضعف. فمن جهة لم يكن الجيش راغباً في التورط مجدداً في معارك مع الشعب لحماية السلطة الجديدة وأخطائها، فضلاً عن صراع خفي بين أجهزته والسلطة الجديدة التي لا يطمئن إليها بالقدر الكافي، ولا يراها قادرة حتى الآن على فرض الاستقرار أو احتواء الغضب الشعبي، ومن ثم سيفكر قادته ألف مرة قبل القيام بهذه المجازفة، ومن جهة اخرى كانت قوات الشرطة تلملم جراح هزيمتها أمام الشعب في 28 يناير، وقبل أن تلتئم جراحها دخلت في معارك جديدة مع جماهير فقيرة ونخب شابه في ذكرى معركة محمد محمود، ورغم تطوير أدواتها وأسلحتها إلا انها غير واثقة بعد في قدرتها على السيطرة أو على هزيمة جمهور محدود في تلك المعارك، دستور الرئيس نفسه كان يهدد قادتها بإعادة محاكمتهم ومن ثم لم يتعاطفوا معه بالقطع.

كان الرئيس أعزل تماماً ومكروه شعبياً وهو يضع دستوره الاستبدادي ولم يكن خلفه سوى حزبه، الحزب نفسه الذي كان يعاني من آثار هزيمة جمعة كشف الحساب، ومن عزلة جماهيرية، وكانت أغلب مقراته مغلقة بلا أي نشاط. هذا سقط الرئيس في الفخ الذي صنعه لخصومه. تداعت ردود الأفعال مستعيدة ذكرى أمجاد يناير وروحه، انتفض القضاة ضد الرئيس، وأعلن المحامون رفضهم الإعلان الدستوري، واتفق النقيب مع القضاة على تنظيم “مسيرة العدالة” لاسقاطه، في 23 نوفمبر خرجت مسيرات ضخمة إلى التحرير مرددة هتافات انتفاضة يناير ضد مرسي، ولأول مرة يردد القضاة هتافات مطالبة باسقاط النظام، الأمر الذي يعتبره القانون جريمة جسيمة تصل عقوبتها للإعدام، ووقعت الأحزاب المعارضة في 22 نوفمبر بياناً مشتركاً يرفض الإعلان ويتهمه بالانقلاب الدستوري. في 24 نوفمبر قررت المحكمة الدستورية – غير عابئة بإعلان الرئيس وقراراته – أنها ستستمر في نظر القضايا التي قرر الإعلان حظر نظرها وفي تحدي سافر للدستور الصغير.

وفي 23 نوفمبر خرجت الجماهير فيما يزيد عن 10 محافظات كبرى تحرق مقرات حزب الرئيس وتهتف ضده وضد الجماعة. لم يتحرك السلفيون لانقاذ النظام فقد كانوا مشغولين بصراعاتهم وانقساماتهم، فضلاً عن شعورهم أن الإخوان خدعوهم واستأثروا بمقاعد الحكم منفردين.

ارتجت الأرض بقوة تحت كرسي الرئيس، وبدلا من أن يزيده الإعلان قوة، زاده عزلة وضعفاً، انقسمت الدولة وسلطاتها إلى أجنحة متصارعة، الإخوان المعزولين وجدوا أنفسهم في مواجهة غضب شعبي موجه كلياً ضد حكمهم. قرروا خوض المعركة بقوتهم الخاصة وبعض أنصارهم، هكذا بدأت حرب الشوارع بين الإخوان والجماهير الغاضبة في عدة محافظات، لم تتدخل الشرطة أو الجيش لحماية حزب النظام أو مقراته، وفي الواقع لم تكن قادرة على ذلك أيضاً، ظل التحرير مشتعلاً بالغضب رغم سقوط عديدين جرحى وموت شخص أو أكثر في المعارك التي بدأت منذ 19 فبراير ولم تنتهي حتى الآن، معارك يخوضها أشخاص ضاقوا بالفقر والقهر ولم يعودوا يأملون في حلول، وتضامن محدود من النخب الشابة معهم.

هكذا جاءت محاولة الانقلاب البونابرتي ميتة في مهدها، إن مرسي لا يشبه لويس بونابرت إلا في التفاهة وضعف الموهبة، ولا يشبه عبد الناصر في شئ سوى استعادة نصوص الاستبداد، القاسم المشترك بين ناصر وبونابرت أن كل منهما كان مبعوث الفلاحين الصغار وهم أغلبية الأم، بينما كان مرسي مبعوث تنظيم ديني رجعي يمثل يمين الطبقة الحاكمة.

غازل بونابرت وناصر الجماهير الفلاحية وفقراء المدن باصلاحات حقيقية ووعود نُفذ جزء منها على الأرض، بينما لم يقدم مرسي أي اصلاح، إذ لا يستطيع القمع وحده صنع نظام بونابرتي، القمع منفرداً يخلق نظام ديكتاتوري استبدادي عادي، لكن البونابرتية تقمع وهي تقدم بعض الاصلاحات، وتحتوى الجماهير وهى تسحقها.

كان على ناصر ولويس بونابرت اتخاذ اجراءات استثنائية لخلق قدر من التوازن يصنع استقرار أو تهدئة للصراعات، ومن ثم ضغطوا على الرأسمالية الكبيرة؛ صادر ناصر أموال كبار الملاك كي يتمكن من ردعهم نسبياً وليقيم اصلاحات جزئية، نظام مرسي لم يقدم على أي مساس بالرأسمال الكبير، ولم يتمكن من تقديم أي اصلاح للطبقات الفقيرة، فلم ينجح في احتواء الصراع الطبقي أو تهدئة مسرحه ليوم واحد، وأخيراً توج اخفاقات نظامه بالإعلان الأحمق في توقيت غير ملائم، وعلى مسرح رافض، وأمام جماهير غاضبة، ودون أدنى تهيئة لتمريره على الأمة.

خدع لويس بونابرت فرنسا، وخدع مرسي نفسه، أمسك بالسيف من نصله بدلاً من مقبضه. ومن ثم بدأ الصراخ؛ تعالوا نتحاور .. تعالوا نتحاور، إلا أن نداء الحوار جاء بعد فوات الآوان، فقد بدأت معارك الشوارع وصار النظام وحزبه على قائمة المطلوبين شعبياً.

Advertisements

مناقشة

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

حمل العدد الأخير من نشرة الثوري

آخر اصداراتنا

أنت الزائر رقم

  • 75٬512

Advertisements
%d مدونون معجبون بهذه: