مواقفنا السياسية, خطنا السياسي

حول الوضع الراهن .. العنف، البرجوازية الصغيرة، مسار الثورة، أزمة النظام وموقفنا


۱. أزمة النظام

لا ترجع أزمة النظام إلى سنوات الثورة فحسب كما يحاول البعض إيهامنا، أنها أعمق من ذلك بكثير بل إن الثورة ناجمة عن تلك الأزمه فى أهم أسبابها، وإن كانت أزمته الراهنه هى مانركز عليه هنا، جوهر الأزمة هو العجز البنيوى للرأسمالية المصرية ككل، وهو ما ينعكس في عدم قدرتها على تنمية اقتصادها، عدم القدرة على توفير فرص عمل للعاطلين والخريجين، تدنى مستوى الأجور وارتفاع أسعار الحاجات الأولية، عجز مستمر في ميزان المدفوعات بسبب أعباء الديون الأجنبية وأقساطها، وعجزها عن توفير الموارد اللازمة لسداد الرواتب والأجور للعاملين، وكونها تواجه ثورة تحاصرها بطلبات الجماهير.

لايعنى هذا أن الرأسمالية المصرية لاتملك الأموال اللازمة لذلك، لقد راكمت مئات المليارات من عرق الشعب واستغلاله، لكنها ترغب في زيادتها وغير مستعدة للتنازل طواعية عن جنيه واحد لا يحقق لها أرباح اضافية، الإخوان جزء من تلك الطبقة المستغلة، ليس ضمن خططهم المساس بأموال الرأسماليين، إنهم مشغولون بكيف يحولوا مصر إلى شركة كبيرة يستحوذون هم على أغلب أسهمها، فليس فقط لن يمسوا رأس المال الخاص، ولكن أيضاً لن يقدموا من جيوبهم المتضخمة أى أموال، الحلول التي يلجئون إليها لمواجهة الأزمة هى حلول كارثية، القروض الدولية التي تزيد أعباء الدين العام وترهق ميزان المدفوعات وتضع شروطاً أهمها أن ترفع الدولة يدها عن دعم الفقراء وعلاجهم وتعليمهم، أن تقتصد (تخفض) من جميع بنود الخدمات العامة.

وبالمقابل تستمر الانتفاضات الشعبية والاضرابات العمالية تمسك بتلابيب النظام وتطالب باسقاطه، يدخل جمهور جديد ومحافظات جديدة إلى ساحة المواجهة لركوب قطار الثورة، النظام بأكمله مهدد من أسفل بتوسع الثورة والتصميم على أهدافها.

٢. تناقضات الرأسمالية ودولتها

بسبب فساد نظام مبارك اضطرت السلطة السابقة إلى السماح بتسرب الفساد إلى كافة أجهزة الدولة، رشوة المسئولين وغض النظر عن فسادهم كان أحد أهم قواعد اللعبة، ليس فقط الإدرايين ولكن السياسين أيضا، ومقابل ضمان ولائهم للنظام ترك لكل مرفق وقطاع حيزه الخاص الذى يستغله ويضاعف منه ثرواته وامتيازاته، الوزرات، المرافق العامة، المصالح الحكومية، الصحافة، القضاء، النقابات الرسمية، الشرطة، الجيش، الإعلام … إلخ. ليس فقط ضمان الولاء الذى كان مطلوباً، بل أيضاً مساعدة رجال النظام والمستثمرين في الاستيلاء على ممتلكات الدولة والتهرب الضريبى وغير ذلك، حالة تواطؤ عام على الفساد برعاية رأس السلطة نفسه وأجهزة حكمه ،كان شعارهم (السرقة على حدا، والضرب معاً في الجماهير والمعارضة).

تدمير بنية الفساد الحكومى هذه كان أحد الأمور التي يجب أن تحققها الثورة، أن يتقلص الفساد أو يختفى تماماً في نظام أتت به هذه الثورة، فقد كان أحد اهدافها.

بدلاً من أن يقضى حكم الإخوان على الفساد ورجاله سعى للتحالف معهم، وأخطر من ذلك أنه سعى لتمكين رجاله والموالين له من مناصب الإدراة في المحافظات والوزرات والمرافق العامة، وذلك دون اتخاذ اجراء واحد لحصار عمليات الفساد، بل إن دستورهم وفر حماية للفساد المستتر باعفاء أسر كبار المسئولين من الحظر في التعامل على أموال الدولة والتعامل التجارى معها، كانت النتيجة أن تحولت الأجهزة والمرافق إلى ساحة حرب، خفية احياناً ومعلنة احياناً، بين الزحف الإخوانى والإدرات والولاءات القديمة.

بالنسبة للمؤسسة الأقوى بين مؤسسات الدولة، الجيش، سعى الإخوان إلى عدم التصادم معها، ترك للجنرالات سلطتهم الخاصة وامتيازاتهم وقطاعهم الاقتصادى المحرر من الرقابة، إلا أن للجنرالات مصالح أبعد ترتبط بالوضع الإقليمى والصراعات الحدودية والتسليح والعلاقات الدولية، خصوصاً العلاقة الخاصة مع الإدارة الأمريكية، فضلاً عن ميلهم أن تكون أغلب المناصب السيادية في الدولة وفى إدارة المرافق العامة والأجهزة المحلية، في يد أشخاص من المؤسسة العسكرية. ومن ثم تتوفر كل أسباب التوتر والصراع بين حكم الإخوان والمؤسسة العسكرية، وخلف ستار التحالف الهش بينهما يختفى صراع عميق.

هذه الانقسامات العميقة ليست منفصلة عن الصراعات داخل الرأسمالية المصرية وأجنحتها، إذ تشهد الطبقة الحاكمة استقطابات ومنافسات فيما بينها لاتقل ضرواة وعمقاً، رجال الاعمال ذوي العلاقات المميزة مع حكم مبارك لايثقون في الغطاء السياسى لحكم الاخوان المهتز، ويخشون طغيان وهيمنة بزنس الشاطر وإخوانه على السوق المصرى، آخرون يرتدون الوشاح الليبرالى يقامون حكم الإخوان ويمولون أحزاب وجرائد وقنوات فضائية.

تناقضات وصراعات عنيفة داخل معسكر الطبقة المالكة، وكلهم تكالب وتنافس على الهيمنة على السوق واقتطاع الجزء الأكبر من العوائد وشراء ذمم الموظفين. ويعجز الإخوان بسبب تلك التناقضات، بالإضافة إلى الوضع الثورى، عن توحيد مؤسسات الدولة خلفهم، حتى إنهم اضطروا – رغم وجود الجيش والبوليس – إلى تكليف أعضائهم بالنزول بأنفسهم لحماية المقرات وقصر الرئاسة، وحتى الآن يعجز الرئيس الإخوانى عن فرض قرار واحد على الشعب استنادا لقوة أجهزة الدولة المتصارعة داخلياً، ومن أسفل يوجد جيش اجتماعى ضخم وحد إرادته على إسقاط حكم الاخوان.

إن التفكك والتناقضات يمسكان بتلابيب الطبقة والدولة معاً، الدولة حتى الآن دولة رأس المال وليست دولة الشعب، والدولة مفككة، والطبقة لا تقل تأزماً. وكرسى الحكم لا يهيمن إلا على أعضاء جماعة الاخوان.

٣. البرجوازية الصغيرة والعنف اليائس

دخلت الثورة المصرية عامها الثالث وهي تجر وراءها مشاعر متضاربة، إذ أسفرت سلطة الإخوان عن خيبات أمل كبيرة للجماهير، التي توقعت أن يحقق الإخوان بعض الاصلاحات الاقتصادية والاجتماعية، والتي تعني للجماهير تحسن أوضاعهم الاجتماعية، وامتدت هذه المشاعر إلى النخب التي تصورت أن حكم مرسي سيتيح مساحة أكبر من الحريات والمشاركة السياسية، كانت الجماهير متململة وغاضبة، انحسرت شعبية الإخوان بقوة، خاصة بعد أن نزل أعضائهم للتصدي بعنف للمعتصمين السلميين حول قصر الرئيس، العنف الذي تعاملوا به – بمساعدة وتواطؤ من السلفيين – دفع البعض لوصف النظام بالفاشي، وعلى هذه الخلفية تشكلت جبهة تضم يسار إصلاحي وفلول نظام مبارك وقوميين ورأسماليين كبار تحت اسم “جبهة الإنقاذ”، راهنت بعض القوى على تلك الجبهة كقوى مناوئة للنظام الإخواني “الفاشي” بذرائع عديدة، أهمها كان “مواجهة الفاشية”. ودار جدلاً حول امكانية أن تخوض الجبهة الانتخابات القادمة بمرشحين ضد مرشحي حزب النظام.

وعلى صعيد موازيي ظهر على سطح الأحداث مجموعات أطلقت على نفسها البلاك بلوك (الكتلة السوداء) أعلنت هدفاً لها التصدي للعنف الإخواني / الحكومي بعنف مقابل، وأطلقت غباراً شديداً من الدعاية حول نفسها، كان وقعها أقرب إلى عصب شبابية صغيرة ومغامرة، أقرب إلى الفوضويين منها إلى أي شئ آخر، مع فارق بسيط، كونها ذات طابع استعراضي ودعائي أكثر منها مجموعات واعية منظمة وتملك قدراً أو آخر من التدريب القتالي أو التسليح، أكثرها اخلاصاً كان أقصى ما يملكه هو الحماس والاندفاع ربما بجانب بعض زجاجات المولوتوف وفي أحسن الأحوال عدد تافه جداً من المسدسات محلية الصنع.

جاء يوم ٢٥ يناير ٢٠١٣ وما تلاه، اختباراً عملياً لكل من هذه المجموعات الشابة، وجبهة الانقاذ، سقطت الجبهة في ادانتها للعنف المضاد، حيث دعت لسلمية الاحتجاج في وقت يستخدم فيه أشد صور العنف المسلح ضد الاحتجاجات، ووفقاً للاعلام الرسمي اعتبر ذلك بمثابة “رفع الغطاء السياسي” عن جماعات العنف الدفاعي. ففي المسيرات التي انطلقت صباح ٢٥ يناير، ويقدر عددها بمئات الألوف، في القاهرة وعدد من المحافظات، كان مجموع المرتدين لزي جماعات الكتلة السوداء لا يتخطى العشرات، وفي المواجهات التي جرت مساء هذا اليوم وما يليه لم تكن هناك لا قوة ردع ولا قوة دفاع كافية لدى المتظاهرين، وجرت مواجهات عنيفة عند قصر الاتحادية وعلى أطراف ميدان التحرير في الأيام التالية اتسمت بنفس سمات المواجهات التقليدية بين الأمن والمتظاهرين، أي أن ميزان القوى في تلك المواجهات لم يطرأ عليه تغيراً ملجوظاً، سواء في أساليب المواجهة أو أدواتها، إلا أن الدعاية المضخمة عن الكتلة السوداء أعطت ذريعة لأجهزة الدولة لزيادة قمعها واضافة تهمة صارت جاهزة إلى قائمة الاتهامات التقليدية، الانضمام إلى جماعات البلاك بلوك التي وصمت إعلامياً كجماعة من البلطجية والمخربين، العنصر الوحيد الذي حد من اتساع هذه الدائرة القمعية البوليسية هو اتساع دائرة الاحتجاجات في محافظات عديدة، وخوف أجهزة الأمن من رد فعل التوسع في القمع.

لم يكن العنف الدفاعي إذا قوياً أو فعالاً، لم تستطع هذه الجماعات أن توفر الأمان داخل دائرة ميدان التحرير التي استمر فيها جرائم ومشاجرات وتعدي على النساء المشاركات في الاحتجاجات والاعتصامات، إن تشكيلاً مفتوحاً لا يحكمه اطار سياسي معين أو تقاليد خاصة يصير عرضة لاختراقات من كل نوع، يكفي أن ترتدي زياً أسود وقناع – أياً كانت أغراضك – وتتصرف باعتبارك من الكتلة السوداء، سواء ستقوم بأعمال نبيلة أو بأعمال اجرامية.

من جهة أخرى وفور اندلاع المواجهات بين المتظاهرين والأمن، سارعت جبهة الإنقاذ لاعلان تبرئها من “أعمال العنف” ولبست عباءة الحكمة داعية – جميع الأطراف – إلى ضبط النفس والتخلي عن العنف.

بالأمس حفزت الجبهة هذه الأعمال إلى حدود معينة، ثم تنصلت منها كلياً، هكذا بينت الجبهة أن صلتها بمقاعد الحكم أقوى من صلتها بالحركة الاحتجاجية، وإنها غير مستعدة لعمل تعبئة حقيقية لاسقاط النظام، وإنها مستعدة لـ”التفاوض” معه إن أجاب بعض المطالب “الديموقراطية”، سقطت الجبهة سقوطاً انتهازياً مروعاً، جميع الرهانات التي وضعتها نخب سياسية معينة على تلك الجبهة، تبين أنها رهانات خاسرة، وأن رموز الجبهة أقل من تصدر المشهد السياسي كممثلين لقوى الثورة. وما تبقى هو محاولة ترتيب أوراق انتخابية معينة قد تسفر عن قدر من المشاركة لنظام الإخوان، ولا عزاء للجماهير أو الثورة.

إلا أنه ليس صحيحاً أيضاً أن الجبهة لا ترغب في اسقاط حكم الإخوان، بشرط أن تفعله الجماهير منفردة وتقدمه هدية لقيادة الجبهة. أن يقدم لها الحكم على طبق من الفضة دون تكبد عناء القتال.

لم نكن لندين العنف الدفاعي بأي صورة، ولا ننكر على حركة جماهيرية استخدام العنف الهجومي للاطاحة بسلطة مستبدة، فلن يتخلى الإخوان – أو أي سلطة أخرى – عن الحكم وامتيازاته بالهتاف فقط، اسقاط مبارك تم خلف متاريس قتالية، وسقط آلاف من الشهداء بسبب قمع النظام وعصاباته، لم يكن سلمياً في أي لحظة، إلا في هتافات عارضة، عدا ذلك كاان العنف الدفاعي والمتاريس هم وسيلة الجماهير، إلا إنه كان عنفاً محدوداً، حيث لم يرغب أحد في الاحتفاظ بالنظام بعد أن تبين تصميم الجماهير على اسقاطه. مع نظام الإخوان استمرت المواجهات العنيفة، أضيف إلى الأمن المركزي جماعات الإخوان والسلفيين، ودخلت الجماهير في عدة محافظات في مواجهات عنيفة معهم، وقامت الجماهير بـ”أعمال انتقامية” تمثلت في حرق مقرات الإخوان وحزبهم، ترددت قوات الأمن في الدخول في معارك عنيفة مع الجماهير، إذ في أغلب تلك المعارك يخرج الأمن المهزوم الرئيسي منها. استبدل الرئيس وزير الداخلية بآخر، إلا أنه غير قادر حتى الآن على فرض قيود على فاعلية الجماهير.

يمكن تبسيط المشهد في العناصر الآتية:

۱. ادارة أمنية جديدة.

٢. جماعات عنف دفاعي صغيرة.

٣. محاولة البرجوازية المتوسطة وأجزاء من الرأسمالية الكبيرة بالتحالف مع يسار اصلاحي تصدر المشهد وجر الجماهير خلفها فيما يسمى “جبهة الإنقاذ”.

٤. غضب جماهيري واسع قابل للانفجار في أي لحظة، إلا أنه لم ينفجر بعد.

٥. عدم تبلور قيادة ثورية قادرة على تعبئة الجماهير وقيادتها.

٦. عدم تبلور قيادة طبقية داخل العمال أو الفئات الفقيرة.

وهي مفردات يمكن أن تتغير في أي لحظة، إذ أن الأجواء معبأة وجاهزة للانفجار في أي لحظة، ففي الوقت الذي نكتب فيه، توجد حوالي عشر مدن كبرى تشهد انتفاضات ومواجهات عنيفة بين الجماهير وأجهزة الأمن. والأمر قابل للاتساع خاصة بسبب عنف النظام وقتل عناصر من المحتجين، في مواجهة هذا القمع رعديد أو مسالم تافه فقط هو من يمكن أن يتنطع ويدين مظاهر العنف المحدودة التي تبديها الجماهير في مواجهة الرصاص والمدرعات، العنف الجماهيري الدفاعي شديد الأهمية ومطلوب في مثل تلك المواجهات، هذا أو تفرض سلطة الاستبداد الإخوانية الركوع على الحركة الجماهيرية. الثوريون دائماً في صف الجماهير ضد عنف الدولة، ولن يطلبوا من الجماهير أن تظل أيديهم ساكنة وهم يقتلون، أو أن يتعلموا الخوف والهرب عند اطلاق أول رصاصة غادرة من طرف البوليس. كل الوسائل التي تحد من عنف الدولة، وتجعل الشرطة مترددة في الهجوم، وتبقي الجماهير واثقة من قدرتها، وتحد من الطغيان المسلح للدولة الإخوانية، وسائل مشروعة وثورية.

إن المجموعات شبه الفوضوية الصغيرة التي تعلن عن مواجهة عنف الدولة، تعطي قدر من الثقة لمتظاهر لا يستطيع المواجهة العنيفة، ها هي نواة قوة شعبية تظهر، يمكن أن تشكل حائط صد ولو في حدود قليلة ضد هجمات الإخوان أو الشرطة، يمكن أن نطمئن بعض الشئ، هكذا سيفكر المتظاهر البسيط.

لا يعني هذا أننا نثمن هذه المجموعات بلا تحفظ، فجانبها الاستعراضي وفي حالتها الجنينية الراهنة أمر مزعج تماماً، فضلاً عن الطابع الفضفاض لتكوينها وقابليتها للاختراق أو نفاذ أشخاص سيئين فعلاً إلى صفوفها. هي ليست الجماهير، ليست لجان أحياء أو عمال مصانع أو نقابات أو تمثيل لأي كتلة اجتماعية، إنها بالضبط انعكاس لكل عوامل السلب في قوى الثورة.

٤. العنف الثورى وموقفنا من العنف اليائس

نحن نعلن وقوفنا بجانب حق الجماهير فى الدفاع عن ثورتها، وفى مواصلة الثورة حتى تحقيق اهدافها، بالوسائل اللازمة والمناسبة، بما فيها حق الجماهير فى مواجهة العنف بالعنف، فلا سلمية اذا اطلقت رصاصة واحدة باتجاه الجماهير، ولا سلمية اذا حاولت عصابة الاخوان او السلفين الاعتداء على المتظاهرين او فض مظاهراتهم بالعنف، لا تنجح ثورة إن لم ترد عنف الثورة المضادة بعنف مقابل، إلا أن ذلك يفترض عنف جماهيرى دفاعى وثورى، ومحله بالأساس هو التحركات الجماهيرية، مظاهرات ومسيرات واضرابات أو اعتصامات أو وقفات احتجاجية، وأكثر من ذلك، اذا قررت الجماهير أن تنتفض لاسقاط سلطة الاخوان بالعنف وفى انتفاضة جماهيرية مسلحة سنكون ضمن صفوفها. هذا النوع من العنف الجماهيرى الثورى هو مايزيد من ثقة الجماهير بنفسها ويرفع من قدرتها الكفاحية، ومكانه هو التحركات والمبادرات الجماهيرية.

إلا أن هناك نوع من العنف شبه المسلح يمارسه هواة ويائسين هو بلا شك عنف مجانى، بعضه مدفوع بالحماس والغضب، وبعضه يحفزه استفزازين مشبوهين قابعين فى بعض خيم الميدان أو يظهرون فى أوقات حرجة لجر الجميع إلى هذا العنف المجانى، عنف يزامن غالباً حالات الغضب السياسى الجماهيرى من سياسات النظام، أو اقتراب انتخابات، أو تطور سياسى لاعتصام سلمى، حيث يبدأ بجر آخرين لاشتباكات مع قوات الأمن أو الجيش ويبادرونهم بالهجوم، وتبدأ معركة عنيفة تستمر عدة أيام بلا هدف أو مطلب أو حتى شعار محدد، ويسقط شهداء ويصاب آخرون ويقبض على آخرون، ثم تنتهى المعركة فجأة كما بدأت.

لماذا حدثت، ماذا كان الهدف نها؟ ما من أحد ممن شاركوا فيها لديه إجابة. هذه المعارك تتسبب فى نفور قطاعات كبيرة من الجماهير، فضلاً عن أنها تستنزف – بلا فائدة ما – قوى الثورة، ارهاق واصابات وقتلى فى صفوفنا للاشئ تقريباً، وتنقل محور الصراع من هجوم سياسى متصاعد على النظام إلى صراع بدنى بائس لن ينتصر فيه ابداً بضعة عشرات أو مئات على المدرعات والرصاص، لن يقتحموا وزارة الداخلية، أو قصر الرئاسة، أو مبنى التليفزيون، ولا حتى يفكرون فعلاً فى اقتحامها، أدنى حساب للقوى والامكانيات يعرف أنها معارك محكوم عليها بالهزيمة مقدماً، جحافل من الجنود والمدرعات والأسلحة النارية السريعة لن  ينهزموا أمام بعض زجاجات الملوتوف أو بعض المسدسات محلية الصنع، وليس مستبعداً أن يكون من يجرنا لتلك المعارك البائسة هم أحيانا من عملاء للإخوان، بهدف توحيد الأمن خلف الرئيس ضد قوى الثورة واظهار الثورين بمظهر استفزازى منفر، أو حتى بعض الفلول بهدف الضغط على مرسى لتقديم تنازلات أكبر لهم أو خلق مزيد من التوتر أمام النظام الاخوانى، أو أى أجهزة أخرى لأهداف أخرى. وفى كل هذه الحالات نستخدم فى معارك لا تخدم الثورة أو أهدافها، بدلاً من أن تحشد جماهير أكبر لصفوفنا تنفرهم، نبدو عبثيين ومخربين بلا هدف واضح، وسيصدق البعض الدعاية المضادة عن وجود بطجية ومأجورين هم من يثير تلك المعارك.

وعلى الجهة الأخرى ستصيح المعارضة الليبرالية … أنظروا، النظام قمعى وقاتل، دون ان يكلفوا انفسهم عناء أى قتال، وليس صدفة أن قرارات الرئيس تصدر خلف غبار دخان تلك المعارك المصطنعه، وأن تجد دعاة الاستقرار يؤديدونها، مادام دخان الرصاص غير مفسر ويمنع المرور والحركة .. إلخ.

هذا النوع من العنف لا نؤيده ولا ندعو إليه هذه المعارك المستنزفة مشبوهة وتتسبب فى خسائر عديدة بشرية وسياسية، على العكس نحن ندعو كل قوى الثورة أيا كان موقعها، أن تعمل على منعها وأن لا تنجر إليها وأن تفضح الاستفزازين الذين يحاولون اثارتها وتعزلهم فوراً، فهى فى أغلب الأحوال فخ قاتل، وفى بعض الأحوال اندفاع أحمق ضار.

إن قيام بضع عشرات بقطع طريق عام أو كوبرى بلا أى هدف أو مطلب جماهيرى أو ثورى أو حتى أى مطلب على الاطلاق، مثل تلك الاعمال، منفرة للجماهير بقوة ولا تحقق أى كسب للثورة.

إن العنف الجماهيرى الثورى، سواء الدفاعى أو حتى الهجومى، هو عنف تقرره وتقوم به الجماهير، فى سياق ممارسة ثورية ولا صلة له بالأعمال المغامرة أو المشبوهة التى تضر عن قصد أو بدون قصد بمسار الثورة والتفاف الجماهير حولها. مايحدث فى كثير من الاحوال عند التحرير أو الاتحادية مثال بارز – وإن لم يكن الوحيد –  لتلك المغامرات والأفخاخ القاتلة.

نحدد معيارنا إذا لقبول العنف أو تأييده أو المشاركة فيه بما يلى:

أن يكون ضرورة دفاعية فى سياق فعل جماهيرى ثورى، ويحق لنا وللجماهير استخدام كل وسائل الدفاع اللازمة لرد العدوان.

أو أن يكون فعل ثورى هجومى تقوم به الجماهير منتفضة وغير راغبة فى الوقوف عند حد الاحتجاج وراغبة فى اسقاط النظام بالقوة.

أما الاندفعات المغامرة أو الأعمال الاستفزازية المشبوهة فنحن ضدها بوضوح تام ونحذر من الانجرار إلى افخاخها ونعمل بكل السبل على منعها.

٥. البرجوازية الصغيرة والنضال العمالى

كتل بشرية واسعة أغلبها عمال وفلاحين فقراء وطلاب وهامشيين، وبجوارها كتل أخرى من الطبقة الوسطى والرأسمالية الكبيرة. لم تبلور أي قوى طبقية نفسها كقيادة للثورة، التجمعات الكبيرة في مناسبات الحشد الواسع تبدو كبحر يجمع بين اللآلئ والرمم العفنة.والطبقة العاملة حتى الآن تخوض حربها على الأجناب وليس في القلب، اضرابات المصانع والاعتصامات العمالية وصلت إلى معدل غير مسبوق في تاريخها الكفاحي، إلا أن اضرابات المصانع ترفع رايات مطلبية مجزأة، خاصة بكل مصنع على حدة، وهي في عمومها مطالب متواضعة، لكن اتساعها يضغط بقوة على الطبقة الحاكمة كلها، لم ترفع الطبقة العاملة أي مطلباً يمثل هجوماً على سلطة رأس المال، وحتى لم تتوصل إلى تنسيق احتجاجات عمالية كبرى، ومن ثم لا ينظر إليها البرجوازي الصغير كقيادة ممكنة حتى الآن، وفي أحسن الأحوال ينظر إلى الاضرابات كعامل ضغط مساعد للحركة الديموقراطية، هذا إن لم يتهمها أنها تعطل نضاله الديموقراطي. إن البرجوازي الصغير يثق في مظاهرات الشوارع المرتبكة ومطالبها الديموقراطية المشوشة أكثر مما يثق في اضرابات المصانع.

إن كتل البرجوازية الصغيرة رغم اتساع حجمها اجتماعياً، وحيوية نشاطها الثوري الراهن، تمثل إلى حد كبير جموع تائهة، لقد حددت عدوها في سلطة الإخوان الاستبدادية، في النظام السياسي، لكنها لا تربط بين النظام السياسي والنظام الاقتصادي الرأسمالي، إن مبارك والعسكريين والإخوان وحتى جبهة الإنقاذ تمثيلات متنوعة لنظام واحد؛ الرأسمالية المصرية، وإن خلافها يعكس خلاف في مناهج ادارة الرأسمالية وانقاذها، وإن كان ثمة فروق بينها فهي لا تمس الجوهر، أي بقاء اقتصاد السوق والملكية الرأسمالية والخصخصة والليبرالية الجديدة، والباقي هو قشرة سياسية ليس أكثر.

ولأن البرجوازية الصغيرة ليست كتلة طبقية متجانسة، فليس لها لا مصالح خاصة متميزة ولا مشروع اجتماعي خاص. إلا أن القسم الأكبر منها يقترب وضعه من وضع العامل، وربما أسوء، بسبب البطالة والرواتب المتدنية وعد استقرار علاقات العمل، لذلك ترفع بشكل غامض شعار العدالة الاجتماعية، وليس لها تصور خاص عن تلك العدالة الاجتماعية وكيفية تحقيقها.

أحد مظاهر تيه البرجوازية الصغيرة، هو التنقل السريع والمتقلب بين التيارات السياسية، وحملها أفكار تقترب من اليسار مثلاً وهي عضوة في حزب ليبرالي، أو العكس أحياناً. في انتفاضة عمال المحلة الأولى (٢٠٠٨) سارعت جموع البرجوازية الصغيرة للالتفاف حول العمال ومطالبهم، بدت وقتها الطبقة العاملة قوية ومستعدة لتحدي النظام، سيتكرر الأمر في أي لحظة تقدم فيها الطبقة العاملة الدليل على قوتها واستعدادها لتحدي النظام، سيسير خلفها القسم الأكبر من كتل البرجوازية الصغيرة، سواء في المدن أو في الريف، وستشرع الطبقة العاملة في الظهور كقائد للأمة ومخلص للشعب. عندها فقط سيدير مركب الصراع الاجتماعي الدفة باتجاه الثورة الاجتماعية دافعاً إلى الهامش البرنامج التافه للليبراليين وشعاراتهم.

سيظل العمل بين جموع البرجوازيين الصغار سجين المطالب الليبرالية السياسية والاصلاحات المحدودة، طالما لم تخرج الطبقة العاملة إلى مسرح الصراع في صورة هرقل اجتماعي قادر على تحطيم المعبد الرأسمالي الليبرالي، إن قمع الاخوان لا يتناقض مطلقاً مع كونهم ليبرالية اقتصادية رأسمالية لا تختلف في هذا عن نظام مبارك أو أفق جبهة الانقاذ. يظل المعبد واحد والديانة، الليبرالية، واحدة وإن تنوع الكهنة.

ذلك يفرض على الثوريين الواعيين إعادة ترتيب عملهم مجدداً، والتركيز على بناء سياسي وتنظيمي داخل العمال، دعم ودفع نضالاتهم ومحاول الربط بينها، العمل على تنسيق جبهة مصانع تربط العمال على مستوى القطر وتجعل مطالبهم أعم وأكثر تقدماً، تلك هي الحلقة الرئيسية لتحويل دفة الثورة، الثورة السياسية نفسها محكوم عليها بالفشل بسبب كل عوامل التطور التاريخي للرأسمالية المصرية ووضعها الراهن في منظومة الرأسمالية العالمية، أفقها المطلبي وتذيلها القاطرة الأمريكية الليبرالية، أنانيتها وأولوية أرباحها وعجزها عن المنافسة، جبنها السياسي وخوفها من احركة الجماهير، إن من يراهن على ثورة سياسية برجوازية كمن يراهن على حمار أعرج أن يفوز في سباق خيل.

إننا وإن كنا لا ندين بأي درجة العنف الدفاعي الجماهيري، مع ادراكنا حدوده وسلبياته، لكن لا يمكن بأي حال المراهنة عليه كوسيلة لتحقيق انتصار، أقصى ما يستطيعه أن يصد بدرجة ما عنف الثورة المضادة وأجهزة الأمن. لكن مع جماهير لم تبلور قيادة طبقية أو سياسية ثورية، ستظل مناوشات واحتجاجات حتى اشعار آخر.

علينا نحن – بجانب كل الثوريين الجذريين – أن ندفع بقوة في خلق هذا الإشعار الآخر، في اللعب داخل عوامل القوة الكامنة في الطبقة العاملة لايقاظ ماردها النائم، هذا هو الإشعار الآخر الذي ينتظره مسار الثورة لوضع القاطرة على القضبان الصحيحة. ساعتها يمكن أن نراهن على كسب أغلب الجماهير إلى مسار صحيح، وجعل البرجوازية الصغيرة بكتلها الأكبر رافعة مساعدة لثورة اجتماعية تضع المعبد الرأسمالي برمته موضع المسائلة.

ثمة عوامل عديدة تعزز من توقع حدوث تطورات هامة وعميقة فى النضال العمالى، نميز  من بينها ثلاث عوامل :

اولاً، التوسع والتنوع الكبير فى خريطة الحركة الاضرابية وشمولها قطاعات ضخمة مثل النقل العام وغيره، والتزامن بينها الذى يشكل ضغطا من عدة جهات على النظام والطبقة الحاكمة، هذا المشهد يقترب، وإن بشكل غير ملحوظ، من أفق الاضراب العام ويمهد له.

ثانيا، نمو واتساع النقابات المستقلة وتزايد أعدادها على نحو متسارع، حيث جاوزت فى الشهور الأخيرة عدد الألف نقابة عمالية مستقلة، فضلاً عن نقابات حرفية ومهنية وفلاحية أخرى، وهو مايعنى بجلاء تحرر الطبقة العاملة من قبضة التنظيم النقابى الرسمى العميل واستقلال ارادتها وحركتها، الأمر الذى يقدم مستوى أعلى من التنظيم العضوى الحقيقى والمناضل فى صفوف العمال، ويعطى نضالاتها مرونة وقدرة وثقة أكبر. حيث أعضاء تلك النقابات اختارهم العمال فعلاً وأغلبهم جاء من معارك حقيقية أختبر فيها، أن طليعة عمالية جديدة واثقة تتشكل خلال تلك التشكلات النقابية.

ثالثاً، وهو المؤشر الأهم والباعث على تفاؤل ضخم، إن قطاعات من العمال بدأت فى الاعداد لخوض الانتخابات البرلمانية القادمة بمرشحين عضويين للطبقة العاملة، من بين عمال المصانع والشركات، ليمثلوا العمال فى البرلمان، تلك قفزة هائلة فى الوعى الطبقى للطبقة العاملة، إنها لا تشير فقط إلى اداركهم تمايز مصالهم الطبقية عن الطبقة الحاكمة والليبرالين، لكنها تشير أيضاً إلى دخول طبقى جديد لساحة الصراع السياسى على مقاعد الحكم فى مواجهة ممثلى الرأسمالية بتلاوينها المختلفة، المنافسة على الحكم بأفق عمالى، وبغض النظر عن موقفنا من البرلمان والنزعة البرلمانية نعتبر هذه الخطوة هى مايجب أن نلتف حوله وندعمه بكل صور الدعم الممكنه وإلى أقصى درجة، كل قوى اليسار والقوى التقدمية فى المجتمع، إن عشرات الشركات ترتب الآن قائمتها المشتركة، إنه ببساطة بداية صراع العمال على السلطة فى مواجهة مستغليهم، وإن كان لا يغنى عن التنظيم السياسى وضرورته، إلا أنه بلا شك سيدفع العمال فى خطوة تالية إلى التفكير فى بناء حزبهم السياسى الطبقى.

اليسار الثوري
فبراير ٢٠۱٣

Advertisements

مناقشة

2 thoughts on “حول الوضع الراهن .. العنف، البرجوازية الصغيرة، مسار الثورة، أزمة النظام وموقفنا

  1. هو ايه الفكر المبني عليه المنظمة بالظبط؟؟؟؟

    إعجاب

    Posted by جيفارا | فبراير 25, 2013, 5:26 م

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

حمل العدد الأخير من نشرة الثوري

آخر اصداراتنا

أنت الزائر رقم

  • 75٬512

Advertisements
%d مدونون معجبون بهذه: