مواقفنا السياسية, خطنا السياسي

30 يونيو، ابهار المشهد وتعقيداته


June 30 Egyptها نحن من جديد نندهش أمام حيوية تلك الثورة التي وثقنا بها، وراهننا على قدرتها وعلى استمرارها، وعلى طاقة وقدرة الجماهير في مواجهة النظام. تلك الثورة التي أطاحت بثلاث نظم سياسية على التوالي في أقل من 3 أعوام، دون أن تخمد نيرانها أو تقل عزيمتها، تلك الثورة التي لازالت تملك من مخزون الطاقة الثورية ومن القدرة ما هو أبعد بكثير من حدودها الراهنة؛ لقد أطاحت بمبارك وحاشيته ونفوذه، وأسقطت عدة وزارات في الطريق قبل أن تطيح بالسلطة العسكرية التي تولت الحكم بعد مبارك، وهاهي تطيح بأحد أهم حصون الرجعية والعمالة، التنظيم البرجوازي الشعبوي الأكبر ضمن أحزاب النظام الرأسمالي المصري في مشهد ألهب ولازال خيال الكرة الأرضية برمتها، إن خروج عشرات الملايين في يوم واحد يرجون سطح الأرض وسمائها بدقات كعوبهم وهتاف حناجرهم ضد استمرار سلطة الإخوان وحزبهم، لم يكن ضمن حسابات أكثر المحللين تطرفاً، خاصة في غضون أقل من عام على توليهم الحكم.

هذا المشهد أثار رعب البيت الأبيض في أمريكا، وفزع العدو الصهيوني الذي رأى في حكم الإخوان الجسر الذهبي لاستقرار أطماعه وتوسع أهدافه. وأخيراً أثار ذعر المؤسسة العسكرية التي لم تكن تتوقع تعبئة جماهيرية بهذا الشكل، تفوق من الناحية العددية جيوش أوروبا الغربية وأمريكا مجتمعين. ولنتوقف قليلاً عن الاعجاب ونتفحص بدقة هذا المشهد؛ مكوناته، عناصره، تركيبه، أهدافه، سيناريوهاته المتوقعة، وسبل دفعه وتجذيره ضمن المسار الثوري.

كان حكم الإخوان خياراً أملته الضرورة على الرأسمالية المصرية وعلى المؤسسة العسكرية، حيث لم ينجح العسكر في اخماد الثورة والسيطرة عليها،تصاعدت الاحتجاجات الشعبية ضد العسكر، ووقعت اشتباكات عديدة وسقط قتلى بنيرانهم، وبدا هذا كله أقل من خدش على جسم الثورة العفي المصمم على الاطاحة بالحكم العسكري، وخوفاً من تصدع الجيش تحت ضغط الاحتجاجات الشعبية، فقد تولى الأمريكان – بما لهم من علاقات خاصة مع الجيش ومع الإخوان – إعادة ترتيب المشهد السياسي الذي نقذ المؤسسة العسكري من أزمتها – لنتذكر مدى أهمية الجيش المصري لدى الإدارة الأمريكية تكفي الإشارة إلى دوره في حرب الخليج – ويحل محلها بديلل سياسي ذو شعبية ونفوذ، وفي ذات الوقت على استعداد أن يرعى المصالح الأمريكية والصهيونية.

لم يكن الليبراليون – رغم استعدادهم السياسي للقيام بهذا الدور – في شروط ملائمة، سيقف ضدهم الإسلاميون واليساريون ويحركون الشارع في مواجهتهم، ولم يكن اليساريون مستعدين للتعاون مع الحلول الأمريكية أو التواطؤ مع الجنرالات، فضلاً عن أنهم لا يزالون قوة غير قادرة على الهيمنة السياسية. كان الإسلاميون، بخطابهم الشعبوي وتنظيماتهم الكبيرة، الحل الذهبي في لحظة بهذا التعقيد، فإن نجحوا في اخماد الثورة وتحقيق استقرار النظام ليكن، فهم موالون ومتعاونون، وإن فشلوا سيسهل ذلك طرح بدائل أخرى.

أثبت الإخوان أنه ليس بالجدل االسياسي أو الديني وحده يمكن اسكات ثورة، لم يستقر حكم الاسلاميين ولم تنجح محاولتهم في فرض سيطرتهم على الجماهير، يمكنك الإدعاء والمناورة وأنت في صفوف المعارضة، لكن لا ينجح هذا أبداً وأنت في السلطة، خاصة إذا كان ذلك في سياق تعبئة ثورية وترقب جماهيري.

سقط الإخوان في امتحان السلطة سقوطاً ذريعاً، ضجرت الجماهير من أكاذيب السلطة الملتحية وفشلها السياسي، تفاقمت أزمات الوقود والغذاء والعمل، من ثم قررت الجماهير الإطاحة بسلطة برجوازية اللحية.

مبادرة صغيرة أطلقها بعض الشبان لتوقيع استمارة سحب الثقة من الرئيس الإخواني، كشفت حجم الرفض الجماهيري لسلطة الإخوان، فزاد ذلك من ثقة المترددين واستعد الشعب للخروج يوم 30 يونيو للإطاحة بهم.

على الرغم من خروج حوالي 30 مليون، الأغلبية العظمى فيهم من فقراء المدن والريف، من الأحياء الفقيرة والحواري والقرى والمحافظات، إلا أنه لا يجب إغفال شأن بضعة آلاف، يقف خلفهم بضع عشرات من رجال الأعمال وبقايا نظام مبارك، هؤلاء أيضاً يسعون إلى اسقاط الإخوان، ولكن ليس بهدف مواصلة الثورة أو تحقيق أهدافها، ولكن بهدف استعادة نفوذهم وتحقيق مصالحهم هم، هدفهم أيضاً أن تتوقف الثورة عن المسير بعد اسقاط الإخوان، ومن ثم دعموا مبادرة سحب الثقة بكل قوتهم.

لم يكن الأمر بعيداً عن المؤسسة العسكرية أيضاً، فالإخوان صاروا عبئاً لا يحتمل، وبدلاً من أن ينجحوا في فرض الاستقرار أدت سياستهم إلى توسيع الاحتجاجات الجماهيرية على نطاق قومي، كل خطوة أو اجراء يستفز جماهير أكبر وأكثر، صار وجود الإخوان خطراً على النظام بدلاً من أن ينقذه. وعلى ضوء استشعار قوة واتساع الغضب الجماهيري ضد الإخوان، قررت الأجهزة العسكري أن تلعب دوراً واضحاً في سيناريو الاطاحة، أولاً لتتخلص من سلطة سياسية أضحت خطراً يهدد بتجذر ثورة شعبية ضد النظام ككل، ثانياً لتكون قادرة على حجز الموجة الثورية الوشيكة عند حدود الإطاحة فحسب، ثالثاً ليلعب الجيش دوراً أساسياً في ترتيب البديل (المقبول عسكرياً وأمريكياً) دون مواجهة رفض شعبي لدور الجيش.

هكذا نزل رموز مهمين للمشاركة في اعتصام التحرير، منهم اللواء وكيل جهاز المخابرات السابق، الذي نصبته الميديا (التي يتحكم فيها رجال الأعمال) شارحاً ثومتحدثاً باسم الاعتصام والثورة. وتوالى ظهور وتصريحات رموز عسكرية أخرى تعلن عن رفض سلطة الإخوان ووطنية الجيش وانحيازه إلى الشعب. وتلاقت قوى سياسية؛ الليبراليون والفلول وبعض انتهازيو يسار الوسط، على ضرورة ألا يرتفع هتاف واحد ضد العسكر، والسكوت عن كل ما اقترفوه ضد الثورة. انطلقت آلة دعاية متعددة الأطراف تؤكد على تجريد الانتفاضة ضد الإخوان من أي بعد ثوري أو حتى اجتماعي. “فقط علم مصر ولا علم سواه”، “سلمية المظاهرات”، “اسقاط الإخوان ولا هدف سواه”، “تحيا مصر ولا شعار سواه”، هكذا سعت تلك الأجهزة (بترتيب أكيد بين الفلول والعسكر وتواطؤ آخرون من معسكر المعارضة) لضمان أن تؤدي الجماهير دوراً محدوداً، ويتولى كل أعداء الثورة ترتيب البدائل واستكمال الشق السياسي من المشهد.

ليس الأمر بهذه السهولة

تمهيداً لاسقاط الإخوان، امتنعت الشرطة تماماً عن التعاون معهم أو حتى حماية مقراتهم، انتشرت مدرعات الجيش تحمل شعار “حماية الشعب”، أُغلقت المنافذ الحدودية حتى لا يتسرب جهاديون إلى الداخل لحماية السلطة الإخوانية.

وأمام اتساع الحشود ارتبكت الجماعة وعجزت عن الإمساك بزمام المبادرة، في الوجه القبلي خرجت الجماعة الإسلامية تتصدى بالسلاح للمتظاهرين، مناوشات سقط فيها بعض الشهداء، أصبحت الجماعة نفسها معزولة جماهيرياً ومطلوبة للثأر الجماهيري منها.

على أثر حشود يونيو الجبارة، إطمأن العسكر لمساندة الجماهير لهم في الاطاحة بحكم الإخوان، فأعلن المتحدث الرسمي باسم الجيش بيان القوات المسلحة، الذي أمهل الإخوان 48 ساعة لحل الموقف والاستجابة لمطالب الشعب، تحدث البيان بلغة تقترب من لغة ضباط 1952، حيث تحدث بأبوية وتعاطف مع الشعب الذي عانى، توحدت الأجهزة الأمنية والعسكرية على عزل النظام وعدم حمايته، وأصبح أي تهديد له صفة رسمية غير مجدي بالمرة.
بادرت الجماهير في المحافظات إلى اتخاذ اجراءات ثورية؛ قطع الصلة مع حكم الإخوان، طرد المحافظين الموالين لهم، وحتى الاستيلاء على بعض المحافظات، في الأقصر قرروا تغيير اسم المدينة، في أسيوط والمنيا وبني سويف والسويس جرت مواجهات مسلحة مع الجماعة الإسلامية والإخوان، اكتفى شيوخ السلفيين بالتأييد الخطابي للنظام وامتنعوا عن المشاركة الفعلية في حمايته، بل إن حزب النور السلفي أصدر بياناً يرحب فيه ببيان العسكر، خداع الإخوان للسلفيين في مناسباتٍ عديدة كان سبباً رئيسياً في أن يخذلوهم.

هدف الجماهير وهدف العسكر

بارود الغضب الجماهيري أبعد وأقوى من أن ينفجر ضد الرئيس الإخواني فقط، إنه يسعى لتفجير الجماعة وحل حزبها وخلع الشرعية عنها، ومحاكمة الرئيس والمرشد وقيادات الجماعة، فضلاً عن الأهداف الاجتماعية الأعمق التي انطلقت من أجلها الثورة ولم تحل بعد. حملت الشعارات الجماهيرية “مصر بلا إخوان”، وأطلق المتظاهرون الشعبيون هتاف “الشعب المصري جعان .. وهياكل الإخوان”، انفتح القمقم وخرج مارد الثورة مجدداً أشد قوة وغضباً، وستصبح مشكلة العسكريين الذين ساعدوا على اطلاقه؛ فيما إذا كانوا يستطيعون اعادته إلى القمقم أم أنه سيواصل المسير.

إن الإخوان عصب مركزي للجماعات الدينية والجهادية في العالم العربي والشرق. وتلك القوى شديدة الأهمية للسياسة الأمريكية، بواسطتهم يمكن الضغط على أنظمة، ويمكن حرف مسار ثورات، وإثارة صراعات واستقطابات طائفية، إنهم – في وقت واحد – وسيلة وذريعة لتنفيذ السياسات الأمريكية ويمكن دائماً استخدامهم وتوظيفهم. لقد كانوا الجسر الذهبي لغزو أفغانستان،وحرف الثورة السورية، وإعاقة الثورة التونسية، والسيطرة على تركيا والسودان، وإثارة نزعات التقسيم الطائفي. لم يرغب الأمريكيون أبداً في “القضاء على الإرهاب الديني” وإنما ابقاءه وتوظيفه عند الحاجة والثورة المصرية تثبت ذلك.

لذلك سيضغط الأمريكيون على الجنرالات المصريين لانهاء هذا المشهد في حدود لا تؤدي إلى هزيمة ساحقة للإخوان والاسلاميين، فهم الاحتياطي الذهبي للسياسة الأمريكية، وبدرجة ما للنظام الرأسمالي المصري، ومن ثم يخطئ من يتوهم أن الجيش يسعى لإخراج الإخوان كلياً من المشهد السياسي ومن معادلة الصراع الاجتماعي، لكنه قد يضطر أمام تعنت الإخوان لاتخاذ اجراءات استثنائية ضدهم بما فيها عزل الرئيس وأيضاً القبض عليه وعلى بعض رموز وأعضاء الجماعة، نزع سلاحها وربما حل الجماعة مع الابقاء على على حزبها السياسي. وبالقطع قد تحدث بعض المواجهات التي يتدخل فيها العسكريون لفرض الحل على الجماعة بالقوة.

إن العسكريون يقفون الآن بين شقي رحا، أزمة النظام التي يفاقمها حكم الإخوان، والجماهير التي سيفلت عقالها ولا يمكن التنبؤ بمدى أفعالها، القيادة العسكرية الحالية سيطاح بها إذا استمر الرئيس، لذلك هي مجبرة على الاستمرار في سيناريو الاطاحة، ولكن شكل الإطاحة يتوقف على الساعات القليلة القادمة.
أحد السيناريوهات المطروحة، أن يتم ذلك بالتفاهم مع الإخوان، يعلن الرئيس الدعوة لانتخابات رئاسية مبكرة، ويتولى مجلس يرئسه رئيس المحكمة الدستورية السلطة حتى إعلان الرئيس الجديد، تلك هي غاية المهلة الـ 48 ساعة التي أعلنها العسكر.

السيناريو الآخر، أن يرفض فيضطرون لخلعه ويشكلون مجلساً مؤقتاً يشاركون فيه حتى إعلان رئيس جديد، وهذا السيناريو يجبر العسكر لتحقيقه على اجراءات استثنائية يتوقف مداها على مدة مقاومة الجماعة وأنصارها، هذا السيناريو يحمل ضمناً إمكانية حدوث هجوم شعبي عنيف على الجماعة تحت رعاية العسكر.

السيناريو الآخر، أن يرتبك الجيش ويتخبط في مواقفه، فيصاب بالشلل السياسي والعسكري تجاه أطراف الصراع، في تلك الحالة سوف تتسع وتطول نسبياً دائرة المواجهات، لكنها ستسفر حتماً عن ضربة قاضية (لا يرغبها الأمريكان بالقطع) للإخوان وأنصارهم، واختفائهم من المشهد لعشرات السنين على الأقل.

لدى الإخوان وأنصارهم سيناريو آخر، اللجوء إلى العنف باسم الدفاع عن الشرعية، وذلك في مواجهة أمة قررت بأغلبها الاطاحة بهم، الهدف الحقيقي هو إرهاب المظاهراتوالاعتصامات باستخدام الرصاص والخرطوش، وايقاع قتلى منهم، فقد يؤدي ذلك إلى انسحاب أعداد كبيرة مما يسهل على الإخوان السيطرة ع المشهد لأطول مدى. والهدف الآخر أن تلوح أشباح حرب أهلية فيفاوضون العسكر من مركز قوة ويحدون من الاجراءات التي قد تتخذ ضدهم. إن تباشير هذا السيناريو الأخير لاحت في الأفق، أعلن المرشد النفير للمعركة، وبدأت فرق الإخوان في النزول في عدة محافظات منذ أمس (الأول من يوليو) وقبل انقضاء المهلة التي حددها العسكريون لهم.

ولا تزال الساعات القليلة القادمة حاسمة في تحديد أي سيناريو سيحدث على الأرض، هل ينجح التفاوض المستند لضغط شبه عسكري في فرض إرادته أو على الأقل في حماية رؤوس القيادات الإخوانية، أم سيفررض الجيش إرادته بالعنف مستنداً إلى الانتفاضة الجماهيرية المعادية للإخوان، أم سيرتبك وتندلع المواجهات خارج سيناريوهات الإخوان والعسكر؟!

الثورة مستمرة

إن كل ما هو عميق وأساسي في الثورة من أهداف ومطالب، يبدو وقد أجل نفسه إرادياً في تلك اللحظة، إذ أن الإخوان ظهروا كعقبة استثنائية اعترضت خط سير الثورة، فتوقفت لازاحتها. ما أن تنزاح تلك العقبة سوف تدخل الثورة مجدداً في مسارها، كل المطالب والأحلام المؤجلة سترتفع من جديد، فإن لم تشهد المعركة الراهنة تجذراً واطاحة ثورية بالنظام ككل، ستكون القضايا العميقة الاجتماعية والسياسية الخاصة بالجماهير الشعبية والفئات الدنيا هي برنامج المعارضة في وجه الرئيس الجديد، ستكتب الثورة شعارها مجدداً على أعلامها وهي تتقدم صوب المساس الجذري بالنظام الرأسمالي .. إنه ببساطة “الثورة مستمرة”.

Advertisements

مناقشة

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

حمل العدد الأخير من نشرة الثوري

آخر اصداراتنا

أنت الزائر رقم

  • 69,389

%d مدونون معجبون بهذه: