مواقفنا السياسية, خطنا السياسي

اللحظه الرمادية والطريق الوحيد


حكومة الببلاوياستطاعت انتفاضة شعبية في 30 يونيو أن تضع نهاية لحكم الإخوان، إلا أن هذه الانتفاضة لم تتمكن من فرض بديل ثوري للسلطة الإخوانية لعدة أسباب، أهمها غياب القيادة الثورية التي يمكن ان تقود الجماهير إلي الطريق الصحيح للنصر، فى مواجهة تعقيدات المشهد الاجتماعي وتطلع قوى الثورة المضادة لإنهاء أجواء الثورة والتعبئة الجماهيرية، من ثم كان بديهياً أن تتلقف السلطة مجدداً أحد أجنحة الثورة المضادة.

كان برجوازيو حكم مبارك قد أُرهقوا بسبب الهجمات الجماهيرية المتتالية، ومن ثم لم يكن في قدرتهم قيادة ثورة مضادة أو مهاجمة إنتفاضات الجماهير، رأس المال الديني المستند لقطاعات شعبية أمعن في الثقه في قدراته علي لجم الجماهير وخداعها أثناء حكم الإخوان، أراد توجيه ضربة مزدوجة للجماهير، وللجناح الليبرالي العسكري، والاستحواذ علي المناصب الهامة في الدولة، والرقعة الأكبر من السوق والمقومات الإقتصادية، خطيئته كانت أنه لم يقدر قوة رد فعل الشعب  فتعرض لهجمات ومؤامرات من أعلي؛ بيروقراطية الدولة العسكرية، ومن أسفل؛ مواجهة قوة الحركة الجماهيرية، وبدلاً من تقديم تنازلات هنا وهناك لتخفيف الضغط المركب الذي يتعرض له،  استمر بغرور أعمى في عملية الإستحواذ السياسي والإقتصادي وفي تحدي الحركة الجماهيرية بالعنف والتهديد، وبينها ألقي مرسي عدة خطابات بهلوانية كانت قد فقدت تماماً قدرتهاً علي التأثير وصارت مادة للسخرية الشعبية.

وحدت التناقضات الظرفية تلقائياً الجناح البرجوازي الذي هزمته انتفاضة يناير مع الحركة الجماهيرية الثوريه في مواجهة سلطة الإسلاميين الرجعية والقمعية، وحيث أن الحركة الجماهيرية كانت تتحرك مدفوعة برفضها المباشر لسلطة الإخوان، وركزت هدفها في الإطاحة بها دون أن تضع بديلاً ثورياً على جدول أعمالها، كانت النتيجة المنطقية أن تسير خلف بدائل برجوازية مجدداً – تسعى لتحقيق نفس الهدف – حتى إشعار آخر، فنُظمت رموز الجناح البرجوازي نفسها في صورة رئيسية فيما يسمي (جبهة الإنقاذ) وساعد في أن تكون لتلك الجبهة قبول وتأثير أمام الجماهير إنضمام إصلاحيين، ناصريين ويسار إنتهازي إليها، إستفادت الجبهة من السمعة السياسية لحزب يساري مثل التحالف الشعبي، والحركة الشعبية التي دعمت حمدين الناصري، والدعم المالي متعدد المصادر ، وكذلك حزبي الدستور والمصري الديموقراطي الذين يمثلون ليبرالية إصلاحية، لايمكن وصف ما حدث بأقل من المساهمة في خداع الجماهير وخيانتها، فبدلاً من أن يقود اليسار تحالف يجر التيارت الإصلاحية خلفه ويتحرك بإستقلال في مواجهة الإخوان، وهو يعبد الطريق لبدائل أكثر راديكالية في تحركه ودعايته، إرتمى في حضن الجبهة البرجوازية وتحالفاتها مع بيروقراطية الدولة العسكرية، وفي الخلفية كان العسكر يمهدون لمشهد النهاية في مواجهة الإخوان، فعلى إثر إنتفاضة يونيو الجماهيرية تدخل العسكر – بإسم الإرادة الشعبية – لعزل الرئيس الإخواني وتنصيب رئيس مؤقت من القضاء. وزير الدفاع السيسي كان الرمز المباشر لهذه الإجراءات، وانطلقت حملة دعائية هائلة تمجد في الجيش والسيسي مقارنة بينه وبين القائد العسكري الوطني عبد الناصر، وليزيد المشهد سخرية تم تخصيص حقيبتين وزاريتين في الوزارة المؤقتة لأشخاص ناصريين، ورئاسة الوزراء لرمز ليبرالي من رموز الخصخصة، وهكذا اكتملت سخرية المشهد. تخبطت تنظيمات اليسار الأخرى في مواقفها، الاشتراكيون استشعروا الحذر من تخطيط العسكريون لإجهاض الثورة، ورغم إعلانهم ذلك إلا أنهم تحالفوا مع حركة تمرد المدعومة من جبهة الإنقاذ ومن العسكريين، رغم أن تلك الحركه وقفت بتحدي ضد أي دعاية في مواجهة العسكريين أو الفلول مؤكدة علي الإكتفاء بالإطاحة بسلطة الإخوان.

 وتخبطت أيضا مجموعات أخرى في مواقفها مثل الشيوعي المصري والتجمع الذين ساروا عملياً في ذيل جبهة الإنقاذ البرجوازية.

المواجهة المسلحة

فور عزل الرئيس تحركت الفرق الجهادية فى سيناء ومحافظات الصعيد، والإخوان فى القاهرة والجيزة وبعض محافظات الوجه البحرى، في هجمات ومظاهرات مسلحة وعمليات إغتيال جنود ورجال أمن ومحاولة السيطرة على المناطق، وجرت مواجهات مسلحة تحمل عبئها الأكبر مدة شهر تقريباً الجماهير في المحافظات والأحياء الشعبية، كان العسكريون وقتها يفتشون عن تسوية مع الإسلاميين لإنهاء الصراعات وإستقرار النظام مع ضمان مشاركة الإسلاميين، راهن الإسلاميون على ضغوط أمريكية وتدخل عسكري أمريكي يعيدهم إلى الحكم، ومن ثم  قرروا الصمود حتى يتم التدخل أو تثمر الضغوط، ففي أثناء وقبل حكم الإخوان كانوا قد برهنوا للإدارة الأمريكية على خضوع تام وإستعداد غير مشروط للتعاون وخاصة في التطبيع الاستعماري مع الكيان الصهيوني، أبدى الرئيس الأمريكي غضبه من الإنقلاب على الشرعية، وهدد بقطع المعونة واتخاذ إجراءات، إلا أن أوضاع الثورة العالمية من جهة شكلت حصاراً أو ضغطاً علي الأمريكان، ومن جهه أخرى كانت دوائر الحكم في أمريكا تهتم أكثر بما هو استراتيجي، فطالما لم يمسك الحكم قوى ثورية ليس هناك مشكلة مع بدائل للاسلامين، فالعسكريون أيضا حليف استراتيجي للبيت الأبيض، وجبهة الإنقاذ كذلك، كليهما لن يعارض المصالح الأمريكية، وليذهب حكم الإخوان إلى الجحيم طالما فشلوا في إدارة الموقف وفرض الاستقرار، هكذا ضاع صراخ أوباما في الفراغ، بل تغيرت خطابات البيت الأبيض تجاه الأوضاع في مصر.

في المقابل حاول الإسلاميون المسلحون استدرار تعاطف الجماهير، والرأي العام العالمي، بأن يظهروا كضحايا ومضطهدين من الحكم العسكري، ودفعوا أنصارهم إلى مواجهات إنتحارية مع الجماهير وبدرجة أكبر مع الدولة – البوليس والجيش – ليستثمروا مشهد الجثث والدماء في جلب تعاطف شعبي ودولي، كان نجاح الإخوان في تحقيق هذا الهدف محدوداً للغاية، والجماهير التي تعرضت لرصاصات وقمع الإخوان وسقط منها شهداء على أياديهم، لم تكن مستعدة للتعاطف معهم، وحرب الدعاية والدعاية المضادة في النظام الدولي لم تكن ذات أثر، لا في الخارج ولا في الداخل، وعلى الصعيد العسكري تم سحق مقاومة الإسلاميين المسلحين بواسطة العسكريين، وكذلك رجال الشرطة الذين تم إغتيال زملاء لهم علي يد الإسلاميين لم يدخروا جهداً في الإنتقام الوحشي من الإخوان، واستهدف العسكريون الإنتقام وكسر شوكة المقاومة الإخوانية فضربوا بقوة وقسوة ليسقط مئات القتلي في مواجهات غير متكافئة، ولم يكن للأمور في هذا السياق أن تمضي علي غير ذلك النمو. وسرعان ما إنقلبت الموازين تماماً بعد تبعثر محاولات التسوية الأولى لصالح الهيمنة العسكرية.

محاولة فرض الديكتاتورية

ليس العسكريون أو جبهة الإنقاذ تيارات إصلاحية، لقد تحالفوا في مواجهة الإخوان وفي خلفية اذهانهم تلك الرغبة العميقة والمشتركة في انحسار الثورة واستقرار النظام، وعند اجراء  أي مقارنة بين المؤسسة العسكرية والأجنحة البرجوازية تتغلب كفة العسكر، ليس فقط لأن معهم السلاح، ولكن لأنهم نجحوا مجدداً في كسب شعبية جارفة وظهروا بمظهر قوى التحرير الوطني، مناورة التفويض كانت رسالة موجهة لكل من تسول له نفسه تحدي المؤسسة العسكرية وليس فقط الإخوان، ووضع المثقفون الليبراليون أنفسهم تلقائيا في خدمة آلة الإعلام التي أصبحت مادتها الرئيسية وطنية الجيش وخطورة الإرهاب الديني وأولوية مواجهته، ومن ثم  اضطروا للصمت وإغماض العين عن المنحى الديكتاتوري الصاعد في مواجهة القطاعات الجماهيرية النشطة التي لا تزال تلهمها روح الثورة، غير انه لم يصل الوضع بعد إلى الصدام المكشوف بين الجماهير والمؤسسة العسكرية، أسطورة السيسي ( إمتداد ناصر ومنقذ الشعب )  لا تزال تعمل، والصدام المباشر مع الجماهير الان سيفجرها، وليس ثمة حاجه ملحة لدى العسكريون لهذا الآن، فثمة هدوء نسبي في الوضع الجماهيري، وحالة من الترقب والانتظار المصحوب بقدر من الأمل في العسكريين، والقطاعات المناضلة الاجتماعية، عمال / طلبة / فلاحين، لا تمثل خطراً كبيرا علي الاستقرار النسبي الراهن للنظام، وليس ثمة موجة إضرابية ضخمة في صفوف العمال، وتعيين وزير عمل ناصري حرك فيهم أوهام حول تحسين أحوالهم، وفي الجامعات والمدارس تحرك النظام لفرض سيطرته ولكن بقمع محدود ومحسوب، في ساحات التعليم وجد الإخوان متنفساً بعد إنحسارهم الشعبي وهو ما أربك ساحة العمل الطلابي التي لا تزال في بدايتها، فتراجع النظام عن فرض سلطة الضبطية القضائية في الجامعات حتى لا يستفز الطلاب .

في الريف كان ثمة تمركز للإخوان وأعوانهم في بعض المناطق، وحيث كانت المعارك دائرة في المدن استغلوا الفرصة لبسط نفوذهم في تلك المناطق – مثل دلجا وكرداسة .. – وتصرفوا بعدائية مع فقراء الأقباط، وما أن استقرت الأمور للسلطة في المدن حتي سارعت بإقتحام تلك المناطق وفرضت سيطرتها عليها، الفلاحين والمزارعين الصغار لم يدخلوا مسرح الصراع بقضاياهم الخاصة، فالريف عادة يتحرك خلف النضال المديني إلا في أحوال استثائية، قضايا الريف الموضوعية إذاً مؤجلة وفي الإنتظار، ومن ثم نشهد استقرار نسبي  عام قوامه مناورات سياسيه للنظام ، وقمع محدود في القطاعات النشطة ، وحالة انتظار وترقب جماهيري.

 ولا يمكن بطبيعة الحال لاستقرار محاصر ومرهون بالتطورات القريبة التالية أن يستمر إلا لوقت محدود ربما بضعة شهور.

سيناريوهات التطور اللاحق

من جهة البورجوازية والدولة ثمة هدف أسمى تسعى إليه، عندما تجد نفسها أمام جماهير منتفضة، أو ظروف ثورية، أن تستعيد السيطرة وأن تفرض الاستقرار – الهدوء / الاستقرار / عجلة الانتاج – وإعادة الجماهير إلي حالة السكون، كل شيء في سبيل هذا الهدف مشروع، لكنه مشروط أيضاً بقدرتهم علي تحقيقه، بميزان القوي الواقعي بين الطبقات وبمدي إستعداد الجماهير لقبول الهزيمة والخداع السياسي، الرد القمعي هو قدر الاحتجاجات الصغيرة في أغلب الأحوال لمنع إنتشارها أو إنتقال عدواها، ولكن أمام الانتفاضات أو الاحتجاجات الجماهيرية الكبرى تتراوح وسائل النظام بين المناورة والقمع، إن لم تنجح المناورة يلجأ للقمع وإن فشل القمع في إسكات الجماهير يعود النظام مرة أخرى للمناورة، هكذا سارت الأحداث في مجرى ثورتنا حتي الآن، تغيير الوجوه الحاكمة والأحزاب، مناورة، الخطابات والوعود، الانتخابات وتعديل الدساتير والقوانين، كل هذه مناورات يلجأ إليها النظام تحت ضغط الحركة الجماهيرية ليتفادى صعودها لمستوي أعلى من النضال، وبين ظرف وآخر يجرب قدرته على القمع، المناخ الحالي يفتح الباب أمام النظام لمناورة – الإنتقال السلمي – للسلطة عبر رئيس وبرلمان ووضع دستور، وذلك دون أدني مساس بأسس النظام البرجوازي، أن تصدق الجماهير الوعود وتهرع إلى الصناديق وتنتظر بصبر ما ستأتي به التشريعات والقرارات من أعلى، تلك هي العملية السياسية الجارية بعد الإطاحة بالإسلاميين.

هذا السيناريو تم تجريبه وأثبت فشله في خداع الجماهير أكثر من مرة،  فقائمة المطالب الجماهيرية كثيرة، وملحة، المظاهرات العمالية في مواجهة الوزير الناصري تعطينا فكرة عن فشل الوعود المجردة، نفاذ صبر الجماهير، عجز الإصلاحيين عن إحتواء الجماهير أو خداعها، وفي سياق الظروف الثورية لا تمنح الجماهير لبدائل النظام وقت طويل للإختبار. إن أزمة النظام تحاصره علي الصعيدين الاقتصادي والسياسي، وتطلعات الجماهير ومطالبها لا تحتمل التأجيل، فحتى لو تحقق السيناريو الإنتقالي لن يحل الأزمة، لكنه سيطيح بأكاذيب وأوهام الإصلاحيين ونفوذهم في الحركة الجماهيرية وفي وقت قصير للغاية، سيكون الإصلاحيون تحت ضغط رجال الأعمال والعسكريون من أعلى ، والجماهير المتململة والجاهزة للإنفجار مجدداً من أسفل،  وهم ليسوا مستعدين لمواجهة الدولة البرجوازية أو تحدي المؤسسة العسكرية، كما أنهم لن يكون باستطاعتهم تنفيذ إصلاحات مناسبة لإحتواء الحركة الجماهيرية ولا القدرة على قمعها او تحديها ، وستطبق عليهم دفتي الرحا كما حدث مع الإسلاميين، وبالمقارنة، سيكون سقوطهم سريعاً وسهلاً.

الفاشية والديكتاتورية العسكرية

منطق رد الفعل الإنفعالي وتردي مستوي التحليل السياسي، أديا إلي غلبة الخطاب التحريضي وإستخدام المفاهيم الجاهزة بتبسيط مبالغ فيه، ولأن مصطلح الفاشية يحمل معاني إتهامية ويشير إلي قمع رجعي شديد – ضمن دلالته – فقد شاع استخدامه مؤخراً؛ سلطة الإخوان أو رد فعل تنظيماتهم على عزل الرئيس،  فاشية دينية، والمواجهات الشعبية لعصابات الإخوان، فاشية الجماهير، إمكانية الاستيلاء العسكري على الحكم مباشرة بسبب ضعف أجنحة البورجوازية، فاشية عسكرية، وحتي الموقف الرافض لمساندة معتقلي الإخوان أصبح فاشيه حقوقية أو سياسية، هكذا شاع استخدام مفهوم الفاشية إلى حد الإبتزال، دون أدني جهد تحليلي ، يبدأ من فهم ظاهرة الفاشية نفسها ، ومدى توافر شروط قيامها في الحالة المصرية.

ودون تكرار حول – ماهي الفاشية – فإن أقصى ما يمكن أن يذهب إليه التحليل هو إمكانية قيام – دكتاتورية عسكرية – تحاول فرض الاستقرار وإنهاء الحالة الثورية بالعنف وبالقرارات العسكرية، هذه الإمكانية تم تجريبها أيضاً، فقد أخذ العسكريون الحكم إبتداء وأخفقوا في فرض ديكتاتوريتهم، والمشهد الحالي يتضمن مناورات سياسية تديرها المؤسسة العسكرية بالإتفاق مع حلف ليبرالي ناصري برجوازي ممثل بجبهة الإنقاذ، ومن ثم فإحتمالات قيام ديكتاتورية عسكرية مباشرة ليس وارداً في السياق الراهن، إذ يمثل تحدياً كبيراً ومخاطرة  أمام قوة الحركة الجماهيرية، ولابد من وضع هذا الإحتمال في سياق اللحظة السياسية ومعطياتها، فلن يقترب العسكر الآن من الحكم، إلا في إطار مناورات سياسية تراعي هذه المعطيات وتحاول تجنب الصدام مع الحركة الجماهيرية التي إختبرتها بالأمس القريب، لسنا إذاً أمام –  فاشيه – من نوع ما، وحتي لسنا أمام خطر قيام ديكتاتورية عسكرية سافرة، إلا أن إمكانية إمساك العسكر مقاليد الحكم ليست مستبعدة، ولكن ضمن إطار معقد سياسياً يجب محاولة فهمه. أقرب السيناريوهات السياسية التي تسمح بذلك للعسكريين هو السيناريو البونابرتي، وهو ما سنناقشه.

المخرج البونابرتي والعسكريون

في أعقاب صراع طبقي طويل ومنهك لجميع الأطراف تصبح البورجوازية عاجزة عن السيطرة وفي حالة إنهاك شديد، بعد أن تكون جربت سلسلة من المناورات والبدائل دون جدوى، والجماهير أيضاً قد أرهقت من عنف النضالات وتدهور الأوضاع دون حسم أو احتمالات انتصار في الأفق المنظور، هذا الضعف المتبادل والصراعات المرهقة التي لا حسم لها يجعل الجماهير تتوق إلي مخلص ولو من خارجها، والبورجوازية أيضاً تتوق إلى مخلص ينقذها من احتمالات السقوط، هكذا يتهيأ المسرح الإجتماعي لظهور البونابرت، الرجل الذي لا يمثل طبقة إجتماعية محددة، ومع ذلك يظهر كمخلص لكل الطبقات.

الحالة المصرية مُهيئة بإمتياز لحكم بونابرتي، إن المؤسسة العسكرية تظهر وكأنها قوة مستقلة عن الطبقات، وفى ذات الوقت  تحمي جميع الطبقات، ولذلك تبدو خارج حلبة  الصراع الطبقي المباشر، فهي تحمي الوطن ككل، هكذا تبدو، تمثل مصالح الأمة ككل، ومن ثم فإن ظهور البونابرت من داخل المؤسسة العسكرية هو الحالة النموذجية، وتجسدت تاريخياً في سلطة ناصر العسكرية، وأخفقت محاولة الرئيس الإخواني لتجربة الحكم البونابرتي، وتبدو الأحداث الجارية وكأنها تُمهد لها مجدداً، إن وزير الدفاع هو المرشح للقيام بالوظيفة التاريخية للبونابرت؛ تسكين الصراع حتي تستعيد البورجوازية المنهارة عافيتها وقدرتها على الإدارة المباشرة، فهو الرجل الذي كان يجلس في الخلفية دون تورط مباشر، والذي ظهر علي مسرح الأحداث كمخلص للأمة في مواجهة السلطة الإخوانية. إلا أن هزيمة العسكريين أمام قوة الجماهير التي لا تزال عالقه في الأذهان من جهه، وتفادي ظهور تدخله كإنقلاب بهدف الإستيلاء على الحكم، جعله يحرك الأحداث من خلف حكومة مؤقتة ورئيس شكلي مؤقت، ومن سيضطر إلى إتمام الإجراءات الدستورية العاديه لإنتخاب حكومة ورئيس، لكنه في ذات الوقت يمهد بذكاء طريقه إلى الحكم، وفي ذات الوقت يبدأ إجراءات الوظيفة التاريخية للبونابرت، ثمة إصلاحات ووعود وخطاب قومي شعبوي؛ إسقاط الغرامات، إسقاط بعض ديون الفلاحين، الحد الأدني للأجور، تحدي شكلي للإدارة الأمريكية، وقمع محدود في الجامعات والمدارس، تقوية أجهزة الأمن وعودة أمن الدولة للعمل، فرض أجواء بوليسية وطواريء وحظر تجول تحت ذريعة مواجهة الإرهاب.

ثمة فارق بين أبناء الفلاحيين والبورجوازية الصغيرة الذين قاموا بإنقلاب يوليو، ولواءات الجيش المصري الحالي بعلاقاتهم المتشابكة مع الرأسمالية المصرية، ومن ثم ليس متوقعاً أن نشهد ضغطاً علي البورجوازية مشابهاً لتأميمات 56 أو 61. الفصل الأول الجاري حالياً هو سلطة مدنية إصلاحية، على الأغلب ستسقط سريعاً أمام ضغط المطالب الجماهيرية وأنانية رجال الأعمال الذين لن يتنازلوا أمام مطالب الجماهير بالإضافه لخسائرهم بسبب الوضع الثوري، وهو ما سيفجر مجدداً الصراعات والانتفاضات، عندها سيخرج المخلص المتجرد من مكمنه ليمسك بالحكم إستجابة لرغبة الجماهير.

الاصلاحات التافهة التي تمت، أو التي يمكن أن تسمح بها البورجوازية المصرية التي ستحكم من خلف ستار العسكريون سوف تلغم الأرض تحت المنهج البونابرتي. لن يتقدم وزير الدفاع للترشح في الإنتخابات الوشيكة، رغم الضغوط الشعبية الموجهة ومن ثم سيزيد رصيده كمواطن متجرد عند الجماهير، وبهذه القوة سيكون وسيلة الرأسمالية المصرية لكبح أي إصلاحات لا ترغبها، ومن ثم سيتورط الإصلاحيون في الإمساك بالحكم وعليهم أولاً تهدئة الأوضاع الجماهيرية بينما لا يملكون فعلاً أي موارد للتهدئة، هذا هو السيناريو القريب، ثم يدخل البونابرت المسرح بالوعود والخطب الرنانة، سواء كمرشح في إنتخابات عاجلة، أو كسلطة عسكرية قررت إنقاذ الوطن وفرض الإستقرار.

هذا السيناريو مرهون بإستمرار الفترة الرمادية الحالية لوقت أطول من عدمه؛ الصراعات المتداخلة بين الإخوان والسلطة، الإخوان والجماهير، القطاعات الجماهيرية النشطة، وتناقضات الأهداف وتداخلها، مع الحذر الجماهيري من عودة الإخوان في حالة تصاعد الصراع ضد الدولة، وهو ما يؤدي الآن إلى سكون نسبي في الحركه الجماهيرية بل وحتي مساندة للدولة في صراعها ضد الإخوان. هذا الصراع المركب، بجانب السكون النسبي، يفرض جواً رمادياً علي  مسرح الصراع، إن السلطة بحاجة إلى تعظيم الخوف من الإخوان لفرض الصمت الجماهيري والأجواء البوليسية، ومن ثم ستسعى لإطالة أمد هذا الوضع دون حسم، لتوفر لنفسها فرص أكبر في ترتيب الأوضاع وتمهيد المسرح أمام المخلص، وربما ركنت الجماهير  اثنائها إلى الخمول واليأس من إمكانية تغيير ثوري. ، إلا أن بذور الشقاق بين الجماهير والدولة بدأت تظهر كمقدمات في القطاعات الناشطة، الطلاب والعمال، ولكن في حدود، فلازال الوضع رمادياً. الانتخابات والبرامج والمطالب والصراعات الحزبية ستمثل مسرحاً ملائماً لصعود جديد للصراعات الطبقية والسياسية ، أو على الأقل وضع القضايا الرئيسية علي مائدة النقاش الجماهيري مجدداً، ليس السيناريو البونابرتي محتم الحدوث، فلو وثقت الجماهير بنفسها مجدداً في أعقاب اللحظة الرمادية،  أو إذا حققت بعض القطاعات الجماهيرية إنتصاراً في مواجهة الدولة أو رجال الأعمال، سيعزز ذلك الأمل مجدداً في تحقيق مكاسب وتنازلات جماهيرية أكبر – وهي تافهة للغاية – وسيصطدم ذلك بحدود تنازلات النظام  (وهى حدود تافهة للغاية)، أو عدم قدرته علي تحقيق المطالب الجماهيرية التي تعي البرجوازيه جيداً درس أنها لو حققتها لن تكون الأخيرة، وستجر بعدها مطالب أكثر فأكثر.

لن يكون طريق البونابرت ممهداً، يمكن لحالة السكون الحالية أن تكون فترة راحة – تتوزع أثنائها الألغام فى كافة الجبهات – يعقبها دخول قوي للجماهير، ولكن تظل مسألة القيادة الثورية والبديل الذي تدفع به الثورة قضية غير محلولة رغم مركزيتها وضرورتها لتحقيق نصرها ضد الرأسمالية المصرية.

الطريق الوحيد

تهافت بعض اليسار علي التحالف مع الليبرالية ورموز النظام ممثلاً في جبهة الإنقاذ، لمشاركتهم الحكم ومحاولة فرض بعض الإصلاحات الديموقراطية من اعلى ، وعبر أجهزة الدولة الحالية، هو هزيمة بلا شك إن لم نقل خيانة للجماهير، ولن تؤدي لا إلى تحقيق مكاسب ديموقراطية ولا إلي تقوية الحركة الجماهيرية،  وإنما سيؤدي فحسب إلى محاسبتهم لاحقا كحلفاء للنظام بواسطة الجماهير حال إنتصارها، أو حال صعود نضالاتها مجدداً.

بعض اليسار الآخر الذي راح يشكل جبهة موازية لجبهة الإنقاذ؛  ثوار،- تتسع لإسلاميين  وليبراليين بهدف إدخال إصلاحات هيكلية علي أجهزة الدولة، ومطالب أخرى ديموقراطية  متواضعة هو أيضا أدار الظهر للحركة الجماهيرية ولهدف إنتصار الثورة، أغلب قوى اليسار تبدو وكأنها يأست من قدرة الجماهير علي تحرير نفسها، ومن ثم دخلت مسار الإصلاح الديموقراطي السلمي في حدود النظام القائم، ونكست عملياً رايات الثورة والعمل علي دفع الجماهير للإطاحة بالنظام بكل السبل الثورية الممكنة، والتي بلا شك تتجاوز  إطار الديموقراطية القائمة وصناديق الإقتراع الشهيرة .

إن التمسك براية الثورة ليس بأي حال مجرد ترديد هتافات راديكالية في المناسبات، لكنه مسار صعب يتطلب أولاً فهم عوامل الضعف في الحركة الجماهيرية وفي مقدمتها العمال والأحياء الفقيرة في المدن والقطاعات النشطة سواء بين المهنيين أو الطلاب. فلا تزال المعضلة الأساسية التي تواجه الثورة، والتي حالت بين الجماهير وبين إستلام السلطة التي مرت فعلاً بين أصابع الحركة الجماهيرية دون أن تمسك بها، هي قضية التنظيم بشقيه، التنظيم الجماهيري العضوي – النقابات واللجان والروابط ….. إلخ – والتنظيم السياسي الثوري، وكلا العمليتين مرتبط ومتداخل ويجب العمل فيهما معاً بالتوازي، فكلاهما يقوي الآخر ويدفعه إلى الأمام.

ويتطلب ثانياً فضح البدائل البورجوازية الديموقراطية، ومناورات النظام، وخيانة التقدميين، وفي نفس الوقت وضع التكتيكات الملائمة في كل حركة دون مغامرات طفولية أو تردد إنتهازي، مع الأخذ في الإعتبار حال توازنات القوى في كل لحظة وتبدلاتها، مستوى تنظيم الجماهير، درجة إستعدادها لخوض هذا  النضال أو ذاك، وصياغة الشعار والمطالب الملائمة في كل حركة، والتي يمكنها أن تدفع هذا النضال إلي الأمام دون أن تفصلنا عن الجماهير.

لا يعني ذلك أننا نرفض النضال من أجل مطالب ديموقراطية وإلا حكمنا علي أنفسنا بالعزلة وبالسلوك الطفولي، إلا أن شرط ذلك هو أن يكون هذا المطلب هدفاً للجماهير، وأن تكون الجماهير نفسها مستعدة لخوض نضال من أجله، إذ أن أي إصلاح ديموقراطي مهما كان تافهاً، يمكن أن يدفع حركة الجماهير إلى الأمام لو تحقق بواسطة نضال جماهيري، أما الإصلاحات التي يمكن أن تتحقق نتيجة تسوية نخبوية مع الدولة وبدون نضال جماهيري ليس لها أي أهميه من زاوية تقوية الحركة الجماهيرية وتنظيمها وزيادة ثقتها بنفسها ورفع وعيها عبر المعارك والنضالات، هذا النوع من المعارك الفوقية ليس مُدرجاً على جدول أعمالنا.

يبدو هذا الطريق شاقاً، وقد يطول بعض الوقت وقد يحرمنا من تأييد القطاعات الليبرالية ورجال الأعمال والمتعاطفين مع الحركة في شكلها الحالي ولا يرغبون – بالقطع – في تجذيرها ودفعها أكثر من ذلك. نعم كل هذا صحيح، فلن يعمل الليبراليون ورجال الأعمال من أجل انتصار ثورة جماهيرية أو خلق نظام طبقي ثوري، لهذا تحديداً يتعاطفون مع الحركة لإبقائها ضمن حدود الديموقراطية البورجوازية. ولأن لهم أيضا معركتهم الخاصة حول حصص الحكم والمقاعد الوزارية والبرلمانية، هذه المعركة التي يمكن استخدام الجماهير فيها في حدود معينة. هؤلاء طبقيون في معسكر الثورة يدخلون من باب ضعف الحركة الجماهيرية وتأخر وعيها وغياب منظماتها الثورية المستقلة ويعاونهم في ذلك تقدميون إنتهازيون.

وسواء كان هذا الطريق شاقاً أم ممهداً لا يمكن بأي حال لمن يثق بقدرة الجماهير علي النصر، ويرفض أن يدير ظهره إلى الجماهير وإلى هدف الثورة الجذري. إلا أن يسير فيه فهو بالنسبه للثوريين ليس خياراً مطروحاً ضمن خيارات أخري،  إنه الخيار الوحيد.

وبدونه ستعبر الثورة كحلم عابر وتُهزم الحركة الجماهيرية بتواطؤ من الانتهازيين، ونجد أنفسنا مضطرين رغم كل ذلك إلى العبور  مجدداً،  وفي ظروف أقل ملائمة وأكثر صعوبة في هذا الطريق، فلن تمر هزيمة الثورة – في حال هزيمتها – بسلام، بل سيصحبها دماء كثيرة هي دماء الثوريين هذه المرة، وربما أيضا التيارات الوسطية الانتهازية، فالثورة المضادة لن ترغب وقتذاك في رؤية أشباح الثورة تطوف من جديد في شوارع العاصمة.

Advertisements

مناقشة

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

حمل العدد الأخير من نشرة الثوري

آخر اصداراتنا

أنت الزائر رقم

  • 74٬551

Advertisements
%d مدونون معجبون بهذه: