نصوص ماركسية, المكتبة

مقدمة لكتاب ماركس الحرب الأهلية في فرنسا


فريدريك إنجلزبقلم: ف . إنجلز

كتبها فريدريك انجلس لطبعة على حدة
من مؤلف ماركس “الحرب الأهلية في فرنسا“،
صدرت في برلين عام 1891


لم أكن أتوقع أن يطلب إلي إعداد طبعة جديدة لنداء المجلس العام للأممية حول “الحرب الأهلية في فرنسا“، وأن أقدم له. وكل ما في وسعي هنا هو أن أتناول بإيجاز أكثر النقاط أهمية.

إنني أصدر النداء الأطول المشار إليه آنفاً بالنداءين الأقصر منه اللذين أصدرهما المجلس العام حول الحرب الفرنسية – البروسية.

وذلك أولاً، لأن النداء الثاني من هذين الندائين قد أستشهد به في “الحرب الأهلية” ولأنه بحد نفسه دون النداء الأول، لا يمكن فهمه بصورة تامة، وكذلك لأن هذين الندائين اللذين سطرهما ماركس أيضاً، هما مثلان بارزان ليسا بأقل دلالة من “الحرب الأهلية” على الموهبة الفذة التي يتمتع بها المؤلف في فهم طبيعة الأحداث التاريخية العظمى وفحواها ونتائجها الضرورية فهماً صحيحاً في الوقت الذي تكون فيه هذه الأحداث ما تزال تجري أمام ناظرينا، أو عقب وقوعها مباشرة، وهي الموهبة التي تجلت أول ما تجلت في “الثامن عشر من برومير لويس بونابرت“. و أخيراً، لأننا ما نزال نعاني حتى الآن، نحن في ألمانيا، من العواقب التي نشأت عن هذه الأحداث و التي تنبأ بها ماركس.

ألم تتحقق نبوءة النداء الأول القائلة أن حرب ألمانيا الدفاعية ضد لويس بونابرت، إذا انتكست إلى حرب فتح وقهر ضد الشعب الفرنسي، تأتي على ألمانيا أن تتحمل من جديد و بشكل أدهى و أمر جميع المصائب التي حلت بها بعد ما يدعى “بحرب التحرير“؟(*) ألم نبل عشرين سنة كاملة أخرى من حكم بسمارك، حل بها القانون الاستثنائي واضطهاد الاشتراكيين[1] محل ملاحقات الديماغوجيين، بنفس ما كانت تنطوي عليه من إجراءات بوليسية تعسفية و تفسيرات للقانون تثير أشد الاشمئزاز؟

ثم ألم تتحقق حرفياً النبوءة القائلة بأن ضم الألزاس – اللورين “سيرغم فرنسا على الارتماء في أحضان روسيا“، وإنه سيترتب على ألمانيا بعد هذا الضم إما أن تصبح خادم روسيا بصورة سافرة وإما أن تبدأ بعد فترة قليلة من الراحة تستعد لحرب جديدة، هي “حرب عنصرية ضد العنصريين السلافي والروماني مجتمعين“؟ ألم يؤدي ضم الإقليمين الفرنسيين إلى دفع فرنسا إلى أحضان روسيا؟ ألم يخطب بسمارك عبثاً ود القيصر طيلة عشرين سنة كاملة بخدمات له وبالركوع أمام أقدام “روسيا المقدسة” وذلك بصورة أكثر خشوعا مما تعودت عليه بروسيا الصغيرة قبل أن تصبح “الدولة العظمى الأولى في أوروبا“؟ أوليس حقاً أننا ما نزال نجد سيف داموقليس مسلطاً دائما فوق رؤوسنا، منذراً بحرب تنثر هباءً في أول يوم من أيامها جميع أحلاف العواهل الورقية، حرب ليس من أمرها ما هو ثابت مؤكد اللهم إلا الغموض المطلق الذي يكتنف نتيجتها، حرب عنصرية تعرض أوروبا بأسرها للدمار والنهب على يد خمسة عشر أو عشرين مليوناً من الجنود المسلحين، حرب لم تندلع نيرانها بعد الآن إلا لأن حتى أقوى دولة من الدول العسكرية الكبرى يهولها عجزها المطلق عن تقدير نتائجها الأخيرة.

وهذا ما يلزمنا، من باب أولى، أن نضع مرة ثانية في متناول العمال الألمان هاتين الوثيقتين اللتين تكادان أن تكونا منسيتين الآن، و اللتين تدلان بصورة رائعة على بعد النظر الذي اتسمت به السياسة العمالية الأممية في سنة 1870.

إن ما قلته عن هذين الندائين ينطبق أيضاً على النداء “الحرب الأهلية في فرنسا“. في 28 أيار (مايو) سقط آخر مكافحي الكومونة على سفوح بيلفيل في النضال ضد قوى عدوة متفوقة؛ و بعد يومين فقط، في 30 أيار (مايو) تلا ماركس على المجلس العام مؤلفه الذي حدد فيه المغزى التاريخي لكومونة باريس في خطوط كثيرة قوية، ولكنها على جانب من الصواب بل على جانب من الصحة، قبل كل اعتبار، لم يدركهما كل ما كتب بعد ذلك من مؤلفات كثيرة في هذا الموضوع.

لقد أضحت باريس في السنوات الخمسين الأخيرة، بفضل التطور الاقتصادي والسياسي الذي طرأ على فرنسا منذ عام 1789، في وضع جعل من المتعذر أن تنشب فيها أية ثورة دون أن ترتدي الطابع البروليتاري؛ و عليه فإن البروليتاريا التي كانت تدفع دماءها ثمن النصر تقدمت بمطالبها الخاصة بعد النصر. وقد كانت هذه المطالب غير واضحة، إلى هذا الحد أو ذاك، وحتى مشوهة، تبعاً لدرجة التطور التي بلغها عمال باريس في الفترة المعينة، ولكنها جميعاً كانت تنحصر في نهاية الأمر في إلغاء التناقض الطبقي بين الرأسماليين والعمال. صحيح أن ما من أحد كان يعرف كيف يجب تحقيق هذا الإلغاء. لكن المطلب، مهما كانت الصيغة التي صيغ بها غير محددة، كان ينطوي بحد ذاته على تهديد للنظام الاجتماعي القائم، والعمال الذين قدموا هذا المطلب كانوا ما يزالون يحملون السلاح، ولذلك كان تجريد العمال من السلاح هو أول المقتضيات بالنسبة للبرجوازيين المتربعين على دست الحكم. ومن هنا، كانت كل ثورة كان يؤمن العمال انتصارها، يليها نضال جديد ينتهي بهزيمة العمال.

حدث هذا أول مرة في سنة 1848. كان البرجوازيون الليبراليون من المعارضة البرلمانية يقيمون الولائم منن أجل الإصلاح، سعياً منهم وراء إصلاح انتخابي يضمن لحزبهم السيطرة. وأكثر فأكثر أرغمهم النضال ضد الحكومة على التوجه إلى الشعب وترتب عليهم أن يتنازلوا تدريجياً عن مركز الصدارة إلى الفئات الراديكالية والجمهورية من البرجوازية والبرجوازية الصغيرة. ولكن خلف هؤلاء كان يقف العمال الثوريين اللذين اكتسبوا منذ سنة 1830 قدراً من الاستقلال السياسي أعظم بكثير مما كان يتوهم البرجوازيون وحتى الجمهوريون. وحين نشبت الأزمة في العلاقات بين الحكومة والمعارضة، بدأ العمال نضال الشوارع؛ واختفى لويس فيليب، و معه اختفى الإصلاح الانتخابي؛ وفي مكانه قامت الجمهورية؛ جمهورية أعلنها العمال المنتصرون جمهورية “اجتماعية“. ولكن ما من أحد كان يدرك بوضوح مضمون هذه الجمهورية الاجتماعية، ولا حتى العمال أنفسهم. ولكنهم كانوا يملكون السلاح في ذلك الحين وصاروا قوة في الدولة. ولذلك ما أن شعر الجمهوريون البرجوازيون الذين كانوا على دست الحكم بشيء يشبه الأرض الثابتة تحت أقدامهم حتى كان عملهم الأول تجريد العمال من السلاح. وقد جرى ذلك أثناء انتفاضة حزيران (يونيو) 1848، التي اضطر العمال للقيام بها بسبب من التعمد في نكث العهود المقطوعة لهم ومن الازدراء السافر ومن محاولة نفي العاطلين عن العمل إلى أحد الأقاليم النائية. وضمنت الحكومة لنفسها مسبقاً تفوقاً ساحقاً في القوى. وبعد خمسة أيام من الكفاح البطولي هزم العمال. وإذ ذاك بدأ التنكيل الدموي بالأسرى العزل، على نحو لم يشهد له التاريخ مثيلاً منذ أيام الحروب الأهلية التي أدت إلى سقوط جمهورية روما، وكانت هذه المرة الأولى التي أظهرت فيها البرجوازية إلى أي مدى من القسوة المسعورة تنتقم من البروليتاريا حين تجرؤ هذه الأخيرة على الوقوف في وجه البرجوازية كطبقة خاصة، لها مصالحها ومطالبها الخاصة. ومع ذلك فإن ما حدث في سنة 1848 لم يكن إلا لعب أطفال إذا ما قيس بالجنون الذي تملك البرجوازية سنة 1871.

وجاء العقاب على الأثر. فإذا كانت البروليتاريا لا تستطيع بعد حكم فرنسا فإن البرجوازية قد أصبحت عاجزة عن الحكم. كانت عاجزة عن الحكم في تلك الفترة على الأقل: فإنها كانت لا تزال آنذاك بغالبيتها ذات ميول ملكية، وكانت منقسمة إلى ثلاثة أحزاب لأسر مالكة وحزب رابع جمهوري. وقد أتاحت نزاعاتها الداخلية للمغامر لويس بونابرت أن يستولي على جميع مراكز السيطرة – الجيش والشرطة والجهاز الإداري – وأن ينسف في الثاني من كانون الأول (ديسمبر) سنة 1851 آخر معقل من معاقل البرجوازية؛ الجمعية الوطنية. وبدأت الإمبراطورية الثانية؛ استغلال فرنسا على يد عصابة من المغامرين السياسيين والماليين، ولكن في الوقت عينه بدأ تطور صناعي لم يكن ممكناً حدوثه في ظل النظام الوجل التافه الذي كان سائداً في عهد لويس فيليب، حينما كانت السيطرة مقصورة تماماً على فئة ضئيلة من البرجوازية الكبيرة. لقد انتزع لويس بونابرت من الرأسماليين سلطتهم السياسية بحجة حماية البرجوازية من العمال، ومن الناحية الأخرى، بحجة حماية العمال من البرجوازية؛ و بالمقابل شجع حكمه المضاربة والنشاط الصناعي، وبكلمة، شجع على نهوض البرجوازية بأسرها اقتصادياً وعلى إثرائها إلى مدى لا سابق له حتى ذاك. ولكن الفساد والسرقة بالجملة اللذين أصبح البلاط الإمبراطوري مركزهما ازدادا  بمقياس أكبر، وأديا إلى انتزاع نسبة مئوية كبيرة من هذا الإثراء.

ولكن الإمبراطورية الثانية كانت نداء إلى الشوفينية الفرنسية، كانت مطالبة باستعادة حدود الإمبراطورية الأولى التي فقدت سنة 1814، أو على الأقل، حدود الجمهورية الأولى. إن قيام إمبراطورية فرنسية ضمن حدود الملكية القديمة، وفي الواقع، ضمن الحدود الأضيق التي وضعت عام 181، إن مثل هذا الوضع لم يكن من الممكن أن يطول. ومن هنا ضرورة القيام بحرب بين آونة وأخرى و توسيع الحدود. بيد أنه لم يكن هنالك توسيع للحدود أكثر إلهاباً لخيال الشوفينيين الفرنسيين من مدها إلى الضفة الألمانية اليسرى لنهر الراين. إن ميلاً مربعاً واحداً على الراين كان، بالنسبة لهم، يفضل عشرة أميال في جبال الألب أو في أي مكان آخر. و طالما كانت الإمبراطورية الثانية قائمة، فإن المطالبة باستعادة الضفة اليسرى للراين دفعة واحدة أو على دفعات كانت مسألة وقت ليس إلا. وقد جاء هذا الوقت بقيام الحرب النمساوية – البروسية في سنة 1866. وبونابرت، الذي خدع من قبل بيسمارك بشأن “التعويضات الإقليمية” التي كان يتوقعها، وكذلك بفعل سياسته التي اتسمت بالتردد والمغالاة في المكر، لم يجد أمامه مخرجاً غير الحرب التي اندلعت نيرانها سنة 1870 فساقته إلى هزيمة سيدان ومن ثم إلى الأسر في ولهلمزهيي.

و كانت النتيجة الحتمية ثورة 4 أيلول (سبتمبر) 1870 في باريس. فقد انهارت الإمبراطورية كبيت من ورق اللعب وأعلنت الجمهورية من جديد. ولكن العدو كان يقف على الأبواب؛ وجيوش الإمبراطورية كانت إما مطوقة في ميتز بلا أمل في الخلاص، أو تحت الأسر في ألمانيا. وفي هذا الوضع الحرج سمح الشعب لنواب باريس في الهيئة التشريعية السابقة بأن يعلنوا أنفسهم “حكومة الدفاع الوطني“. وقد لقي هذا الإجراء قبولاً سريعاً خاصة لأن جميع الباريسيين القادرين على حمل السلاح سجلوا الآن في الحرس الوطني لأغراض الدفاع وسلحوا، بحيث غدا العمال يشكلون فيه الآن الغالبية العظمى. ولكن سرعان ما انفجر التناحر بين الحكومة التي كانت مؤلفة بكاملها تقريباً من البرجوازيين وبين البروليتاريا المسلحة. وفي 31 تشرين الأول (أكتوبر) اقتحمت كتائب العمال دار البلدية و قبضت على بعض أعضاء الحكومة. ولكن الخيانة ونكث الحكومة السافر لتعهداتها وتدخل بعض كتائب البرجوازية الصغيرة، كل ذلك أدى إلى إطلاق سراح المقبوض عليهم؛ وتفادياً لنشوب الحرب الأهلية في داخل مدينة تحاصرها قوة عسكرية عدوة، تركت الحكومة السابقة في الحكم.

وأخيراً، في 28 كانون الثاني (يناير) سنة 1871 استسلمت باريس التي أنهكتها المجاعة ولكنها استسلمت بشروط شريفة لم يعهد لها مثيلاً في تاريخ الحروب. لقد سلمت الحصون وجرد سور القلعة من المدافع وسلمت أسلحة فرق الميدان والحرس السيار وأعتبر أفرادها أسرى حرب. ولكن الحرس الوطني احتفظ بالأسلحة وبمدافعه وعقد هدنة فقط مع المنتصرين. ولم يجرؤ المنتصرون أنفسهم على دخول باريس دخول الظافرين. إنهم لم يجرؤوا إلا على احتلال ركن صغير من باريس يتألف جزئياً من حدائق عامة، وحتى هذا الركن لم يحتلوه إلا لبضعة أيام! وفي هذه الأثناء كان المنتصرون الذين ضربوا حصاراً على باريس دام 131 يوماً خاضعين هم أنفسهم لطوق ضربه عليهم عمال باريس المسلحون الذين فرضوا رقابة صارمة لمنع أي “بروسي” من تخطي الحدود الضيقة للركن الذي تنازلوا عنه للفاتح الأجنبي. هكذا كان الاحترام الذي أوحى به عمال باريس للجيش الذي ألقت جيوش الإمبراطورية كلها السلاح أمامه. واضطر ملاكو الأراضي البروسيون الكبار (اليونكر) الذين جاؤوا للثأر من بؤرة الثورة إلى أن يقفوا إجلالاً أمام هذه الثورة المسلحة بالذات وأن يحيوها!

في أثناء الحرب قصر عمال باريس همهم على المطالبة بالمضي النشيط في النضال. ولكن الآن، بعد عقد الصلح على أثر استسلام باريس، اضطر تيير، رئيس الحكومة الجديدة، إلى الاقتناع بأن حكم الطبقتين المتملكتين – ملاك الأراضي الكبار والرأسماليين – سيظل معرضاً للخطر ما دام عمال باريس مسلحين. وكان أول إجراء قام به هو محاولة تجريدهم من السلاح. ففي 18 آذار (مارس) وجه قوات الميدان مع تعليمات بالاستيلاء على المدفعية التابعة للحرس الوطني وهي التي تم صنعها أثناء حصار باريس بالأموال العامة المجموعة بالاكتتاب. وفشلت هذه المحاولة؛ فقد هبت باريس كلها، هبة رجل واحد، تدافع عن نفسها بالسلاح وأعلنت الحرب بين باريس والحكومة الفرنسية الموجودة في فرساي. في 26 آذار (مارس) تم انتخاب كومونة باريس وفي 28 منه تم إعلانها وسلمت اللجنة المركزية للحرس الوطني التي كانت تقوم بوظائف الحكومة حتى ذلك الحين والتي كانت قد أصدرت مرسوماً بإلغاء “شرطة الأخلاق” الفاضحة في باريس، صلاحيتها إلى الكومونة. في 30 آذار (مارس) ألغت الكومونة التجنيد الإجباري والجيش الدائم وأعلنت أن القوة المسلحة الوحيدة هي الحرس الوطني الذي يتألف من جميع المواطنين القادرين على حمل السلاح. وألغت الكومونة كل الأجور المستحقة عن بيت السكن من تشرين الأول (أكتوبر) 1870 حتى نيسان (ابريل) 1871 على أن يحتسب ما سبق دفعه عن الأجور المقبلة، وأوقفت جميع معاملات بيع الأعيان المرهونة في مكتب قروض البلدية. وفي اليوم نفسه تم تثبيت جميع الأجانب اللذين انتخبوا للكومونة في مراكزهم لأن “علم الكومونة هو علم الجمهورية العالمية“. وفي 1 نيسان (ابريل) تقرر أن لا يتجاوز أي مرتب يتقاضاه أي مستخدم في الكومونة، وبالتالي أي عضو من أعضائها، مبلغ 6000 فرنك (4800 مارك). وفي اليوم التالي صدر مرسوم بفصل الكنيسة عن الدولة وإلغاء جميع ما كانت تدفعه الدولة للمقاصد الدينية وكذلك بتأميم جميع ممتلكات الكنيسة؛ ووفقاً لذلك صدر الأمر في 8 نيسان (ابريل) بأن تقصى عن المدارس جميع الرموز الدينية والصور والتعاليم المذهبية والصلوات؛ وبكلمة “كل ما له علاقة بضمير الفرد“، ووضع هذا الأمر تدريجياً موضع التنفيذ. وبما أن مكافحي الكومونة الذين وقعوا في قبضة جنود فرساي كان يجري إعدامهم يومياً بالرصاص، فقد صدر في 5 نيسان (ابريل) مرسوم بحبس الرهائن ولكنه لم يوضع أبداً موضع التنفيذ بتمامه. وفي 6 نيسان (ابريل) قامت الكتيبة 137 من الحرس الوطني بإخراج المقصلة من موضعها وتم إحراقها علناً وسط أفراح شعبية عظيمة. وفي 12 نيسان (ابريل) قررت الكومونة هدم مسلة النصر الكائنة في ميدان فاندوم، وهي المسلة التي سكبها نابليون بعد حرب عام 1809 من مدافع العدو التي استولى عليها، لأن هذه المسلة كانت رمزا للشوفينية وللعداء بين الشعوب. ونفذ هذا القرار في 16 أيار (مايو). وفي 16 نيسان (ابريل) أمرت الكومونة بإعداد قوائم إحصائية بالمعامل التي أغلقها أصحابها وبوضع الخطط لتشغيل هذه المعامل من قبل العمال الذين كانوا يعملون فيها والذين كان عليهم أن ينتظموا في جمعيات تعاونية، وبوضع الخطط أيضاً لتوحيد هذه الجمعيات في نقابة واحدة كبرى. وفي 20نيسان (ابريل) ألغت الكومونة العمل الليلي بالنسبة للخبازين، وكذلك مكاتب الاستخدام التي كان يديرها بصفة احتكارية، منذ عهد الإمبراطورية الثانية، نفر من المخلوقات كانت تعينهم الشرطة، و هم اشد مستثمري العمال؛ وقد نقلت هذه المكاتب إلى بلديات دوائر باريس العشرين. وفي 30 نيسان (ابريل) أمرت الكومونة بإغلاق مكاتب الرهونات التي كانت تشكل وسيلة لاستثمار العمال استثماراً خاصاً وتتناقض مع حق العمال في أدوات عملهم وفي نيل القروض. وفي 5 أيار (مايو) أمرت الكومونة بهدم الكنيسة التي كانت قد بنيت تكفيراً عن إعدام لويس السادس عشر.

وهكذا، اعتبارا من 18 آذار (مارس)، شرع الطابع الطبقي المحض لحركة باريس يبرز بشكل حاد حازم، وهو الطابع الذي كان الكفاح ضد غزو العدو قد غطى عليه حتى ذلك الحين. ولما كان العمال وحدهم تقريباً، أو ممثلوهم المعترف بهم، هم الذين يجلسون في الكومونة، فقد حملت المقررات التي اتخذتها طابعا بروليتارياً صريحاً. و هذه المقررات، إما أنها نصت على إجراء إصلاحات تخلفت البرجوازية الجمهورية عنها لمجرد الجبن الدنيء، ولكنها هيأت الأساس الضروري لقيام الطبقة العاملة بممارسة النشاط الحر – ومثل ذلك تحقيق المبدأ القائل إن الدين بالنسبة للدولة هو مسألة شخصية بحتة – وإما إن الكومونة أصدرت أوامر كانت في مصلحة الطبقة العاملة مباشرة وأدت جزئياً، إلى المساس بأعماق النظام الاجتماعي القديم. ولكنه لم يكن بالمستطاع، في ظروف المدينة المحاصرة، غير القيام بخطوات أولى. فابتداء من أوائل أيار (مايو) انصرفت جميع القوى لمقاتلة جيوش حكومة فرساي التي كانت تتزايد باستمرار.

في 7 نيسان (ابريل) استولى جنود فرساي على معبر السين عند نويي في جبهة باريس الغربية، ولكن الجنرال أيد صد هجوم هؤلاء في الجبهة الجنوبية في 11 نيسان (ابريل) وكبدهم خسائر كبيرة. إن أولئك الذين وصموا قصف البروسيين لباريس بأنه استباحة للمقدسات، قد عرضوها أنفسهم الآن لقصف متواصل. وأخذ هؤلاء أنفسهم يتوسلون الآن إلى الحكومة البروسية بأن تعيد، على وجه السرعة الجنود الفرنسيين الذين أسروا في سيدان وميتز قصد أن يعيدوا لهم باريس. وقد أتاح وصول هؤلاء الجنود تدريجياً لقوات فرساي تفوقاً حاسماً في أوائل أيار (مايو). واتضح هذا الأمر في 23 نيسان (ابريل) عندما قطع تيير المفاوضات التي ابتدأت باقتراح الكومونة لمبادلة رئيس أساقفة باريس وعدد من القساوسة الآخرين المحتجزين كرهائن في باريس، برجل واحد فقط هو بلانكي الذي كان قد انتخب مرتين للكومونة ولكنه كان سجيناً في كليرفو. وازداد ذلك وضوحاً من تغير لهجة خطابات تيير؛ فمن متحفظة وغامضة كما كانت عليه حتى ذلك الحين أصبحت الآن فجأة وقحة وخشنة ومهددة. استولت قوات فرساي على معقل مولان – ساكه في الجبهة الجنوبية في 3 أيار (مايو)، و في 9 منه استولت على حصن اسي الذي كانت نيران المدفعية قد أحالته إلى كومة من الخراب؛ كما استولت في 14 منه على حصن فانف. وفي الجبهة الغربية استولت قوات فرساي على قرى و مبان عديدة كانت تمتد حتى سور المدينة ووصلت تدريجياً إلى خط التحصينات الرئيسي؛ وفي 21 أيار (مايو) تسنى لها من جراء الخيانة وبسبب من إهمال أفراد الحرس الوطني المرابطين هناك أن تتسلل إلى داخل المدينة. أما البروسيون الذين كانوا يحتلون الحصون الشمالية والشرقية فقد سمحوا لجنود فرساي بالمرور إلى القسم الشمالي من المدينة عبر المنطقة التي كانت محظورة عليهم بمقتضى الهدنة، ومن ثم القيام بهجوم على جبهة عريضة كان الباريسيون يحسبونها، حسب أحكام الهدنة، مأمونة من الهجوم وحصنوها بصورة ضعيفة نسبياً. ولذلك فإن المقاومة في النصف الغربي من باريس، أي في أغنى أحياء المدينة، كانت ضعيفة نسبياً؛ وكانت هذه المقاومة تزداد شدة وعناداً كلما اقترب الجنود المقتحمون من نصف العاصمة الشرقي، وهو منطقة العمال بالذات. ولم يسقط آخر المدافعين عن الكومونة على مرتفعات بيلفيل ومنيلمونتان إلا بعد قتال استمر ثمانية أيام، وعندئذ بلغت أوجها مذبحة العزل من الرجال والنساء والأطفال، التي ظلت مستعرة الأوار على نطاق متزايد طوال أسبوع كامل. لم تعد البنادق المحسنة تستطيع أن تقتل بالسرعة الكافية، فكانوا يقتلون المهزومين بالمئات من المدافع الرشاشة. وما زال “حائط الكومونيين” في مقبرة بير لاشيز. حيث حدثت المذبحة الجماعية الأخيرة، ماثلاً حتى اليوم، شاهداً صامتاً ولكنه بليغ على الجنون الذي يمكن أن يتملك الطبقة الحاكمة حالما تجرؤ البروليتاريا على الدفاع عن حقوقها. وثم حين تبين أن ذبحهم جميعاً يخرج عن نطاق الإمكان، جاء الاعتقال بالجملة وإطلاق الرصاص على الضحايا الذين كانوا يختارون اعتباطاً من صفوف الأسرى. أما الباقون، فقد نقلوا إلى معسكر كبير حيث كان عليهم أن ينتظروا محاكمتهم أمام المحكمة العسكرية. وكانت لدى الجنود البروسيين الذين يحيطون بباريس من الجهة الشمالية الشرقية أوامر بعدم السماح لأي هارب بالمرور، ولكن الضباط كثيراً ما كانوا يغمضون عيونهم عندما كان الجنود يؤثرون طاعة دواعي الإنسانية على أوامر القيادة. واشتهر خصوصاً بالسلوك الإنساني الفيلق الساكسوني الذي أتاح فرصة المرور لكثيرين من مكافحي الكومونة المعروفين.

***

وإذا نظرنا اليوم، بعد عشرين سنة، إلى نشاط كومونة باريس سنة 1871، وإلى مغزاها التاريخي، وجدنا من الضروري أن نقوم ببعض الإضافات إلى الوصف الذي تضمنته “الحرب الأهلية في فرنسا“.

لقد كان أعضاء الكومونة منقسمين إلى أكثرية من البلانكيين سيطروا أيضا في اللجنة المركزية للحرس الوطني، و إلى أقلية من أعضاء جمعية الشغيلة العالمية، وهم يتألفون بصفة رئيسية من أتباع مدرسة برودون الاشتراكية. ولم تكن الأغلبية العظمى من البلانكيين في ذلك الوقت اشتراكية إلا من حيث الغريزة الثورية البروليتارية، ولم يرتفع إلا القليلون منهم إلى إدراك أوضح للمبادئ، وذلك بفضل فايان الذي كان مطلعاً على الاشتراكية العلمية الألمانية. ولذلك يصبح من المعروف لماذا فات الكومونة كثير من الأشياء في المجال الاقتصادي وهي أشياء كان ينبغي تحقيقها بحسب آرائنا اليوم. ولا ريب أن أكثر ما يستعصي على الفهم هو الرهبة المقدسة التي وقفت بها الكومونة إجلالاً أمام أبواب بنك فرنسا. لقد كانت هذه أيضاً غلطة سياسية كبرى. فلو وقع البنك في أيدي الكومونة لفاق ذلك في أهميته عشرة آلاف من الرهائن ولأرغم البرجوازية الفرنسية كلها على الضغط على حكومة فرساي لعقد صلح مع الكومونة. ولكن ما هو أدعى بكثير إلى الدهشة، صواب كثير من الإجراءات التي قامت بها الكومونة بالرغم من أنها كانت مؤلفة من بلانكيين وبرودونيين. وطبيعي أن البرودونيين هم المسئولون بصفة رئيسية عن المراسيم الاقتصادية، بفضائلها ونقائصها، التي أصدرتها الكومونة، كما أن البلانكيين مسئولون عن أعمالها وأخطائها السياسية. وقد شاءت سخرية التاريخ – وهو شيء عادي عندما يتسلم العقائديون الحكم – إن هؤلاء وأولئك قد أتوا بنقيض ما كانت تنص عليه تعاليم مذهبهم.

لقد كان برودون، اشتراكي صغار الفلاحين والحرفيين هذا، يكره الجمعية بكل بساطة. كان يقول أن شرها أكثر من خيرها وأنها بطبيعتها عقيمة بل مؤذية، إنها سلسلة من السلاسل التي تقيد حرية العامل؛ إنها عقيدة جامدة عديمة الفائدة وحافلة بالأعباء لا تتعارض مع حرية العامل فحسب، بل أيضا مع اقتصاد العمل؛ وإن نواقصها تتضاعف بأسرع مما تتضاعف فضائلها وإن المنافسة وتقسيم العمل والملكية الخاصة هي، خلافاً لها، قوى اقتصادية مفيدة. إن الجمعية العمالية لا تلائم إلا في حالات استثنائية هي، كما يقول برودون، الصناعة الكبيرة و المؤسسات الكبيرة كالسكك الحديدية مثلا. (راجع “الفكرة العامة للثورة“، النبذة الثالثة).

غير أن الصناعة الكبيرة قد كفت في عام 1871 عن أن تكون في عداد الحالات الاستثنائية حتى في باريس، هذا المركز للصناعات اليدوية الفنية، لدرجة أن أهم مرسوم اتخذته الكومونة كان يقضي بتنظيم الصناعة الكبيرة، وحتى المانيفاكتورة، على أساس جمعيات العمال شرط ألا تتكون في كل مصنع على حدة فحسب، بل أن تتحد كذلك في نقابة واحدة كبرى. إن هذا التنظيم، كما لاحظ ماركس بحق في “الحرب الأهلية“، كان يجب أن يؤدي في نهاية الأمر إلى الشيوعية، أي إلى النقيض المباشر لتعاليم برودون. ولذلك كانت الكومونة في الوقت نفسه قبر مدرسة برودون الاشتراكية. وقد اختفت هذه المدرسة اليوم من بيئة العمال الفرنسيين؛ فهنا تسود الآن نظرية ماركس دون منازع، بين “الإمكانيين[2] بدرجة لا تقل عنها بين “الماركسيين“. وليس هنالك من برودونيين إلا في بيئة البرجوازية “الراديكالية“.

ولم يكن البلانكيون بأسعد حظاً. فإن هؤلاء قد نشئوا في مدرسة التآمر وشد بعضهم إلى بعض النظام الصارم الخاص بهذه المدرسة، ولذا رأوا أن عدداً قليلاً نسبياً من الرجال ذوي العزم والحسني التنظيم يستطيعون، في لحظة مؤاتية، لا أن يقبضوا على السلطة فحسب، بل باتخاذ أشد التدابير حزماً وقوة، أن يحتفظوا بها أيضاً في أيديهم إلى أن ينجحوا في جذب الشعب إلى الثورة ولفه حول عصبة صغيرة من القادة. ولهذا كان من الضروري قبل كل شيء تركيز كامل السلطة في أيدي الحكومة الثورية الجديدة تركيزاً دكتاتورياً يتسم بأقصى الصرامة. ولكن ماذا فعلت الكومونة في الواقع وهي المؤلفة بأكثريتها من هؤلاء البلانكيين أنفسهم؟ لقد ناشدت في جميع مناشيرها الموجهة إلى سكان الريف الفرنسي توحيد جميع كومونات فرنسا مع باريس في اتحاد (فدراسيون) اختياري واحد، في منظمة وطنية واحدة يجب أن تشكلها الأمة بذاتها حقاً وفعلاً ولأول مرة. لقد كان على السلطة الظالمة التي تمتعت بها الحكومة السابقة الممركزة وعلى الجيش والشرطة السياسية والبيروقراطية التي كان نابليون قد أنشأها في سنة 1798، والتي تسلمتها منذ ذلك الحين كل حكومة جديدة كأداة مرغوب فيها واستخدمتها ضد أعدائها، لقد كان على هذه السلطة بالتحديد أن تسقط في كل مكان في فرنسا تماماً كما سقطت في باريس.

لقد كان على الكومونة أن تعترف منذ بداية الأمر بأن الطبقة العاملة، وقد جاءت إلى الحكم، لا تستطيع أن تستمر في تصريف الأمور بواسطة جهاز الدولة القديم، وإنه ينبغي على الطبقة العاملة، لكي لا تفقد ثانية الحكم الذي ظفرت به آنفاً، أن تطيح بجهاز الاضطهاد القديم جميعه، الذي كان يستخدم سابقاً ضدهاً، هذا من جهة؛ وكان عليها من جهة أخرى، أن تحمي نفسها من نوابها وموظفيها بجعل تفويضهم جميعاً، ودون استثناء، عرضة للإلغاء في أية لحظة. ماذا كانت الصفة المميزة للدولة قبل ذلك الحين؟ في البدء، خلق المجتمع لنفسه أجهزة خاصة لحماية مصالحه المشتركة، وذلك عن طريق التقسيم البسيط للعمل. بيد أن هذه الأجهزة، وأهمها سلطة الدولة، تحولت مع مضي الزمن وتحقيقا لمصالحها الذاتية الخاصة، من خادمة للمجتمع إلى سيدة له. ويمكننا أن نرى ذلك، على سبيل المثال، ليس في الملكية الوراثية فحسب، بل في الجمهورية الديمقراطية أيضاً. وليس هنالك مكان يشكل فيه “الساسة” قسماً من الأمة أشد نفوذاً وانعزالاً مما في أمريكا الشمالية على وجه التحديد. فإن كلا من الحزبين الكبيرين اللذين يتناوبان السلطة هناك يخضع بدوره لأشخاص يتخذون من السياسة أمراً مربحاً ويضاربون على مقاعد النواب في الجمعيات التشريعية في الإتحاد كما في الولايات بمفردها، أو يتعيشون من القيام بالتحريض لمصلحة حزبهم، وعندما ينجح هذا الحزب يكافئون بالمناصب. ومعروف كم بذل الأمريكيون من جهود في الثلاثين سنة الأخيرة لكي ينفضوا عنهم هذا النير الذي أصبح لا يطاق وكيف أنهم ما زالوا، على الرغم من ذلك، يغرقون أكثر فأكثر في مستنقع الارتشاء. وفي أمريكا، على وجه التحديد، يتجلى على أفضل وجه كيف يتطور انعزال سلطة الدولة هذا عن المجتمع، وهي التي قصد منها في البدء أن تكون مجرد أداة له. فهناك لا توجد سلالة ولا نبلاء ولا جيش دائم، عدا القليل من الجنود الذين يراقبون الهنود الحمر، ولا توجد بيروقراطية لها ملاكات دائمة وحقوق تقاعدية. ومع ذلك فنحن نجد هناك عصابتين كبيرتين من المضاربين السياسيين تستوليان بالتناوب على سلطة الدولة وتستغلانها بأكثر الطرائق فساداً ولأكثر الغايات فساداً، والأمة عاجزة إزاء هذين الاتحادين الكبيرين من الساسة الذين هم، في الظاهر، خدامها ولكنهم، في الواقع، يسيطرون عليها وينهبونها.

ولمجابهة تحول الدولة وأجهزة الدولة على هذا النحو من خدام للمجتمع إلى أسياد له – وهو تحول لا مناص منه في جميع الدول السابقة – لجأت الكومونة إلى وسيلتين لا تخطئان: أولاً، عينت في جميع الوظائف – الإدارية والقضائية والتعليمية – أشخاصاً منتخبين على أساس حق الاقتراع العام وأقرت في الوقت نفسه حق إلغاء تفويض هؤلاء المنتحبين بقرار من منتخبيهم في أي وقت. ثانياً، لم تدفع لجميع الموظفين، كباراً وصغاراً، إلا الأجور التي يتقاضاها العمال الآخرون. وكان أعلى مرتب تدفعه الكومونة على العموم هو 6000 فرنك. وبهذه الطريقة أقيم حاجز أمين في وجه الركض وراء المناصب الرابحة والوصولية، حتى بغض النظر عن التفويضات الملزمة التي كانت تصدر للمندوبين في الهيئات التمثيلية، وهي التي أدخلتها الكومونة بالإضافة إلى ذلك.

هذا التحطيم لسلطة الدولة السابقة والاستعاضة عنها بسلطة جديدة، ديموقراطية حقاً، إنما جاء وصفهما بالتفصيل في الفصل الثالث من “الحرب الأهلية“. ولكنه كان من الضروري أن نقف هنا وقفة قصيرة مرة أخرى عند بعض ملامح هذه الاستعاضة، لأن الاعتقاد الخرافي بالدولة قد انتقل، في ألمانيا بوجه خاص، من الفلسفة إلى الوعي العام للبرجوازية وحتى لكثير من العمال. فالدولة، وفق تعاليم الفلاسفة، هي “تحقيق الفكرة” أو هي، مترجمة إلى لغة الفلاسفة، مملكة الله على الأرض؛ الدولة هي المجال الذي تتحقق فيه أو ينبغي أن تتحقق فيه الحقيقة والعدالة السرمديتان. ومن هنا ينبثق الاحترام الخرافي للدولة ولكل ما يتصل بها، وهو احترام خرافي يرسخ بسهولة أكبر لأن الناس معتادون، منذ الطفولة، أن يتصوروا أن الشؤون والمصالح التي تعود إلى المجتمع بأسره لا يمكن تحقيقها والحفاظ عليها إلا بالطريقة المتبعة في الماضي أي بواسطة الدولة وموظفيها الذين يمنحون المناصب الرابحة. ويتصور الناس أنهم يخطون إلى أمام خطوة خارقة في جرأتها إذا حرروا أنفسهم من الاعتقاد بالملكية الوراثية وأصبحوا من أنصار الجمهورية الديمقراطية. أما في الحقيقة فإن الدولة ليست إلا جهازاً لقمع طبقة أخرى، وهذا ما يصدق على الجمهورية الديمقراطية بدرجة لا تقل إطلاقاً عن صدقه على الملكية. والدولة، حتى في أحسن الحالات، شر ترثه البروليتاريا المنتصرة في الكفاح من أجل السيطرة الطبقية؛ والبروليتاريا المنتصرة، شأنها في ذلك شأن الكومونة، ستضطر إلى بتر أسوأ جوانب هذا الشر في الحال حتى يحين ذلك الوقت الذي يستطيع فيه جيل تربى في ظروف اجتماعية جديدة حرة أن يطرح عفاشة الدولة بكاملها فوق كوم النفايات.

في الآونة الأخيرة شرع رعب ناجع من كلمتي “ديكتاتورية البروليتاريا” يستبد من جديد بالتافهين ضيقي الأفق من الاشتراكيين – الديمقراطيين. هل تريدون أن تعرفوا، أيها السادة المحترمون، كيف تبدو هذه الديكتاتورية؟ انظروا إلى كومونة باريس. فقد كانت ديكتاتورية البروليتاريا.

لندن، في يوم الذكرى العشرين لكومونة باريس، 18 آذار (مارس) 1891.

فريدريك أنجلس


(*) الحرب ضد نابليون الأول في 1813 – 1815. (الناشر)

[1] سن القانون الاستثنائي ضد الاشتراكيين في ألمانيا عام 1878. بموجب هذا القانون ألغيت جميع المنظمات التابعة للحزب الاشتراكي – الديمقراطي، ومنظمات العمال الجماهيرية، وعطلت الصحف العمالية ومنعت المطبوعات الاشتراكية؛ وبدأ نفي الاشتراكيين – الديمقراطيين. تحت ضغط الحركة العمالية الجماهيرية، ألغي القانون ضد الاشتراكيين عام 1890.

[2] الامكانيون هم قسم إصلاحي، بورجوازي صغير انفصل عن حزب العمال الفرنسي عام 1882. حصر الامكانيون نشاط الطبقة العاملة في نطاق “الممكن” (Possible) في ظل الرأسمالية. وفي عام 1902، ألف الامكانيون مع غيرهم من الجماعات الإصلاحية الحزب الاشتراكي الفرنسي الانتهازي على النقيض من الحزب الاشتراكي في فرنسا. وفي عام 1905، اندمج هذان الحزبان في حزب واحد.

Advertisements

مناقشة

One thought on “مقدمة لكتاب ماركس الحرب الأهلية في فرنسا

  1. رؤؤؤؤؤؤؤؤؤؤعة

    إعجاب

    Posted by فارس | أغسطس 25, 2015, 9:08 ص

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

حمل العدد الأخير من نشرة الثوري

آخر اصداراتنا

أنت الزائر رقم

  • 75٬512

Advertisements
%d مدونون معجبون بهذه: