نصوص ماركسية, المكتبة

المهمات الملحة لحركتنا


بقلم: ف. أ. لينينLenin

كتب في تشرين الأول (أكتوبر) – أوائل تشرين الثاني (نوفمبر) 1900.
صدر في كانون الأول (ديسمبر) 1900 في العدد الأول م جريدة “الإيسكرا”.


لقد أعلنت الاشتراكية الديموقراطية الروسية أكثر من مرة أن المهمة السياسية المباشرة لحزب العمال الروسي، يجب أن تكون الإطاحة بالأوتوقراطية والظفر بالحرية السياسية. وهذا الإعلان إنما أدلى به منذ خمسة عشر عاماً ممثلو الاشتراكية – الديموقراطية الروسية، أعضاء فرقة “تحرير العمل“،[1] وأدلى به أيضاً منذ سنتين ونصف السنة ممثلو المنظمات الاشتراكية – الديموقراطية الروسية الذين أسسوا، في ربيع 1898، حزب العمال الاشتراكي الديموقراطي الروسي.[2] ولكن رغم هذه الإعلانات المكررة، ترد مسألة المهمات السياسية للاشتراكية – الديموقراطية في روسيا من جديد على مهام البحث. فإن عدد كبير من ممثلي حركتنا يعربون عن شكوكهم فيما يخص صواب حل المسألة المشار إليه.[3] فيقال إن للنضال الاقتصادي أهمية طاغية، وتحال المهمات السياسية للبروليتاريا إلى المرتبة الثانية، وتُقلَّص وتُحَد، بل يُزعم أن الأحاديث عن تأسيس حزب عمالي مستقل في روسيا إنما تعني مجرد ترديد كلام الآخرين، وأنه يترتب على العمال أن يقتصروا على النضال الاقتصادي ويتركوا السياسة للمثقفين المتحالفين مع الليبراليين. إن هذا التأكيد الأخير لقانون الإيمان الجديد (“Credo(*) المزعوم) يؤدي مباشرة إلى الاعتراف بأن البروليتاريا الروسية لم تبلغ بعد سن الرشد وإلى نبذ البرنامج الاشتراكي – الديموقراطي كلياً. أما “رابوتشايا ميسل” (ولاسيما في “الملحق الخاص“)،[4] فقد أبدت، في الأساس، الرأي نفسه. إن الاشتراكية – الديموقراطية الروسية تجتاز مرحلة من الترددات، مرحلة من الشكوك تبلغ فيها حد إنكار ذاتها. فمن جهة تنفصل الحركة العمالية عن الاشتراكية: يساعدون العمال على خوض النضال الاقتصادي، ولكنهم لا يشرحون لهم أبداً أو لا يشرحون لهم كفاية، الأهداف الاشتراكية والمهمات الأساسية للحركة بمجملها. ومن جهة أخرى، تنفصل الاشتراكية عن الحركة العمالية: فالاشتراكيون الروس أخذوا يقولون من جديد وأكثر فأكثر إن النضال ضد الحكومة إنما يجب أن يخوضه المثقفون بقواهم الخاصة، لأن العمال يقتصرون على النضال الاقتصادي.

هناك، في رأينا، ثلاثة ظروف مهدت التربة لهذه الوقائع المؤسفة؛ أولاً، اكتفى الاشتراكيون – الديموقراطيون الروس في بداية نشاطهم بالدعاية في الحلقات. وعندما انتقلنا إلى التحريض بين الجماهير، لم نعرف دائماً كيف نتجنب الوقوع في التطرف الآخر. ثانياً، في بداية نشاطنا، اضطررنا في أغلب الأحيان إلى الدفاع عن حقنا في الوجود في غمرة النضال ضد أنصار “نارودنايا فوليا“،[5] الذين كانوا يعنون بـ”السياسة” نشاطاً منفصلاً عن الحركة العمالية ويحصرون السياسة في التآمر فقط. وحين ندد الاشتراكيون – الديموقراطيون بهذه السياسة، وقعوا في التطرف إذ أحالوا السياسة بوجه عام إلى المرتبة الثانية. ثالثاً، إن الاشتراكيين – الديموقراطيين، حين ناضلوا بصورة مبعثرة ضمن حلقات عمالية محلية صغيرة، لم يعيروا ما يكفي من الانتباه لضرورة تنظيم حزب ثوري يوحد كامل نشاط الفرق المحلية ويفسح المجال لقيام عمل ثوري منتظم. والحال، إن هيمنة العمل المبعثر مرتبطة، بصورة جد طبيعية، بهيمنة النضال الاقتصادي.

وقد أدت جميع هذه الظروف إلى الافتتان بأحد مظاهر الحركة، وقد حاول الاتجاه “الاقتصادي” (هذا إن أمكن القول هنا بـ”اتجاه“) أن يجعل من ضيق الأفق هذا نظرية خاصة، وأن يستخدم لهذا الغرض البرنشتينية الدارجة، “انتقاد الماركسية” الدارج، الذي يعرض الأفكار البرجوازية القديمة تحت راية جديدة. وعن هذه المحاولات وحدها نشأ خطر إضعاف الصلة بين الحركة العمالية الروسية والاشتراكية – الديموقراطية الروسية بوصفها المناضلة الطليعية من أجل الحرية السياسية. في حين أن المهمة الألح أمام حركتنا، هي تعزيز هذه الصلة.

إن الاشتراكية – الديموقراطية هي اندماج الاشتراكية والحركة العمالية، ومهمتها لا تقوم على خدمة الحركة العمالية في كل من أطوارها خدمة هامدة، غير فاعلة، بل على تمثيل مصالح الحركة بمجملها، ودلها على هدفها النهائي ومهمتها السياسية، وصيانة استقلالها السياسي والفكري. وإذا ما انفصلت الحركة العمالية عن الاشتراكية – الديموقراطية، تفهت وتبرجزت حتماً: فإن الطبقة العاملة، إذا ما حصرت نفسها في النضال الاقتصادي، فقدت استقلالها السياسي، وسارت في ذيل الأحزاب الأخرى، وخانت تلك الوصية الكبيرة القائلة: “إن تحرير العمال يجب أن يكون ممن صنع العمال أنفسهم“. إن جميع البلدان قد عرفت مرحلة كانت فيها الاشتراكية والحركة العمالية تعيش إحداهما منفصلة عن الأخرى، وتسيران كل منهما في طريقها، وفي جميع البلدان آل هذا الانفصال إلى ضعف الاشتراكية وضعف الحركة العمالية، وفي جميع البلدان، كان اندماج الاشتراكية والحركة العمالية هو وحده الذي أدى إلى وضع أساس متين لكل منهما. ولكن هذا الاندماج كان في كل بلد من نتاج التاريخ، وجرى بسبل أصيلة، تبعاً لظرف الزمان والمكان. وفي روسيا، أعلنت ضرورته نظرياً، منذ زمن بعيد، ولكنه لا يتم عملياً إلا في الوقت الحاضر. وهذا تفاعل صعب جداً، ولا غرابة إذا ما وافقته شتى الترددات والشكوك.

فما هي العبرة التي تنجم من الماضي بالنسبة لنا؟

إن تاريخ الاشتراكية الروسية كلها قد سار على نحو تبين معه أن ألح مهمة تواجهها هي النضال ضد الحكومة الأوتوقراطية والظفر بالحرية السياسية؛ فإن حركتنا الاشتراكية قد تمركزت، إذا جاز القول، في النضال ضد الأوتوقراطية. ومن جهة أخرى، أظهر التاريخ أن الفكرة الاشتراكية منفصلة في روسيا عن ممثلي طليعة الطبقات الكادحة أكثر بكثير مما في البلدان الأخرى، وإن هذا الانفصال يحكم على الحركة الثورية الروسية بالعجز. ومن هنا تنبع تلك المهمة التي يترتب على الاشتراكية – الديمقراطية الروسية تحقيقها، وقوامها بث الأفكار الاشتراكية والوعي السياسي في جمهور البروليتاريا وتنظيم حزب ثوري مرتبط وثيق الارتباط بالحركة العمالية العفوية. وفي هذا الاتجاه، فعلت الاشتراكية – الديموقراطية الروسية الكثير حتى الآن؛ ولكنه لا يزال يترتب عليها أن تفعل أكثر أيضاً. فمع تقدم الحركة، يتسع نطاق عمل الاشتراكية – الديموقراطية بلا انقطاع، ويتنوع عملها على الدوام، ويزداد أبداً أكثر فأكثر عدد مناضلي الحركة الذين يكرسون أنفسهم عدد مناضلي الحركة الذين يكرسون أنفسهم لمختلف المهام الخاصة التي تولدها الحاجات اليومية للدعاية والتحريض. وهذه ظاهرو مشروعة وحتمية إطلاقاً، ولكنها تفرض الحرص بخاصة على أن لا تحال مهمات النشاط الخاصة وطرائق النضال الخاصة إلى مطلق، على أن لا يصبح العمل التحضيري العمل الرئيسي الوحيد.

المساعدة على تطوير الطبقة العاملة سياسياً وعلى تنظيمها سياسياً، تلك هي مهمتنا الرئيسية والأساسية. وكل من يحيلها إلى المرتبة الثانية ولا يخضع لها جميع المهمات الخاصة والطرائق في النضال يسلك سبيلاً خاطئاً ويلحق بالحركة ضرراً فادحاً. والواقع أن هذه هي، أولاً، حال أولئك الذين يدعون الثوريين إلى محاربة الحكومة عن طريق حلقات مغلقة من المتآمرين، منفصلة عن الحركة العمالية. وهذه هي، ثانياً، حال أولئك الذين يقلصون مضمون ومدى الدعاية السياسية والتحريض السياسي والتنظيم السياسي، ولا يعتبرون أن من المسموح ومن المناسب تغذية العمال بـ”السياسة” إلا في الأوقات الاستثنائية من حياتهم، في المناسبات الكبرى، ويهتمون فائق الاهتمام بتجزئة النضال السياسي ضد الأوتوقراطية بطلب تنازلات منفردة منها، ولا يهتمون كفاية برفع هذه المطالب الجزئية إلى مستوى نضال دائب، حازم، يخوضه حزب العمال الثوري ضد الأوتوقراطية.

انتظموا!“، هكذا تردد بجميع الأنغام على مسامع العمال صحيفة “رابوتشايا ميسل” وجميع أنصار الاتجاه “الاقتصادي“. ونحن أيضاً، بالطبع، ننضم إلى هذا النداء كلياً، ولكننا نضيف إلى ذلك حتماً هذا القول: انتظموا، لا في جمعيات التعاضد وحسب، لا في صناديق للإضراب وفي حلقات عمالية وحسب، بل أيضاً في حزب سياسي، انتظموا منن أجل النضال الحاسم ضد الحكومة الأوتوقراطية وضد كل المجتمع الرأسمالي. وبدون هذا التنظيم، تعجز البروليتاريا عن الارتفاع إلى نضال طبقي واعٍ؛ وبدون هذا التنظيم، تكون الحركة العمالية عاجزة عجزاً؛ ومع الصناديق والحلقات وجمعيات التعاضد فقط، لن تستطيع الطبقة العاملة أبداً أن تؤدي رسالتها التاريخية الكبرى وقوامها تحرير نفسها وتحرير الشعب الروسي كله من عبوديته السياسية والاقتصادية. إن طبقة واحدة في التاريخ لم تتوصل إلى السيطرة قبل أن تقدِّم زعماء سياسيين لها، ممثلين طليعيين قادرين على تنظيم الحركة وقيادتها. وقد أظهرت الطبقة العاملة الروسية أنها قادرة على تقديم مثل هؤلاء الرجال: فإن اتساع نضال العمال الروس في هذه السنوات الخمس أو الست الأخيرة قد يبين كم من القوى الثورية تنطوي عليها الطبقة العاملة، وكم تزيد الملاحقات الحكومية الأشد ضراوة عدد العمال الذين يطمحون إلى الاشتراكية، وإلى الوعي السياسي وإلى النضال السياسي، بدلاً من أن تخفضه. إن مؤتمر رفاقنا، في عام 1898، قد أحسن طرح المهمة، ولم يردد كلام الآخرين، ولم يعكس مجرد ولع “مثقفين” … وينبغي لنا أن ننكب بكل عزم على انجاز هذه المهام طارحين على بساط البحث مسألة برنامج الحزب وتنظيمه وتكتيكه. وقد سبق لنا وقلنا وجهة نظرنا حول موضوعات برنامجنا الرئيسية، وليس المجال هنا، بالطبع، مجال شرحها والإسهاب فيها. أما مسائل التنظيم، فإننا نعتزم أن نخصص لها سلسلة من المقالات في الأعداد القريبة المقبلة. وهي بالنسبة لنا من أشد المسائل حساسية. وإننا لنتأخر كثيراً في هذا الميدان، عن قدامى المناضلين في الحركة الثورية الروسية؛ ينبغي لنا الاعتراف صراحة بهذا النقص وبذل الجهد لإعداد طرائق للعمل أكثر سرية، والعمل بدأب وانتظام واطراد على ترويج قواعد العمل، ووسائل تضليل رجال الدرك واجتناب شباك البوليس. ينبغي لنا أن نعدَّ رجالاً لا يكرسون للثورة أمسياتهم الحرة وحسب، بل حياتهم كلها أيضاً؛ ينبغي لنا أن ننشئ منظمة على قدر من الكبر بحيث يمكن فيها إجراء تقسيم دقيق للعمل بين أنواع نشاطنا على اختلافها. وأخيراً، فيما يخص التكتيك، سنكتفي بما يلي: إن الاشتراكية – الديمقراطية لا تقيد يديها، لا تقيد نشاطها بأي مشروع أو أسلوب يوضع سلفاً من مشاريع وأساليب النضال السياسي، فهي تعترف بجميع وسائل النضال على أن تتلاءم وقوى الحزب الواقعية وتتيح الحصول على الحد الأقصى من النتائج التي يمكن الحصول عليها في ظروف معينة.

فإذا كان الحزب قوياً ومنظماً، أمكن لإضراب منعزل أن يتحول إلى مظاهرة سياسية، إلى انتصار سياسي على الحكومة. وإذا كان الحزب قوياً ومنظماً، أمكن لانتفاضة محلية أن تتخذ مقاييس ثورة مظفرة. ينبغي ألا ننسى أن النضال ضد الحكومة في سبيل مطالب جزئية والكفاح لأجل انتزاع تنازلات جزئية، ما هما إلا منازلات صغيرة مع العدو، مناوشات صغيرة في المواقع الأمامية. أما المعركة الحاسمة فلا تزال أمامنا. إن قلعة العدو تنتصب أمامنا بكل قوتها وهي تمطرنا بحمم من القنابل والرصاص تختطف من بيننا أحسن محاربينا، فيجب علينا أن نستولي على هذه القلعة، وسوف نستولي عليها إذا وحدنا جميع قوى البروليتاريا التي تستيقظ مع جميع قوى الثوريين الروس في حزب واحد يميل إليه كل ما في روسيا من حي وشريف. وعندئذ، عندئذ فقط، تتحقق النبوءة العظيمة التي نطق بها العامل الثوري الروسي بيوتر ألكسييف: “سيرتفع ساعد ملايين الشغيلة بعضلاته القوية، فيستحيل نير الاستبداد، الذي تحميه حراب الجنود، إلى غبار!“.[6]


[1] فرقة ” تحرير العمل” هي أول فرقة ماركسية روسية أسسها بليخانوف سنة 1883 في جينيف وعدا بليخانوف كانت هذه الفرقة تضم اكسيلرود ودويتش وزاسوليتش وايغناتوف. قامت فرقة تحرير العمل بعمل كبير في نشر الماركسية بروسيا. فقد ترجمت إلى اللغة الروسية وطبعت في الخارج ونشرت في روسيا مؤلفات ماركس وإنجلز: “بيان الحزب الشيوعي“، و”العمل المأجور ورأس المال“، و”تطور الاشتراكية من طوباوية إلى علم” وغيرها، كما نشرت الدعوة الماركسية في نشراتها. ووجهت فرقة “تحرير العمل” ضربة جديدة للشعبية التي كانت العقبة الفكرية الرئيسية في طريق نشر الماركسية وتطور الحركة الاشتراكية – الديموقراطية بروسيا. فقد انتقد بليخانوف النظريات الشعبية الرجعية من وجهة النظر الماركسية في مؤلفيه “الاشتراكية والنضال السياسي” (1883) و”خلافاتنا” (1885) وغيرهما. وكان مشروعا برنامج الاشتراكيين – الديموقراطيين الروس (1883 و1885) اللذان كتبهما بليخانوف وأصدرتهما فرقة “تحرير العمل” خطو هامة في طريق تحضير وتأسيس الحزب الاشتراكي – الديموقراطي في روسيا. ولعب دوراً هاماً للغاية في نشر النظرات الماركسي وفي الدفاع عن المادية الديالكتيكية والمادية التاريخية كتاب بليخانوف (ن. بيلتوف) “حول تطور النظرة التوحيدية إلى التاريخ” (1895) وهو الكتاب الذي “تربى عليه جيل كامل من الماركسيين الروس(لينين).

وكانت أواصر صداقة شخصية تربط بليخانوف وزاسوليتش بفريدريك إنجلز، وكانا يراسلانه خلال سنوات طويلة. وأقامت فرقة “تحرير العمل” الروابط مع حركة العمال العالمية، وكانت طيلة وجودها تمثل الاشتراكية – الديموقراطية الروسية في جميع مؤتمرات الأممية الثانية منذ انعقاد المؤتمر الأول لهذه الأممية سنة 1889 بباريس. غير أن فرقة “تحرير العمل” قد وقعت في أخطاء خطيرة: فقد استعظمت دور البورجوازية الليبرالية واستصغرت ثورية الفلاحين باعتبارهم احتياطياً للثورة البروليتارية. وكانت هذه الأخطاء جنين النظرات المنشفية التي ظهر بها فيما بعد بليخانوف وغيره من أعضاء الجماعة.

وقد قال لينين أن جماعة “تحرير العمل” “لم تفعل أكثر من تأسيس الاشتراكية – الديموقراطية نظرياً وخطت الخطوة الأولى لملاقاة الحركة العمالية” (المؤلفات، الطبعة الروسية 4، المجلد 20، ص 255).

في المؤتمر الثاني لحزب العمال الاشتراكي – الديموقراطي الروسي المنعقد في آب (أغسطس) 1903 أعلنت فرقة تحرير العمل أنها تحل نفسها.

[2] في ربيع 1898 (1 – 3 آذار (مارس حسب التقويم القديم، 13 – 15 آذار حسب التقويم الجديد) انعقد في مينسك بصورة سرية المؤتمر الأول لحزب العمال الاشتراكي – الديموقراطي الروسي. وكان لينين قد طرح في سنة 1896، حين كان سجيناً في سجن بطرسبورج، مسألة ضرورة عقد المؤتمر. غير أن اعتقال لينين ونفيه إلى سيبيريا مع غيره من قادة “اتحاد النضال” في بطرسبورج لم يمكناه من تحقيق الفكرة عملياً. وقد حضرت لانعقاد المؤتمر منظمة كييف الاشتراكية – الديموقراطية التي نجت من الضربة.

اشترك في أعمال المؤتمر تسعة مندوبين يمثلون 6 منظمات ( مثل “اتحادات النضال” في بطرسبورج وموسكو وكييف ويكاتيرينوسلاف مندوب عن كل اتحاد، ومثل جماعة “رابوتشايا غازيتا” الكييفية مندوبان ومثل البوند ثلاثة مندوبين).

اتخذ المؤتمر قراراً بتوحيد “اتحادات النضال” المحلية والبوند في حزب واحد هو “حزب العمال الاشتراكي – الديموقراطي الروسي” وانتخب لجنة مركزية. واعترف بجريدة “رابوتشايا غازيتا” جريدة الحزب الرسمية. وأعلن “اتحاد الاشتراكيين – الديموقراطيين الروس” ممثلاً للحزب في الخارج. وأصدر المؤتمر “بيان حزب العمال الاشتراكي – الديموقراطي الروسي” وأعلن فيه أن المهمتين الرئيسيتين هما النضال في سبيل الحرية السياسية وضد الحكم المطلق، وربط بين هذا النضال وبين مواصلة النضال ضد الرأسمالية والبورجوازية.

إن المؤتمر الأول، إذ أعلن تأسيس حزب العمال الاشتراكي – الديموقراطي الروسي قد خطا خطوة إلى الأمام بقضية رص البروليتاريا حول الاشتراكية – الديموقراطية الثورية. ولكنه لم يؤسس الحزب ككل لا يتجزأ، ولم يضع للحزب برنامجاً ونظاماً داخلياً. ولم تلبث اللجنة المركزية التي انتخبها المؤتمر أن اعتقلت. واشتد الاضطراب والارتباك في المنظمات الاشتراكية – الديموقراطية المحلية. وظلت مهمة تأسيس الحزب الماركسي الموحد كالسابق المهمة الرئيسية الموضوعة أمام الاشتراكية – الديموقراطية الروسية.

[3] يشار إلى “الاقتصادية” وهي تيار انتهازي نشأ في الاشتراكية – الديموقراطية الروسية في أواخر القرن التاسع عشر – أوائل القرن العشرين، ومظهر روسي من مظاهر الانتهازية العالمية. وقد نطقت بلسان “الاقتصادية” في روسيا جريدة “رابوتشايا ميسل” (1897 – 1902) وفي الخارج مجلة “رابوتشيه ديلو” (1899 – 1902).

في سنة 1899 ظهر (Credo) “الكريدو“، وهو بيان “الاقتصاديين” الذي وضعته كوسكوفا. وحين تلقى لينين (Credo) – وهو في المنفى – كتب “احتجاج الاشتراكيين الديموقراطيين الروس” وانتقد فيه برنامج “الاقتصاديين” أشد الانتقاد. لقد حصر “الاقتصاديون” مهام الطبقة العاملة في النضال الاقتصادي من أجل رفع الأجور وتحسين شروط العمل الخ، مؤكدين أن النضال السياسي من شأن البورجوازية الليبرالية. وأنكر “الاقتصاديون” دور حزب الطبقة العاملة القيادي معتبرين أن مهمة الحزب لا تعدو تأمل سير الحركة العفوي وتسجيل الأحداث. و”الاقتصاديون” بسبب من تقديسهم لعفوية الحركة العمالية قد غضوا من شأن النظرية الثورية ومن شأن الوعي وزعموا أنه يمكن للأيديولوجية الاشتراكية أن تنبثق من الحركة العفوية؛ لقد أنكروا ضرورة قيام الحزب الماركسي ببث الإدراك الاشتراكي في الحركة العمالية وبذلك مهدوا الطريق أمام الأيديولوجية البورجوازية. ودافع “الاقتصاديون” عن التشتت والروح الحرفية في الحركة الاشتراكية – الديموقراطية منكرين ضرورة تأسيس الطبقة العاملة لحزب متمركز. وكانت “الاقتصادية” خطراً يهدد بصرف الطبقة العاملة عن الطريق الثوري الطبقي وبتحويلها إلى ملحق سياسي للبورجوازية. واضطلعت “الإيسكرا” اللينينية بدور كبير في مناضلة “الاقتصادية“. وقد أجهز لينين على “الاقتصادية” ووجه لها الضربة القاضية في كتابه “ما العمل؟“.

(*) قانون الإيمان، البرنامج، عرض المفاهيم عن العالم. الناشر.

[4] “رابوتشايا ميسل” (“الفكر العمالي“)؛ جريدة نطقت بلسان “الاقتصاديين” وصدرت من تشرين الأول (أكتوبر) سنة 1897 حتى كانون الأول (ديسمبر) سنة 1902. صدر من الجريدة 16 عدداً. طبع العددان الأول والثاني في بطرسبورج على الميميوغراف . وصدرت الأعداد 3 – 1 في الخارج بمدينة برلين. ونقل طبع الأعداد 12، 13، 14، 15 إلى فرصوفيا. وصدر العدد الأخير رقم 16 في الخارج. وكان يحرر الجريدة تختاريف وغيره.

الملحق الخاص بـ”رابوتشايا ميسل” هو كراس أصدرته في أيلول (سبتمبر)سنة 1899 هيئة تحرير جريدة “رابوتشايا ميسل“. وفي هذا الكراس ولاسيما في مقال “واقعنا” الذي يحمل توقيع ر. م. ظهرت النظرات الانتهازية بصراحة.

وقد انتقد لينين نظرات “رابوتشايا ميسل” بوصفها مظهراً روسياً للانتهازية العالمية في مبحثه “اتجاه إلى الخلف في الاشتراكية – الديموقراطية الروسي” (المؤلفات، الطبعة الروسية 4، المجلد 4، ص 234 – 262) وفي مقالات نشرتها جريدة “الإيسكرا” وفي كتابه “ما العمل؟“.

[5] أنصار “نارودنايا فوليا” (أو النارودوفوليون) هم أعضاء جمعية “نارودنايا فوليا” (“إرادة الشعب“؛ وهي منظمة سياسية سرية أسسها الشعبيون الإرهابيون في آب (أغسطس) سنة 1879 بنتيجة انشقاق المنظمة الشعبية “زيمليا أي فوليا” (“الأرض والحرية“). وكانت تترأس “نارودنايا فوليا” لجنة تنفيذية من أعضائها جيليابوف وميخايلوف وفرولينكو وموروزوف وفيغنير وبيروفسكايا وكفياتكوفسكي. بقى النارودوفوليون متمسكين بالاشتراكية الطوباوية الشعبية وسلكوا طريق النضال السياسي ورأوا المهمة الرئيسية في إسقاط الحكم المطلق واكتساب الحرية السياسية. وقد كتب لينين يقول أن “النارودوفوليون قد خطوا خطوة إلى الأمام بانتقالهم إلى النضال السياسي، ولكنهم لم يفلحوا بربط هذا النضال بالاشتراكية” (المؤلفات، الطبعة الروسية 4، المجلد 8، ص 54).

ناضل النارودوفوليون ضد الحكم القيصري المطلق ببسالة. ولكنهم، لانطلاقهم من نظرية مغلوطة تقول بـ”أبطال” ذوي فعالية و”جموع” سلبية، عقدوا آمالهم على تغيير المجتمع بقواهم الخاصة، بدون اشتراك الشعب، عن طريق الإرهاب الفردي وإرعاب الحكومة وإحلال الفوضى في صفوفها. وبعد 1 آذار (مارس) 1881 ( أي بعد اغتيال القيصر ألكسندر الثاني) حطمن الحكومة منظمة “نارودنايا فوليا” بالملاحقات الفظيعة والإعدامات والاستفزازات. وجرت في العقد التاسع محاولات عديدة فاشلة لبعث “نارودنايا فوليا“.

وإذ انتقد لينين برنامج النارودوفوليين الطوباوي المغلوط، أشاد في الوقت نفسه باحترام كبير بما أظهر أعضاء “نارودنايا فوليا” من البسالة في النضال ضد القيصرية كما أشاد بما أظهروا من براعة في فن النشاط السري والتنظيم المبني على المركزية الصارمة.

[6] بيوتر ألكسييف؛ عامل ثوري في سبعينات القرن التاسع عشر والذي نشرت كلمته، التي ألقاها أمام المحكمة القيصرية في 10 (22) مارس 1877 في سانت بطرسبورج، لأول مرة سنة 1877 بلندن في المجموعة التي تصدر بشكل غير دوري: “فبيرود!” (إلى الأمام). ومنذ ذلك الحين أعيد نشرها غير مرة بصورة سرية وانتشر انتشاراً واسعاً بين العمال الروس.

Advertisements

مناقشة

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

حمل العدد الأخير من نشرة الثوري

آخر اصداراتنا

أنت الزائر رقم

  • 75٬512

Advertisements
%d مدونون معجبون بهذه: