مواقفنا السياسية, خطنا السياسي

الحريات الديمقراطية


الفصل الثالث من كراس “دستورهم بين أهداف الثورة ومناورات الثورة المضادة


ننتقل الآن إلى السر المقدس لدى الإصلاحيين وأصحاب نظرية “مراحل الثورة” ورفاقهم من الديمقراطية البرجوازية الصغيرة، بعد أن بيننا “وهم” الإصلاح الاقتصادي, نلج باب السر “الحريات” التي شكلت نصيبهم من الدستور  “التوافقي“.لنرى هل ربحوا فعلاً الحريات التي يحلمون بها من السلطة البرجوازية.

مادة (53) :

هذه المادة تقدم – في فقرتها الأولى- وجبة دسمة للبرجوازي الصغير, إنها حتى تصيب معدته بالتلبك, فهي تقرر؛

“المواطنون لدى القانون سواء، وهم متساوون في الحقوق والحريات والواجبات العامة، لا تمييز بينهم بسبب الدين، أو العقيدة، أو الجنس، أو الأصل، أو العرق، أو اللون، أو اللغة، أو الإعاقة، أو المستوى الاجتماعي، أو الانتماء السياسي أو الجغرافي، أو لأي سبب آخر.

إنها المواطنة كاملة غير منقوصة, بل إنها حتى مطلقة, عدم التمييز لأي سبب أيا كان.نحن نعذر البرجوازي الصغير حين يسيل لعابه أمام تلك الفقرة, إنه ينتشي إلى حد أنه لا يرى باقي نصوص الدستور جيداً.

فثمة تمييز – بين المواطنين – على أساس الدين, تقرره الديباجة والمادة (2) حين تنص على شريعة الإسلام وحده “المصدر الرئيسي للتشريع” وتقرره حين تنص على أن الإسلام “وحده” دين الدولة .وكذلك يوجد تمييز على أساس اللغة بين مواطني الدولة, في الديباجة التي هي جزء من صلب الدستور والمادة (2)، حين تقرر اللغة العربية وحدها لغة رسمية وتتجاهل لغات مواطنين آخرين مثل (النوبية, الأمازيغية).

و كذلك يقرر البرجوازي الصغير، وقد صعق من فتنة المادة (53)، أن يغض البصر عن المادة (64)، حيث حرية الاعتقاد ليست مطلقة سوى في داخل الجهاز النفسي, في خبايا العقل والفكر, فإن أحداً من غير أتباع الأديان “السماوية” الثلاث؛ الإسلام والمسيحية واليهودية، لا يحق له أن يمارس علناً شعائر معتقده أو يبنى له معابد, حتى وإن كان مواطناً مصرياً تسرى عليه المادة (53) المثيرة, وذلك رغم أن المادة (64) تبدأ بعبارة “حرية الاعتقاد مطلقة” … نعم ولكن داخل عقلك فقط, لان الفقرة التالية في نفس المادة تقرر “حرية ممارسة الشعائر الدينية وإقامة دور العبادة لأصحاب الأديان السماوية حق ينظمه القانون”. ولا عزاء لمواطنين مصريين يتبنون عقيدة أخرى (مثل البهائيين) رغم مبدأ المساواة  القانونية المطلقة بين المواطنين ، وعدم التمييز على أساس العقيدة، أليس هذا تمييزاً، بين المواطنين، ويهدم المبدأ من أساسه؟

إلا أن حرية الفكر والرأي مكفولة،مادة (65)، وكذلك حرية الإبداع والبحث العلمي،المواد(66) و(67)،

تم حظر الجنح المباشرة في قضايا النشر, لكنها تظل سلاحاً تملكه الدولة إذا كانت الجنحة غير مباشرة (عن طريق بلاغ للنيابة)، وستقدر النيابة، المستقلة كما نعلم،إن كانت تقيم الدعوى أو تحفظ البلاغ,  لقد انتقل سيف ملاحقة المبدعين والمفكرين من يد الأفراد, إلى يد الدولة, لكنه لا يزال مشهراً فوق رقابهم، ومع ذلك فـ”حرية الرأي” مكفولة.

لكن مهلاً، يصرخ البرجوازي الصغير مسلوب اللب، لن توقع عقوبة سالبة للحرية على الكتاب, حسناً لكن تبقى الغرامة أو التعويضات، التي قد يخسر بها الكاتب كل ما يملك، وقد يظل بسببها مديناً مدى الحياة، والتي لا سقف لها, وقد تكون أشد أثراً في بعض الأحيان، على حرية الإبداع والنشر، من العقوبة السالبة للحرية.

إن العقوبة السالبة للحرية لم تختفِ تماماً أيضاً, تم منع توقيعها فقط “في الجرائم التي ترتكب بسبب علانية المنتج الفني أو الأدبي أو الفكري“، أما “الجرائم المتعلقة بالتحريض على العنف أو التمييز بين المواطنين أو الطعن في أعراض الأفراد، فيحدد القانون عقوباتها“.

أغلب جرائم النشر هي المتعلقة بالطعن في أعراض الأفراد, إنها كما هي تجلب الحبس والغرامة والتعويض لصاحبها, وتفسير القانون لما يعد “طعناً في الأعراض” واسع للغاية, أضيف أيضاً صور تجريم جديدة؛”التحريض على العنف“, هذه الجريمة التي يقررها الدستور يمكن أن تطول أي شخص يدعو لثورة, أو لمواجهة البلطجية المأجورين، أو التصدي لعنف غير مبرر من رجال أمن،فهي تتسع لتفسيرات عريضة جداً, وتهدد أعمال الاحتجاج بوجه عام،وليس فقط جماعات العنف المنظم, والتمييز بين المواطنين أيضاً يمكن استخدامه ضد من يحارب “الطبقة الحاكمة“أو يدعو حتى لمقاطعة بضائع شركة خاصة بعينها، والمفارقة أن الدستور نفسه هو أول من ضبط بـ”التمييز بين المواطنين” فيما أوضحناه وما سنوضحه أيضاً, بل إن جريمته أشد, إنه يدستر التمييز الذي يدعى أنه يمنعه. ولكن ألا يعتبر تفضيل صاحب عمل لمواطن دون آخر تمييزاً، لا يسرى النص على سادة الأعمال بالطبع.

لكن الدستور يترك، للقادرين بالطبع، حق ملكية وإصدار الصحف وإنشاء وسائل الإعلام المرئية والمسموعة, ووسائط الإعلام الرقمي، مادة (70)، لقد كان حلماً من أحلام الطبقة الوسطى والمثقفين البرجوازيين, أخيراً يمنحهم الدستور الفرصة ليكونوا أصحاب قنوات ومحطات تلفزيونية وصحف, لكنهم يملكونها ضمن شروط الحرية التي حددها الدستور, والسوق الذي سيوجه دفتها, إنها بمثابة صفقة للبزنس الإعلامي والإعلاني قبل أي شيء, وقد يشاركهم في ذلك بيروقراطية النقابات بجوار الشركات الخاصة, يمكن للطبقة الوسطى أن تحتفل بذلك، وهذا قبل أن تكتشف أنها هدية للاستثمار الكبير فقط, وأنهم سيظلون خدماً متميزين لهذا الاستثمار.

Advertisements

مناقشة

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

حمل العدد الأخير من نشرة الثوري

آخر اصداراتنا

أنت الزائر رقم

  • 75٬512

Advertisements
%d مدونون معجبون بهذه: