مواقفنا السياسية, خطنا السياسي

خاتمة؛ المقومات الاقتصادية وكشف الطبيعة الطبقية لدستورهم


خاتمة كراس “دستورهم بين أهداف الثورة ومناورات الثورة المضادة


هذا الفصل من الدستور هو جوهره, أن ما يكمله هو نظام الحكم ولكنه تابع له, في هذا الفصل تظهر سياسات الدولة البرجوازية, ومصالح الرأسماليين, لكن لا بأس من الزخارف وورق الحائط لإخفاء قبحها وثقوبها, أن تتحدث مثلا عن هدف “تحقيق الرخاء في البلاد” وعن العدالة ورفع مستوى المعيشة و”القضاء على الفقر“.

يقرر الدستور دعم التنافسية وتشجيع الاستثمار, ومنع الاحتكار, والشفافية, هذا منطق سوق قد يفيد البرجوازيين, فلا مكان هنا لعدالة أو جماهير, لكن نلاحظ أنه ليجذب مستثمرين لن يضع قيد عليهم, بل إن بعضهم شروطه هي عدم السماح بشركات تمارس نفس النشاط خلال مدة معينة, إنه يعلن نفسه نشاط احتكاري (مثال عقد موبينيل الأول), ولا عزاء للتنافسية فللسوق قانونه وللاستثمار شروطه, السوق وحده من سيقرر نيابة عن الدستور، وعبارات الدستور صالحة للركوب, وقد رأينا “النظام الضريبي العادل” ونوع عدالته.

فضلا عن الدستور ألغى فكرة التخطيط القومي التي وجدت في دستور ٧١، وترك حركة السوق للعرض والطلب، تماشياً مع توسيع حريته وانسحاب دور الدولة، وكذلك قيد حق الأمة في التأميم، وعند وجوده يتحول إلى شراء .. بثمن عادل، يدفع مقدماً، كما انه ألغى وجود حد أقصى للملكية الزراعية ممهداً لعودة كبار الملاك للسيطرة على الزراعة وعلى الفلاحين الفقراء، بدعم دستوري كامل، اهتمام الدستور الحقيقي هو مصالح المستثمرين  وكبار الملاك وليس مصالح الشعب.

 وكذلك الحديث عن الشفافية أيضاً هو رطانة وزخرفة  لا قيمة لها, خاصةً حين يقرر الدستور حجب ميزانية المؤسسة العسكرية بوجه عام ، رغم أنها تدير إمبراطورية اقتصادية كبيرة  / لا صلة لها بالجانب العسكري، ولا أحد يعلم حجمها أو أين تذهب عوائدها, وحجب ميزانية القضاء عن الجماهير, ونشرها فقط كرقم واحد مبهم خالي من التفاصيل, السر العسكري والسر القضائي معاً, وفي الخلفية السر الصناعي والتجاري والقدرة على عمل ميزانيات كاذبة، أو بدعة ميزانية الرقم الواحد التي تهدم كليا مبدأ الشفافية أو الرقابة الشعبية أو حق الرأي العام في المعرفة.

انسحاب الدولة من المجال الاقتصادي بالخصخصة وبيع الشركات العامة للرأسماليين يعني أن فكرة “ضبط السوق” أو “تحقيق قدر من التوازن” لا معنى لها, فالدولة تتحول إلى مصدر تراخيص, وجابي ضرائب, والرأسماليون سيحكمون الاقتصاد والسوق وفق مصالحهم, وقدرات المشروعات وحدها هي التي ستقرر القدرة على المنافسة, أو الاحتكار.

موارد الدولة الطبيعية ملك للشعب, لكن الشعب لا يملك شيء, فالشعب يدفع رسوم لدخول حديقة, أو متحف , أو دورة مياه … كما يدفع للماء والكهرباء وكل شيء, الشعب لا يملك, و الدولة تتصرف في المرافق والشركات العامة.

هذه النصوص من 27 إلى 46 في جزء كبير منها أكاذيب، وتناقض بعضها البعض أو تناقض مواد أخرى, واضعو هذا الدستور اضطروا للعمل كبهلوانات والتأرجح يميناً ويساراً طوال الوقت ليخرجوا لنا هذا المسخ الدستوري, جمل فخيمة لا قيمة لها, ومصالح برجوازية تتأكد وتتوسع.

حسناً خرجت الرأسمالية المصرية بنصيب الأسد في الدستور؛ تأكيد سياسة السوق, إزاحة نسبة العمال والفلاحين, تحصين الأرباح من الضرائب التصاعدية, الاستثمار والمنافسة, إزاحة شبح تدخل الدولة في الحياة الاقتصادية.

وحصلت المرافق القوية في الدولة على حصتها, تحصين مشيخة الأزهر, ووزارة الدفاع, الاقتصاد العسكري, ميزانية القضاء, وحصلت بيروقراطية النقابات المهنية على جزء صغير, حظر التعدد النقابي الذي قد يهدد نفوذهم ومصالحهم, حصل الإصلاحيون على جمل فخمه وعبارات بليغة وديباجه أدبية متوسطة القيمة, ابتهج الليبراليون لإطلاق آليات السوق وحرية الاستثمار، ولم يعبئوا بالمناورات والحصار للحريات الجماهيرية , شيء مقابل شيء.وحصلت الجماهير على دعاية مرعبة تصور هذا الكراس المسخ على أنه رسالة الخلاص, كتاب الحرية المجيدة, الرقية السحرية, التي ستطرد أشباح الإخوان من المشهد السياسي.

وفى الخلفية استيقظت كل الأحلام الانتهازية, اليسار الإصلاحي والقوميين الذين صاروا شركاء للبرجوازيين والعسكريين في الحكم، يحلمون بعدم إزاحتهم وبحصص أكبر في حكومة ما بعد الدستور, والليبراليون يحلمون بالسيادة المطلقة, وخلفهم جميعا يمسك الجنرالات بكل خيوط عرائس المسرح السياسي, ويحركونها كما يحبون.

وعلى الجانب المقابل تترقب الجماهير النتائج, هل ستقدم نصوصكم الخبز والعلاج والسكن؟ نريد خبزاً وليس نصوصاً, وهنا يكمن اللغم الشديد الانفجار, لا أحد في ساحة الحكم وسادة الاقتصاد الرأسمالي يفكر فعلاً في إعطاء الشعب الخبز والعلاج, ينتظر الشعب حلولاً وتجهز الدولة سجون جديدة وقيود بوليسية، تجهيزات لقمع المظاهرات والانتفاضات, ومن ثم يجهز الواقع نفسه لصدام وشيك يمر عبر بوابة الاستقرار بالذات؛ الدستور المقر والانتخابات، حيث تتبخر الأوهام ويجبر كل الأطراف على مجابهة الحقيقة.

ماذا تبقى بعد وضوح اتجاه الدستور، وانحيازه التام للرأسماليين، وخلوه من أي إصلاحات حقيقية، بل وإهداره لمبادئ عدم التمييز، الشفافية، تقييده للحريات، تهميشه للدور الشعبي. الحقيقة هيأنه لم يبقى شيء سوى الدعاية والأكاذيب وأوهام البرجوازي الصغير وخيانة اليسار الإصلاحي.

هل يستطيع هذا المسخ الدستوري تسكين الأوضاع وتمكين النظام من استعادة الهيمنة؟ الإجابة هي لا بالقطع، حتى لو نجحوا في تمريره بتلك الأكاذيب والخيانات السياسية، سرعان ما سيواجه اختباره الأشد، أمام شعب لم تعد الوعود والنصوص كافية بالنسبة له،أو قادرة على إشباع حاجاته، إنه دستور يحمل داخله كل أسباب الإطاحة به، ثمة صعود سريع في اتجاه السقوط يخوضه تحالف الإنقاذ الانتهازي، ويعرض معه هيمنة الجنرالات أيضا للسقوط.

Advertisements

مناقشة

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

حمل العدد الأخير من نشرة الثوري

آخر اصداراتنا

أنت الزائر رقم

  • 75٬512

Advertisements
%d مدونون معجبون بهذه: