مقالاتنا, طلاب

جامعة الفيوم .. إضراب بين شقي الرحى


إضراب جامعة الفيوم

صورة من إضراب جامعة الفيوم

على فترات متقاربة، شهدت بوابة كلية الهندسة بجامعة الفيوم مشهداً متكرراً من الاشتباكات بين حركة “طلاب ضد الانقلاب” وقوات الداخلية، في كل المرات بدأ الاشتباك بالسماح للطلاب بالخروج بتظاهرتهم من بوابة الكلية إلى الشارع ومداهمتهم بقنابل الغاز المسيل للدموع وهو ما يدفع الطلاب إلى التدافع مرة أخرى داخل الجامعة، ليبدأ مشهد من الكر والفر بينهم وبين “غاز” الداخلية ينتهي بزيادة عدد المتظاهرين من الطلاب نتيجة للشعور بالإهانة. تمر الأيام وتُنسى الأحداث أو تكاد ويعود “طلاب ضد الانقلاب” لمظاهراتهم الروتينية ذات الحشد المتضائل .. يقترب الطلاب من بوابة كلية الهندسة .. يخرجون .. يُـدهمون .. يتزايدون .. وهكذا دواليك.

إلا أن الجامعة قد شهدت في يوم الأربعاء 27\11\2013 حدثاً مختلفاً … فبعد أن تكرر المشهد المعتاد من الكر والفر على بوابة هندسة توجه الطلاب المتظاهرون إلى مبنى القبة، تجمهروا رافضين لإهانات قوات الداخلية المتكررة، أو هكذا أعلن بعضهم، وبعد مجموعة من الأحداث غير متفق عليها في الروايات المختلفة تكسر زجاج واجهة مبنى القبة ووجد الطلاب قوات الداخلية داخل جامعة الفيوم.

لم تكن قوات الداخلية تهدف إلى حماية المبنى أو منشآت الجامعة، برهن على ذلك انتشار الغاز المسيل للدموع في كل شبر من أرض الجامعة وعلى بعد مئات الأمتار من مبنى القبة المزعوم حمايته. لقد اتضح من أداء أفراد الشرطة رغبتهم في “تأديب الطلاب“، حوصر الطلاب داخل أسوار الجامعة والمدينة الجامعية،ترددت أنباء غير مؤكدة عن إطلاق الخرطوش وإصابة أحد الطلاب في عينه وآخر في يده،وترددت أنباء – ثبت عدم صحتها فيما بعد – عن اعتقال بعض الطلاب.

هاجت نفوس طلاب الجامعة وبلغ بهم الحنق المدى وقرروا الإضراب عن الدراسة حتى يكون لهم مع إدارة الجامعة ومع وزارة الداخلية شأنٌ آخر، في الحقيقة لم يكن أغلب الطلاب يعرف ماهو الشأن الآخر المطلوب وجوده؛ هل الاعتذار عن دخول الداخلية الجامعة والتعهد بعدم تكرار ما حدث؟؟ هل يكفي هذا؟؟ إذا لم يكن يكفي فماذا أيضا يمكن المطالبة به ؟؟؟ لم يملك هذا الجواب سوى طلاب كلية الهندسة فهم يملكون زميلين معتقلين هما الطالب أحمد عزت والمعيد محمد حمودة .

 مر اليوم الأول بعد الواقعة في جامعة الفيوم بتظاهرات هنا وهناك وإضرابات مدعاة في أغلب الكليات، انتهت جميعاً بانتهاء اليوم الأول للإضراب في جامعة الفيوم ولم يبق سوى إضراب كلية الهندسة ومحاولة ضعيفة للإضراب بكلية الحاسبات.

 استمر إضراب هندسة الفيوم أسبوعاً آخر بنسبة لا تقل عن 90 بالمائة في أسوأ الحالات مدفوعا بحماس الطلاب حيناً وبقصوره الذاتي أحيانا أخرى؛لم يكن الطلاب قادرين على التراجع عن إضرابهم بعد فقدان الدرجات والامتحانات دون الوصول إلى نتيجة ملموسة.

انتهى الإضراب بنهاية الأسبوع وتم التفاوض مع رئاسة الجامعة بشأن المطالب الرئيسية للإضراب؛ الإفراج عن المعتقلين والاعتذار عن دخول قوات الداخلية الجامعة، وتم تعليق الإضراب في انتظار تحقيق المطالب، وهو ما أدى إلى انتهاء الإضراب بسبب انعدام القدرة على تجديده، حتى بعدما تراجعت إدارة الجامعة عن التزامها بشأن الاعتذار عن استدعاء الشرطة لكن لفهم نتائج الإضراب يلزم نظرة أكثر تعمقاً.

بدأ الإضراب في ظل حالة من الغليان في الحركة الطلابية المصرية، سبقه إضراب هندسة الزقازيق وجامعة عين شمس وضرب الطلاب في المدينة الجامعية لجامعة الأزهر ومقتل أحدهم، وفي ظل حالة من الاستقطاب في المشهد السياسي بين العسكر والإخوان المسلمين، استفاد منها العسكر في محاولتهم للانقضاض على أهم مكتسبات الثورة المصرية، انتزاع حق التظاهر السلمي والإضراب، واتساع مساحة الحركة الاحتجاجية بانضمام روافد جديدة لها، وانعكست هذه الحالة على الحركة الطلابية التي بدأت عامها الدراسي بمعركة مع قانون الضبطية القضائية الذي سعت الحكومة بشتى السبل لتطبيقه داخل الجامعات المصرية  بزعم مواجهة الإرهاب، وعندما عجزت الدولة العسكرية عن تحقيق ما أرادت من السيطرة الأمنية على الجامعات المصرية أصبحت تلتمس الفرصة السانحة للتدخل في المشهد الطلابي، وساعدهم على ذلك بالطبع طلاب “الإخوان المسلمون” برغبتهم الدائمة في زيادة عدد المتعاطفين مع قضيتهم الواهية، وذلك عن طريق الظهور بمظهر الضحية المضطهدة، إذاً كان من مصلحة الطرفين أن تنسب كل الحركات الاحتجاجية في كل الجامعات إلى الإخوان المسلمين، يضرب العسكر ويوافق الشعب بدم بارد، يزيد متعاطفو الإخوان ومحبوهم قناعة بمشروعية قضيتهم.

ونظراً لضعف القدرة التنظيمية للحركات الثورية في الجامعات المصرية أو ضعف الخبرة السياسية في بعض المناطق، وقعت الحركة الطلابية بين مطرقة العسكر وسندان الإخوان المسلمين؛ كل المؤسسات الإعلامية، سواء الإخوانية أو الموالية للدولة، تصر على أن تنسب الاحتجاجات الطلابية إلى الإخوان المسلمين وهو مالم يسلم منه إضراب هندسة الفيوم أيضاً.

كانت القوى المشاركة في تنظيم الإضراب هي حركة طلاب مصر القوية ونادي الفكر الاشتراكي وأسرة فرسان الحق (الدعوة السلفية) وحركة طلاب ضد الانقلاب واتحاد الطلاب الذي يعكس في تكوينه نسبة معبرة عن وضع هذه القوى السياسية داخل الكلية.

تم الاتفاق على أن يكون الإضراب من أجل مطالب طلابية دون رفع أية شعارات سياسية من شأنها جر هذه الحركة لصالح فصيل معين، يرى البعض أن هذا الاتفاق كان من أهم أسباب قوة الإضراب واستمراره – بالنسبة لإضرابات باقي الكليات بالفيوم –  ويرى البعض الآخر أنه كان من أسباب فشله حيث أن عدم رفع شعار سياسي أدى إلى تسهيل مهمة الإعلام في تشويه صورة الإضراب.

مهما يكن الأمر فإن الإضراب لم يتمكن من بلوغ هدفه ألا وهو تصدير القضية الطلابية دون الوقوع في شرَك المشهد السياسي.

لم تنقطع محاولات طلاب الإخوان المسلمين للسيطرة على الإضراب وجره لصالحهم، ولم تنقطع مساعي بقية المنظمين في كبح جماحهم، وهو ما تجلى في إصدار بيان لتوضيح هدف الإضراب وهويته ونفي كل ما يردده الإعلام بشأن الإضراب “ضد الانقلاب“.

ترهلت القدرة التنظيمية للإضراب في نهاية الأسبوع، وبدأ الزخم الطلابي في الاضمحلال، وهو ما دفع المنظمين لمحاولة التصعيد بغية الوصول إلى طاولة المفاوضات وخشية الدخول في أسبوع جديد تتبدد به قوة الإضراب وتذهب مجهودات الأسبوع الأول أدراج الرياح فقرروا الاعتصام أمام مكتب عميد الكلية.

بالفعل وصل الطلاب لطاولة التفاوض وتوصلوا إلى تحقيق مطالبهم لكن بصورة شفهية؛ تعهدت إدارة الجامعة بالسعي للإفراج عن المعتقلين، والاتفاق على بيان تعتذر به إدارة الجامعة عن استدعاء الداخلية لكن في صياغة ملتوية أقل وضوحا وأخف وطأة على الإدارة.

قرر المنظمون تعليق الإضراب لحين متابعة تحقيق المطالب وهو ما أدى إلى انعدام القدرة على استكمال الإضراب مرة أخرى (بوضع اقتراب امتحانات نهاية الفصل الدراسي وطبيعة كلية الهندسة العملية في الاعتبار) وما أدى بالتالي لوضع إدارة الجامعة في موقف أكثر قوة تستطيع فيه التخلي عما تعهدت به أثناء التفاوض.

انتهى إضراب هندسة الفيوم ولم تزل هناك بعض الإجراءات قيد التحقيق بشأن المعتقلين، لكن دون الوصول إلى اتفاق يلزم إدارة الجامعة بعدم استدعاء قوات الداخلية مرة أخرى وهو ما اعتبره الكثير من الطلاب دليلاً على الفشل.

تم الإفراج عن المعيد محمد حمودة وتمكن الطالب أحمد عزت من أداء امتحانات الفصل الدراسي الأول بمحبسه بعد متابعة اتحاد الطلاب لجميع الإجراءات المتعلقة بهما.

في نهاية الأمر كان إضراب هندسة الفيوم تجربة قوية لطلاب جامعة الفيوم لم تحدث من قبل، خرجوا منها بدروس كثيرة في التنظيم والتحرك أهمها أنه لا يمكن بأي حال من الأحوال وجود تنسيق مشترك مع الإخوان المسلمين، وأنه ثمة صلة وثيقة بين العمل الطلابي والحراك السياسي لا يمكن قطعها وأن الحديث عن حركة طلابية دون أفق سياسي هو إنهاك للقوى دون فائدة تذكر.

سليمان عبد السلام

Advertisements

مناقشة

One thought on “جامعة الفيوم .. إضراب بين شقي الرحى

  1. اكثر ما قرأت انصافا
    مجهودك مشكور
    أحمد محمد روبي
    رئيس اتحاد طلاب هندسة الفيوم

    إعجاب

    Posted by أحمد محمد روبي | يناير 12, 2014, 10:33 م

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

حمل العدد الأخير من نشرة الثوري

آخر اصداراتنا

أنت الزائر رقم

  • 74٬551

Advertisements
%d مدونون معجبون بهذه: