مقالاتنا, تحليل سياسي

في معايير الحكم على الأوهام الدستورية … قراءة ماركسية في مسألة الدستور


لجنة الخمسين المعينة لتعديل الدستور

لجنة الخمسين المعينة لتعديل الدستور

يبدو أن في ثورتنا – حتى الآن – قدراً لا يُستهان به من الأوهام لا يقارن بما وعته من حقائق. والوهم الدستوري عموماً الذي يشغلنا هنا هو الاعتقاد الكاذب، الذي يخالف الواقع، في وجود حقوق وحريات يتضمنها الدستور بمجرد النص عليها في بعض العبارات المنمقة الجميلة، مع تناسي أن وظيفة الدساتير الأصلية في بلادنا هي ستر الاستبداد والاستغلال الواقعيين، وتعيين حدود صلاحيات سلطات الدولة بين بعضها البعض لا تقييدها، لا تأسيس الحقوق أو تعزيز  الحريات، فالدستور وحده وفي حد ذاته لا يجعل من بلد ما بلداً دستورياً أو ديموقراطياً. ولأن الوهم الدستوري خطأ سياسي قد تترتب عليه في أوضاع مثل أوضاعنا نتائج كارثية، لذا يتعين على كل ثوري، أن يرغم أي نص دستوري، أو قانوني عندما يلوذ بالصمت على الإفضاء بما فيه، حيث كل كلمة قناع تخفى وتستر  وقائع الصراع الطبقي. وصولا حتى لتعاور هذا الناسك المتمنع المتعطش للسلطة في عالم رأسمالي يرتبط ارتباطاً حميماً بأفكار القهر والسيطرة وظاهرات التذليل والإخضاع المتفاوتة في مدى عنفها ومدى تمايز الواحدة منها عن الأخرى. غير أننا لا نطالب السلطة بأن لا تتجلى بما هي سلطة، وإنما نهدف لأن يقوى نقيضها حتى يزيحها ليحتل مكانها وفق مقتضيات وأصول “الدولة والثورة“. وقبل كل شيء أن يعي، يفهم، يدرك، أن يكسب على الأقل في مسيرته الثورية خسارة أوهامه المتلاحقة التي ولدتها المراوغة في مدى نأمل ألا يكون بعيداً.

يشيع في أوساط شعبنا الآن جملة من الأوهام الدستورية لارتباطها بالدستور – غير ما أشرنا إليه عاليه – ذات مصادر متباينة، تروجها في الأساس السلطة الحاكمة وأجهزة إعلامها ومثقفوها العضويون، حيث يستثمرون الصراع بين جناحي الثورة المضادة لإثارة  موجة من الفزع والترويع تحت لواء محاربة الإرهاب، وأنه لا بديل سواهم، متمسكين بإملاء شروط الإذعان القمعية التي يفرضونها على كامل الحياة السياسية، ويتصورون أن التصويت بنعم على دستورهم يمنحهم الشرعية أمام أعين العالم الخارجي، وتفويضاً جديداً لمواصلة قمع الجناح الرأسمالي الإسلامي من الثورة المضادة، فضلاً عن تيسير عملية   الإجهاز النهائي على قوى الثورة التي بدأت بالفعل  عقب موجة 30 يونيو الثورية بتطبيق قانون تقويض حق التظاهر وما تلاه من إجراءات. هذه القوانين التي صدرت والتي سوف تصدر يعد كل منها انقلاباً على الثورة وهى مظهر من المظاهر الملازمة للصراع الطبقي، وهي تمثل إجمالاً الدستور الحقيقي في التطبيق. وليس أمام السلطة  الحالية إلا أن تبشر مثل سابقتها بضرورة الخضوع للثورة المضادة التي ادعت أنها هي القانون، والدستور،  والشرعية.

ويرى الكثيرون من حسنى النية (الذين يسعون  بأيديهم إلى هلاكهم من الساحة السياسية) أن إرهاب الإخوان المسلمين هو الخطر الأساسي، وأن “خطر السلطة” الحاكمة التي يعززونها بموقفهم التأييدي  لابد من التغاضي عنه مرحلياً، حتى تنتهي الفترة الانتقالية بما فيها من انتخابات؛ رئاسية وبرلمانية، فيُقضى على الإرهاب، ويتأمن الاستقرار ويعود الأمن والنظام، فيعاود هؤلاء النضال من أجل أهدافهم. ولكنهم لا يرون أنهم وهم قانعون بمقاعد المتفرجين المهللين المستسلمين – بدون أن يضغطوا مستغلين التناقضات في  الصراع الدائر بين جناحي الثورة المضادة لتحقيق بعض أهداف الثورة، أو على الأقل وقف الاعتداء على المكاسب القليلة التي حققتها – سيكونون في موضع المقضي عليه، بمساومتهم  على حقوقهم وحرياتهم التي نقشت على رايات ثورتهم، والتي يُعتدى عليها، لأن السلطة حاولت أن تقضمها تدريجياً منذ ثلاث سنوات، وزادت من معدلاتها في الآونة الأخيرة، وهى تستولي شيئاً فشيئاً على كل ما كسبوه.

فالثورة المضادة في السلطة تقاتل بإصرار على جبهتين: ضد جناحها الآخر الرأسمالي الإسلامي من جانب, وضد كل قوى الثورة من جانب آخر.  ولا يسعى النظام إلا  لتثبيت السلطة الاجتماعية للبورجوازية التي تخلخلت عبر ثلاث سنوات، وتنظيم العلاقة الداخلية بين تياراته واتجاهاته وأجهزته، وأن يضفي عليها شرعية في مواجهة جناحها المعزول، وأمام  طبقات الشعب الكادح والمستغل، وأن يعيد إلى العلاقات البورجوازية ضماناتها التقليدية المباركية القديمة, ويحصر في حلف طبقي بين اتجاهاتها السيادة السياسية، وأن يقضي على ما يمكن أن يهدد في خيالها أسس المجتمع البورجوازي ذاته، وأن يزيل جميع الآثار التي خلفتها فترة العواصف الثورية التي هددته مفاجآتها بأخطار غير متوقعة. ولا يستبعد أن تزال من الدستور في أولى جلسات مجلس النواب المقبلة، أو دورة انعقاده الأولى تلك الزخارف التي استهدفت تمرير بقيته، مثل الضريبة التصاعدية على الدخول (لا الشركات) وما ماثلها بوصفها خرقاً من الورق القذر، (ألم تختاروا رئيسكم بأنفسكم بل وألحفتم عليه بسؤال الرئاسة؟ إما حكم أحد من المجلس الأعلى أو فوضى الإرهاب فلم تبق  فيما يبدو ثمة حاجة للجندي إلا في صورة الشرطي؟ أوليس هؤلاء هم نواب الأمة؟ لا تحرر سياسي ولا تحرر اجتماعي، دعونا نقاوم الإرهاب نحن ممثلو الثورة الحقيقيون) ولا ينبغي لأحد أن يندهش فالسلطة ذاتها، واضعة الدستور بنفسها، لطالما انتهكته حين خالف أو ناقض مصالحها منذ 1923 وحتى تاريخه، ودائماً ما طوعته لنوازعها وغواياتها قصيرة الأمد. وعلى مدار السنوات الثلاث الأخيرة – لمن لم يصابوا بالغيبوبة بعد – أُنتهك الدستور والإعلانات الدستورية عدة مرات، طالما وافق ذلك هوى السلطة ببرود وبدون تأنيب ضمير. فقد نقل مبارك السلطة إلى المجلس العسكري بخلاف الدستور القائم – 1971 – الذي قرر نقلها في حال خلو منصب رئيس الجمهورية لرئيس مجلس الشعب، فإن لم يكن موجوداً فلرئيس المحكمة الدستورية العليا، وجرى استفتاء الشعب على تعديل دستور 1971 في ثمان مواد في مارس 2011، ليصدر بعد ذلك المجلس الأعلى للقوات المسلحة إعلاناً دستورياً من 63 مادة جاوزت ما استفتى عليه، كما تلتها عدة إعلانات مماثلة لم يُستفتَ الشعب عليها, وألغى الرئيس المعزول  محمد مرسي العياط إعلانات المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإعلان منه, ثم أصدر إعلاناً  دستورياً في نوفمبر 2012 كان من ضمن ما ورد فيه تحصين قراراته، وانتهى بإخراج دستور يؤسس لركائز دولة دينية رأسمالية، وكل ما سبق من “دسترة” عقب الثورة لم تقم به أية جمعية تأسيسية منتخبة باقتراع حر مباشر، وإنما لجان معينة من أعلى وفقاً لأهواء الحكم وميوله حسب مقتضيات الحال. والآن قد يلوح في الأفق انتهاك جديد من نوعه، لأنه انتهاك لدستور لم يستفت عليه الشعب بعد وهو الذي سيجرى التصويت عليه في 14 و 15 يناير الحالي، حيث تتجه السلطة الحاكمة فيما يبدو لإجراء الانتخابات الرئاسية قبل البرلمانية برغم أنف خارطة الطريق والمادة 142 من الدستور الجديد التي تستلزم لقبول الترشح لرئاسة الجمهورية، أن يزكى المترشح عشرون عضواً على الأقل من أعضاء مجلس النواب غير الموجود، وربما اعتمدوا على بديلهم أي تزكية  25 ألف مواطن من 15 محافظة بحد أدنى ألف من كل محافظة ولا يجوز تأييد أكثر من مرشح.

***

دساتير في بلدان غير دستورية!! هكذا انتهى الباحث الأمريكي (ن . براون) بعد دراسته لدساتير المنطقة العربية وخاصة مصر إلى وصفها بهذه الصفة. وقد نوه إلى أنه إذا كان من الضروري تقييد السلطة السياسية، فلن يتم هذا بقصاصة من الورق. وأن الدساتير المصرية اعتباراً على الأقل من يوليو 1952 وحتى دستور 1971 وتعديلاته في عهد مبارك  استهدفت تعزيز السلطة السياسية، ونفى الصلة بين وجود دستور وتوخي غايات ليبرالية سياسية، وبالأحرى ديموقراطية. ونظر إلى العالم العربي عموماً بوصفه عالماً معادياً للقيم الدستورية، حيث تبدو له فكرة وجود حكومة قابلة للمحاسبة فكرة غريبة، ولا تناقض هذه التوجهات “الدستورية”  القائمة رسوخ نزعة سلطوية مهيمنة، حيث لا علاقة لها أصلا  بالممارسة الديموقراطية. وتنشأ  هذه النزعة الدستورية على الأغلب من متطلبات الموازنات، والتوازنات المؤسسية، ومساومات النخبة أكثر من انبثاقها عن  الرغبة في ترسيخ شكل أصيل من السيادة الشعبية. لذا قلما تقيدت الحكومات في السلطة بها. فوظيفتها الأساسية جعل السلطة أكثر فعالية، وتأكيد سيادة الدولة، وتأسيس توجهات أيديولوجية عامة. ولا تعكس هذه الدساتير، ذات الواجهات “الليبرالية“، الواقع السياسي الفعلي، فوجود دستور لا يعنى وجود ممارسة دستورية.

ووفقاً لوجهة نظر عرضها المؤلف؛ فإن النصوص الدستورية تظل أوراقاً لا قيمة لها، كتبت لتخفى الواقع الاستبدادي، وحتى الحكم الطغياني، وهى لا تعكس غير تطلعات الحكام للتعمية على سلطتهم غير المقيدة. ويمكن أن تتضمن وعوداً غير مخلصة بصدد الحقوق والحريات الديموقراطية، لم يقصد بها سوى خداع المواطنين والمراقبين الخارجيين، بالتعتيم على السلطة غير المحدودة للحكام. وهم يعتبرون الدستور مظهراً من مظاهر استكمال سيادة الدولة  الشكلية، مثله مثل العلم، والنشيد الوطني، وطابع البريد. وإن كان  ذلك  قد يعبر عن مشاعر قومية، إلا أنه لا علاقة له إلا بتحديد السلطة السياسية، والتعبير عن إرادتها لا تقييدها. وقد تكون أهداف إنشاء الدستور أيديولوجية، أو رمزية، أو تنظيمية لبناء هياكل سياسية أكثر فاعلية من الناحية التنظيمية والمالية. لقد كان المؤلف الذي أوجزنا مضمون دراسته هو من قال العبارة التي شاعت في أوساط القانونيين والسياسيين في العالم العربي وهي أن مصر قد أتقنت فن كتابة دساتير مناهضة للدستور. وجوهرها أنها تخدم لا في تقييد إرادة الحكام إنما في التعبير عنها والحد من إرادة الشعب.

***

والحال أن التراث الثوري الماركسي غنى بالمعايير التي يمكن أن ترشدنا في الحكم على الدساتير – والأوهام الدستورية – لمن اطلع عليه، واحتكم بدون دوجمائية لمرجعيته فهو؛

1. يعتبر أن عملية وضع الدستور هي انعكاس ونتاج لموازين القوى بين الطبقات الاجتماعية المتصارعة في لحظة معينة، وأنه من الوهم الحديث عن ضرورة تعبيره الكلي عن “توافق مجتمعي” أو تمثيل كل “أطياف المجتمع”، ولأن الدستور عادة هو محصلة صراع طبقي يعقب تغيرات اجتماعية أو سياسية كبرى، لذا تملي بنوده الطبقة الاجتماعية   الأقوى في الواقع، بل وأحياناً أحد أجنحتها في مواجهة أجنحتها واتجاهاتها الأخرى، من الكتل المتصارعة، لتسمح لها بممارسة صراعاتها فيما بينها في أطر مؤسسية سلمية، مستبعدة جماهير الشعب التي خارت قواها، أو هيمنت عليها أيديولوجياً وسياسياً. بهذا المعنى فقط يمكن الحديث عن توافق، أي توافق يشمل أجنحة واتجاهات وكتل وأجهزة البورجوازية، كما هو الحال مع الدستور الراهن، الذي أملته البورجوازية البيروقراطية العسكرية متحالفة مع الرأسمالية الليبرالية، وكبار رجالات البيروقراطية في أجهزة الدولة القمعية، والأيديولوجية بمعاونة شرائح من مثقفي البورجوازية الصغيرة، والكبيرة. أي ما يسمى في أجهزة الإعلام: (القوات المسلحة – القوى المدنية – والقوى الدينية).

ويعكس هذا الدستور بوضعه الحالي ضعف الطبقة العاملة، والفئات الكادحة المستغلة، وممثليها السياسيين، فضلاً عن عجز شرائح من البورجوازية الصغيرة الراديكالية عن التأثير الحقيقي الفعلي في توجهات الدستور الذي يأتي في سياق هيستريا محاربة الإرهاب. وهو يعكس حتى في سلبيته الصراع الطبقي الاجتماعي، لا التوافق المجتمعي، وخاصة بكل العبارات المنافقة التي يتضمنها عن التكافل أو التضامن الاجتماعي، التي لا هدف لها سوي تمييع الوعي الطبقي، ولا يمكن إلا لانتهازي أن يستنتج من هذا الواقع؛ واقع اختلال موازين القوى لصالح البورجوازية أثناء صياغة الدستور، ضرورة التصويت بنعم عليه، أي قبوله والتسليم به، بدلاً من الانغماس في، وتوجيه الطاقة لـ، مهمة بناء الوعي والتنظيم المناقض في سبيل الثورة لا في سبيل المشغولات الدستورية. لقد بدد الكثيرون طاقاتهم في الأعوام الثلاث الماضية، مفكرون، وكتاباً، وأحزاباً، ومناضلين، ونشطاء، في اقتراح دساتير، متوهمين أن المسألة تكمن في جدالات الفقهاء، والخبراء، للتوصل إلى  أفضل الصياغات الممكنة، وأنه يكفى أن نطلع على دستور جنوب أفريقيا، أو  كندا، أو حتى إيران لاستنساخ أوضاع “نصية” غير واقعية مماثلة. وقد برهن واقع الممارسات الدستورية السلطوية العلوية منذ لجنة طارق البشري وحتى لجنة عمرو موسى مرورا بحسام الغرياني على خطأ وجهة النظر هذه. فالمسألة ليست في مفاضلات نصية منتقاة من هنا، أو هناك، وإنما واقع القوى الاجتماعية، وتعبيراتها السياسية، والصراع الطبقي، وتناحراته.

2. إذا كان ذلك كذلك فمعنى هذا أن مرجعنا هنا ومقياسنا هو مدى التعبير الحقيقي  بهذه الدرجة أو تلك عن حقوق وحريات الشعب الكادح والمستغل ومعه القوى الديموقراطية الثورية، والمضمون الطبقي الذي يتخلل كل مواد الدستور، وهل يدفع الدستور  واقعياً قضية الثورة إلى الأمام أم يجرها للخلف؟ وليس، كما يفعل البعض، مقارنة بعض مواد الدستور الحالي الجزئية بمواد من الدساتير السابقة سواء دستور 1971 أو دستور التمكين في 2012، وخاصة على صعيد التعابير والكلمات لا  على صعيد وقائع الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية .. الخ.

ودون الدخول في تفاصيل المواد والبنود التي علق عليها الكثيرون، نؤكد أن هذا الدستور يهدف لإضفاء شرعية على السلطة الحاكمة، كما يهدف لتصفية الثورة في سياق صراعه مع الجناح الرأسمالي الديني للثورة المضادة. ويكفى أن نشير لحق الإضراب الذي يمارس في كل المجتمعات الرأسمالية منذ قرون، وتعترف به المواثيق الدولية، وصادقت عليه بأحكامها السلطات القضائية المصرية، وهو الحق الذي مارسته القوى العمالية على مدى أعوام الثورة الثلاث، يأتي الدستور المصري في مادته الخامسة عشر لا بالنص عليه بوصفه حقاً مكفولاً بإطلاق، بل يحيله إلى القانون الذي يقوضه. كما قيد الدستور في مادتيه السادسة والسبعين والسابعة والسبعين الحق النقابي، فمنع التعددية النقابية عن النقابات المهنية، ومنع إنشائها في الهيئات النظامية، ولم يستطع أن يسلب النقابات العمالية المستقلة حقها في الاستقلال النقابي وتعددية النقابات الذي ناضلت الطبقة العاملة من أجله لعدة عقود، والذي لم ينتزع إلا مؤخراً بتأسيس نقابة موظفي الضرائب العقارية، لكن هذا لن يمنع السلطة من استخدام البيروقراطية النقابية الصفراء التي تهيمن على الحركة العمالية الرسمية كركيزة السلطة وحصانها في تلجيم الحركة والهيمنة عليها وجرها في سبل التعاون  الطبقي.

ولاشك أن هذه النصوص مع غيرها، وخاصة ما أسمي بقانون تنظيم حق التظاهر تشكل معا قيداً على حرية الطبقات الكادحة، ومعها قوى الديموقراطية الثورية. وتخضع الطبقة العاملة أثناء سعيها النضالي لنيل حقوقها الاقتصادية أكثر من أي قوة اجتماعية أخرى لأحكام القضاء العسكري على “جرائم” بطبيعتها مدنية وفقاً لما تضمنته المادة الرابعة بعد المائتين من هذا الدستور.

3. ردد البعض عبارة وردت فيما يبدو في واحد من مقالات لينين وهي أن الدستور “قصاصة من ورق“، منتهين منها إلى ترويج موقف انتهازي يتضمن الدعوة للموافقة على الدستور، مادام لا يمثل في التحليل الأخير سوى قصاصة من الورق لا قيمة لها، بينما تحدث هذا الماركسي عن الانتفاضة الشعبية الظافرة، والجمعية التأسيسية المنتخبة، والحكومة الثورية المؤقتة، والإطاحة الكلية بالسلطة، كشرط لضمان الحصول على دستور حقيقي! ولكن تجاهل هؤلاء كامل السياق الذي وردت فيه العبارة، وعن أي مواد وبنود يجري الحديث. والواقع كما بيننا عاليه إن هذا يأتي في سياق تنديد بالوعود والكلمات التي تبذل للشعب بوصفها  كلمات لاضمان لها، وإنه إذا كان هناك من ضمان، فلن يكون بكلمات، وإنما بقوة الشعب الذي يستولى عنوة على ما يريد – كما استولى شعبنا على الحريات السياسية في الأعوام الثلاث الماضية – لذا دعا لمواصلة الثورة وعدم الانخداع بالوعود التي كان هدفها تصفية الثورة، بتبديد قوتها وتشتيت صفوفها.

ومثال ذلك يحفل مشروع الدستور بكلمات؛ تلتزم الدولة، تكفل، تضمن، كل ما يمكن أن تتخيله من تكافؤ الفرص، والمساواة والكرامة، ومنع التعذيب ، والحق في الصحة، والتعليم، والسكن، والتضامن الاجتماعي، وهي جميعاً وعود لا ضمانة لها، يكذبها الواقع، وهى بهذا المعنى قصاصة من ورق. أما الذي ليس قصاصة من ورق فهو في الواقع “حقوق” الملكية البورجوازية على تنوع أشكالها، فهي روح القوانين، والدستور الحقيقي، أو سياسة الرأسمالية في الاستغلال الاقتصادي، وتعزيز القطاع الخاص وفق “آليات السوق“، وهي العبارة الملطفة لما نسميه الليبرالية المتوحشة، وهي تلك الصفقة أو التسوية التي جرت بين قوى البورجوازية ذاتها، وأجهزتها القمعية، والأيديولوجية أي داخلها كطبقة لتقاسم الامتيازات والمكانة، والحصانة والسلطة، وكذلك حرياتها كافة مهما كانت تجلياتها ونطاقاتها ومجالاتها، وخصوصاً حقوق امتيازها في ممارسة الاستغلال، والقمع  المادي والأيديولوجي والسياسي، بتقويض حقوق الإضراب، والتظاهر والاجتماع، والعقيدة، والرأي، وفرض حالة الطوارئ، وإعداد قانون للإرهاب سوف تستهدف به قوى الثورة مثلما جرى الأمر مع قانون التظاهر .. الخ.

4. مثلما لا يتعين علينا أن نحكم على شخص أو حزب أو جماعة بما يتصورونه عن ذواتهم، أو ما يريدون للآخرين أن يتوهموه عنهم، كذلك ينبغي أن يكون الأمر مع الدستور، أي لا ينبغي أن نحكم عليه بكلماته وادعاءاته، وإنما علينا أن نقارن نصوص الدستور بما تجرى عليه الأمور في الواقع، ولنقابل تكافؤ الفرص المحكي عنه فيه بكل التمييزات الفعلية التي تحدث في واقع الحياة اليومية؛ (لأبناء القضاة أولوية في التعيين في النيابات مع تدني تقديراتهم الجامعية بينما يستبعد  الحاصل على امتياز مع مرتبة الشرف، إن لم يكن ابناً لقاضٍ)، ويقوم المجتمع الوهمي في نص الدستور على التضامن والتكافل الاجتماعي، وترى فعلياً الصراع الطبقي بين العمال والرأسماليين، وتجابه بالفصل والاعتقال والتشريد، ووجود ملايين العاطلين، رغم أنف المادة الدستورية التي تتحدث عن شرف العمل بوصفه واجباً وحقاً، كما ترى الفقراء الذين يعيشون تحت حد الكفاف بل ويأكلون من القمامة، ويشربون من مياه المجارى، وقس على ذلك كل مواد الدستور التي تتحدث عن “حقوق الشعب”  فكلها من هذه الشاكلة، أما حقوق السلطة الرأسمالية والمنتمين إليها فهؤلاء حقوقهم مادية ملموسة يظاهرها سلطان الدولة بعنفها وإكراهها، وليست وعوداً ولا خيالاً  كاذباً. هل يمكن لمواطن أن يجد عملاً أو سكناً أو صحة أو تعليماً أو كرامة أو حرية بإبراز هذه المادة أو تلك في الدستور للموظف الرسمي الذي بيده  الأمر؟ .. لا!!!

5. يتحدث هذا النمط من الدستور عن حق أو حرية ثم يردفها بعبارات: في حدود القانون، وفقاً للقانون، كما يبين القانون، على النحو الذي ينظمه القانون، في الأحوال التي يحددها القانون، وهذا معناه أنه يوهمك بإعطائك شيء بيده اليمنى بينما يسلبه منك باليسرى، فقد اعتدنا في بلادنا المنكوبة بالاستبداد تقويض كل هذه الحقوق التي ينظمها القانون فمثلاً حرية الاعتقاد مطلقة أو مكفولة وهذا يعنى أنه لا قيد عليها ولا حد لها، فتجد في الواقع أنه يستبعد دينياً من هو على غير عقيدة الديانات التي تعترف بها الدولة، فيقصى  الشيعة، والبهائيين، وشهود يهوه، ومن لا يرغبون في اعتناق دين. ثم كل أصحاب الديانات العالمية الأخرى كالبوذية والهندوسية مثلاً. وذلك كله ببركة عبارة في حدود القانون وما يماثلها من عبارات.

6. لا ينبغي الحكم جزئياً على مادة هنا، وأخرى هناك بأنها جيدة أو أفضل، وإنما عن التوجه الكلي، كما يتجلى ملموسا ًفيه، وهل يدفع الثورة وقواها إلى الأمام أم لا، ولأن الدستور يحيل إلى قوانين تفصل بعض مواده، وخاصة تلك المواد التي توهم بأنها تمنح حقوقاً، أو حريات، فوجب النظر إلى هذه القوانين بوصفها الدستور الفعلي الحقيقي، وهى ما تسمى بالقوانين المكملة للدستور، وما يمكن أن تشكل دستورية أو لا دستورية النظام، ووفقاً للمادة الواحدة والعشرين بعد المائة “وتعد القوانين المنظمة للانتخابات الرئاسية، والنيابية، والمحلية، والأحزاب السياسية، والسلطة القضائية، والمتعلقة بالجهات والهيئات القضائية، والمنظمة للحقوق والحريات الواردة في الدستور، مكملة له.” ومن خلال هذه الأخيرة يجرى سلب ما نُص عليه في الدستور.

هناك أوهام أيضاً تتعلق بالسياق الذي يأتي فيه الدستور لا بمضمونه، ورغم أنها ليست موضوعنا هنا، إلا انه من الجدير بالذكر أن التصويت بنعم على الدستور لن يأتي باستقرار حيث لم يتحقق، ولن يتحقق أي هدف من أهداف الثورة، فضلاً عن أن الأوضاع الاقتصادية، والسياسية، والاجتماعية التي ولدت الثورة لازالت قائمة، وانتهاء ما يسمى بالفترة الانتقالية بانتخاب رئيس، أو برلمان، لن يغير في الأوضاع شيئاً، عدا الإيغال في سياسات الليبرالية المتوحشة على المستوى الاقتصادي، وتشديد القبضة الأمنية القمعية بمزيد من التشريعات والممارسات البوليسية، واحتدام الصراع الطبقي. بالإضافة إلى أن محاربة الإرهاب اعتماداً على أجهزة الأمن وحدها وفى سياق سياسة مناهضة للثورة وأهدافها سوف يعيد إنتاج الإرهاب على شكل حرب عصابات أو مؤامرات ولن يقضى عليه. الأمر الذي قد تستبقيه وترعاه سلطات الدولة ذاتها حتى تحكم كل الشعب بالإرهاب.

إن الانتهازية التي تدعوا للتصويت بنعم على الدستور لا ترى حتى أنفها؛ لا ترى الإخضاع  الظاهر، والمضمر الذي تمارسه أجهزة الدولة القمعية، والأيديولوجية ضد قوى الثورة، وسيسهم التصويت بنعم في تعزيزه ومواصلته، إرهاب الدولة هو الذي يقمع الثورة الآن، أما ما يقوم به الإرهاب الإسلامي المضاد للثورة فهو مناوشات تتوجه جوهرياً وأساسياً ضد الجناح المهيمن على السلطة من الثورة المضادة. في هذه اللحظة من ينتزع مكاسب الثورة هم من يحتكرون الإكراه والعنف المهيمنين على سلطة الدولة – رغم صراع الأجنحة الضاري – بتشريعاتهم واعتقالاتهم بإعلامهم المشوه .. الخ. وتظل قضية بناء البديل الثوري هي الأساس ولا يمكن أن يبنى خارج المادة الفكرية والبشرية الموجودة في مجتمعنا الآن، ورغم أنه غير جاهز وغير مكتمل البناء غير أنه لا سبيل للثورة إلا المراهنة عليه. أما الذين يستخلصون من ذلك ضرورة مساندة ومؤازرة أبطال التحرر الوطني المتوهمين فمن حقهم أن يختاروا المستنقع الذي يغوصون فيه.

لن يأتي دستورنا المقبل الذي تضعه جمعية تأسيسية منتخبة بالتصويت الحر المباشر، ويتضمن تأسيسا لحقوق الشعب الكادح والمستغل، وإرساء لدولة مواطنة ديموقراطية تعزز الحريات الشعبية، إلا عبر انتفاضة ثورية ظافرة. وإلى هذا الهدف النبيل ينبغي أن تتوجه كل قوى الثورة الفتية رغم ظروف الجزر المؤقت الحالي.

مهما يكن من شيء فإن القول: عاش الدستور، لدستور يقيد ويقوض حقوق وحريات الشعب لن يعني من الآن فصاعداً إلا شيئاً واحداً “أطلقوا النار على  الثورة“!!

Advertisements

مناقشة

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

حمل العدد الأخير من نشرة الثوري

آخر اصداراتنا

أنت الزائر رقم

  • 74٬551

Advertisements
%d مدونون معجبون بهذه: