مواقفنا السياسية, خطنا السياسي

علامات على طريق الثورة المصرية في ذكرى شهداء يناير


635250776975255762_11318_13894984931. لغز العفوية

في الذكرى الثالثة لاندلاع الثورة المصرية بدلاً من أن تحتفل الجماهير بانتصارها، تنظر بقلق وترقب إلى ما سوف يحمله المستقبل القريب، لقد أسفرت ثلاث سنوات من المعارك الثورية الجماهيرية، وإسقاط 3 وجوه للنظام؛ هزيمة مبارك، وهزيمة المجلس العسكري ، وهزيمة الحكم الإخواني، عن عودة أشباح نظام مبارك وهيمنة واضحة للعسكريين وعودة للتشديد الأمني والدولة البوليسية، ومزيد من خيانات النخب السياسية التي قبلت الفتات من العسكريين وسارت خلفهم. يوجد انتصار لا يمكن إغفاله – حتى وإن كان مؤقتاً – للثورة المضادة، بل أن رموزها تم تتويجهم أبطالاً شعبيين؛ وزير الدفاع عبد الفتاح السيسي على سبيل المثال، حملت الجماهير فعلياً العسكر إلى الحكم في انتفاضتها ضد حكم الإخوان، تخلصت من جلاد لتنصب جلاداً مكانه، لم تسحق الآلة العسكرية آخر انتفاضة شعبية بل رحبت بها وتقدمت لتعلن أنها تمثل هذه الجماهير في الإطاحة بالإخوان، ارتفع الشعار المشبوه مجدداً؛ الجيش و الشعب – وللمزيد من السخرية أضيف إليهم الشرطة – يد واحدة، الشعب الذي لعبت أجهزة الدعاية الحزبية وأجزاء من الأجهزة الرسمية دوراً كبيراً في حصر أهدافه في “إسقاط حكم المرشد” واختفت الشعارات التي رافقت الأيام الأولى لانتفاضة يناير “عيش .. حرية .. عدالة اجتماعية .. كرامة إنسانية“.

سياسات الإخوان وقمعهم لخصومهم خلال عام واحد عبئت الجماهير فعلياً ضدهم، وفي مسارٍ موازٍ تحركت كتل وأحزاب الأجنحة الأخرى للرأسمالية المصرية، بما فيهم رموز – أو فلول – نظام مبارك، وبسبب تناقضات وصراعات داخل أجهزة الدولة وقف الجيش حارسا للمشهد و أعلن خلع الرئيس، وهللت أجهزة الشرطة وهللت الجماهير، ووضع وزير الدفاع ما أسماه “خريطة الطريق” لإعادة استقرار النظام، وساعدت مظاهرات الإخوان واعتصاماتهم على حشد الجماهير خلف السيسي، وأُطلق نفير “الحرب على الإرهاب” رسمياً وتحت رايته بدأت حرب حقيقية أعمق ضد شبح الثورة الذي يحوم في الزوايا، هذه الحرب أخذت أشكال متعددة منها الحملة الإعلامية المسعورة ضد 25 يناير باعتبارها كانت مؤامرة أمريكية / إخوانية، ومد الحملة لجميع الكتل والتيارات التي كانت ضمن صدارة المشهد الثوري، مثل الاشتراكيين الثوريين و 6 أبريل، وكل من التصق به شرف المشاركة في انتفاضة 25 يناير.

وبالتوازي بدأت سياسة تشريعية تهدف إلى تقيد الاحتجاجات والتظاهرات والسيطرة عليها، واستخدم العنف والقمع ضد محاولات كسر هذه القيود، وعلى الصعيد السياسي تسارعت وتيرة استعادة النظام، تعيين لجنة الخمسين التي ضمت في أحسن الأحوال الجناح الانتهازي في الثورة، وعلى رأسها أحد رموز نظام مبارك البارزين “عمرو موسى” وبمعزل عن وجود مشاركة شعبية حقيقية وفي إعداد شبه سري لمواد الدستور، سرعان ما تم الانتهاء منه والاستفتاء عليه في مناخ قمعي لا يسمح بأدنى معارضة له، ويتهيأ المسرح لانتخاب رئيس قد يكون وزير الدفع نفسه، والجماهير تترقب وتنتظر الانتخابات عسى أن تحقق شيئاً من مطالبها، بينما يكرس الدستور لسياسات ليبرالية لا تضع احتياجاتهم في اعتبارها، الحقوق والحريات فيه مجرد عبارات أدبية.

2. الثورة لم تنتصر

نعم تلك أيضا حقيقة، و إن كانت لم تتلقى بعد هزيمة نهائية، إنها لا تزال تمور وتفور تحت سطح المشهد الرمادي، ولكن لماذا لم تنتصر تكمن الإجابة في نقاط جوهرية لم تتحقق في المسار الثوري؛

الثورة كانت جسم جبار بلا رأس، بلا حزب أو تحالف ثوري يقودها، تلك العفوية التي هلل لها عناصر البرجوازية الصغيرة واعتبروها سر قوة الثورة كانت في الواقع سر ضعفها، بدون تنظيم منغرس بقوة في الجماهير وله آلاف الكوادر الثورية في الأحياء والمصانع والمدارس والجامعات، وله امتداد في أوساط الفلاحين، ناظماً ومرشداً لهم تتخبط الجماهير وتتعثر مهما كانت قوة وحجم اندفاعها العفوي، هؤلاء الذين هللوا للعفوية، للجماهير التي بلا قيادة، كانوا يدفعونها للانتحار وإلى معارك لم تجني الجماهير ثمرة انتصارها، لذلك لم يكن صعباً أن تمر السلطة بين أصابع اللجان الشعبية العفوية – دون تنظيم أو هدف سياسي – دون أن تقبض عليها هذه اللجان، أو حتى تدرك أنها كانت ممسكة بسلطة فعلية في مواجهة دولة تنهار، ولم يكن من الصعب أن يتلقف المجلس العسكري السلطة ليمسك بها وأن تنتقل السلطة من يد إلى أخرى وفي كل مرة تبتعد المسافة بينها وبين الجماهير، في كل مرة تعلق الجماهير الأمل على السلطة الجديدة ثم تنتفض في مواجهتها، كلها انتفاضات تحمل النقيصة الكبرى ذاتها، العفوية وغياب التنظيم السياسي الثوري المنغرس، مرة تلو الأخرى بدأت شعارات الثورة تنحصر في مجرد الإطاحة بالخصم المباشر “يسقط حكم العسكر، يسقط حكم المرشد، وأخيراً … يسقط كل من خان“، حسناً ما الهدف وماذا بعد السقوط؟ طالما ظلت خطيئة العفوية محرومة من قوة التنظيم السياسي، من تحديد الأهداف، من صياغة البدائل التي تحل محل السلطة، ولو تكررت الانتفاضات ألف مرة، لا يمكن دفن رأس السؤال في الضباب مجدداً، ستسلم الثورة السلطة إلى هذا الجناح أو ذاك من أجنحة الرأسمالية المصرية، حتى ينجح أحدها في إنزال هزيمة ساحقة بالثورة وفرض استقرار النظام.

هؤلاء الذين يدقون طبول حرب، دون إعداد تنظيمي وتعبئة جماهيرية ملائمة ليسوا أكثر من هواة تعساء، إنه اليأس من الانتصار وليس التجهيز له، إنها المغامرات التي يدفع الجماهير ثمنها دماء، إنه استعجال مباراة حاسمة بفريق معلوم سلفاً أنه سوف يهزم أمام آلة الدولة وأجنحة الطبقة الحاكمة حتى لو حقق بعض الأهداف العفوية. إن سنوات من الإعداد السياسي والتنظيمي قد تكون في انتظار سير الثورة المصرية كي تأمل في انتصار جماهيري حقيقي ودون أن نصل بالجماهير إلى اليأس والإرهاق من ثورة لا تستطيع أن تنتصر، ولا يعني ذلك أننا ندعو إلى الصمت والسكون، هذه دعوة لا تليق بثوريين، ولكننا ندعو إلى خوض معارك محسوبة و العمل التجهيزي الدءوب من تنظيم للجماهير وانتشار بينها وشن دعاية ثورية شارحة وموضحة، لن يسقط النصر صدفة كمحارة تلقي بها المياه، والتعالي على هدف الإعداد السياسي والتنظيمي يساوي تسليم الجماهير العفوية مجدداً إلى أحد أعداءها بعد عبور نهر من الدماء المجانية وربما تسليم رقابنا إلى الجلادين دون مقابل.

3. صراع أجيال ونخب أم صراع طبقات

أحد وسائل الأيديولوجيا البرجوازية الصغيرة هي ذلك التحديد المثير للشفقة إن الثورة هي ثورة شباب، وإن من يجب التخلص منه هو دولة العواجيز، وساير بعض من الكتاب السطحيين هذا التحديد، هذا الفهم يفتقر كلياً لأي معرفة بالمجتمع وبالطبقات الاجتماعية، الشباب معنى سني ليس له أي مدلول واضح إلا الفترة العمرية، ولكن بالمقابل كان ضباط الأمن المركزي الذين يقمعون المظاهرات “شباب” وضباط المخابرات المندسين والتحريات العسكرية “شباب”، ليس هناك أي رابط اجتماعي اسمه الشباب أو الجيل، فكل فرد يحدد مصالحه حالة الطبقة التي ينتمي لها وثقافتها وقيمها … الخ. الطبقة تصنع الفرد وتعطيه توجهه، ولا يمنع ذلك أن يتمرد شخص على ثقافة طبقته وقيمها، العمر لا يدل على معنى اجتماعي محدد، ولكن البطالة والأجور المتدنية حركت قطاعات أكثرها تضرراً هم الشباب من الشرائح الدنيا من البرجوازية الصغيرة وفقراء الأحياء الشعبية، بجانب فلاحين وعمال من كل الشرائح العمرية ومن الجنسين، إن تصوير الثورة كغضب شباب كان مقصوداً تماماً، وروجه الإعلام بشدة، فبهذا التصوير السطحي يُنزع عن الثورة طابعها الاجتماعي والطبقي، وتتفادى كلياً فكرة النظام الاجتماعي لتقصر الصراع على مواجهة مع كبار السن في مؤسسات الحكم والمناصب الإدارية، هكذا تحجب جوهر الصراع وطبقيته، لذلك عزف عليه أعداء الثورة قبل أصدقاءها.

لسنا في حاجة للقول بأن تناقض المصالح وهيمنة رجال الأعمال على نظام الحكم وتبني سياسات الليبرالية الجديدة، بجانب الطابع القمعي البوليسي، هو ما حفز ضحايا تلك السياسات بدءاً بالطبقة العاملة، التي حضرت موجة إضرابات واسعة ومستمرة المجرى، كان إضراب المحلة 2008 نقطة تحول في مجرى الصراع الطبقي الدائر، مناوشات فرق وجماعات البرجوازية الصغيرة ساهمت في التشهير بسياسات النظام القمعية، إلى جانب قضية توريث السلطة، وأشعلت تونس الخيال الملتهب في الأرض المصرية، كان الجو معبأ تماماً ببارود الغضب الشعبي ضد سياسات النظام، وفي انتظار عود ثقاب صغير ألقاه الشاب التونسي “بو عزيزي” فوق جسده فاندلعت حرائق الثورات.

حتى الإطاحة بمبارك كانت مستحيلة لو لم تخرج جماهير الأحياء الشعبية في 28 يناير ويتبعها الفلاحون الغاضبون، ولو لم تتعمق الحركة الإضرابية بقوة لتشمل المرافق الحكومية والنقل العام والعديد من المصانع والشركات. شلت الإضرابات الدولة والطبقة الحاكمة.

كانت الثورة مسرحاً لصراع طبقي مركب ومتشابك، تقاطعت خلالها تطلعات وأهداف مبهمة لدى الجماهير والعمال، مع تذمرات وتطلعات صفوف البرجوازية الصغيرة والمتوسطة، بجانب صراع الأجنحة داخل الطبقة البرجوازية الكبيرة، وبيروقراطية الدولة، والدور الخاص للعسكريين المشتبكين في الصراع. كانت تنظيمات البرجوازية هي الأكثر عتاداً وتنظيماً والأكثر استعداداً. وكانت الجماهير الشعبية شبه محرومة من سلاح التنظيم. وبين كل قطاعات ما يسمى بالجماهير الشعبية أو الشعب، كان العمال وحدهم من لهم مصلحة حقيقية في القضاء على النظام الرأسمالي وإعطاء الثورة طابعها الاجتماعي الجذري، عدا العمال كانت كل الأطراف الأخرى المشتبكة في الصراع الدائر يسعون إلى تسوية أمورهم وتحقيق تطلعاتهم ضمن النظام القائم، ولا تمثل أهدافهم أي تهديد للرأسمالية.

إلا أن الطبقة العاملة اكتفت بدور الرافعة التي تدفع الثورة ولم تحتل دور قيادياً لجماهير الفقراء في الريف والمدن، لم يكن العمال يتقدمون المشهد براياتهم الطبقية ولم يطرحوا على أنفسهم مهمة أخذ السلطة من الرأسمالية، أو الإطاحة بنظامها، ضعف الشرط الذاتي لدى العمال جعل حركتهم قاصرة على مطالب اقتصادية أو نقابية محدودة كانت دون المهمة التي لا يستطيع غيرهم إنجازها، تغيير النظام الرأسمالي وخلق بديل ثوري، ولم تكن السنوات الثلاثة بصراعاتها العديدة المركبة كافية لبلورة طليعة عمالية تجر الطبقة و الجماهير وراءها، ولم يكن حال التنظيمات الاشتراكية بتخبطات البعض وانتهازية آخرين، وصغر الحجم والتأثير، شرطاً مناسباً لملء الفراغ في مشهد الثورة وتنظيم العفوية وتجهيز الجماهير، هذه المهمة تشبه حتى الآن الوظيفة التاريخية الشاغرة، لكنها وظيفة قائد قطار بدونه تخرج العربات عن مسارها أو حتى تتحطم.

4. الثورة وطقوسية ميدان التحرير

تدافعت المظاهرات الأولى يوم 25 يناير 2011 إلى ميدان التحرير، ولكن تم قمعها وطردها من الميدان، فقط خروج الجماهير الشعبية يوم 28 يناير وخوض معارك باسلة في الأحياء والمدن هو ما أدى إلى هزيمة جيش الداخلية وأخلى الطريق لاعتصام الميدان، تدفقت الحشود إلى الميدان لكن المظاهرات ظلت تطوف أحياء مصر ومدنها، انتشرت اللجان الشعبية في كل مكان في مصر، ولما استشعرت الدولة تصميم الجماهير، ومدى اتساع جبهات المعركة في مواجهتها، قرر العسكريون التضحية بالرئيس لإنقاذ النظام.

إلا أن التحرير وبدفع أحياناً من عملاء الأجهزة الأمنية، تحول إلى طقس ومصب لاحتجاجات الجماهير، تحول إلى كرنفال سياسي، ثم إلى فخ سياسي وأمني، انتشرت عصابات منظمة ومجموعات من عملاء الأمن، يتحرشون بالمعتصمات والمتظاهرات، يخطفون المناضلين، يستدرجون جمهوراً يائساً إلى معارك غير متكافئة مثل مجلس الوزراء  ومحمد محمود.

ضاق نطاق الجميع واختصرت الجبهة الشعبية التي كانت على امتداد ربوع مصر إلى هذا الميدان الكرنفالي، أو الفخ السياسي الأمني، للأسف بلع عدد كبير من المثقفين والمسيسين الطعم الكرنفالي، حتى أن الخيال وصل بهم إلى الحديث عن اختيار سلطة من الميدان الشهير، المثير للسخرية أن ذلك سهل المهمة على البدائل البرجوازية في خداع الجماهير، شرف ومرسي ذهبا للتحرير، كانت تمثيلية رمزية لإيهام الجمهور أن السلطة البرجوازية والثورة المصرية، صارا شيئاً واحداً، وأن هذا يمثل ذاك.

لقد انهزمت أول سلطة شعبية في التاريخ الحديث بسبب اقتصارها على مدينة واحدة، باريس التي أطاحت فيها جماهير الكوميونة بالسلطة البرجوازية واستلمت الحكم بنفسها، لم تكن باقي المدن الفرنسية منخرطة في الثورة، لذلك كان سهلاً على القوات الفرنسية حصار باريس، وسحق أبطال الكوميونة.

كانت الثورة المصرية تتقدم كلما اتسع نطاق جبهة الثورة اجتماعياً وجغرافيا وزاد حجم المدن والأحياء المشاركة، هذا ما أطاح بمبارك وطنطاوي ومرسي، لكنها كانت تنهزم بسهولة كلما تم استدراجها – بوجه خاص – إلى فخ التحرير، خاصة عندما تكون الجماهير في حالة عزوف عن المشاركة، معارك محمد محمود، على بطولتها وما بذل فيها من دماء وتضحيات، كانت مثالاً لهذا الاستدراج لمواجهات دامية مع قوات الجيش أو الداخلية، معارك لا معنى لها ولا هدف على الإطلاق وجبهة مفتوحة لكل اللاعبين القذرين من عصابات وأجهزة أمنية وغيرها. يمكن أن يكون للتحرير أو غيره معنى إذا كان التواجد فيه ضمن – وفي سياق – حالة جماهيرية ثورية واسعة، أما في لحظات الهدوء النسبي أو العزوف الجماهيري يتحول إلى مصيدة قاتلة. فضلاً عن أنه أشبه باللعب خارج الحلبة، خارج الأحياء وأماكن العمل وأماكن تواجد الجماهير الشعبية، وخارج المعارك النوعية والموقعية التي يمكن فيها حشد وتجهيز جماهير في موقع بعد آخر، كسب أرض بعد أخرى، تجهيز فرق هنا وفرق هناك تمهيداً للمعركة الفاصلة.

5. التناقضات داخل معسكر العدو

أحد الشروط الأساسية في الثورة وفرص انتصارها أن تزيد وتتعمق التناقضات والصراعات داخل معسكر الطبقة الحاكمة، فطبقة موحدة ضد أعداءها يصعب جداً هزيمتها، وبوجه عام لا تعرف الرأسمالية الوحدة إلا في المصالح الكلية للاقتصاد الرأسمالي وفي الحذر والعداء تجاه الجماهير وانتصار الثورة، عدا ذلك فهناك صراع دائم حول المصالح والمقاعد. لكنه ليس صراعاً عنيفاً بالضرورة،  ويدور غالباً في نطاق البرلمان والسوق والتسويات الاضطرارية.

المشهد المصري يمر بظرف استثنائي، حيث يمثل الإخوان حالة منظمة اقتصادية وسياسية ضخمة، وهم أيضاً القوى الاحتياطية، سياسياً، للرأسمالية المصرية ككل، والتي يمكن استخدامها عند الأزمات، إنهم ظهير أزمات النظام منذ نشأتهم، وحتى الآن، استعان بهم النظام الملكي والحكم الجمهوري في مواجهة الجماهير وتيارات المعارضة، إلا أن للإخوان أيضاً تطلعاتهم الخاصة في الهيمنة، حاولوا ذلك مع نظام ناصر فوقع الصدام، ووفرت مجريات الثورة المصرية لهم ظرفاً ذهبياً فأخذوا الحكم مباشرة، تم فرضهم بواسطة الإدارة الأمريكية وباتفاق مع المجلس العسكري، إلا أن ذلك فجر تناقضات ومخاوف لدى الأجنحة الأخرى في الطبقة والدولة، وصلت التناقضات والصراعات إلى ذروتها بين جناح الحكم؛ الإخوان وباقي أجنحة البرجوازية المصرية، ساعدت الجماهير غير المنظمة بانتفاضة يونيو على الإطاحة بحكم الإخوان، وتلقف تحالف الإنقاذ والعسكر السلطة بسهولة بالغة وبدعم جماهيري كبير، إلا أن ذلك فجر صراعات جديدة أشد عنفاً، حيث تحاول السلطة الجديدة تقليم أظافر الإخوان وفرض شروطها عليهم، ويحاول الإخوان استعادة السلطة أو ضمان وجود مناسب على المسرح السياسي مع تأمين مصالحهم الاقتصادية.

حتى الآن يصب هذا الصراع، بين أجنحة الطبقة، في مصلحة الثورة، هذا الانقسام والصراع بين كتل الرأسمالية يضعفهما معا، ويسهل المهمة أمام صعود ثوري لاحق، غير أن بعض اليسار تخلى فجأة عن هذا الفهم الاستراتيجي والماركسي، وارتدى ثياب المحكم الحقوقي، وبدلاً من العمل على تعميق تلك التناقضات في جبهة الأعداء الطبقيين، أخذوا يهاجمون “العنف” ضد الإخوان، ويدينون “الانقلاب” ويدعون إلى المصالحة وعدم الإقصاء، مثل حديث شيخ جليل في مجلس قروي. البعض الآخر اتجه إلى مساندة تحالف الإنقاذ والعسكر ضد الإخوان بحثاً عن بعض الفتات الذي قد يلقى إليهم، وكأن هيمنة العسكريين هو ما سعت إليه الثورة، هذين الفريقين أداروا ظهورهم فعلياً لطريق الثورة، ويساعدون في إغراقها في ماء صراعات رأس المال على الحكم، إن اليسار الداعم للإخوان، وكذلك الداعم للعسكر، يقفان عملياً في خنادق مضادة للثورة.

6. فخ التحرير مجدداً

تأتى الذكرى الثالثة لثورة يناير في قلب عملية استقطاب معقد، حيث تستقطب الجماهير بأغلبها خارج سياق أهداف ومسار ثورتها، الجماهير التي أرهقها الصراع، والتي لا تدرك حتى الآن أن بإمكانها حسم الصراع لصالحها هي، وأن تقيم سلطتها الشعبية البديلة، تنجر خلف العسكريين بكتلتها الأكبر، وقسم منها يتعاطف مع الإخوان ضد العسكريين، وأصبح الطريق المستقل الذي يتحتم على الثورة أن تسلكه لكي تنتصر ملبداً بالغيوم، ثمة عمل دعائي ضخم على الثوريين انجازه لتبديد تلك الغيوم، ودفع الجماهير إلى مسار انتصار الثورة بعيداً عن صراع ذئاب الطبقة الرأسمالية ككل، إلا أن البعض يقفز كلياً فوق معطيات هذا الوضع وما يفرضه على الثوريين من مهام، ويشارك في الدعوة إلى الخروج للتحرير مجدداً في ذكرى الثورة، إنه فخ التحرير مجدداً، المغامرة غير المحسوبة، إغماض العين عن الحالة السياسية والمزاجية للجماهير أو مدى استعدادها حالياً للخروج ضد هيمنة العسكريين، بل وأحياناً إدانة الجماهير نفسها.

غير أن فخ التحرير هذه المرة أشد تعقيداً وأكثر خطورة، أجهزة الدولة ستحرك أنصاراً من الجماهير وقد يجد المشاركون أنفسهم في مواجهة مباشرة مع الجماهير المؤيدة لوزير الدفاع والتي تطالب به رئيساً، وقد يشارك الإخوان ليبدو المشهد بطولة إخوانية ضد العسكر، ومن ثم سوف يجد المشاركون المعادون للعسكر أنفسهم يلعبون دور مجرد كمالة سياسية في معركة الإخوان ضد العسكر.

ما هي المصالح المحتملة للثورة نفسها في هذا الصراع، إن أغلب المؤشرات تشير إلى عدم وجود أي مصلحة خاصة لقوى الثورة في هذا الفخ الميداني ثلاثي الأطراف، إنه مجدداً، وفي أحسن الأحوال، لعب خارج حلبة الجماهير، تخندق في المربع الضيق، أو حتى المميت، وستكون آثار ذلك علينا وعلى مسار الثورة شديدة السلبية، هذا النزول الاحتفالي للميدان المفخخ بكل صنوف العصابات والأجهزة والتيارات المعادية للثورة سيكون أشبه بطقس انتحاري يجب أن نحذر من السقوط فيه، وأن ننتبه لعدم جدواه، لا شيء نفعله في التحرير في هذا اليوم، ولا جدوى من المشاركة في الطقس الانتحاري الذي نستدرج إليه، إن كسب الجماهير مجدداً لقضية الثورة وإزالة غشاوة وغيوم المشهد من أذهانها هو هدف من يفكر فعلاً في اتجاه الثورة بوعي، الجماهير التي نعنيها ليست في ميدان التحرير في هذا اليوم، وإن ذهبت ستكون في مواجهتنا الآن، علينا الذهاب إليها والمشاركة في معاركها الصغيرة ومناقشتها بهدوء ودأب حتى نكسب ثقتها وتدرك هي طبيعة الصراع الراهن وأطرافه المعادين لها، لا يجب أن نسلم أنفسنا إلى ابتزاز مغامرين ضيقي الأفق وفى الجوهر يتعالون على الجماهير ولا يضعونها في اعتبارهم بل يحتقرونها فعلياً، لن نذهب للفخ بأقدامنا ولن نعزل أنفسنا عن الجماهير، لن ندخل التحرير إلا ضمن موجة صعود ثوري جماهيري يجب علينا أن نمهد له.

الجماهير لا تزال في تلك اللحظة تعلق أمالها على العملية السياسية التي يديرها العسكريون، وستظهر الشهور القليلة القادمة خطأ تلك الأوهام، ومن ثم تتفتح أمامنا وأمام الجماهير أبواب أوسع وأكثر التصاقاً بالجماهير وحالتها لشن معركة جديدة، مع الجماهير، ضد هذه السلطة، لا يعنى ذلك أدنى انتظار فمن الآن تدور رحى معارك اجتماعية وطبقية في عدة جبهات، نحن نشير إلى متغير في وزنها بعد تكشف خداع العسكر وزوال الأوهام والغشاوات التي تحجب حقيقتهم الآن، أن تتحول المعارك لموجة ثورية وشيكة يجب أن نعمل من الآن  على  مساندتها وتقويتها وتنظيمها، ذلك هو الميدان الذي يجب أن نتوجه إليه بكل قوتنا الآن، هذا هو الطريق الملكي الذي سوف تسير فيه الثورة فعلاً، إن لم نجتازه معها ونعمل على توسيعه عبر تجهيز الجماهير وتنظيمها لن تنجح مائة انتفاضة لاحقة، مهما بلغت قوتها، في فرض بديل شعبي ثوري والإطاحة بالنظام القائم، قد تسقط الانتفاضات سلطات سياسية في طريقها، ولكن لتسلم السلطة مجدداً إلى من تخرجه البرجوازية من جعبتها، أو من قد تستعين به من صفوف الإصلاحيين لخداع الجماهير واستعادة السيطرة.

اليسار الثوري

Advertisements

مناقشة

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

حمل العدد الأخير من نشرة الثوري

آخر اصداراتنا

أنت الزائر رقم

  • 75٬512

Advertisements
%d مدونون معجبون بهذه: