كراسات اليسار الثوري, مقالاتنا, تحليل سياسي

دولة دستورية أم دولة قمعية؟


ConstitutionalStateأصبح في حوزة كل مواطن مصري منذ إقرار الدستور – وفقا لبعض سلطويينا – حصوناً تحميه من العسف والتوحش والبربرية، في مواجهة كل أجهزة القمع، وهي المواد 51 و52 و54 و55 و56 منه، هذا إذا تغاضينا عما في مقدمته من أهازيج احتفالية. ولا بأس إن عدنا إلى بعض مما ورد فيه مما أسميناه أوهاماً دستورية. لكن علينا أن ننبه البعض ممن سيسارع بالقول بأن ما نعاني منه هو أزمة دستورية، وأن المشكلة لا تتطلب سوى تفعيل نصوصه، بأن الأزمة هي في نظرة هذا البعض الواهمة للدستور.

يلقي هذا الكراس نظرة سريعة ومتعمقة على واقع الدولة وطبيعتها في هذه اللحظة، ويجيب على تساؤل دولة قمعية أم دولة دستورية؟ بتفنيد وهم أن النصوص الدستورية مهما كانت عظمتها يمكنها أن تغير من طبيعة هذه الدولة، كاشفاً أن القمع هو الوجه الحقيقي للدولة الرأسمالية والذي يختفي خلف كل الزحارف والرتوش الديموقراطية والحقوقية التي يحاول النظام أن يتجمل بها.

حمل الكراس من هنا أو إقرأه كاملاً


كلمات رائعة، ووقائع مفزعة

أصبح في حوزة كل مواطن مصري منذ إقرار الدستور – وفقا لبعض سلطويينا – حصوناً تحميه من العسف والتوحش والبربرية، في مواجهة كل أجهزة القمع، وهي المواد 51 و52 و54 و55 و56 منه، هذا إذا تغاضينا عما في مقدمته من أهازيج احتفالية. ولا بأس إن عدنا إلى بعض مما ورد فيه مما أسميناه أوهاماً دستورية. لكن علينا أن ننبه البعض ممن سيسارع بالقول بأن ما نعاني منه هو أزمة دستورية، وأن المشكلة لا تتطلب سوى تفعيل نصوصه، بأن الأزمة هي في نظرة هذا البعض الواهمة للدستور.

تحتفي المقدمة بالحرية، والكرامة الإنسانية، وتتطلع للدولة العادلة، ولبناء دولة ديموقراطية حديثة تتسق مع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وهي في كل الأحوال تبشر بـ”الشعب السيد في الوطن السيد“. وترى مواد الدستور صارخة مدوية أن “الكرامة حق لكل إنسان، ولا يجوز المساس بها، وتلتزم الدولة باحترامها وحمايتها (51)، التعذيب بكل صوره وأشكاله، جريمة لا تسقط بالتقادم (52)، الحرية الشخصية حق طبيعي…. ويجب أن يبلغ كل من تقيد حريته بأسباب ذلك، ويحاط بحقوقه كتابة، ويمكن من الاتصال بذويه ومحاميه فوراً، وينظم القانون أحكام الحبس الاحتياطي، ومدته، وأسبابه … (54) كل من يقبض عليه، أو يحبس، أو تقيد حريته تجب معاملته بما يحفظ عليه كرامته، ولا يجوز تعذيبه، ولا ترهيبه ، ولا إكراهه ،ولا إيذاؤه بدنياً أو معنوياً، ولا يكون حجزه، أو حبسه إلا في أماكن مخصصة لذلك لائقة إنسانياً وصحياً… (55) … تخضع السجون وأماكن الاحتجاز للإشراف القضائي… ويحظر فيها كل ما ينافى كرامة الإنسان، أو يعرض صحته للخطر… (56) الخ…

اقتل … عذب … اضرب … انتهك … لن تحاكم …

فإلى أي مدى صمدت وحمت هذه المواد شباب الثورة من وحشية الشرطة في الأقسام أو السجون أو معسكرات الأمن المركزي أو أمام مستجوبي جهاز الأمن الوطني؟

على مدى ثلاث سنوات منذ الخامس والعشرين من يناير، لم تتوقف أجهزة القمع عن قتل شباب الثورة، سواء تم القتل في صدامات المواجهة، أو قنصاً، أو غيلة، أو جرحهم وإصابتهم عمداً في عيونهم، أو اعتقالهم، وتعذيبهم في أقسام الشرطة، ومعسكرات الأمن المركزي، والسجون. ورغم تبدل القيادات السياسية من عهد إلى عهد، من المؤسسة العسكرية، إلى حكم الإخوان، إلى المؤسسة العسكرية مرة أخرى تحت واجهة رئيس مؤقت، فلم يتغير شيء. فلم تسفر محاكمات مبارك ورجاله بقتل المتظاهرين عن الحكم على أحد تقريباً. وذهبت تقارير لجان تقصى الحقائق، وتضرعات أسر الشهداء سدى.

وما من شيء غريب، فقد أُعدمت الأدلة، وحنث رموز النظام ورجاله بقسمهم أمام المحكمة، وتواطأت كل أجهزة الدولة القمعية لتعدم كل إمكانية إدانة حفاظاً على دورها ومكانتها، ولتقويض أية فرصة لمحاسبتها هي أيضاً إن اقتضى الأمر.

من يحاكم من؟ بأي قانون؟ وأمام أي نيابة وقضاء؟ كانت إجابة هذا السؤال تحدد كل شيء. “إفلات قوات الأمن من العقاب” تحت هذا العنوان ذكر التقرير السنوي لعام 2013 لمنظمة هيومان رايتس واتش الصادر في 21 يناير 2014، أنه لم تبذل أي جهود لمحاسبة المسئولين عن الجرائم المرتكبة في عهد مبارك، أو التي ارتكبت على يد الجيش والشرطة أثناء انتفاضة يناير وما بعدها. وأعلنت المنظمة أن خمسة فقط من 38 محاكمة لضباط شرطة “متوسطي ومنخفضي الرتب” اتهموا بقتل متظاهرين في يناير 2011 انتهت بأحكام بالسجن. تم تجميد تنفيذ حكمين منهم. ومن ثم هناك 3 رجال شرطة فقط قضيا أحكاماً بالسجن. ومؤخراً أفرج عن محمد السني أمين الشرطة الذي قتل حوالي 18 مواطناً بدم بارد أمام قسم شرطة الزاوية الحمراء، وذهب أحد وكلاء وزارة الداخلية بنفسه للإشراف على إجراءات الإفراج الفوري عنه.

لم يختلف الأمر في ظل حكم الإخوان، فلم تراعَ الحقوق، أو الحريات فزادت انتهاكات الشرطة بمباركة الرئيس المعزول لـ”عبورها القمعي” ورفضه لما أسمي بإعادة هيكلتها، فعززها وجهزها، وزاد عتادها، وعسكرها، وكان ذلك عقب مقتل 46 شخصاً في مدينة بورسعيد في يناير 2013 ثم في أحداث قصر الاتحادية التي أسهم في قمعها وزير الداخلية الحالي.

في ذكرى الثورة … والذكرى تشحذ عزم الثوريين

منذ أسبوعين مضيا جرى تداول أنباء عن تعرض بعض الشباب الثوري الذي اعتقل أثناء إحياء ذكرى الثورة – بعيداً عن كرنفال المجلس العسكري والشرطة – للتعذيب. وقد وجهت لهم الاتهامات المعتادة من التظاهر بدون تصريح، وقطع الطريق، والبلطجة، والاعتداء على رجال الأمن، بل وقتل بعض المتظاهرين الآخرين!! ومنذ لحظة اعتقالهم تعرضوا للترويع والترهيب، للضرب والإهانة، ثم تكرر ذلك في قسمي شرطة الأزبكية، وقصر النيل، فمنهم من أعتدي عليه جنسياً، ومنهم من صعق بالكهرباء، ومنهم من جرت تعريته وإغراقه بالماء البارد وتركه فوق البلاط؛ وفي سجن أبو زعبل تعرض بعض الشباب لهتك العرض، وللضرب المبرح والسباب، والتعليق، وربط الأيدي من الخلف، وإجبار البعض على الوقوف لمدة 16 ساعة متواصلة. فضلاً عن عدم معالجة المرضى بل ومنع الأدوية عنهم. وهو ما يكشف لنا الطبيعة الوحشية والعنيفة للنظام الرأسمالي القائم، ومظاهرها التي ما تنفك تتكثف وتتزايد في الآونة الأخيرة. يعجز النظام عن إيجاد عمل للعاطلين، تخفيضاً في تكاليف المعيشة، عناية صحية، تعليماً مجدياً منتجاً … ولا يستطيع أن يقدم سوى الأوهام والقمع.

القانون… القضاء… النيابة… الطب الشرعي… هي نحن…

وقد بادر بعض النشطاء بإبلاغ المحامين بوقائع تعذيبهم، وجرت محاولة إثبات تلك الانتهاكات أمام النيابة التي حاولت التملص من تلك المهمة، غير أن إعلام الثوريين المضاد لعب دوراً أساسياً في التشهير بأعمال الترويع والتعذيب التي يتعرض لها هؤلاء. كما شنت بعض منظمات حقوق الإنسان، وبعض التنظيمات السياسية، وبعض الكتاب حملة تستهدف الإعلام بتلك الممارسات البوليسية، لكنها في مجملها توجهت إلى الرئيس عدلي منصور، وإلى وزير الداخلية نفسه، وإلى النائب العام، وإلى مأمور سجن أبو زعبل “بالتحقيق في جرائم التعذيب الموجودة في أقسام، ومراكز الشرطة، والسجون المصرية، واتخاذ الإجراءات الكفيلة لمحاسبة من تثبت إدانتهم في جرائم التعذيب وإساءة المعاملة إلى المحاكمة العاجلة“!! وهو أمر لا ينبغي إلا أن يثير السخرية إذا استهدف شيئاً غير التشهير بتقاعس تلك الأطراف، فمراجعة تاريخ مسلك الشرطة، والسلطة عموماً ينبئ بألا جديد سوى تقرير إضافي يلقى في أضابير لجان تقصى الحقائق السابقة.

وعلينا أن ننتبه لأهمية النقد الذي وجهه قانونيون مؤخراً لعمل هذه اللجنة: فهي إحدى أدوات الدولة وصنيعتها، لذا فحياديتها، واستقلاليتها موضع مساءلة، فضلاً عن أن القرار الجمهوري الصادر بإنشائها لم يتضمن نصاً يلزمها بنشر ما توصلت إليه من نتائج، وكذلك افتقارها للصلاحيات فيما يتعلق بالتوصل للأدلة، والحصول على المعلومات اللازمة من كل الأجهزة الحكومية، والأمنية، والمسئولين الأفراد، والوصول للملفات، والوثائق، ذات الصلة، والحق في مقابلة الشهود في سرية تامة دون تدخل أو ملاحقة.

أضف إلى ذلك أنه لم تتوقف الانتهاكات التي أنشأت هذه اللجنة لاستقصائها في أي لحظة، ويبدو أن هذه اللجنة باتت تقوم بدور تفريغ السخط، ودفعه في مسارب تبدده، وهكذا تحمي المجرمين من رجال النظام في الواقع. وقد قالها – ربما الرئيس المؤكد لا المحتمل – المشير السيسي قاطعة واضحة : “يعرف الثوار الآن أنه ما من ضابط سيحاكم“، كما أنه قد صمت صمتاً مطبقاً على وحشية الشرطة الظاهرة في التعامل مع المتظاهرين السلميين من غير الإخوان (في الشوارع ومراكز الشرطة والسجون) عقب تطبيق قانون منع التظاهر، ولم يكن متوقعاً غير ذلك فهو رأس السلطة الفعلي ومؤيد لنهج الطبقة الحالي ومدعم لسياسات الداخلية (انتقلت القوات المسلحة من وضع الأداة الاحتياطية للقمع إذا أخفقت الشرطة وحدها في الظروف العادية إلى طرف مباشر في الدفاع اليومي عن النظام القائم).

بالطبع في فترات المد الثوري يمكن فرض إجراءات وتنازلات على السلطة الحاكمة لكننا لم نعد في تلك الفترات في الوقت الراهن، فضلاً عن أنه حتى في فترات المد نشهد محاولات الالتفاف وتفريغ مضمون أي تنازل في كل الأحوال. من جانب آخر نرى عياناً تواطؤ القضاء، والنيابة، والطب الشرعي، فمثلاً يتطلب قانون الإجراءات الجنائية لاستصدار أمر بالحبس الاحتياطي أن تكون هناك دلائل كافية على ارتكاب واقعة جناية أو جنحة (مادة 134 – قانون الإجراءات الجنائية) مما يتنافى مع عمليات القبض العشوائي، ومع تلفيق وقائع، وأحراز وما إلى ذلك، ولا يمكن أن تعتبر إلا اعتقالاً دون سند قانوني (لابد أن نلاحظ جيدا أن تقييم الضابط مهنياً من ناحية الكفاءة يرتبط بعدد القضايا التي يقدمها حتى وإن انتهت إلى لا شيء، لذا فإن التلفيق حتمي)، وقضاة السلطة لا يعنيهم في هذه الحالة سوى استيفاء الشكل القانوني، أي أن هناك أمراً، وهناك تهماً!

أما رئيس نيابة الأزبكية – في الحالة المنوه عنها آنفاً – فقد تعنت في إثبات شهادات من خضعوا للتعذيب، كما رفض القاضي المخول بتجديد أمر الحبس إثبات التعذيب، وتحويل من خضعوا له للطب الشرعي. وبعد ضغوط المحامين اكتفى بأن كتب في المحضر أن المحامين يطلبون التحقيق في شكوى المتهمين بالتعذيب بشكل عام، ولم يثبت شهادات تفصيلية. وقد أفاد محمود بلال المحامى بأن “الإجراء القانوني هو أن يفتح القاضي تحقيقاً في الشكاوى، ويسجل شهادات الشباب تفصيلياً وبشكل فردى بصفتهم مجني عليهم، ثم يطلب استدعاء مأمور قسم الأزبكية، ومأمور سجن أبو زعبل لسماع أقوالهم في الشكاوى، بالإضافة للأمر بعرض المتهمين على الطب الشرعي لإثبات إصاباتهم وهو ما لم يحدث مطلقاً“. فضلا ًعن “نقل المتهمين إلى مقر احتجاز آخر غير الذي يدعون تعرضهم للتعذيب فيه، …. لكن هذا لم يحدث أيضاً، وشاهدنا بأعيننا تهديد الضباط للمتهمين باستمرار تعذيبهم إذا أصروا على الشكوى للنيابة“.

أما الطب الشرعي وعدم استقلاله في عصور الحكم المختلفة وخضوعه لإكراهات وزارة العدل من جانب، ثم لتدخلات النيابة، والداخلية … الخ من جانب آخر، تدلل عليه الوقائع من واقعة قتل خالد سعيد حتى استشهاد محمد الجندي. ومازالت تصريحات المستشار أحمد مكي وزير العدل في الذاكرة، حين قال أن وزير الداخلية طلب منه أن يصدر الطب الشرعي بياناً يقرر فيه أن الشهيد محمد الجندي توفى نتيجة لصدمة سيارة في ميدان عبد المنعم رياض، فآثر أن يعلن ذلك بنفسه! وما يبدو أساسياً لدى كل تلك الجهات هو أن معظم رجال النيابة، وغالب القضاة، ومعهم الإعلام السلطوي يحمى رجال الشرطة بوصفهم جزءاً من النظام، ويرون أن من الضروري أن يمارس رجال الشرطة سلطتهم بما فيها استعمال العنف بحرية ضد الشعب، ومناهضي النظام، ويسعون لإعاقة إصدار أي حكم قضائي بشأن التعذيب، أو القتل حتى يكفلوا فعالية وأمن الشرطة في قمع الشعب بلا قيود ولا مخاوف من مساءلة أو عقاب، فإذا ما حتمت الظروف إصدار حكم فلابد من النزول به إلى الحد الأدنى مصحوباً بكل الأعذار المخففة، بل مع التكريم اللاحق بالعودة للوظيفة!! ولا يحدث هذا إلا تحت ضغط حركة جماهيرية كبرى يخشى أن يؤدى تجاهلها لعواقب غير مأمونة. لذا نستطيع أن نفهم محاولة الشرطة دفع ديات لأسر الشهداء بدلاً عن الاستمرار في المحاكمات، وتوسط السلفيين في هذا الشأن عقب اندلاع الثورة في 25 يناير بفترة قليلة..

الواقع أن “عدالتنا” طبقية ولها وجهان، أحدهما للرأسماليين من رجال الأعمال وكبار رجال الدولة، وهى عدالة شفوقة، ناعمة، ورحيمة يعامل بها حسين سالم، وحسن عبد الرحمن، وهشام طلعت مصطفى، وإسماعيل الشاعر، وأخرى ممعنة في القسوة لشباب الثورة، وللكادحين والمستغلين. وعلى الأخيرين أن يثبتوا ما تعرضوا له، وهم في قبضة الجهات التي تعرقل عمليات الإثبات وتتواطأ مع بعضها البعض، بل ويتهمون بأنهم مفترون وكاذبون لأنه يتحدثون عن التعذيب “دون تقديم سند أو دليل” كما يقول السيد عماد جاد في مقاله بجريدة التحرير المعنون: الحديث عن التعذيب في مصر في 15 فبراير الحالي.

وحشية الشرطة سياسة طبقية …
لا يمكن إرجاعها كلياً لقسوة فردية ولا لمرض نفسي

من ناحية أولية يمثل كبار رجال الشرطة فئة داخل البورجوازية الكبيرة المصرية، وترتبط الوزارة نفسها – الداخلية – بعشرات الأواصر برأس المال الكبير، ومهمتها الرئيسية حماية هذا النظام الاجتماعي القائم على الاستغلال، والملكية الخاصة، وهى تنفذ عموماً إرادة الطبقة الحاكمة، وتتجلى بوصفها أداة منظمة لقمع الدولة، ولحمايتها ممن يهدفون للإطاحة بها، أو يهددونها. وقد بات الانتقام من قوى الثورة، ورموزها شعار الحكومة الإجرائي منذ إصدارها لقانون التظاهر، وقبلها بالتفويضات الشعبية بالقضاء على الإرهاب، وما تلاها من تصويت على الدستور بنعم، وقد أسهم اليسار الذيلي بمواقفه اليمينية في إفشال توجه بعض الثوريين الجذريين لخلق موقف مستقل ضاغط يستفيد من ثغرات الصراع بين جناحي الثورة المضادة في السلطة وخارجها. فشاركوا في تعزيز القمع وتعميقه، وهم يتحملون قسطاً كبيراً من المسؤولية التاريخية عن إمعان السلطة في مصادرة الحقوق والحريات السياسية التي كسبتها الثورة أثناء نضالها المكشوف، وأيديهم من ثم ملوثة بدماء ضحايا القتل والتعذيب والامتهان والإذلال.

و”في ظلال التفويض” استهدف وزير الداخلية تكرار تجربة نظيره المحبوس، كما كان عليه الحال أيام مبارك. فقد سعى مع الجهاز الإعلامي السلطوي لزرع العداوة، وعدم الثقة في شباب الثورة في صفوف الشعب، لتشويه من عرفوا إعلامياً بـ”رموزها“، واعتقالهم، وإصدار أحكام مجحفة بحقهم، لإعاقة أي عمل تراكمي ثوري مجدداً. هذه السياسة لا تقتصر على الوزير ولا على وزارته وحدها، وإنما هو توجه عام للسلطة الطبقية بكاملها، وجهاز حكمها، وأدواتها القمعية جميعاً، وما تؤكده خبرة الحركة الثورية في مصر والعديد من البلدان.

انتهت الثورة .. والآن نحن نسترجع كل هوامش الحرية والحركة التي انتزعت بالدم، عودوا مرة أخرى لكهوفكم!!” هذا هو شعارهم. إن من يتحدث عن “الأداء المهني للشرطة” أو “مهنية الشرطة” مثل د. عمرو الشوبكي – وغيره – في مقاله بالمصري اليوم (مهنية الشرطة في 18 فبراير الحالي) متوهماً، أو موهماً، بأن المسألة يمكن أن تحل باستيراد أدوات وأجهزة (رغم أننا نشهد منذ أيام العادلي عسكرة للشرطة تتزايد وتشي بأن “العدو في الداخل“)، أو بتدريب مهني احترافي، أو بعلاج نفسي لبعض الضباط (هنا علينا أن نفكر في سيكولوجية مهنية اجتماعية)، أو ببضع مواد دراسية عن حقوق الإنسان في كلية الشرطة، أو بمحاضرات عنها للضباط القدامى، أو بإعادة هيكلة للجهاز (في أوقات المد الثوري تجرى الخطب السياسية المحمومة عن إعادة الهيكلة التي لن تقوم بها وزرة الداخلية لنفسها إلا بشكل ساخر، وفى فترات الجزر تعود لوظائفها القمعية الجلية، بل وتعزز ذاتها بكثير ممن أحيلوا للاستيداع من ضباط أمن الدولة، كما حدث بضع مرات آخرها في 19 فبراير الحالي)، أو برفع لافتات تقول بأن “الشرطة في خدمة الشعب” أو إقالة وزير الداخلية محمد إبراهيم، وتعيين وزير جديد، يتغافل عن أو يجهل المضمون الطبقي لهذه المؤسسة، ودورها، ووظيفتها السياسية القمعية، وهذه ليست ظاهرة قومية، وإنما ترتبط بالرأسمالية العالمية، وخاصة في ظل سياسات العولمة، وإن تباينت في أداءها شكلاً في نظم الحكم المختلفة. فمن كندا، وأستراليا إلى جنوب أفريقيا، وأمريكا ستجد نفس المضامين الطبقية، بنفس العنف، والوحشية، خاصة ضد الأقليات العرقية، والكادحين عموماً في الأحياء العمالية والشعبية.

هل يمكننا القول مع د. الشوبكى أن “مشكلة الشرطة في جانب حقوقية تتعلق بانتهاكات يمارسها أفراد وتسيء للجهاز بأكمله، سواء كانت بحق سياسيين أو مواطنين عاديين، وفي جانب آخر قد يكون أكبر هناك مشكلة مهنية، سواء في هذا العدد الهائل من رجال الأمن المركزي والغياب الكامل لشرطة مكافحة الشغب المحترفة لأسباب ترجع لعدم وجود ميزانية كافية، أو قضايا توسيع دائرة الاشتباه التي تعكس خللاً مهنياً في طريقة جمع المعلومات وغيرها” … ينفى الكاتب السمة الطبقية المؤسسية، ليصورها بوصفها انتهاكات يمارسها أفراد، وليست عنفاً ووحشية منهجية منظمة، وما يعنيه ليس الأداء الوظيفي القمعي، وأولويته في سحق كل أشكال الاحتجاج والمعارضة السياسية المنظمة، وإنما إصلاحها وتحسين أداءها، واحترافيتها، وزيادة ميزانيتها التي تبتلع بالفعل مليارات من أموال الشعب المصري (رفض وزير الداخلية مؤخراً رقابة الجهاز المركزي للمحاسبات على ميزانيتها، كما أنها ستدرج في رقم واحد وفقاً للدستور الجديد بحيث تحدد هي بنود الإنفاق كما شاءت بلا رقيب)، مقابل قمع تطلعاته في “العيش والحرية والكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية“. تُظهر هذه المنظورات “خطأ” المفهوم الليبرالي الذي يتصور إمكان إجراء بعض الإصلاحات حتى تتوقف الشرطة عن أن تكون أداة قمع ضد الكادحين والمستغلين والثوريين. وإذا جاز – من جانب آخر – في التحريض السياسي الحديث عن “فلسفة المرتزقة” إلا أن وزارة الداخلية هي أداة “مهنية قمعية” للطبقة المسيطرة، وجزء من النظام، وهى تحترف الدفاع عن عقيدة وهو ما يشكل وعيها وولاءها السياسي، ولا يغير من ذلك انتقالها من يد شكل للحكم إلى آخر، فمضمونه الطبقي واحد، وهكذا حسنت كل سلطة طبقية هذه الأداة بدلاً من أن تقوضها.

تثبت كل الإجراءات القمعية هشاشتها، وعبثيتها ، ولا معناها حين ينخرط عشرات الآلاف والملايين في النضال الطبقي بإشهار الإفلاس التام للنظام البوليسي. ولكن حين يكون النضال السياسي منعزلاً عن ولا يتكامل مع حركة طبقية قوية وسائدة، فيمكن أن تكون لمثل هذه التدابير، والإجراءات البوليسية فعاليتها ضد الأفراد، أو الحلقات، والمنظمات السياسية الصغيرة. ولابد من التأكيد على أن القمع البوليسي وتجلياته هو ظاهرة سياسية بالدرجة الأولى، وتتمثل في القوانين القمعية المتتالية التي تستشري من محاكم عسكرية وتظاهر إرهاب ورقابة على الفضاء الإلكتروني، وقانون الشغب في الملاعب، وإجازة فصل الطلاب في الجامعات مع التعديل الأخير لقانون الجامعات لأوهى الأسباب … الخ، وتحريك العصابات المنظمة للبلطجة في مواجهة مناهضي النظام، إلى الكمائن، ونقاط التفتيش التي لا تقتصر على إيقاف الإرهابيين وتنتهك القانون، إلى الأحكام السياسية الآلية الصادرة بحق شباب الثورة، فضلاً عن التعذيب في كل أماكن الاحتجاز. ولم يكن ممكنا أن يجرى القمع بهذا الشكل الفج لولا دعم قطاعات من البورجوازية الوسطى والصغيرة وفئات من الكادحين، للشرطة تحت شعار أولوية الحرب على الإرهاب، وضرورة عودة النظام والاستقرار والأمن. يظهر مثل هذا السلوك الاجتماعي حين تعتقد مثل هذه الفئات الاجتماعية أن مطامحها الاقتصادية تتعرض لأضرار بالغة، وكذلك أمنها، مع وجود استقطاب سياسي واجتماعي حاد، وعدم تبين مخرج واضح من أزمة النظام وصراعاته الجارية.

يمكن أن ننتهي من كل ما سبق إلى أنه من الطوباوية الاعتقاد في إمكانية إصلاح الشرطة بحيث لا تعادي أو تحمى قوى الثورة، أو تساند مصالح الكادحين، والمستغلين أو أن تتخذ موقفا حيادياً فوق الطبقات، فوظيفتها بالعكس هي حماية الملكية الرأسمالية، وأرباحها، ورجال أعمالها ضد من يهددها بإضراب، أو مظاهرة أو انتفاضة، وحتى بتنظيم سياسي. ويقول البعض أن تسعة أعشار القوانين تحمى الملكية وهو ما يفيد أنها بالضرورة ضد الأعداء المحتملين ممن لا ملكية لهم. وهذا يعنى أن طبيعة الشرطة وعنفها لن تختفي طالما ظل النظام الرأسمالي قائماً، وخاصة بسبب الأزمة الاقتصادية الطاحنة التي يعانيها، وهي أزمة بنيوية لا يمكن تجاوزها إلا بتجاوز النظام ذاته. فضلاً عن تعقيدات الوضع السياسي في خضم صراعٍ ضارٍ بين قوى الثورة المضادة بجناحيها المعروفين. وعلينا أن نتوقع مزيداً من عسكرة الشرطة، تطوير تقنيات المراقبة بالكاميرات، اختراقات للمنظمات السياسية القائمة، متابعة دقيقة لشبكة الاتصال الاجتماعي .. الخ، لقمع مظاهر التمرد والثورة. ومن منظور ثوري استراتيجي، يبقى المفهوم اللينيني صائباً حول “تقويض” كل أجهزة القمع، وتشكيل ميليشيا شعبية ثورية غير منفصلة عن الشعب تقمع أعداءه.

التعذيب لا يهدف لانتزاع اعترافات وإنما لكسر إرادة الثورة

لم تنس الشرطة هزيمتها المدوية في 28 يناير، ولا الإذلال الذي تعرضت له تحت أثر الموجات الشعبية الثورية التي دمرت رموز قهرها، ووضعت قادتها في السجون، وعرضتهم للمحاكمات، وجعلتهم يخفون هويتهم حين يطئون الشوارع مهرولين، وليس من المستغرب أن تستغل الأوضاع الراهنة لتنفرد بثوريين أفراداً في معتقلاتها، أو مجموعات في فترة الجزر الثوري، فتحاول أن تجعلهم “عبرة” للثوريين ولغيرهم من المواطنين. وهى لا تريد أن “تلقنهم درسا” وحدهم وإنما تتعمد أن تتصرف بشكل مكشوف، وعلى الملأ، لتعلن بكل غرور، واستعلاء: “نحن نضرب، ونعذب، ونقتل، ونهدف أصلاً لدفن الثورة، ولإخراس كل صوت عدا أصوات مؤيدينا حين ندعوهم، وأن نمحو ذكرى هزيمتنا في 25 يناير، فلا يبقى مما حدث سوى “تحالف” الثالث من يوليو! ثم نكذب، ونكذب فماذا يمكنكم أن تفعلوا!؟” وورائهم يقف الغوغائيون من رجال الإعلام يمجدونهم، ويشيدون بتضحياتهم في مواجهة إرهاب الجناح الإخواني، بينما واقع الحال أنهم يدافعون في الأساس عن مصالح الجناح البيروقراطي العسكري وحلفاءه من الثورة المضادة، ويبررون وحشية الشرطة ثمناً لأمن موهوم لم يتحقق يخسر فيه الشعب من كل النواحي.

وخلف نزوع الشرطة تقف الطبقة الرأسمالية بكل فئاتها الساعية للأمن، والاستقرار، والاستثمار، والسياحة، والأرباح أي لتعزيز سلطتها وحكمها والعودة لروتين نظام مبارك القديم. لذا يمكن لنا أن نفترض أيضاً أن الوحشية والعنف التي تتجلى في الانتهاكات الجارية ترتبط باحتدام الصراعات الطبقية، وخاصة الإضرابات الاقتصادية العمالية، والمهنية التي تزايدت مع بداية العام الجديد. وقد ترتفع مستويات العنف مع تفاقم الوضع الاقتصادي، ودخول فئات جديدة في هذه النضالات، وبصفة أخص إذا ما توصل جناحا الثورة المضادة إلى صفقة سياسية لا ينبغي أن تستبعد من مجال الإمكانات، ما لم تتشكل كوابح جماهيرية مؤثرة وفاعلة لإيقاف وحشية الشرطة أو للحد منها على الأقل.

تقف أجهزة القمع فوق القانون وتنتهكه إذا ما اتفق ذلك مع مصالحها، ولنطالع بعض المواد العابثة التي يحفل بها قانون العقوبات. فنرى في الباب السادس تحت عنوان: الإكراه وسوء المعاملة من الموظفين لأفراد الناس، “إن من يأمر بالتعذيب لانتزاع اعتراف، يعاقب بالأشغال الشاقة أو السجن من ثلاث سنوات إلى عشر” (م 126) و”من يأمر بعقوبات لم يحكم بها أو تجاوز العقوبات المقررة يعاقب مرتكبها بالسجن” (م127)، أما ممارسة التعذيب الذي يحدث بدون هدف انتزاع اعتراف فيسمى في القانون مهما كان عنفه ووحشيته “استعمال القسوة” وعقوبته الحبس مدة لا تزيد على سنة أو غرامة لا تزيد على مائتي جنيه!! (م129). وقد أشرنا عاليه إلى السياقات، والأوضاع، والسلطات، والعقبات التي تحيط بذلك. وحين ينص الدستور (الذي يفترض أن يفصله القانون) بأن: “التعذيب بجميع صوره وأشكاله، جريمة لا تسقط بالتقادم” (م52)، ندرك مدى الوهم الذي راود دستوريينا، وإذا ما تغاضينا عن كل شيء يبقى أن على من مورس عليه التعذيب أن يثبت أن هذه الجريمة قد وقعت عليه حتى لا تسقط بالتقادم. والواقع نحن في حاجة لما هو أكثر من مادة دستورية، أو لتشريعات إضافية لوقف ظاهرة التعذيب.

إن خبرة أجهزة الأمن تتشابه في الوقت الراهن بتبادلها، وتنسيقها، وتعاونها، ليس ذلك فحسب، بل أيضاً مع الخبرات القمعية القديمة. ففي مقالة كتبها لينين عنوانها: “ملاحظات عارضة” (الأعمال الكاملة – المجلد 4 ص 378 – 413) وتحت عنوان “اضرب لكن لا لحد الموت“، يبدى ملاحظاته على تعذيب مواطن قبض عليه في ظروف خاصة، ومن خلال عرضه لما حدث له يصل لبضع استنتاجات منها أن عنوان هذا القسم من مقاله هو شعار الشرطة الروسية “اضرب لكن لا لحد الموت“، وأن التعذيب يجرى في أقسام الشرطة، إما في غرفة منفصلة، أو في حضور آخرين، ويرهب الشرطة هؤلاء حتى لا يشهدوا بما رأوا. ويلاحظ لينين أن هناك اتجاهاً لدى قضاة التاج، وممثلي الطوائف الاجتماعية، لعدم استجلاء الحقائق بصدد وقائع قد تكون كاشفة، وتعري النظام، كما يميلون لإظهار أقصى الرأفة حين يحاكمون موظفاً في الشرطة، من تخفيف وصف، وتكييف الجريمة، والنزول بها إلى الحد الأدنى من العقاب، وكذلك لإدانة صغار رجال الشرطة، وحماية الرؤساء المباشرين، ممن تمت الجريمة بمعرفتهم، وموافقتهم، واشتراكهم. قضاة بيروقراطيون يتحايلون في الواقع على القانون ويطوعونه لخدمة السلطة، ولكن حين يحكمون على فعل جرى ارتكابه ضد الشرطة فإنهم يظهرون قسوة لا حد لها، ويقبلون اتهامات المدعى العام كاملة. وقد تصور لينين آنذاك إمكان تجاوز بعض تحيزات البيروقراطية بقضاة من المحلفين، من الشعب، يمثلون الرأي العام داخل المحكمة. وينتقد لينين موقف المواطن العادي الذي يعتبر أن عنف الشرطة أمر روتيني نظراً لشيوعه كممارسة يومية تحدث في كل مكان، ويميز بين تواتر حدوثه وإدراك ذلك، وبين ضرورة اتخاذ موقف منه، رافضاً اللامبالاة التي تجعل هذا العنف يستشرى ويتفاقم. كما ينوه إلى أن تلك الشبكة التي تربط القضاء بالنيابة بالشرطة وبالسجن لا يمكن أن تنقض إلا إذا أزيل كل نظام الطغيان البوليسي، وإنكار حقوق الشعب.

قف … قاوم … وقاتل …

وثمة آخرون يصمدون. وهم لا يشعرون إلا نادراً، بأنهم وحيدون في عزلتهم أو في جحيم العذاب، لأن إرادتهم أشد رسوخاً. وثقتهم أشد ثباتاً، وقناعاتهم أبعد عمقاً

إن أكثر الأسلحة فعالية في يد المضطهِد هو عقل المضطهَد، هكذا صرح المناضل ستيفن بيكو من جنوب أفريقيا. ويعرف تاريخ الحركة الثورية في العالم، وفى مصر، أحداث تعذيب وحشية تعرضت لها القوى السياسية على مدار تاريخها، ولم يثبت أن أشد أنواع العنف وحشية قد أدى لدفن فكرة سياسية طليعية. وحين يكون المناضل منفرداً في زنزانته، أو حتى أثناء القبض عليه والتحقيق معه، ترافقه تلك الأفكار، والقيم ، والمثل التي ناضل من أجلها مع رفاق آخرين وهى تمنحه شعوراً بالتواصل، وبالتوحد في نحن جماعية مستمرة، هو جزء منها، وهذا المعنى، والتوجه العقلي هو ما يمنحه الثبات، والصلابة، والقدرة على المواجهة، أي ما يسمى برباطة الجأش، وهى تجسد جوانب معينة في ضبط النفس، وتمكن المرء من التحكم بمشاعره، وتوجيه أفعاله، والقدرة على تجاوز الصعاب، وكبت ما قد يظهر من تخاذل أو قعود أو تشاؤم، والإخلاص للمثل والمبادئ، رغم الحرمان، والإكراه من قبل الأعداء المكشوفين.

فالقائمون بالتعذيب يهدفون لإشاعة ما يعرف في علم النفس بـ”اليأس المكتسب” بما يثيره من عدم الثقة في الذات، وفى الآخرين، وبعدم جدوى المقاومة، ونقل هذه المشاعر السلبية لدوائر أوسع من المقاومين. وهو ما ينبغي الانتباه له. فكسر الإرادة يتجاوز كسر إرادة فرد في الموضوع الذي نتحدث عنه، وإنما كسر إرادة الثورة، ودفع النشطاء والمناضلين الذين صمدوا ثلاث سنوات إلى اليأس. ما من شجاعة ولا رجولة ولا شرف ولا أخلاق لدى المعذب فهو جبان بدون السلطة التي تقف وراءه، والسلاح الذي يحميه، والزبانية الذين يحيطون به، وإهاناته أياً ما كانت هي إهانات عدو طبقي لابد من معرفة هدفها حتى يفوت الغرض منها، ومهما بلغ انحطاطها فلا ينبغي أن تؤثر في شعور الثوري بذاته، فالمنحط لا يمكن أن يهين ثورياً مهما فعل، فما يقوم به ليس سوى علامات خوف وعجز وجبن. غير أننا لا ينبغي أن ننسى أن التعذيب هو ثمرة متعفنة للاستبداد، وظاهرة لا تنفصل عن تناقضات النظام السياسي الاجتماعي الحالي، كما أنها ذات جذور تاريخية طبقية بعيدة. ولا ينبغي شخصنتها في أفراد رغم أن هناك “موهوبين” برعوا في ممارسة هذا الانحطاط.

ينبري الخبراء الإستراتيجيين من اللواءات السابقين، وكتاب السلطة، وأبواقها الإعلامية للتشكيك في صحة ما جرى من تعذيب ويصرخون “مؤامرة ضد الشرطة“، ولا توجد أية دوافع معقولة تدعو شباب الثورة لزعم هذا الإدعاء، وكذلك محاموهم الذين طلبوا إثبات وقائع تعذيبهم في المحاضر، وجرى التعنت معهم. وتبلغ الوقاحة ببعضهم حد الزعم بأنهم يقيمون في فنادق خمس نجوم، وقد يصدق ذلك على رجالهم، وأنصار نظام مبارك المحبوسين، غير أنه من المؤكد أن ذلك لا يشمل شباب الثورة المعتقلين. وتصل الصفاقة بوزير الداخلية لأن يصرح بأن ما يشتكى منه البعض يتعلق بأوقات التريض، أو مشاهدة التليفزيون، كما ناشد المواطنين، والمساجين بالتقدم إليه بشكوى في حالة الاعتداء عليهم، أو انتهاك حريتهم، مؤكداً أن رد فعله سيكون قاسياً للغاية تجاه أي تصرف فردى من أي ضابط يعتدي على أي مسجون على حد تعبيره. (جريدة الشروق 21/ 2) هذا الوزير (صاحب سياسية اقبض عشوائياً أولاً ثم تحرى وجد سبباً) هو نفسه الذي قال أن اسم الرئيس المعزول محمد مرسي لم يكن مسجلا في دفاتر دخول سجن وادي النطرون – الذي يحاكم الآن على هربه منه – وهو من طلب من وزير العدل أحمد مكي أن يصدر الطب الشرعي بياناً يعلن فيه أن الشهيد محمد الجندي قتل مصدوماً بسيارة في ميدان عبد المنعم رياض. العشرات والمئات من الشباب أعلنوا وكتبوا وأذاعوا فيديوهات تؤكد جميعا استمرار سياسات العنف والوحشية وتزايدها في الآونة الأخيرة، وهم موضع ثقتنا بلا جدال فيما يقولون.

لا يستبعد أن يغادر وزير الداخلية الحالي في أي تشكيل وزاري جديد، وخاصة بعد الانتخابات الرئاسية، وسيجرى تصوير الأمر وكأنه استجابة لمطالب طرحت، أو أنه علامة على بدايات جديدة، لكن لن يتغير شيء سوى الوجه. ويتوقع البعض أن يتولى المنصب أحد اثنين اللواء سيد شفيق أو اللواء أحمد حلمي، وهما ينتميان كما وصفا لمدرسة التشدد الأمني.

1. إن مفاد ما سبق، هو أن القضاء على عنف الشرطة ووحشيتها، كلياً وجذرياً يستلزم القضاء على النظام الرأسمالي ذاته، فهي إحدى الأدوات الطبقية التي تحميه، وهي لا تقف محايدة، أو فوق الصراعات الطبقية الجارية.

2. ضرورة التشهير المنظم بوقائع التعذيب المؤكدة، باستخدام كل أدوات اتصال الإعلام الثوري البديل محلياً، وإقليمياً، وعالمياً، ومقاومة كل مظاهر اللامبالاة بها، فالصمت عليها وتجاهلها هو ما يجعلها تتفاقم. وكذلك في المؤتمرات، والندوات، والوقفات الاحتجاجية. ونشدان تضامن القوى الثورية في العالم أجمع.

3. النضال السياسي الجماهيري وسط الطبقات الكادحة، والقوى الديموقراطية الثورية التي تشعر بكراهية عميقة للشرطة والتي تنشد كرامة حقيقية “لا دستورية“، هو الأساس في تحقيق أي إصلاحات جزئية بالضغط على الأجهزة المعنية التي لن تكف عن التسويف، والمماطلة، والمراوغة، غير أنه يمكن لضغوط حقيقية تخلق أزمة سياسية اجتماعية أن تجبرها على إجراء بعض الإصلاحات. بإثبات وقائع أو اتخاذ بعض الإجراءات اللازمة. والتشهير بكل الأوضاع التي تحاول فيها هذه الجهات تجاهل القانون، أو انتهاكه وخاصة نزوعها الصميم للتعمية على وقائع التعذيب، والمداراة عليها، مع كامل الشبكة السلطوية التي أشرنا إليها عاليه.

4. إبداع أشكال من الرقابة الشعبية في الأحياء السكانية لمراقبة الشرطة في أداءها، وإجراءاتها، ونشاطها، وتعسفها، بواسطة إحياء اللجان الشعبية التي قامت أثناء استهلال الثورة، أو أية أشكال أخرى مناسبة وممكنة. وهي وسيلة أيضا لتوجيه طاقات الغضب في أقنية ثورية ترتبط بمجرى النضالات العامة بعيداً عن انفجارات الغضب الشخصي. وتمكن هذه الأشكال المنظمة من تقديم العون المباشر للشعب في مقاومته الشرعية للإرهاب والعنف. وتوجيه الاتهامات لمجرمي الشرطة من ممارسي العنف، وتحويل هذه الاتهامات لعمل سياسي منظم يعززه العمل القانوني. وهو ما يرفع من درجة ثقة الناشطين بأنفسهم، ويمكن أن يؤدى للارتباط بمشاريع أوسع للمقاومة.

5. لقد شهد الشباب الثوري استشهاد رفاقهم أمامهم منذ 25 يناير الأول وحتى الثالث هذا العام، وقد واجهوا احتمال الموت ببسالة، وتفانٍ، وإنكار للذات. بات الموت بالنسبة لهم أمراً عادياً مألوفاً لا يرهبهم ولا يخشونه، ينزلون الشوارع ويعلمون أنهم قد لا يعودون، مع ذلك لم يكفوا عن النزول. وتلك علامة لا تخفى على الصلابة والإصرار والصمود حتى الإنتصار. ولا يمكن أن تخيفهم أجهزة القمع به. وإشاعة التعذيب وتعميمه والإعلان عنه تبدد الخوف منه لدى المناضلين، والنشطاء ويهيئهم لملاقاته، كما يعمق الكراهية ضد الشرطة وغيرها ممن يمارسونه.

على الثوار أن يكونوا ممتنين للسلطة، وجهازها القمعي، لأنها بأفعالها تمهد لنا الأرض بتوسيع دائرة الساخطين، وتحرض هي بذاتها ضد أفعالها، فتدفع قضية الثورة قدماً إلى الأمام، فتهيئ بذلك 28 يناير آخر أشد عمقاً وأكثر اتساعاً، ولا يكفي في ذلك أيها الثوريون أن تتطلعوا إنما أن تتهيئوا ….

علي أحمد شريف
فبراير 2014

Advertisements

مناقشة

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

حمل العدد الأخير من نشرة الثوري

آخر اصداراتنا

أنت الزائر رقم

  • 74٬551

Advertisements
%d مدونون معجبون بهذه: