مقالاتنا, تحليل سياسي

الانتخابات الرئاسية .. مسار التناقضات


الانتخابات الرئاسية .. مسار التناقضاتفي الشهور الأولى لعام 2011، كانت الثورة المصرية محوراً لكل الأحاديث، كانت الثورة في عنفوانها، أطاحت بمبارك، وتضغط باستمرار على مجلسه العسكري وتجبره على تقديم التنازلات، التي وصلت إلى البدء في محاكمة مبارك، كان قطار الثورة يبدو منطلقاً وكان الكثيرون يبذلون ما في وسعهم للتعلق بعربات القطار وارتداء مسوح الثورة. كان الأمل يملأ نفوس معظم المصريين وهم يرددون أن أيام مبارك لا يمكن أن تعود. والآن بعد ثلاث سنوات انعكس الوضع، فقطار الثورة يتراجع، وأصبحت كلمة الثورة مكروهة من معظم المصريين، في الوقت الذي تستعد فيه دولة مبارك لتتويج السيسي، مدير مخابرات مبارك الحربية ووزير دفاع مرسي، رئيساً للجمهورية في الانتخابات القادمة بمباركة شعبية وجماهيرية، فيما تشتعل معركة دموية ومميتة بين طرفين يمثل كل منهما جناحاً من جناحي الثورة المضادة.

يمكن فهم كيف دخلت الثورة هذا النفق المظلم إذا فهمنا كيف حملت الثورة منذ لحظاتها الأولى تناقضات داخلية تعاظمت عبر انتصاراتها بالذات لتصل بها في هذه اللحظة إلى أعتاب الهزيمة، وهو ما سنحاول تحليله في هذا المقال، مع تحليل المشهد المعقد الحالي لانتخابات الرئاسة القادمة، ولنحاول أن نجيب على التساؤلات الجوهرية التي يطرحها علينا؛ هل هزيمة الثورة وانتصار الثورة المضادة نهائيان؟ وما العمل؟ ما هي التكتيكات المناسبة لهذه اللحظة من أجل أن ينطلق قطار الثورة من جديد خارجاً من قلب هذا النفق المظلم؟

الثورة المصرية حيويتها وأزمتها

شلت الانتفاضة العفوية في 28 يناير 2011 الدولة المصرية، فبينما انهار جهاز الشرطة في مواجهة الجماهير، وقفت باقي مؤسسات الدولة موقف متردد في مواجهة الحركة الجماهيرية الأكبر في تاريخ الجمهورية، فحاولت مؤسسة الرئاسة تقديم التنازلات الشكلية تدريجياً في محاولة لإنهاء الأزمة دون الاضطرار للاستجابة لمطلب الجماهير الرئيسي برحيل مبارك، وتردد قادة المؤسسة العسكرية بين قمع الجماهير المحتشدة بالملايين في الشوارع أو اتخاذ موقف يظهر كأنه محايد، جرت محاولات قمع أولى على استحياء في الساعات الأولى لتدخل الجيش، ثم أعلن القادة موقف الحياد بعد ردود أفعال غاضبة من الجماهير وحرق مدرعات للجيش، وبعد ظهور بوادر انشقاق بين صغار الضباط، وهو ما أجبر الجيش على إعلان حياده وأنه لن يُستخدم لقمع المتظاهرين، خاصة أن قادة الجيش فيما يبدو فكروا في إمكانية استخدام الانتفاضة في تصفية مشروع التوريث الذي كان يهدد مؤسساتهم ذاتها، في حال نجاحه، بما سيترتب عليه من اتجاه أكبر نحو سياسات الخصخصة وتصفية كل ممتلكات الدولة، مما قد يطول القطاع الاقتصادي للجيش.

لكن هذه الانتفاضة العظيمة كانت مشلولة بقدر ما كانت تشل الدولة، ففي الأيام الأولى للانتفاضة لم تكن هناك دولة فعلياً، وكانت الجماهير مشغولة بتنظيم أنفسها في أشكال بدائية مؤقتة للدفاع عن أحيائها ضد هجمات البلطجية التي انتشرت بطول البلاد وعرضها، ولم تطرح على نفسها فكرة السلطة البديلة أو أشكال تنظيمية أكثر تعقيداً واستدامة إلا في حالات نادرة، كانت السلطة ملقاة على قارعة الطريق ولم يملك أحد القدرة على الانحناء لالتقاطها واكتفى الجميع بشعارات تطالب بإسقاط النظام دون تحديد لكيف يمكن أن يتم هذا الإسقاط أو من سيكون مسئولاً عنه، ولا ما هي مواصفات النظام الجديد، فيما عدا شعارات بالغة العمومية عن “العيش والحرية والكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية“. هذا الشلل الذي بدت فيه الانتفاضة المصرية في عنفوانها كان ابناً لتناقضات دمغت مسيرة الثورة المصرية منذ إرهاصاتها الأولى حتى الآن، وكانت مسئولة إلى حد كبير عن نتائجها، والتي تميزت بأن كل انتصارات الثورة كانت تحمل داخلها بذور هزيمتها، وهو المسار الجدلي الذي اندفعت فيه الثورة المصرية، لتلد الانتصارات المتتالية، تلك التي تؤكد حيوية الجماهير، عبر تراكمها الهزيمة، والتي تمثلت في انفضاض قطاع كبير من الجماهير عن الثورة.

هذه التناقضات ترتبط بشكل أساسي بعفوية الثورة وعدم قدرة القوى الثورية على تخطي هذه العفوية في مسيرة الثورة، فانتفاضة 28 يناير التي كانت عفوية بامتياز، وكانت مفاجأة لكل السياسيين، لم تكن بدون مقدمات، فالوضع الاقتصادي المأزوم – والذي تفاقم مع الأزمة الاقتصادية العالمية – وتوحش الداخلية طالت آثارهما الغالبية العظمى من المصريين، وكان من الواضح أن تراكم الغضب سيؤدي للانفجار، لكن بمواجهة هذا الظرف الموضوعي الملائم للثورة، كان الظرف الذاتي للقوى السياسية بشكل عام، وللقطاعات الثورية منها بشكل خاص، أبعد ما يكون عن الجاهزية، فلعبت منذ الأيام الأولى للثورة دوراً مهماً لكن ليس قائداً.

هذا التناقض أدى بدوره لتناقضات أخرى؛ فمن ناحية، وبرغم أن الثورة هي عملية سياسية غاية في التكثيف والتركيز وتفتح المجال أمام دخول كتل جماهيرية كبيرة للمجال السياسي، إلا أن الجماهير التي أصبحت تتحدث عن السياسة بشكل شبه يومي لا تثق في القوى السياسية لا القديمة ولا الناشئة، والقطاعات المتقدمة والأكثر جذرية بين الجماهير كانت تفصل بين الثورة كعملية نقية لا تحتمل المساومات، والسياسة كمسرح للانتهازية والصفقات والمساومات، ومن ناحية أخرى، ولأن القطاعات الثورية كانت مدركة تماماً لضعفها، فقد تغاضى بعضها عن تناقضات عميقة داخل معسكرات تحالفاتها وقبلت بالتحالف في لحظات مع انتهازيين ورجعيين من أجل “انتصار الثورة“، وهو هدف غائم يحمل معنى مختلف باختلاف المصالح الاجتماعية والطبقية التي يدافع عنها كل فصيل، تسببت هذه التحالفات في إرباك الجماهير وسمحت للانتهازيين والرجعيين بالسيطرة على الحركة في أوقات كثيرة، ولعب شعار “وحدة الصف” دوراً مهماً في إعاقة تطور أي وعي طبقي جماهير، لتستمر الثورة بشعارات وأهداف عمومية مفصولة عن واقع الجماهير وقابلة للترجمة وللتشويه بأكثر من شكل.

هذه التناقضات، وغيرها مما يحتاج لدراسة أكثر تفصيلاً، لعبت دوراً مهماً في نجاح قوى الثورة المضادة أحياناً كثيرة في تضليل الجماهير المنهكة ومداعبة رغبتها في الاستقرار وخوفها من المجهول، لتنفصل هذه الجماهير تدريجياً عن الثورة، ويتحول تراكم انتصارات الثورة الصغيرة إلى هزيمة، تسعى الثورة المضادة إلى أن تكون نهائية، فيصبح المد الجماهيري في مواجهة سلطة الإخوان؛ أحد جناحي الثورة المضادة، مدخلاً ليستعيد الجناح الأول؛ المؤسسة العسكرية، الإمساك بكل خيوط المشهد، ويستعد لتتويج مرشحه رئيساً ليسدل الستار على الثورة، تلك الثورة التي أمست في عزلة، صحيح مازالت مجموعات من الثوريين المتحمسين يرفعون راياتها، لكن في قلب معركة الدموية بين العسكر والإخوان لا يلتفت لهذه الرايات ولا يسعى للانتظام خلفها إلا أقل القليل من الجماهير.

مشهد انتخابات معقد

في هذه السياقات تجري الانتخابات الحالية، وبدون قراءة هذه السياقات جيداً يصبح مشهد الانتخابات المعقد مستعصياً على الفهم، فالصورة المتداخلة تربك حتى الثوريين الأكثر جذرية، وتبدلات المواقف تصيب الجماهير بالحيرة والقلق، خاصة في لحظة أصيبت فيها الحركة الجماهيرية بالإنهاك الشديد بعد 3 سنوات من الفوران وتضافر هذا مع الصراع بين جناحي الثورة المضادة العسكر والإخوان، ومع سعي الجماهير للبحث عن الاستقرار وتأمين مصالحها وحياتها، لتصاب قطاعات كبيرة من الجماهير، ذات مصلحة أصيلة في انتصار الثورة وكانت في صفوف مؤيديها يوماً ما، بحالة من اللامبالاة أو السلبية أو حتى بالمعاداة الواضحة للثورة.

وحتى الآن لا يوجد بالمشهد المنظمات السياسية الثورية القوية التي تستطيع أن تلعب دوراً في الحفاظ على حالة الفوران الجماهيري وتعميقها وتجذيرها وتقف في مواجهة تشتتها وتبددها، أي أن تلعب ما وصفه الثوري الروسي تروتسكي في كتابه عن تاريخ الثورة الروسية بدور المكبس في أسطوانة المحرك البخاري الذي يمنع البخار من التبدد ويستطيع أن يحوله إلى طاقة حركة.

ما قبل 30 يونيو .. تجهيز الملعب

هذا المشهد لم يرسم في الأيام السابقة لفتح باب الترشح للانتخابات، ترسخت أسسه في الواقع قبل هذا اليوم بفترة طويلة، من قبل حتى الإطاحة بمرسي في 30 يونيو، لكن ديناميكية العملية بدأت في الظهور بوضوح تدريجياً بعد 30 يونيو. فمنذ إعلان مرسي الدستوري في نوفمبر 2012، بدا القلق يدب في مؤسسات الدولة، بقيادة المؤسسة الأكبر المؤسسة العسكرية، حول مدى فاعلية الاستناد على الإخوان وإدماجهم كشريك في السلطة لامتصاص الغضب الشعبي، وهي العملية التي أُكرهت عليها هذه المؤسسات كمحاولة لاحتواء الثورة، فمن ناحية كان واضح من التحركات الجماهيرية ضد الإعلان الدستوري وضد مرسي أن سلطة الإخوان ستظل مهزوزة وعاجزة عن فرض الكمون على الجماهير، خاصة أنه ليس لديها ما تقدمه إليهم على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي إلا الوعود التي سرعان ما سينكشف زيفها مع استمرار نفس السياسات، ومن ناحية أخرى فإن الإعلان الدستوري والسلطات التي يمنحها للرئيس الإخواني مع الطريقة التي تم إقالة النائب العام عبد المجيد محمود بها، لا تدع كبار المسئولين وقيادات مؤسسات الدولة يطمئنون إلى مصيرهم ومصير أي تحالف مع الإخوان، فكان من الواضح أن الإخوان لن يلتزموا بالمحاصصة ودور الشريك لكن سيسعون لفرض إرادتهم وللعب دور الشريك الأقوى حتى مع الاستمرار في نفس السياسات، وهو ما يعني عملياً أن يحل حزب الحرية والعدالة محل الحزب الوطني، وأن يحل رجال مرسي محل رجال مبارك الذين قد يتم التضحية بهم في عروض شبه مسرحية علنية يعزز بها الإخوان من سلطتهم في مواجهة الجماهير باعتبارهم يطهرون النظام من رجال مبارك.

كانت النتيجة أن تحالف الإخوان مع مؤسسات الدولة أصبح بالنسبة للدولة ومؤسساتها أمراً مؤقتاً ويحتاج إلى تجهيز بديل، برغم ممن كل محاولات الإخوان التالية للتشبث بهذا التحالف ومد عمره في محطات مختلف، لعل آخرها حركة المحافظين الأخيرة قبل 30 يونيو والتي كانت تضم 7 محافظين لواءات جيش بالإضافة إلى آخرين من الإخوان وواحد من الجماعة الإسلامية.

بدأت الدولة تبحث عن البديل، في الوقت الذي ألف فيه مجموعة واسعة من الإصلاحيين والانتهازيين وفلول مبارك كياناً أسموه جبهة الإنقاذ وقدموا أنفسهم للدولة وللجماهير باعتبارهم هذا البديل. لن يسع المجال لتناول تطور الأحداث بالتفاصيل، لكن يمكن تلخيص الخطوط العريضة؛ دعمت الدولة هذا البديل الجديد من الحياد إلى المساندة المباشرة، واستثمرت الدولة في الغضب الشعبي المتزايد من الإخوان، ولعبت دوراً في تأجيجه سواء بكشف فضائح وأفعال كارثية للإخوان، أو بافتعال أزمات وجرائم وتحميل الإخوان مسئوليتها، ولم يوفر الإخوان جهداً بدورهم لتدعيم وتأجيج الغضب الشعبي، بدءاً من تبني خطابات تحريض طائفية تمتلئ بالتعالي والمكابرة وترفض أي تسوية سياسية مع المعارضين، مروراً بعدم تقديم أي حلول للأزمة الاقتصادية المتفاقمة بل والإصرار على الاستمرار في نفس السياسات الاقتصادية التي تعادي الجماهير، وصولاً إلى الاعتداء المباشر على المعارضين.

ومع ظهور حملة تمرد والتعاطف الجماهيري معها،كانت الأزمة تتخمر، في الوقت الذي يدخل فيه الإخوان بأقدامهم إلى المصيدة، ويزداد تحالف الدولة وجبهة الإنقاذ وضوحاً ورسوخاً، في الوقت الذي لم يبنى بديل آخر ثوري حقيقي لمواجهة الإخوان يفصل راياته وشعاراته عن شعارات جبهة الإنقاذ، كانت المؤسسة العسكرية تلعب لعبة مزدوجة، من ناحية مع الرئيس وحكومته اللذان يسعيان لكسبها أو على الأقل تحييدها، ومن ناحية أخرى مع جبهة الإنقاذ التي تسعى الدولة لاستخدامها سواء كأداة للضغط من أجل المزيد من المكاسب أو كبديل يطرح عند اللزوم، كانت الأزمة تتخمر والملعب يجري تجهيزه لمباراة فاصلة.

من 30 يونيو إلى 25 يناير .. المسار المعكوس

في يوم 30 يونيو تجسدت نتيجة كل العوامل في أحداث سريعة التكاثف والتتابع، فالغضب الشعبي المتراكم نتيجة الأزمة الاقتصادية والإحباط من أحلام الاستقرار التي داعبها الإخوان ولم تتحقق، وتحريض القوى السياسية ومؤسسات الدولة، وعنف الإخوان وعزلتهم، كل هذه المقدمات رسمت شكل التحركات الجماهيرية ليوم 30 يونيو والتي ضمت قطاعات مختلفة، أكثر اتساعاً من تلك التي شاركت في 25 يناير، يجمعها كلها الرغبة في التخلص من الإخوان، كان رد فعل الإخوان قد بدأ بعنف في بعض المحافظات في يوم الجمعة 28 يونيو الذي شهد تحركات تمهيدية لليوم المنتظر في 30 يونيو، واستمر العنف واشتباكات محدودة في بعض المناطق طيلة الأيام الثلاث بين مظاهرات 30 يونيو وعزل مرسي في 3 يوليو، كان التحرك الجماهيري متجاوزاً لكل التوقعات، كانت الجماهير خرجت تحارب كل مخاوفها ووساوسها وأزماتها، ولم يكن للثوريين أي دور ملموس في قيادة المشهد أو صياغة شعاراته، كان يوم 30 يونيو، والذي مثل لحظة من أكثر اللحظات الجماهيرية حيوية، يمثل في الوقت ذاته قمة عجز العامل الذاتي لهذه الجماهير بالذات، فالجماهير التي خرجت ضد مرسي والإخوان لم تكن تعرف طريقاً لإزاحتهم إلا انتظار تدخل من الجيش يشبه تدخله في 11 فبراير ضد مبارك، لم تُقَدَم رؤى أخرى، أو قُدِمَت على استحياء وضاعت في صخب المشهد، وتدخل الجيش، بعد تصعيد درامي عبر البيانات المتتالية، في مشهد درامي هزلي ظهر فيه وزير الدفاع مع شيخ الأزهر والبابا وممثلاً عن لسلفيين والبرادعي ممثلاً عن جبهة الإنقاذ.

سيكون من العبث فصل تدخل الجيش يوم 3 يوليو عن التحرك الجماهيري الضخم في 30 يونيو، فالجماهير المنهكة، والمشحونة في نفس الوقت، لم تجد سبيلاً آخر أمامها، فحمل المشهد سمات الانتفاضة الشعبية جنباً إلى جنب مع سمات الانقلاب العسكري، كان 3 يوليو نتيجة منطقية ليس فقط لـ 30 يونيو لكن لتناقضات الثورة التي تحدثنا عنها، كان نتيجة منطقية لتطور وتجذر الأزمة الثورية والوضع الثوري دون أن يرافق هذا وجود المنظمات الجماهيرية الثورية، كان نتيجة منطقية للتناقض بين العاملين الموضوعي والذاتي في الثورة المصرية، فتصبح أكثر اللحظات جذباً للجماهير، لحظة الإطاحة بالوجه الثالث للنظام، بعد مبارك ومجلسه العسكري، هي نفس اللحظة التي تسعى قطاعات واسعة من الجماهير للنظام ذاته بحثاً عن حل لأزمته.

بالتأكيد كانت حيوية الحركة الجماهيرية تمثل خطراً على الدولة ومؤسساتها بقدر ما كانت تشكل فرصة تسعى هذه المؤسسات لاستغلالها، وهذا يفسر مشهد عزل مرسي الدرامي الذي قام ببطولته وزير الدفاع، كانت الدولة تتحرك بثقة لكن على استحياء وبعد اختبار الأرض ورد الفعل الجماهيري قبل كل خطوة، فانتقلت السلطة بشكل “دستوري” لرئيس المحكمة الدستورية، وتشكلت وزارة ضمت رموزاً من جبهة الإنقاذ، وأكد وزير الدفاع في كل خطبه تجرده وعدم رغبته في منصب رئيس الجمهورية. كان الملعب الجديد لم يختبر بعد ولم تكن الخطوات الكبيرة، ناهيك عن الركض، ممكنة قبل أن تتضح تفاصيل الملعب، قبل قياس رد فعل الجماهير ورد فعل القوى السياسية، التي لعبت على ضعفها دوراً مهماً في حشد الجماهير، وقبل قياس رد فعل الإخوان وأتباعهم، ورد فعل القوى الدولية شرقاً وغرباً.

مع اعتصام الإخوان وتعالي نبرتهم التهديدية والتلويح بالسيناريو السوري، وهي تلويحات وإشارات شكلية، بدأت الخطوات تتسع، فخطر الإرهاب أضحى أداة رئيسية في يد الجيش لكسب الجماهير وانتزاعهم تدريجياً من أي تأثيرات أخرى، وبدأ اختبار هذه الأداة تدريجياً، عن طريق الإعلام، ثم عن طريق طلب وزير الدفاع للجماهير أن تتحرك لتفويضه في 26 يوليو، تدريجياً بدأت المؤسسة تزيح الجماهير ودورها الفعال من المشهد، لتصبح هي الدرع والسيف اللذان سيدافعان عن الجماهير المفزوعة والتي لن يكون عليها سوى التفويض، بكلمة أخرى بدأت المؤسسة عملياً في نزع سمات الانتفاضة الشعبية والاكتفاء بسمات الانقلاب العسكري، مع الاستمرار في تملق الجماهير والمبالغة في تعظيمها وتعظيم وطنيتها، واللعب على مخاوفها ورغبتها في الاستقرار، وتغليف هذا المزيج بغلاف شوفيني يحمل شعارين براقين “الوطنية” و”الحرب على الإرهاب“.

بدا من الواضح أن الحركة الجماهيرية التي وصلت لذروتها في 30 يونيو تبدأ في الانحسار، وأن الثورة تنحسر معها، أو تسير في مسار معكوس، فالجماهير المنتصرة أضحت مذعورة من الإرهاب وفاقدة لثقتها في ذاتها، وعمق هذا رد فعل الإخوان وأنصارهم العنيف والطائفي، والذي كان يمنح الوقود لاستمرار وتجذير هذه العملية، بينما تشتت القوى السياسية، التي ظهرت في المعركة في مواجهة الإخوان، أمام تعقيد المشهد ولم تستطع التجاوب معه، فارتمت جبهة الإنقاذ في أحضان الجيش مقدمة له التنازل المجاني تلو الآخر ومستجيبة لابتزاز شعارات الوطنية ومواجهة الإرهاب، وعلى الناحية الأخرى وقفت قوى أخرى موقف في مواجهة الجيش ووزير الدفاع باعتبارهما الثورة المضادة مع إشارة ثانوية لعنف الإخوان وطائفيتهم، كلا الموقفين خسر الجمهور، فمن تنازل طوعاً للجيش تخلى عن جمهوره وسلمه بيده ليصطف خلف وزير الدفاع، ومن أعلن أن العسكر هم الخطر الأعظم خسر الجمهور المذعور بحق من الإخوان.

كانت المؤسسة العسكرية هي الرابح الوحيد على حساب الانتهازيين وعلى حساب الثوريين، تعززت شعبية وزير الدفاع وضاعت الثورة وصوتها في قلب ضجيج الحرب على الإرهاب، فتم فض اعتصامات الإخوان في ميداني النهضة ورابعة بمذبحة حقيقية بتأييد من قطاعات واسعة من الجماهير، وتم فرض حظر التجوال، ثم إصدار تشريعات لتجريم التظاهر. واستعادة الداخلية من جديد وضعها كأداة قمع لا تحاسب وتفرض إرادتها فوق الجميع، بل فوق القانون ذاته، جماعة الإخوان التي تعرضت لهذه الهجمة العنيفة حققت بعض المكاسب على مستوى تعاطف جمهورها وعلى مستوى التشهير الإعلامي بم وصفوهم بالانقلابيين، لكن المكسب الأهم بالنسبة لهم هو تصوير ما حدث كله باعتباره هجوم الثورة المضادة عليهم هم ممثلي الثورة.

أضحت الثورة تسحق بين مطرقة العسكر وسندان الإخوان في عملية متصاعدة، بلغت أوجها في الذكرى الثالثة للثورة 25 يناير 2014، التي حلت في قلب هذه المعركة المشتعلة، حشد العسكر أنصارهم وجماهير عادية في ميدان التحرير، وحشد الإخوان أنصارهم في مسيرات، وحاول الثوريون حشد أنصارهم في مسيرة سرعان مما تم تشتيتها وإطلاق النار عليها، ثم سحل واعتقال مئات من الشباب الذين كان يشار لهم بالبنان منذ أعوام ثلاث، كان من الواضح أن الثورة في عيدها الثالث تفتتح أقصى مراحل جزرها.

دستور جديد .. وزارة جديدة .. نظام قديم

بالتزامن مع عملية التراجع الجماهيري التي دفع فيها صراع العسكريين والإخوان الثورة المصرية، استغل العسكريون وحلفائهم الفرصة لكتابة دستور جديد، ركز الإعلام على اختلافات شكلية بين دستورهم ودستور الإخوان، وابتز كل المعارضين بفزاعة “الحرب على الإرهاب“، شاركت أطراف جبهة الإنقاذ المختلفة في تشكيل الجمعية التأسيسية، وفي الترويج لمنتجها النهائي، الذي خرج برعاية أحد رموز عصر مبارك؛ عمرو موسي، الذي لعب دوراً كبيراً في مساومة كل الأطراف لتخرج مسودة دستور تسير على نفس نهج الدساتير السابقة، وعودٍ بحريات وحقوق جماهيرية لا تتجاوز بلاغة إنشائية ولا قيمة ولا معنى حقيقي لها في التطبيق العملي، لكنها تزيغ أعين جمهور البورجوازية الصغيرة المفزوع من الإخوان والذي يبحث عن أي مبررات واهية يقدمها لنفسه ليغض الطرف عن حقيقة المشهد وعن التراجع الذي يصيب الثورة باسم الثورة.

وفي المقابل من الوعود الشكلية للجماهير كفل الدستور بنصوص لا تحتمل الجدال أو التأويل لكل مؤسسة من مؤسسات الدولة حقوق واستقلال تجعلها أشبه بجزيرة مستقلة تدير شئونها، وهي الضمانة التي كانت تبحث عنها هذه المؤسسات وفي مقدمتها المؤسسة العسكرية التي كرس الدستور هيمنتها الضمنية على الدولة.

في وقت الاستفتاء على الدستور تسابقت كل أطراف جبهة الإنقاذ لإبداء فروض الولاء والطاعة والدعم للدولة، برغم بعض التحفظات التي أبديت في لحظات، لعبت جبهة الإنقاذ دورها الذي لم تدرِ أنه الأخير الذي تنتفي الحاجة إليها بعده.

بعد إقرار الدستور الجديد، وإدراك المؤسسة العسكرية اصطفاف الجماهير فعلياً في صفها، أدركت أيضاً أنها لم تعد بحاجة إلى المناورات والاختفاء خلف أقنعة، فتمت تغيير الوزارة التي تشكلت من محسوبين على الدولة مع محسوبين على جبهة الإنقاذ، لم يتم الإطاحة بالوزارة بأكملها، لكن الإطاحة بالوجوه المحسوبة على جبهة الإنقاذ، بعد أن لعبت دوراً مزدوجاً؛ فمن ناحية سهلت تثبيت سلطة العسكريين واصطفاف الجماهير خلفهم، ومن ناحية أخرى أثبتت أمام هذه الجماهير تحديداً إفلاس جبهة الإنقاذ وأنها لا تملك شيئاً تقدمه سوى بعض الوعود التي سرعان ما تتكشف عن أكاذيب أو خداع أو حتى عجز عن الوفاء بها، وهو ما دمغ أداء كل الوزراء “الإصلاحيين” بداية من أكثرهم إخلاصاً وميلاً لمقاومة العسكريين وسعياً لتقديم التنازلات للجماهير وصولاً لأكثرهم استعداداً للمساومة سعياً للبقاء في السلطة، وهكذا بعد أن انكشف للجماهير وهم “الحد الأدنى للأجور“، وتم اتهام الوزارة بأنها تسعى للتصالح مع الإخوان، وأنها وزارة الأيدي المرتعشة (برغم أن رئيس الوزراء نفسه هو من اتخذ القرار بمذبحة رابعة)، تم الإطاحة بجبهة الإنقاذ من الوزارة وتشكيل وزارة تحمل عنواناً واحداً .. النظام القديم.

الإخوان عدو ضروري في وقت مناسب

قدم الإخوان الذين أطيح بهم من السلطة أنفسهم للرأي العام الداخلي والعالمي باعتبارهم ممثلو الثورة الذين أطاحت بهم الثورة المضادة، وبدأت أدوات إعلامهم تلعب على هذه الأنغام، متناسين أنهم حتى أيام قليلة قبل الإطاحة بهم يسعون لطمأنة الدولة وما يسمونه قوى النظام القديم من أجل تمتين تحالفهم معهم والاستمرار في السلطة.

قدم وضع العنف المتفجر بعد 30 يونيو خدمة مزدوجة لطرفيه، فهو من ناحية قدم للإخوان حالة “كربلائية“، حالة يقفون فيها في موقف الضحية، وهي الحالة التي يستطيع التنظيم فيها أن يشتد ويتماسك في مواجهة الدولة ويضم أنصاره وغيرهم إليه من جديد متجاوزين أي نقد أو مراجعة لأخطاء قديمة، ومن ناحية أخرى قدم للدولة عدو ضروري في الوقت المناسب، عدو يمنح الشرعية لكل إجراءات استثنائية وقمعية، ويمنحها الفرصة الملائمة لتلجيم الثورة والحركة الاجتماعية.

ليس الطرفين على قدم المساواة في احتكار العنف والقدرة على توجيهه، وبالتأكيد فإن عنف الدولة التي تمتلك كل الأدوات والصلاحيات لممارسته هو أقوى بكثير من العمليات الخاطفة التي ينفذها أنصار الإخوان أو أعمال الشغب والاشتباكات التي يشاركون فيها. وبرغم المعركة فإن نفوذ جماعة الإخوان في بعض المناطق والقطاعات لم يتأثر، إن لم يكن زاد، بفعل ما يحدث، لكن الدولة أيضاً تملك الإعلام وتملك القدرة على صياغة الوعي والخوف الجمعي لتكسب الجماهير العادية في صف الإجراءات الاستثنائية.

وقعت الحركة في هذا الفخ، في قلب معركة جناحي الثورة المضادة، ويبدو أن الطرفين يكسبان ويساومان على حساب الحركة الاجتماعية والثورة، وهو الفخ الذي لو لم يتم تجاوزه باستقلال عن كلا الطرفين المتصارعين، سيكرس لمرحلة ردة طويلة المدى.

معركة أخيرة للثورة ولكن..

كانت المؤسسة العسكرية منذ 3 يوليو كما أسلفنا تختبر الأرض تحت أقدامها قبل كل خطوة، وتدريجياً مع التطور الذي شرحناه بدأت هذه الخطوات تكتسب الثقة وتبدأ في الاتساع، فتغيرت خارطة الطريق لتصبح انتخابات الرئاسة قبل البرلمان، ثم قدمت المؤسسة مرشحها بوضوح، لكن هذا القرار لم يكن سهلاً حتى مع التهليل الجماهيري للمؤسسة وتتويج وزير الدفاع كزعيم شعبي، فخطر الفشل وإحباط الجماهير – وهو وارد جداً – لن يهدد المرشح وحده، لكن سيهدد أيضاً المؤسسة ودورها، خاصة أنه لم يمض وقت طويل منذ أن تعافت جماهيرية المؤسسة من أخطاء فترة حكم المجلس العسكري السابق بقيادة طنطاوي وعنان. كانت معركة انتخابات الرئاسة على ما تحمل من فرص للمؤسسة العسكرية لتصفية الثورة بشكل نهائي، تحمل أيضاً الفرص لأن تكون تمهيداً لاندفاع جماهيري جديد، خاصة أن عبء الأزمة الاقتصادية وثقلها يجعل كل المصريين شاخصين بأبصارهم نحو المرشح الذي يقدم نفسه باعتباره المنقذ، وكلما زادت الآمال والطموحات كلما كان رد فعل الإحباط واليأس أقوى وأشد عنفاً.

إذن فهذه المعركة الأخيرة للثورة كان يمكنها أن تكون مرحلة لتعبئة القوى وتموين قطار الثورة لينطلق من جديد، شريطة أن تقدم للجماهير ما يمكنها أن تلتف حوله، تقدم برنامجاً يعدهم بالخروج من الأزمة لكن فقط إن تنظموا وتحركوا للدفاع عن حقوقهم ومصالحهم في مواجهة من يغتصبونها، تقدم للجماهير مرشحاً للثورة يربط نفسه بها وبحقوقها ولا يسعى فقط لكسب تعاطف الثوريين بشعارات تطهرية معزولة عن الجماهير، مرشحاً يبني حملة تجمع كل الشباب الثوري المحبط والمشتت فقط لتنشره من جديد في وسط الجماهير لبناء الكتلة الجماهيرية الثورية والمنظمات الثورية التي افتقدتها الثورة منذ أيامها الأولى، حملة يستطيع الثوريون أن يروجوا لشعاراتهم من خلالها دون أي قيود أو تحفظات، ودون الخضوع لابتزاز أو مساومات، وأخيراً مرشحاً لم يظهر تواطؤ بأي شكل من الأشكال مع السلطة في السابق أو يحتمل أن يتواطأ بأي شكل من الأشكال معها في المستقبل، كان مطلوباً معركة خلف مرشح، فقط ليتم تجاوز هذا المرشح كفرد واستخدام المعركة كمنصة لتنظيم وإعداد الجماهير لمعارك تالية متوقعة.

هذه هي الساحة التي تجري فيها المعركة، فلنقترب قليلاً ونتأمل المتبارزين.

السيسي .. للثورة المضادة مرشحها

في ٢٦ مارس أعلن وزير الدفاع استقالته من منصبه وترشحه لمنصب رئيس الجمهورية، بدا من الواضح أن مؤسسات الدولة بقيادة المؤسسة العسكرية قد حسمت أمرها وقررت أن تمثل بشكل مباشر في هذه الانتخابات وليس عبر أحد حلفائها.

قرار الترشح تأخر لعدة اعتبارات ربما كان أهمها القلق من نتائج التي يمكن أن تترتب على احتمال فشل السيسي في تقديم ما يهدئ الجماهير المأزومة عند وصوله إلى كرسي الرئاسة، وربما كانت هناك قطاعات من المؤسسة العسكرية وأجنحة في مؤسسات الدولة الأخرى تفضل عدم تصدر المشهد بشكل مباشر وتحمل مسئوليات فشل ليس مستبعداً، وتفضل اللعب من وراء أحد الحلفاء، في سيناريو قريب من السيناريو الذي حدث مع الإخوان في 2011 و2012 وقابل لتكرار مشهد 30 يونيو إن احتدمت الأزمة.

إن الأزمة الاقتصادية المتفاقمة والتي لن يمكن حلها باستمرار نفس السياسات هي سيف مسلط دائماً على رقبة أي رئيس خاصة في حالة الفوران الجماهيري الحالية، لذا كان لابد للسيسي قبل أن يستقيل أن يقوم بزيارات واتصالات مع حلفائه في دول الخليج وأمريكا وروسيا لضمان دعمهم ومساندتهم، كل ما يحتاج إليه لتجاوز الأزمة هو تسكين أعراضها عاماً أو عامين يمسك فيهما بزمام الأمور ويخنق أي فرصة لتطور الحركة، بكلمة أخرى يقتل الثورة، فيعود الوضع لحالة أقرب لما كان عليه في عهد مبارك، أزمة متفاقمة وسخط جماهيري لكن متراكم وعاجز عن الظهور في مواجهة الدولة الأمنية.

الأزمة الاقتصادية .. فواتير مستحقة الدفع

لعب كل معارضي الإخوان على وتر الأزمة الاقتصادية في مواجهتهم، فخلال سنة من حكم الإخوان تردى الوضع الاقتصادي وساءت أحوال المصريين أكثر وأكثر، فالسياسات الاقتصادية المتبعة منذ أيام مبارك والتي وجدت استمراريتها في عهد الإخوان هي سياسات مفاقمة الأزمة وليست حلها. فالسياسات التي انحازت لرجال الأعمال وحملت المواطنين الأعباء الأكبر عبر الضرائب غير المباشرة وفككت معظم الأصول الثابتة للدولة وضاعفت الدين الخارجي والداخلي وارتفعت بنسبة البطالة إلى أرقام غير مسبوقة كانت هي هي أيام المجلس العسكري وأيام مرسي، ومع الاضطراب والتوتر السياسي المصاحبان لأي عملية ثورية، تفاقمت الأزمة وتضاعفت الأعباء على المواطنين عشرات المرات، وصاحبها تردي في المرافق والخدمات العامة وخاصة الكهرباء والمياه التي تعرضت لخطر خارجي مفزع هو سد النهضة الأثيوبي.

كان من الواضح أن الاقتصاد والخدمات اللذان اعتمدا على الترقيع لم يتحملا الهزة التي سببتها الثورة، وكان الأمر يحتاج إلى تحركات سريعة، لم تكن لتؤدي إلى أي نتيجة طالما بقيت في نفس إطار النظام الاقتصادي ذاته ودون تغيير أولوياته وانحيازاته، وهو ما لم يفعله الإخوان.

وقت الإطاحة بالإخوان كانت الأزمة الاقتصادية عامل حاسم، ولعب الإعلام على أنغامها طويلاً، لكن اليوم يرتد السحر على الساحر، ويسلط السيف على صاحبه، فمازالت الأزمة الاقتصادية متفاقمة ويصبح على السيسي أن يحلها، وهو التحدي الذي يهدده بالفشل، في الأساس لأنه لا يملك ما يقدمه، لا على صعيد تغيير الأولويات أو الانحيازات، أو على صعيد الحلول السريعة المسكنة للأزمة. لا يملك سوى مناورات ووعود، واللعب على المشاعر الوطنية والعاطفية للجماهير، وهو ما لن تقبله الجماهير المأزومة طويلاً، خاصة مع يظهر ممن توجهاته بخصوص رفع الدعم وطرح العمل ومزيد من الإنتاج حلاً للأزمة، وكأن الجماهير المطالبة بحقوقها هي عالة على الدولة لا حقوق لها.

لن يكون أمام السيسي إلا طريقين؛ أولهما الاعتماد أكثر وأكثر على مؤسسات الدولة وعلى المعونات الخارجية لتجاوز الأزمة، وهو الحل الذي لن يكون طويل الأمد لأن أي من هذه المؤسسات (ومنها مؤسسته ذاتها؛ الجيش) أو الحلفاء الخليجيين لن يقبل تحمل الأعباء فترة طويلة وتقليص أرباحه ومكاسبه لصالح مشروع السيسي ومجده الشخصي. ثاني الطرق سيكون التمادي في القمع وترهيب الجماهير واستخدام فزاعة الإرهاب أكثر وأكثر لتبرير هذا القمع، وهو ما سيضاعف من الغضب الجماهيري ويقرب احتمالات انفجار جماهيري في مواجهته.

طبيعة الدولة وأزمة السيسي

الأزمة الأكثر شدة وعنفاً بالنسبة للسيسي حتى أكثر من الأزمة الاقتصادية، هي أزمة متعلقة بتركيب الدولة نفسه، هذه الدولة التي يعلن للجماهير دائماً أنه يسعى للحفاظ عليها في مواجهة مؤامرات هدمها، هذه الدولة بالذات مرت بعملية طويلة المدى من التحلل المصاحب لتضخم المؤسسات ومصالحها الخاصة، أصبحت أشبه بإقطاعيات العصور الوسطى في أوروبا أو الجماعات المملوكية في مصر إبان الحكم العثماني، وأصبح تعارض مصالح هذه المؤسسات واحتمالات صراعها الداخلي على هذه المصالح مرعباً، هذه الدولة القائمة على عدة توازنات ستصبح أكثر حساسية لأي محاولة للتغيير فيها، حتى وإن كان تغييراً شكلياً لحفظ ماء الوجه.

ومما يضاعف من الأزمة هو الضغط الإخواني المستمر على المؤسسات من خارجها في الوقت الذي تحفظ فيه اتزان تناقضاتها الداخلية بصعوبة، هذا الوضع الحساس سيقلص من إمكانيات السيسي على المناورة وخداع الجماهير، وسيقلص من إمكانية تقديمه لأي تنازلات أو إصلاحات داخلية حتى ولو لتدعيم وضعه، سيكون مثل البهلوان الذي يسير فوق السلك بدراجة، لكن هذه الدراجة قديمة ومتهالكة لدرجة أن في كل ثانية تكاد صواميلها تنخلع لتنهار الدراجة ويسقط البهلوان من أعلى نقطة.

كاريكاتير عبد الناصر

بحثاً عن الشعبية يقلب العسكريون في دفاترهم القديمة، يستعيدون اللحظات الأكثر جماهيرية وشعبية للمؤسسة، ويرتدون أزيائها القديمة في مشاهد الحاضر، هكذا أخرج السيسي بدلة عبد الناصر في الخمسينات والستينات ليرتديها بعد أكثر من خمسين عاماً، فقارن الإعلاميون بين الإطاحة بسلطة الإخوان واعتقالات الإخوان في 1954، ثم معركة التحرر الوطني المزعومة في مواجهة الأمريكان والغرب والزيارة إلى روسيا، وحتى البوسترات الدعائية في الشوارع، وفي كل هذه المحطات قدم السيسي نفسه باعتباره عبد الناصر الجديد، لكنه في هذه البدلة لم يقدم إلا صورة كاريكاتورية لعبد الناصر.

كانت كل محاولات استعادة صورة عبد الناصر باهتة وممتزجة بلمحة من سخرية التاريخ، فالتحرر الوطني حين يتحدث عنه أحد قادة الجيش الذي يقبل كامب ديفيد والمعونة الأمريكية والذي شارك تحت قيادة أمريكية في حرب الخليج يصبح مزحة سخيفة، وتزداد سخافة بمقارنة روسيا بوتين الإمبريالية الصاعدة التي تتقاسم العالم بالاتفاقات مع الولايات المتحدة، بالاتحاد السوفيتي في السبعينات وكأنها ستكون المساند لحركة التحرر الوطني الجديدة، ومعركة المواجهة مع الأمريكان والأوروبيين تنتهي بمساومات وصفقات لا نرى إلا ما يعلن منها، لكننا نلمح آثارها في تصريحات متناثرة للوكالات الأجنبية.

يضاف إلى هذا كله السيسي نفسه، ففي مواجه شباب وكاريزما وتحدي خطابات عبد الناصر، نجد جنرالاً كهلاً يتصنع الرقة ويتحدث عن أحلامه وأساطيره، ويضفي على نفسه مسحة دينية شعبية، تهدم أي إمكانية للمقارنة بينه وبين عبد الناصر، وتجعله أقرب إلى شخصية السادات بكل ما كانت تحمله من لا عقلانية وميل تآمري.

السيسي سجين انتصاره

كان قرار السيسي بالترشح إلى حد كبير متجاوزاً إرادته وإرادته المؤسسة، بالتأكيد كان القرار يتناسب مع طموحاته الشخصية التي كانت ظاهرة في كل خطاباته “الحانية” على الشعب، لكن هذه الرغبة بالذات تغذت ودفعت إلى أقصاها بفعل عوامل خارجية، فمشهد السيسي وهو يعزل مرسي دفع الجماهير إلى التعاطف مع وزير الدفاع، لكن كل أصحاب المصلحة من مؤيدي النظام وجدوا فيها فرصة لاستعادة ما فقدوه، فبدأت حملة تضخيم هذا المشهد وتحويله إلى انتصار شخصي إلى وزير الدفاع، هذا الانتصار المضخم بالذات أضحى سجناً للسيسي يجبره على السير في طريق الترشح، وكل تراجع كان يعني أن يتخلى السيسي عن الشعبية والجماهيرية بل وحتى عن لقب المنقذ المنتصر.

يدخل السيسي الانتخابات بمظهر المنتصر الظافر، غير مدرك أن انتصاره هذا بالذات هو الذي يفتح الباب أمام هزيمته حين يصبح المسئول المباشر أمام الجماهير، هذه الجماهير التي كان يمكن أن تتردد في قبول فكرة أنه هو الآمر الناهي خلف الرئيس المؤقت. انتصار السيسي في الانتخابات بسبب جماهيريته وشعبيته يمكن أن يفتح الباب أم هزيمة هذه الجماهيرية والشعبية وتآكلها، يفتح الباب أمام هزيمة المنقذ المكلل بأكاليل الغار، ويالها من هزيمة لن يسع هذا المنقذ أمامها إلا افتتاح عهد جديد من القمع والإرهاب البالغين تتوقف إمكانيات مقاومته على ما يبذل لبناء حركة جماهيرية حقيقية الآن تتجاوز السلبية والخوف المسيطرين على الجماهير الآن.

مرشح إصلاحي .. وإصلاحيون انتهازيون

في مواجهة مرشح الدولة، يظهر المرشح الإصلاحي حمدين صباحي، الذي يقدم حلاً أكثر عقلانية لإنقاذ الدولة، حلاً لا يطلب من الدولة سوى بعض التنازلات والتراجعات التي يمكن أن تكون مؤقتة لتجاوز الأزمة، لكن الدولة المنتشية بانتصاراتها التي ضخمتها ماكينتها تبدو كما لو كانت تجاوزت مرحلة القبول بمثل هذه الحلول، وهي النتيجة التي لعب هذا المرشح وحلفائه في جبهة الإنقاذ دوراً لا بأس به في الوصول إليها.

يقدم المرشح نفسه للجماهير ويحاول طرح خطاباً أكثر جذرية عن خطابة طيلة الأشهر العشرة التي تلت 30 يونيو، في محاولة لأن يكسب في صفوفه أكبر كتلة ممكنة من معارضة الدولة والسيسي، عالماً أن فرصه في الفوز القليلة لن تتحقق إلا نتيجة صراعات داخل أجنحة مؤسسات الدولة ونتيجة مساومات وترتيبات تتم في الخفاء.

كما أشرحنا في موضع سابق لعبت جبهة الإنقاذ دوراً كبيراً في ما وصلت إليه الأمور، فالاستسلام المجاني أمام رغبات العسكريين وابتزازهم وعدم الثقة في الجماهير والخوف منها، كلها عوامل قوت من موقف المؤسسة العسكرية في التحالف الضمني الذي أقيم للإطاحة بالإخوان، ووصلت هذه القوة لدرجة لم تعد تحتاج معها لتحالف مع إصلاحيين يمكن أن يفرض عليه تقديم بعض التنازلات، وهو ما تجلي في تشكيل الوزارة الجديدة.

لكن جبهة الإنقاذ بسبب تكوينها ومصالح المنتمين إليها بالتحديد لم يمكنها أن تلعب دوراً مختلفاً، فهذا الكيان الأشبه بلوحة فسيفساء تتشكل من قطع بألوان وأحجام مختلفة، لعب الدور القيادي فيه رجال أعمال وممثلون لبورجوازيين كبار جنباً إلى جنب مع ممثلين لاتجاهات بورجوازية صغيرة إصلاحية انتهازية؛ ليبرالية قومية ويسارية، لهذا كانت هذه الجبهة هشة لا تتبني إلا هدف الإطاحة بالإخوان دون أي نظرة أبعد، وهذا المنهج بالتحديد هو ما أنهى دورها تدريجياً بعد الإطاحة بالإخوان، لم تتبنَ توجهات أعمق تسعى لجذب وتنظيم الجماهير عليها لتستمر بعد الإطاحة بالإخوان، وكانت بعض قطاعاتها بسبب طبيعتها الطبقية ومصالحها تخشى الجماهير وحركتها التي يمكنها أن تطورت أن تمس هذه المصالح.

واستجاب الإصلاحيون الانتهازيون لهذا الابتزاز وقبلوا بالسقف المنخفض الذي يفرضه عليهم هذا التحالف، وهو السقف الذي استمر في الانخفاض ليجبرهم على الانحناء والزحف على بطونهم، في مواجهة دولة تستقوي وتنتقل من مرحلة تحسس الأرض إلى الهجوم. ليصل الإصلاحيون لهذا الدرك قبلوا طواعية ودون مقاومة التخلي عن الشعارات الديموقراطية والحقوقية التي طالما رفعوها ونادوا بها في مواجهة مبارك، مسحوا من على راياتهم أي شعار جذري أو يشتبه في كونه جذري ونادوا بالاصطفاف خلف الدولة في مواجهة الإرهاب الإخواني، فقط ليكتشفوا أنهم قووا إرهاب الدولة ليتجاوز ما وقفوا ضده في عهد مبارك.

خرجت التصريحات من كل القادة الإصلاحيين الانتهازيين، وأولهم حمدين، تمجد في السيسي والمؤسسة العسكرية والدولة، أعلن حمدين مراراً احترامه للسيسي وعدم ترشحه إن قرر السيسي الترشح، وبعد فاصل طويل من المهادنة والتواطؤ، أدركوا الأزمة التي وقعوا فيها وقرروا الدخول في معركة عبر انتخابات الرئاسة، لكن يدخلونها بنفس المعايير الإصلاحية وبنفس السقف المنخفض.

يدخل حمدين الانتخابات وهو مدرك للاحتمالات القليلة لفوزه، ومدرك للدور الذي عليه أن يلعبه لمنح المعركة الشرعية، ومدرك أيضاً للشروط التي يمكن أن يفوز خلالها وبعد أي تنازلات، وفي الحقيقة هو لا يبحث عن الفوز بقدر ما يبحث عن تنصيبه زعيماً للمعارضة في مواجهة السيسي، قائداً لأوركسترا المعارضة وجوقتها التي ستغني في حدود ما يسمح به النظام، وهو ما لا يمكن للدولة أن ترفضه، لا يمكن للنظام أن يضيع فرصة في صياغة معارضة بأفق محكوم، معارضة ترفض الهجوم على مؤسسات الدولة وتعتبر وجودها أساسياً، معارضة إصلاحية يمكن استخدامها وقت الأزمات لتصفية وضعاً ثورياً محتملاً، وهو الموقع الذي يقدم الإصلاحيون الانتهازيون يوماً بعد يوم أوراق اعتمادهم ليفوزون به.

الديموقراطيون الثوريون .. التطهر بديلاً عن المعركة

تحدثنا من قبل على انتخابات الرئاسة باعتبارها كان يمكنها أن تمنح الثورة معركة أخيرة ستسمح لها بإعادة تنظيم صفوفها والاستعداد لمعارك تالية، وذكرنا الشروط الضرورية لمعركة كهذه. ونرى أن معركة كهذه كانت ضرورية بل وإن قرار معركة كهذه هو قرار أكثر ثورية وسعياً للالتقاء مع الجماهير عن قرار المقاطعة. شريطة أن تتوفر الشروط التي تسمح بأن تخاض المعركة بمنطق ثوري يسعى لتقوية الحركة الجماهيرية وليس بمنطق انتهازي لا يسعى إلا إلى الفوز، كانت هذه مهمة مطروحة على كل الثوريين وكل الديموقراطيين الجذريين في هذه المرحلة.

فالمقاطعة لا تكتسب أهميتها كتكتيك ثوري إلا إذا تزامنت مع حالة مد جماهيري ورفض للعملية الانتخابية برمتها، فتكون الجماهير قد قررت النضال بشكل آخر على المتاريس أو بالإضراب العام أو غيرها من وسائل النضال التي تقول أن الجماهير لم تعد تهتم بالديموقراطية الشكلانية وتسعى لفرض ديموقراطيتها الخاصة بإرادتها وبأيديها، لكن في لحظات الجزر، في اللحظات التي ينصرف فيها الجماهير عن النضال الميداني، ويسعون بأنفسهم للانتخابات بحثاً عن الحلول والاستقرار، يصبح عدم التواجد في المعركة خيانة لهذه الجماهير وتخلي عنها، وتسليمها إلى الثورة المضادة أو إلى الانتهازيين والإصلاحيين.

بالتأكيد أي انتخابات في المجتمعات الرأسمالية ستكون مسرحية لا يلعب دور البطولة فيها إلا أطرافاً من الطبقة الحاكمة تملك الأموال والنفوذ التي تمنكها من لعب هذا الدور، وبالتأكيد أياً ما كان الفائز فإنه لن يقدم للجماهير إلا الكلمات والوعود والأوهام وسيصطدم بحدود النظام عند أول محاولة إصلاحية جذرية. لكن الإقرار بهذا الواقع لا يعني الإقرار بأن هذا هو وعي الجماهير، ولما كان واجباً علينا أن نكون في قلب الجماهير متقدمين عليها بخطوة واحدة، لا أكثر من خطوة فننفصل عنها، ولا أقل فتسبقنا الجماهير، لذا فالمشاركة ببرنامج ثوري أو حتى ببرنامج إصلاحي جذري يمنح فرصاً أكبر لكشف حدود وآفاق هذه العملية من داخلها، وتنظيم صفوف المناضلين وتطعيمها بعناصر جديدة متقدمة من قلب الجماهير، وهذه هي المكاسب الرئيسية من مشاركة الثوريين في أي معركة انتخابية، وهي مكاسب أكبر من مكاسب المقاطعة السلبية التي لن تستطيع جذب الجمهور، ولن تفعل أكثر من تسجيل موقف.

لكن المرشح الوحيد الذي كان يمكنه أن يلعب هذا الدور، وهو خالد علي المرشح السابق والذي طرح البرنامج الأكثر جذرية في معركة 2012، وكان الأكثر ثباتاً على موقفه في الفترة التي تلت 30 يونيو، اختار التطهر بديلاً عن المعركة، نتيجة لضغوط من حزبه ومن بعض المقربين منه أعلن عدم ترشحه ورفضه للمشاركة في المسرحية وتفرغه لبناء حزبه، مهدراً فرصة لمعركة، ربما تكون أخيرة، من معارك الثورة كان يمكن أن يبني في قلبها حزبه بالذات، وهي الخطوة التي سيحاسبه عليها التاريخ وتطور الأحداث التالي عليها.

ما الحل .. هل من بديل؟

باختيار خالد علي تطهر البورجوازية الصغيرة بديلاً عن التلوث بوحل المعركة، وبالتخلي عن الشباب الثوريين الذين كانوا مستعدين لخوض هذه المعركة والانتظام في صفوفها، أصبح الأمر الواقع هو معركة انتخابية بين مرشح الثورة المضادة ومرشح انتهازي مستعد للاستسلام للثورة المضادة في أي لحظة.

بالتأكيد معركة الثورة لا تتوقف على أفراد، واختفاء فرد من المشهد أو خروجه منه لأي سبب من الأسباب لن يكون سوى دافع للحركة لتجاوز الفرد ودوره وإيجاد طريقاً آخر لإنجاز الهدف والاستمرار، ستستمر المسيرة الثورية، لكن الأزمة الآن هي في التكتيك الملائم للحظة من أجل هذا الاستمرار، التكتيك الذي يقوي الثورة ويضعف الثورة المضادة ويفشل مساعيها لتكون الانتخابات هي مقبرة الثورة.

يطرح البعض أنه لابد في هذه الانتخابات من إضعاف السيسي قائد الثورة المضادة بأي ثمن، حتى لو كان الثمن هو دعم، دعم نقدي بالتأكيد، للمرشح الإصلاحي الانتهازي حمدين، وهو مشهد أشبه بالدعوة لعصر الليمون على مرسي في مواجهة مرشح الدولة شفيق، مع الفارق بالطبع، فالسياق الثوري مختلف، وحمدين لم يضع قدمه في معسكر الثورة المضادة بالقوة والوضوح التي وضع الإخوان قدمهم فيها.

لكن لنطرح السؤال بصورة صحيحة، بالتأكيد المطلوب إضعاف الثورة المضادة، لكن هل سيتحقق هذا الإضعاف بدعم انتهازي مستعد للمساومات مع الثورة المضادة؟ هل سيضعف السيسي وسلطته تتويج حمدين الزعيم الأوحد وقائد المعارضة؟ وكيف يمكن تحقيق الدعم النقدي لمرشح لن يسمح لثوريين بالعمل في حملته بشكل مستقل أو بطرح شعارتهم من خلالها، وكل المتاح لهذا الدعم النقدي هو بيان نسعى لتقديمه للجماهير؟

هذه الرؤية التي ترى أن دعم حمدين سيضعف السيسي، لا ترى سوى المعركة الآنية، وترفض أن ترى أي احتمالات لتطور الوضع تالياً، بالتأكيد لو اقتصرنا على المعركة الانتخابية فتقليل أصوات السيسي هو مكسب للحركة، هذا إن سلمنا أن النتيجة المعلنة ستكون نتيجة التصويت فعلاً ولن يتم العبث بها أو تزويرها لصالح المرشح المنتصر، لكن في الصورة الأكبر فإن السماح للانتهازيين والإصلاحيين بأن يعودوا مرة أخرى إلى معسكر الثورة بعد فشل صفقاتهم مع الدولة هو خسارة أكبر للحركة، ويفتح المجال أمام نفس الانتهازيين ليلعبوا دوراً في تصفية الحركة مرة أخرى عندما يشتعل الغضب الشعبي في مواجهة السيسي وسياساته، مرة أخرى يتناسى الجميع تجربة انتخاب مرسي، التي لم تفعل إلا تقوية مرسي والإخوان في تفاوضهم لإتمام الصفقة مع العسكر، مرة أخرى يدفع الخوف من أحد الخطرين الثوريين لتجاهل الخطر الآخر، ومرة أخرى سيتحمل الثوريون الذي دعموا حمدين وزر كل ما سيفعله ويعلنه ضد الثورة ودعماً للدولة، عندما ينسى مرة أخرى خطابه الثوري العالي السقف الذي يتبناه حالياً ويسعى لعقد المساومات لإخراج الدولة من أزمتها الجماهيرية.هذه الرؤية هي تكرار لسلسلة طويلة من الأخطاء وقع فيها الثوريون في مجري الثورة، سواء في مواجهة مبارك أو في مواجهة مجلسه العسكري أو في مواجهة الإخوان، وكانت نتيجتها عدم صياغة بديل حقيقي يمثل مصالح الجماهير.

إضعاف الثورة المضادة لن يكون بدعم الانتهازيين الذين يشكلون احتياطيها في الأزمات، لن يكون بدفع الجماهير خلف زعيم وهمي، ولن يكون بتصدير الأوهام للجماهير حول المعركة الانتخابية الحالية، التي يتنافس فيها طرفان أحدهما يمثل الثورة المضادة والآخر يمثل الانبطاح في مواجهتها، ولن يكون بالرهان على نتيجة تصويت تملك الدولة القدرة على تكييفها لصالح ما يخدمها، إضعاف الثورة المضادة لن يكون أبداً عبر نتيجة تصويت مفصول عن معركة جماهيرية حقيقية في الشارع، ولا قيمة للمشاركة في أي معركة انتخابية بدون السعي لتحويلها إلى هذه المعركة.

تراجع عن الهجوم لكن لا مساومات

في هذه اللحظة وإن كنا لا نملك أدوات الهجوم الجماهيري الواسع، إلا أننا في الإعداد للهجوم القادم لن نقدم أي مساومات، سنختار العمل في قلب الأحياء الشعبية والطبقة العاملة في حملات شعبية محلية عن الحقوق الأساسية للجماهير، بالتأكيد أي دعاية مجردة ستحظى باهتمام هامشي مقارنة باهتمام الجماهير بالدعاية الانتخابية، لكن الدعاية الانتخابية الوحيدة المتاحة هي لدعم انتهازي ولن يمكن بأي حال من الأحوال تحقيق أي استقلال فيها، لا بديل عن معركة الهامش الخاصة بالدعاية المجردة إلا خداع الجماهير أو التخلي عنها، ونحن لن نتخلى عن الجماهير ولن نخدعهم أيضاً.

فبرغم كل التراجع والجزر الظاهران، إلا أن هناك علامات على التقدم المحتمل، الإضرابات العمالية التي لم تتوقف برغم الصراع الدموي للعسكر والإخوان، التذمر الجماهيري من الأزمة الاقتصادية وعنف الدولة والداخلية، هذه وغيرها بذور للحركة الجماهيرية التالية موجودة الآن في قلب الواقع، تحتاج فقط من يرعاها ويبذل مجهوداً للعناية بها لتنمو أشجارها وتفتت بجذورها كل السدود التي تقف في طريقها، تحتاج لمجموعات من المناضلين تغرس أنفسها في كل منطقة شعبية وعمالية وتستعد لنضال، قد يطول، لتنظيم هذه الحركة من جديد وتسليحها بشعارات ووعي ثوريان، الطبقة العاملة والجماهير تدق طبول الحرب على استحياء في قلب ضجة المعركة، فهل من مناضلين؟

سامح السعدي
مايو 2014

Advertisements

مناقشة

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

حمل العدد الأخير من نشرة الثوري

آخر اصداراتنا

أنت الزائر رقم

  • 75٬512

Advertisements
%d مدونون معجبون بهذه: