مقالاتنا, تحليل سياسي

خواطر في أعقاب الذكرى الثالثة لماسبيرو


Masperoيمثل المسيحيون المصريون خليطاً من طبقات اجتماعية متمايزة وفي أغلب الأحيان متناقضة في مصالحها، فمنهم الرأسمالي الذي يستفيد من مساندة الدولة، ومنهم العمال والفقراء الذين يعانون من هذه الدولة وقوانينها وانحيازات أجهزتها بشكل مباشر، ومنهم كثيرون في الشرائح الاجتماعية الوسيطة التي قد لا تعاني هذه المعاناة بشكل مباشر، لذا فكان من الطبيعي أن تتباين آرائهم السياسية من الثورة والنظام والجيش بشكل معقد.

بداية من عقد السبعينات، لعبت المؤسسة الكنسية دوراً جوهرياً في توجيه معظم المسيحيين إلى ما تريد، كان حكم السادات نقطة فارقة في تاريخ المسيحيين الحديث، فمن ناحية أدى تطبيق السادات لسياسات الانفتاح الاقتصادي، وما صاحبها من انهيار اقتصادي وتخلي الدولة عن مسئولياتها فيما يخص الخدمات الأساسية للمواطنين، وبالتالي التردي والانهيار التدريجي لتلك الخدمات، إلى تقدم المؤسسة الكنسية لتلعب هذا الدور وتقدم تلك الخدمات للمواطنين المسيحيين الفقراء، ومن ناحية أخرى وبالتزامن مع هذا تبنى السادات خطاباً طائفياً وأطلق يد الجماعات المتطرفة والمتشددة دينياً لمحاربة التيارات القومية واليسارية، وتغاضى عن إساءاتهم وخطابهم التحريضي ضد المسيحيين، مما زاد من مناخ الاستقطاب الطائفي في المجتمع – وهو المناخ الذي كان تظهر علاماته تاريخياً في مراحل الأزمات – فأصبحت الكنيسة أكثر فأكثر الملاذ الآمن الوحيد للمسيحيين.

في أيام الثورة الأولى، توقع المسيحيون تحسن أحوالهم كأقلية، خصوصاً أن عصر المخلوع مبارك كان عصر ترسيخ الاضطهاد والتمييز؛ بداية من التفرقة في شغل الوظائف والمناصب العامة، وحرية ممارسة الشعائر الدينية، وانتهاء بالقتل والحرق وتخريب المنازل والممتلكات والتهجير القسري، لكن أصبحت الطائفية ورقة لعب في يد الثورة المضادة، سواء في المناخ الطائفي لاستفتاء التعديلات الدستورية في شهر مارس، أو مع الهجمات المتفرقة على الكنائس والأديرة في إطفيح وإمبابة والماريناب وغيرها، فعاد الاستقطاب الطائفي مرة أخرى بحدة بعد أن استيقظ الجميع من أحلام ما بعد الثورة الرومانسية على إدارة المجلس العسكري الكارثية للبلاد، هذه الإدارة التي مثلت بوضوح الثورة المضادة وشجعت هذا الاستقطاب والمناخ الطائفي.

هذا الوضع دفع مجموعات من الشباب والنشطاء المسيحيين لبناء حركة تمثلهم وتطالب بحقوقهم المهدرة، بداية من مارس 2011 في اعتصام ماسبيرو الأول بعد هدم كنيسة أطفيح، كانت هذه الحركة التي بدأت بشكل طائفي تحمل داخلها بذوراً للتطور ولكسر إطارها الطائفي نفسه، وبدت بدرجة ما مستقلة عن المؤسسة الكنسية في تقدير الأمور والتحركات، لذا تحرك المجلس العسكري لكسرها.

في 9 أكتوبر 2011، وعقب اعتداء الشرطة العسكرية والأمن على اعتصام ثانٍ أمام ماسبيرو احتجاجاً على الاعتداء على كنيسة الماريناب في أسوان، قررت بعض المجموعات القبطية والقوى الثورية للقيام بمسيرة سلمية من دوران شبرا إلى مبنى ماسبيرو للمطالبة بحقوقهم المهدورة، وأمام مبنى ماسبيرو كانت المذبحة؛ قامت الشرطة العسكرية بالاعتداء على المتظاهرين السلميين بالرصاص الحي وبالدهس تحت جنازير مدرعاتها، في الوقت الذي يحرض فيه تلفزيون الدولة ضد المسيحيين ويتهمهم بالاعتداء على الجيش ويستعدي المواطنين المسلمين عليهم، سقط 27 شهيداً ومئات من المصابين على يد المجلس العسكري، الذي أعلن رسالة واضحة أنه يستطيع استخدام القوة المفرطة والذبح ضد أي محاولة لتحدي سلطته، في نفس الوقت الذي غازل فيه تيارات الإسلام السياسي والتي اكتفت بعار الصمت إزاء هذه الأحداث إن لم تباركها.

ها نحن الآن في الذكرى الثالثة لهذه الأحداث التي مرت دون حساب، ويأبى أن يكتفي الإعلاميون بتغطيهم المحرضة والكارثية للأحداث في وقتها، ولكن يعيدون نشر الأكاذيب وتزييف الحقائق لتبرئة المجلس العسكري من المذبحة، والترويج لادعاءات مضحكة من عينة أن الإخوان هم من ارتكبوا هذه المذبحة، ولا ندري عن أي مذبحة يتكلمون، عن مذبحة ماسبيرو التي رأيناها وعايشناها جميعاً أم عن مذبحة أخرى يطمسون ملامحها بكذبهم كما يفعلون في مذابح ثلاث سنوات، متخيلين أننا قد ننسى.

سامي سعد

Advertisements

مناقشة

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

حمل العدد الأخير من نشرة الثوري

آخر اصداراتنا

أنت الزائر رقم

  • 67,003

%d مدونون معجبون بهذه: