مقالاتنا, تحليل سياسي

النظام .. المعارضة .. القمع الرمزي


عمرو موسى ومحمد البرادعي وحمدين صباحي .. قادة جبهة الإنقاذ

عمرو موسى ومحمد البرادعي وحمدين صباحي .. قادة جبهة الإنقاذ

في ذروة الصراع بين كتل وطبقات اجتماعية ضخمة العدد، تختلط عناصر مشهد الصراع وتتراكب بدرجة يصعب معها التعرف على العناصر التي قد تكون لعبت اﻻدوار اﻷهم في الصراع الدائر، فعلى سبيل المثال هؤلاء الذين لعبوا لسنوات طويلة أدواراً تمهيدية بين الجماهير، وتعرضوا لملاحقات واضطهاد بسبب نشاطهم الثوري، وكرسوا أغلب سنين عمرهم للنشاط الثوري، إلا أنهم قد يعجزون عن التأثير في مجرى الصراع حين يتدفق عشرات ومئات الآلاف إلى الشوارع، وحين يكون الجزء الأكبر من الجماهير الكبيرة المشاركة قد انخرطت تواً في النضال لأول مرة، ويتعقد الأمر أكثر كلما كانت السلطة أشد استبداداً، والعمل السياسي شبه ممنوع، حيث لا توجد تقريباً منظمات جماهيرية حقيقية، والمبادرات الصغيرة تقمع بشدة، المسرح السياسي شبه معتم وﻻ تكاد ترى الممثلون أو تعرف الأدوار التي يقومون بها، يمكن تشبيه هؤلاء بفرقة من الحفارين الذين يحفرون أسفل قاعدة جبل ضخم، لسنوات طويلة، بهدف تحريكه، ولكن ما أن يتحرك الجبل يعجزون عن التحكم في مساره. هذا الصنف من المعارضة يمكن أن نسميه معارضة الحفر التاريخي.

الفريق اﻷخر من الفاعلين الفعليين هما مقاتلو الشوارع من الجمهور الذي تدحرج من أعلى الجبل بغضب وقوة، إن شئنا مثال لهم يكفى أن نشير إلى مقاتلو متاريس باريس في الثورة الفرنسية، مجموعات المقاومة الثورية للفاشية في أسبانيا وفرنسا، عمال وعاملات كييف وموسكو وبتروجراد في روسيا 1917، عمال وعاملات مظاهرة قصر الشتاء وما تلاها في 1905، مناضلو 28 يناير في مصر، وكتل المجهولين الثوريين في محمد محمود، تلك القوة الحقيقية التي تتعرض ﻷشد المخاطر في مواجهات فعلية، والتي يتوقف على الدور الذي يلعبونه مصير الثورات إلى حد ٍكبير.

وفقاً لظروف كل بلد يتقاطع نضال الكتل الجماهيرية، في اللحظات الثورية، مع الدور الذي تلعبه الأحزاب والمنظمات السياسية، الفوضويين في الثورة الفرنسية، الاشتراكيون في روسيا، الفوضويون والتروتسكيون والستالينيون في أسبانيا، كمثال، لم يكونوا على هامش الأحداث عندما اندلعت المعارك الكبرى. وكان بمقدورهم التدخل في تحديد مسارها، بينما كان أغلب الشيوعيون والاشتراكيون العرب محصورون فعلاً في الهامش، بلا قدرة أو تأثير تقريباً، وتجلى ذلك بشكل خاص عندما اندلعت أوسع موجة ثورية في المنطقة، الهامش هنا ليس بلا وظيفة، فهو مكمل ومفسر للنص، لكن دوره يظل صغيراً في إنتاج النص ذاته.

وﻻ نسعى هنا لإدانة هؤلاء بأي درجة، عدا بعض الأحزاب المتواطئة مع الدولة، فباستثناء الجناح الانتهازي كان هؤلاء هم الحفارون الذين ساعدوا في تحريك الجبل، ولكن تحت حصار استبداد فائق فرض عليهم التضييق والعزلة.

هذه المعارضة .. التكميلية

باستثناءات قليلة ﻻ تتحمل وﻻ ترغب فيها الدولة في وجود أي معارضة؛ الفاشية في إيطاليا، النازية في ألمانيا، والناصرية في مصر، صدام في العراق، القذافي في ليبيا وما شابههم، تسعى الدولة البرجوازية دائماً إلى حفز وجود أنواع معينة من المعارضة ﻻ تعارض الدولة معارضة جذرية، وتحرص على وجود علاقات ودية مع قادة هذه المعارضة، تفسح لهم مجاﻻت عمل، بعض المزايا والمناصب، علاقات ودية، وتحرص في ذات الوقت أن تبقيها ضعيفة ومحدودة القدرة، حتى ﻻ تفكر فعلاً في تخطى دورها، أو أن تتحول من “معارضة تكميلية” للنظام إلى منافس له. المثال البارز لدينا هو حزبي التجمع والناصري.

المعارضة الاستبدالية

في ظل الضعف السياسي والتنظيمي للقوى الثورية، وفى الأزمات الثورية تحديداً، تنشأ على الهامش أنواع معينة من المعارضة النشطة للنظام، تتحدى بالفعل السلطة السياسة القائمة، وتسعى للإطاحة بها، لكنها تظل متمسكة بقوة بالنظام الاجتماعي الطبقي القائم ، وبجوهر سياساته، توجه عدائها حصراً لجماعة الحكم وليس إلى النظام، تبرر ذلك بشعارات وطنية / ديموقراطية، وﻻ تتخطى فكرة أن يكون البديل للحكم من داخل أحد أجنحة النظام، هذه حدود “التغيير” التي يتمسكون بها، إن القوميين والليبراليين واليسار المحافظ هم العناصر الملائمة لمثل تلك المعارضة الاستبدالية، إنهم أولاً يحلون نشاط جماعتهم محل نشاط الجماهير، ويرضون ببديل للحاكم من أحد أبناء عمومته الطبقية، وغالباً ما تدعم أجنحة معينة من الرأسمالية، وحتى القوى الإمبريالية، هذا النوع من المعارضة. ومن ثم يتم تضخيم دورها وقوتها دعائياً إلى أضعاف الواقع، حركة كفاية وأخواتها من مجموعات “من اجل التغيير” مثال بارز، حتى أنهم تداولوا اسم أحد أبرز أعمدة الدولة كبديل يقفون خلفه، رجل المخابرات عمر سليمان ، أو عمرو موسى.

وليس بلا دلالة أن يتحول تقريباً كل قيادات كفاية، من القوميين والليبراليين واليسار المحافظ، إلى مؤسسين لـ”جبهة الإنقاذ” التي أصبح السيد عمرو موسى من قياداتها، وأن يدعموا بقوة الجنرال السيسي ونظامه، فقد كان ذلك كافياً فعلا بالنسبة ﻷهدافهم.

معارضة النصف ساعة اﻻخيرة

عندما يبدأ نظام سياسي في الترنح، ويبدو سقوطه وشيكاً، تغذى تلك اللحظة آمال وطموحات قوى عديدة، من بينها أقسام من معسكر النظام نفسه، وآخرون من صفوف البورجوازية الصغيرة والمتوسطة ومن كافة صنوف المغامرين والمتطلعين، يتجمعون بسرعة كبيرة كيفما اتفق على أمل أن يفتحوا ﻷنفسهم منفذاً على مقاعد الحكم، يتطرفون تارة، ويتواطئون تارة أخرى، فكلما شعروا بأنه سوف يتم تجاهلهم أو تهميشهم في اقتسام “الكعكة” تطرفوا في معارضتهم وحركتهم، والعكس بالعكس إذا ما تم التلويح لهم ببعض المزايا أو المقاعد البرلمانية تحولوا إلى حرس حدود الدولة وصوتها الإصلاحي وخدمها المباشرين، تمثل مصر حالة نموذجية في هذا النوع، عشرات الائتلافات والجماعات والأحزاب التي تم تشكيلها على عجل، بلا جذور جماهيرية أو تاريخ معروف، والتي تقاربت وتباعدت من كل حكومة تم تشكيلها، كل سلطة أمسكت للحظة بدفة الحكم، كل وعد سطحي تافه بـ”تمكين الشباب” كان يمثل لهم في ذاته هدفاً نهائياً وبرنامج عمل ملائم، بغض النظر عن كل قضايا وأهداف الثورة، زايدوا على الحكومات بشعار سطحي للغاية “حقوق الشهداء“، وطلبوا من النظام مطلباً أكثر سطحية، أن يعطيهم بعض الفتات، تحت شعار تمكين الشباب، فهمت كل سلطات ما بعد مبارك الحدود الانتهازية لتلك الفرق والائتلافات، ومغزى ذلك “التمكين” فردده العسكر والإخوان والوزارات المتعاقبة، كان السيد في مقاعد الحكم يلوح للكلب النابح بعظمة التمكين التي يلهث ورائها. وصل اﻷمر بهذه الأصناف التعسة أن عرضت القيام بدور الشرطي التابع للدولة، في إطار فكرة إعادة هيكلة الشرطة، كبديل “بوليسي” عن البوليس القائم، بوليس جديد للدولة البورجوازية القديمة ذاتها.

ورغم هزال وسطحية عناصر تلك المعارضة، إﻻ أن كل منهم كان يتنطع للتحدث باسم الثورة تارة، وباسم شباب الثورة تارة أخرى، أو اﻻثنين معاً باعتبارها “ثورة شباب“, تلك الأسطورة التي صنعها كتاب سطحيين، والتقفها كهدية ثمينة تشكيلات وعناصر هذا النوع من المعارضة، وعززها كتاب النظام ووسائل إعلامه كمقدمة لتفريغ الثورة من مضمونها الاجتماعي أو السياسي، ومن أهدافها، ليختصرها جميعا في قصة “تمكين الشباب“.

اختيار رموز وممثلين

كلما كانت قوى الثورة عفية، منظمة، مبلورة لأهدافها، قادرة على فرض إرادتها، تستطيع، عند وجود أي تفاوض معين، أن تفرض ممثليها على النظام، وذلك بأن تختارهم، أو أن يضطر النظام إلى اختيار ممثلين حقيقيين للجماهير، والعكس بالعكس، إذا لم تكن في حالة قوة، أو لديها تنظيمات سياسية مرتبطة بها وتمثلها فعلاً، كان سهلاً على النظام أن “يختار” من يشاء للتعبير عن الثورة، أو التفاوض باسمها.

الحالة الثانية هي ما قد حدث بالفعل، فمنذ الموجة اﻻولى اختار عمر سليمان الإخوان والوفد للتفاوض حول الثورة، ثم اختار طنطاوي والمجلس العسكري رموزاً من “الشباب” كممثلين للتفاوض، رغم أنهم ﻻ يمثلون تنظيمات أو كتل جماهيرية، وجرى ذلك على كل حكومة تالية، اختارت بنفسها من تقدمه بنفسها كممثل للثورة، جرى اختيار أحزاب انتهازية، وشباب مغمورين، ثوريون هواة، يرددون في بله وجهل شديدين بعض الشعارات العامة، وينتهون دائماً إلى مطلبهم الخاص، تمكين الشباب. وﻻ مانع من اختيار ممثلين نقابات ومؤسسات، شريطة أن يكونوا موالين للنظام تماماً.

هذا المشهد العبثي لاختيار “ممثلي” الثورة، كان يقابله على الجانب الآخر اختيار “خونة” الثورة، فالاستقرار يتطلب الخلاص من الخونة، وﻷن الثورة المضادة في مصر لم تمر من بوابة “سحق المتمردين” واستعادة النظام، ولكن دخلت من بوابة الثورة نفسها، مستغلة كل ثغراتها ونقاط ضعفها، وليس باعتبارها “هازمة التمرد” ولكن باعتبارها “حامية الثورة” ومنقذها من المؤامرات والخونة، مستغلة ظرف الرفض الشعبي لسلطة الإخوان، هذه المفارقة ستمنح رجال النظام، الذي قامت ضده الثورة، أن يحدد هو، كمنقذ للثورة، من هم أعداء الثورة، وسيعطيه ذلك فرصة استثنائية للتخلص من معارضيه، ثوريين أو وسطيين، باسم الثورة بالذات، تلك الثورة التي يسعى ليل نهار لتصفية كل آثارها ومحوها من الذاكرة الخاصة بالأمة، والتي يخشى أي صعود تالٍ لها سيطيح به بالضرورة، إذ يتوجب عليه بسبب تعقيدات نظامه، أن يتلو نشيد الثورة وهو يدبر لاغتيالها، يمجدها ويلعنها، وفى سبيل تحقيق أهدافه الخاصة، أعماله البهلوانية ضد ومع الثورة، سيتحالف مع كل فريق لوقت محدد ليساعده في التخلص من الفريق الآخر، ثم يستدير ضد حليفه بمساعدة حليف ثالث، حتى ﻻ يبقى سوى إرادته وسيطرته، سيخرج كل حليف مشبوهاً من القوى الثورية، مكللاً بالعار، ويتحول لخادم بسيط أو يختفي تماماً، وفى الخلفية يملك الجنرال ختميّ الوطنية والخيانة، يضع بهما اللمسة اﻻخيرة في حياة حلفائه.

ضحايا رمزيين

من بين صنوف المعارضة التي تواجه الجنرال ونظامه “البونابرتي” من يرغب، عن طريق قمعهم، تقديم رسائل معينة، بسبب تعقيدات تحالفاته في كل مرحلة، إنه يواجه إسلاميين ويتحالف معهم في ذات الوقت، يواجه الإخوان والجهاديين، ويتحالف مع السلفيين، يواجه اليسار “الراديكالي” وهو في تحالف مع تيارات يسار محافظ، يضيق على تشكيلات ليبرالية بينما يتحالف مع رموز وأحزاب ليبرالية ونفس اﻷمر مع القوميين، فالنظام براجماتي بأوضح صور البراجماتية، لكنه يخطط فعليا للاحتفاظ بخدم ﻻ لعقد تحالفات، هذا الوضع المتناقض يفرض على قمع النظام أن يكون محدوداً، حتى ﻻ يرعب حلفائه قبل فراغه من استخدامهم المؤقت، فالهدف من عمليات القمع هو إرسال تحذيرات وليس استئصال الخصوم، لقد احتاجت بونابرتية ناصر قرابة 9 سنوات حتى تستقر له الأمور نهائياً في يوليو 1961، وان كانت ظروف نظامه، محلياً ودولياً، وسياقات صعوده، تختلف اختلافات جوهرية عن نظام السيسي وشروط صعوده.

علاء عبد الفتاح وأحمد دومة

علاء عبد الفتاح وأحمد دومة

في سياق هذا القمع الرمزي يحاول الجنرال تشويه كل ما يمت للثورة بصلة، حتى وان كان محدود التأثير وليس خصماً راديكالياً، وفى هذا السياق نفهم لماذا حول علاء ودومة إلى رموز، ولماذا يبالغ في قمعهم وتشويههم، بالقطع ليس بهدف الانتقام منهم، فلم يقودوا ضده عصابات مسلحة، ولم يؤلفوا كتابات هامة تفضح السلطة وطبيعتها، وليسوا محرضين ذوي تأثير واسع بين الجماهير في هذه اللحظة، بل حتى أنهم ليسوا أعضاءً في أي تنظيم سياسي أو جماعة راديكالية، وربما لذلك تحديداً يسهل استخدامهم في عمليات القمع الرمزي، وفى توجيه الرسائل للجميع عبر ذلك القمع، دون أن يخسر شبكة تحالفاته الانتهازية. ولذلك أيضاً ﻻ نستطيع، وﻻ يجب، الامتناع عن التضامن مع ضحايا القمع الرمزي الذي يستهدف تشويه الثورة، برغم جميع تحفظاتنا واختلافاتنا، فالهدف من قمعهم ﻻ يتعلق بأدوارهم بالمرة.

رغم المظاهر الخادعة، عن قوة وتماسك النظام، إﻻ أن الحقيقة ليست كذلك، فقاعدته السياسية هشة، حلفائه مرعوبين وانتهازيين، نسيجه السياسي متنافر بشدة، ركيزته الأساسية، أجهزة القمع، ولا يستطيع التوسع في استخدامها في مواجهة الجماهير الآن، الجماهيرية التي كسبها على أرضية مواجهة الإرهاب تتآكل بسبب سياساته الاقتصادية، ما يحصل عليه من مساعدات مالية، دولية أو داخلية ، ﻻ يذهب لتلبية الحاجات العاجلة للجماهير، وإنما تذهب لكسب ولاءات الأجهزة بمنحها المزيد من المزايا المالية، وفى حفز الاستثمارات دون إلزامها بدور اجتماعي معين، ويستخدم سلطة التشريع الممنوحة له في إزالة العقبات أمامها.

الخاتمة

رغم وجود قانون عام للثورة، إﻻ أن الخصائص والمعطيات المحلية تلعب الدور الحاسم في تحديد مسارها، وتعطيها أيضاً طابعها المميز، إن من ينظر إلى لوحة الأحزاب، والتنظيمات الجماهيرية التلقائية، التي وصفها جون ريد في كتابه عن الثورة الروسية “عشرة أيام هزت العالم“، لن يجد قاسماً مشتركاً بينها وبين الثورة المصرية سوى أشد الأمور عمومية، إنها تقدم للثوريين المحلين خطوطاً أساسية وبعض الدروس العامة فحسب، إﻻ أن مساراً مستحدثاً للثورة كشفت عنه ثورات منطقتنا، دور أشباه البروليتاريا اﻷشد انحطاطاً، عصابات البلطجية، أو الشبيحة، أو القباضيات حسب مسمى كل بلد، في خدمة الثورة المضادة، إنهم احتياطي شعبي منحط للنظام وللثورة المضادة، مجرمين وعاطلين وحثالة بروليتاريا وأصحاب محلات صغيرة، تلك إشكالية مستحدثة لم تواجهها الثورات الكلاسيكية وعلينا إبداع طرق للتعامل معها أو مواجهتها، الفرق الإسلامية الرجعية بكافة تلاوينها، فهي ﻻ تزال، رغم هزيمتها الراهنة، البديل الأقرب والأعنف للنظم القائمة، إنهم الوجه البورجوازي الأشد رجعية ووحشية في مواجهة الجماهير والتقدم، إنهم أيضاً مطروحون كمعضلة على من يفكر في الثورة، أو مواصلتها، إشكالية واجبة الحل. ولن نتسرع بتقديم اقتراحات بهذا الشأن، نحن ندعو فقط من يرغب في إحداث تغيير ثوري أن يقدم حلوﻻً لهاتين العقبتين الهامتين، على الأقل طرح الفكرة الآن – وقبل أن تداهمنا الأحداث مجدداً – للبحث والتفكير.

إن لوحة أصناف المعارضة التي قدمناها هي تعبير منطقي لسياق ومعطيات الثورة المصرية، مناخ الاستبداد، عزلة الثوريين لعدة عقود، متواليات القمع السلطوي طويل المدى، تخلف الجماهير وتشتت نضالاتها، ضعف أو انعدام التنظيمات النقابية المناضلة، تكيف وتعايش الأحزاب السياسية مع النظام مع استمرارها في معارضة هامشية له. الانقطاعات المتكررة في تاريخ التنظيمات الماركسية وضعفها العددي والسياسي، الانعكاسات العنيفة للأزمة في صفوف الطبقة الوسطى والبورجوازية الصغيرة، تفسخ بنية الطبقة العاملة القديمة وتسريح أغلبها، البطالة المتزايدة في صفوف الفئات الفقيرة والبورجوازية الصغيرة، التوسع الهائل لاقتصاد مفترض أنه هامشي، باعة الطرقات والترابيزات المتنقلة والثابتة. كل ذلك بالتزامن مع انسحاب مرعب للدولة من الحياة الاقتصادية وتركها لآليات السوق وفوضاه. وفى الأخير، وكمحصلة، غلبة الطابع العفوي وغياب القيادة الثورية المنظمة على مدار حلقات الثورة المصرية.

إن التصدي للإشكاليات الجديدة التي تواجه الثورة في منطقتنا، بالإضافة إلى المسائل اﻷولية التي تقع على عاتق الثوريين في قضية الثورة، مثل تنظيم الجماهير والانتشار بين صفوفها، بث الدعاية الثورية، أعمال التحريض، بناء منظمات شعبية ووسيطة، هي بالضرورة أمور لن يقترب من انجازها حلقات صغيرة مفككة، أو مفكرون معزولون، وبالقطع ليست أحزاب التعايش مع الدولة البورجوازية، إنها مهمة تنظيم ثوري حقيقي، ومن ثم فالمهمة الأساسية، والأولى، التي تواجه الثوريين هي، بناء هذا التنظيم، مهما كان الطريق صعباً، ومهما كانت الفرص المتاحة ضعيفة، إنها المهمة المفتاح، والتي يستحيل تخطيها، عندئذ سيكون ممكناً ليس فقط التفكير في الإشكاليات، ولكن أيضاً ابتكار حلول، ووضعها موضع التنفيذ.

Advertisements

مناقشة

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

حمل العدد الأخير من نشرة الثوري

آخر اصداراتنا

أنت الزائر رقم

  • 67,003

%d مدونون معجبون بهذه: