مقالاتنا, تحليل سياسي

تعويذة الثورة .. حول دعوات التظاهر والإضراب العام في الذكرى الرابعة لـ 25 يناير


ما من وسيلة أوثق للتغلب على الخور واليأس والتشاؤم، ولرفض كل الآراء الجبانة حول مستقبل الثورة إلا بإلقاء نظرة على ماضيها، ومعارك الصراعات المكشوفة التي خاضتها والإنجازات التي حققتها، فطاقات الثورة المبدعة لا تتجلى في فترات الهدوء. وهى تتقدم عبر سيرورة جدلية تعرف المنعرجات، والتراجعات، والانتكاسات، والقفزات من خلال طريق صعب عسير. وقد تلى كل معاركها الانتفاضية، وانتصاراتها الجزئية، انحسارات، وانتهاكات، وإراقة دماء، وأعقب كل اندحار مؤقت، صراع أشد كثافة، ورؤى تبلورت على نحو أشد وضوحاً، وانحسرت أوهام بقدر ما احتدمت تناقضات، وبقدر ما اعتمدت السلطة على القمع والإكراه.

وإذا كان من الضروري لقوى الثورة أن تشرع في استخلاص دروس مسيرتها على مدار أربعة أعوام بوصف ذلك إحدى المهام الأساسية الأولى التي تمكنها من نقد أوهامها المتواترة – التي ولدها واقع وضعها، فالممارسات لا تتحدد فقط بشروط الوجود المباشرة، وإنما بكل الوجود السابق – حتى تتجاوز التراجعات، والانتكاسات المؤقتة، وتهيئ لانتصار جذري كلى، الأمر الذي لا يتسع له مجال الحديث هنا، إلا أنه يمكننا الآن أن نشير إلى انجازات الثورة الأساسية التي يجب أن تلهم كل ثوري حتى يتفاءل بمستقبلها على أساس مادي وبغير أحلام واهمة.

فقد تمكنت من أن تنفض عن الشعب المصري وصمة الخنوع والذل، وانعدام المبادرة الثورية، ودربت قوى الثورة الشبابية على تقنيات الانتفاض في مواجهة أجهزة القمع، بغير رعب من مواجهة الموت أو الأسر، في بروفة جنينية لمعاركها المقبلة، وأسهمت في تسييس كل القوى الاجتماعية بشكل غير مسبوق، وطورت الوعي الجمعي ببدء إدراكه تمايز المصالح الطبقية والسياسية للقوى التي شاركت فيها تحت شعارات عامة، دون أن تدرك هذا التمايز وقتها، وأثرت في دوائر الإنتليجنسيا حيث انتهى البعض برفض أطر المفاهيم الليبرالية حول الصراع الطبقي، والدستور، والقانون، ووهم الدور الحيادي لأجهزة الدولة القمعية من جيش، وشرطة، وقضاء، وبيروقراطية، وإدراك الأدوار الداعمة للسلطة من قبل الأجهزة الأيديولوجية: المؤسسة الدينية، الإعلام والصحافة، والمؤسسة التعليمية، وخرج هذا البعض إلى أفق مفاهيم طبقية وثورية أدق وأرحب.

وانخرط الأقباط المصريون في العمل السياسي الديموقراطي العام بشكل قد يماثل ما حدث في الحلقة الأولى من الثورة البورجوازية عام 1919، متجاوزين أسوار الطائفية التي خلقتها الاتجاهات الإسلامية المتعصبة المعادية لمقرطة الدولة وعلمنتها، وعززتها سلطة الدولة التي استفادت من تحويل الصراعات الطبقية إلى نزاعات طائفية، كما دعمتها الكنيسة التي أرادت أن تحتفظ بسلطتها ومكانتها، وعشورها، ورأسمالها الرمزي بشكلها العائد للقرون الوسطى. ففوق ساحات الميادين ومن خلال الصراع الطبقي السياسي ولدت الأجنة الأولى للمواطنة التي لا تميز عقائدياً بين أحد من المواطنين المصريين.

أضف إلى ذلك تلك الأمثلة الباهرة النضالية الطليعية التي قدمتها المرأة المصرية حيث حطمت في لحظات الثورة، ومعاركها المكشوفة بضربة قاصمة تجليات الفكر الرجعى الديني من ناحية، وفرضت نمطاً من المساواة لا يجمعه جامع بنسوية البورجوازية من ناحية أخرى.

أسقطت الثورة رئيسين، والمجلس العسكري الأول، وكسرت أنف جهاز القمع، وغيرت حكومات، وأبعدت وزراء، وفرضت على سلطة البورجوازية أن تجرى إصلاحات رغم تواضعها لم تكن لتنجز دون الإكراهات التي مارستها الثورة؛ وخاصة على المستوى التشريعي، وهي الإصلاحات التي قد التفت عليها عقب خمود المد الثوري أو تجاهلتها الخ…

تهيمن في الوقت الراهن الثورة المضادة على السلطة، وتحكم البيروقراطية العسكرية بوصفها فئة طبقية نيابة عن البورجوازية بكاملها بأجنحتها واتجاهاتها، وتشكل بطانتها الأولى من عناصر كانت مبعدة من عصبة مبارك، ومن عناصر فلولية قديمة لم تكن في دائرة الضوء، أو كانت مستقلة إلى حد ما في مواقفها، وتكاد ملامح الاستقلال النسبي، والحدود الفاصلة بين أجهزة الدولة القمعية، والأيديولوجية أن تختفي فلا نكاد نميز بين لواء الجيش، والقاضي، والمفتي، والوزير، وضابط الأمن الوطني، ووكيل النائب العام.

وتحت ذريعة الحرب ضد الإرهاب تجرى بشكل متسارع محاولات مصادرة أدوات الصراع السياسي الطبقي، في ظل دعم وخوف شعبي، وتفويض يتجه للانحسار شيئاً فشيئاً بسبب السياسات الاقتصادية النيو ليبرالية، التي يتبعها النظام، والتي تعزز البطالة والإفقار وتدهور مستوى معيشة الكادحين بخطوات متواترة، بينما تزيد من مكاسب البورجوازية وتؤمنها؛ فالعدالة الانتقالية، والإصلاح التشريعي يتعلقان بمصالح البورجوازية (قانون العقود والخصخصة الذي يمنع الطعن عليها سوى من طرفيها، أي إهدار حق الشعب المصري في الاحتجاج القانوني على من يسرقه، قانون التصالح مع الرأسماليين برد ما اختلسوه بقيمته وقت سرقته، وهو ما يعنى اسرق واستثمر ما سرقت ثم رده لنا، واحتفظ بما ربحت، التحايل على ما يسمى الحد الأقصى للأجور، مع رفض إقرار حد أدنى حقيقي الخ).

وعلى مستوى مناهضة الحريات الديموقراطية، فقد صدرت تشريعات تحت ستار “التفويض” بالحرب على الإرهاب، تقوض الحريات والحقوق الديموقراطية التي انتزعتها قوى الثورة بنضالها المكشوف وبدماء شبابها خلال فترات مدها، وكان صدور هذه التشريعات بمثابة تجريد الثورة من أسلحتها ومحاصرتها في ظل الخوف من الإرهاب، والنزوع إلى الاستقرار وحيث لا تستطيع جماهير الشعب الكادحة أن تظل في حالة توتير دائم للقوى لفترات طويلة، فصدر قانون سلب حق التظاهر (واعتقل وحوكم آلاف الشباب تحت ستاره)، وقانون الجمعيات الأهلية الذي يبسط سيطرة الدولة عليها، وتعديل مواد الحبس الاحتياطي في قانون الإجراءات الجنائية بحيث يصبح ستاراً للاعتقال كما كان عليه الحال في ظل قوانين الطوارئ، والصحافة والإعلام (منع صحفيين من الكتابة وإعلاميين وضيوف من الظهور، محاولة استتباع وتذييل الصحافة للسلطة، والتحسر على العصر الذهبي لعبد الناصر في هيمنته الكلية، من قبل الرئيس البونابرتي الخ)، وفرضت القبضة الأمنية على الفضاء الالكتروني، إعادة الرقابة على الكتب والمطبوعات الواردة من الخارج والمنشورة في الداخل (المناهضة للأديان أو المثيرة!!) ومحاربة النقابات العمالية المستقلة، وتسييد العناصر البيروقراطية الصفراء من ذيول الدولة في الحركة النقابية، وفى النقابات المهنية (فرض الحراسة على نقابة الصيادلة)، إهدار استقلال الجامعات بهيمنة السلطات التنفيذية (تعيين الرؤساء والعمداء) والأمنية العامة والخاصة عليها (الشرطة – فالكون) قانون حماية المنشآت العامة، وتوسيع اختصاص القضاء العسكري، منح الضبطية القضائية لبعض رجال المؤسسة الدينية، تعزيز أجهزة القمع بزيادتها، وتعميق تخصصها، ومد شبكاتها لإحكام السيطرة على كل مظاهر الحياة الاجتماعية والسياسية، بإنشاء الشرطة المجتمعية، والشرطة النسائية، (وشرطة الدرك التي بدأت في حي الزمالك أحد مواطن البورجوازية الكبيرة)، وزيادة أعداد الواشين من المواطنين “الشرفاء” بحيث يواجه الشعب بعضه بعضاً، والاعتماد على البلطجية كرديف جاهز من البروليتاريا الرثة، وقانون الكيانات الإرهابية الذي يوسع من مفهوم الإرهاب ليشمل أي احتجاج في الشارع، وهو بعض ما حاولته السلطة الإخوانية في ممارساتها العملية، وبمقترحاتها التشريعية في مجلسها البرلماني، من تقويض حق التظاهر، وتأسيس دستور يضع أسس الدولة الرأسمالية النيو ليبرالية بأيديولوجية دينية، لا تمانع في أن “تجنح إلى السلم” مع أعداء الشعوب العربية التاريخيين أمريكا وإسرائيل، وقد ادعى وزير العدل آنذاك المستشار أحمد مكي أن قانون الطوارئ قد “ذكر في القرآن” وقد فاته أن يدعى أن منع التظاهر قد ورد في “السنة النبوية” كما فعل أحد فقهاء السعودية. ولم تفلح هذه السلطة في مساعيها في اتخاذ هذه الخطوات، وإصدار هذه القوانين، لا لأن مرسي كان أكثر ديموقراطية من الرئيس الحالي، وإنما لأنه لم يكن قد تمكن بعد – لا بوصفه فرداً وإنما جناحاً في الرأسمالية المصرية الكبيرة – من أن يبسط سيطرته على أجهزة الدولة القمعية، وعلى المؤسسة الدينية بأيديولوجيتها النوعية “الوسطية!” لتعمل لصالحه.

إن ما ينبغي أن نؤكد عليه هنا أن المقدمات الموضوعية الاجتماعية والاقتصادية للوضع الثوري مازالت قائمة، وتضيف إليه وتعمقه السياسات النيو ليبرالية الاقتصادية التي اتخذت، وتتخذ، وسوف تتخذ من قبل الرئيس الجديد وحكومته. غير أن ما تنطوي عليه هذه السياسات أيضا هو الاستماتة التي تبديها سلطة الثورة المضادة في محاولات تقويض عناصر ومقومات بناء الشرط الذاتي الذي يكتمل به الوضع الثوري (راجع التشريعات القمعية عاليه ومساعي السيطرة الشاملة على الحياة السياسية)، وهو ما يرتبط بوعي الطبقة الثورية أي الطبقة العاملة وحلفها الطبقي، وخاصة حينما تبدأ في “إيجاد حلول خارج النظام القائم” وتنتقل من أرض الصراع الاقتصادي المحض، إلى الصراع الطبقي الشامل الذي يضع هدفه الرئيسي الاستيلاء على السلطة السياسية، وتبدى استعداداً للموت من أجل تغيير ظروف حياتها (سوف تتطور مواقفها حتماً بيد أن هذه المواقف غير قائمة اليوم).

ولا يمكن لهذه الطبقة أن تتجاوز أوضاعها جذرياً – لا إصلاحياً – سوى بطليعة تضم أكثرها وعياً، تؤثر بنفوذها الفكري، والسياسي والتنظيمي، والجماهيرى على قطاعاتها متفاوتة الوعي, كما لا يمكن لهذه الطليعة أن تمارس القيادة الشاملة للصراع الطبقي، إلا بنظرية ثورية هي الماركسية، وبحزب ثوري يتجاوز الأحزاب الليبرالية، والبورجوازية الصغيرة، و”الماركسية” التصفوية الشرعية، القائمة،(*) وكافة صنوف، وأنماط اليسار الموحد، والعريض، والشرعي، وفق المتطلبات القانونية البورجوازية التي تنتهي عادة بتبني خط سياسي يميني ينعكس في حقل التنظيم، والعمل الجماهيري، ونوعية التحالفات، والاتفاقات الانتخابية التي تتذيل البورجوازية الليبرالية المعادية للديموقراطية، عالية الصوت، التي ترفع شعار “المعارضة المخلصة“، و”الصراع السلمي“، الداعية لتكييف الكادحين مع اتجاهات سلطة الدولة البوليسية العسكرية، النابحة كالكلاب – منذ فترة – على الثورة، أو تتذيل أحد جناحي الثورة المضادة سواء الجناح المهيمن على السلطة، أو خصمه الإخواني، ومن المخزي أن تكون البورجوازية عامة قد نجحت في تشويش بعض فصائل “اليسار الاشتراكي” وبالأحرى “اليمين الاشتراكي” حتى بلغ الأمر حد قبول شعاراتها السياسية، وبدأ الخائرون من أنصار الثورة في السابق يدعون للذهاب إلى البرلمان، ومناشدة السلطة “تفعيل الدستور” الذي ألقيّ في الوحل منذ لحظة ميلاده، وتبرير اعتقال شباب الثورة وفق قانون سلب حق التظاهر، وتبرير قمع واضطهاد كل من ناضل دفاعاً عن مطالب الكادحين والحريات الديموقراطية خلال فترة الإعصار الثوري. وبانتقال هذه الفصائل إلى جانب أحد أجنحة البورجوازية فإنها تعلن موتها السياسي وتنازلها عن دور تفترضه ادعاءاتها.

لقد أثبتت الأعوام الأربع الماضية خطل الرأي القائل بإفلاس المفاهيم اللينينية حول النظرية الثورية، والحركة الثورية، وبكفاية الحركة التلقائية بوعيها التلقائي، وبعدم ضرورة وجود قيادة سياسية ثورية، أو وعى منظم، أو بقدرة الاتجاهات، والمنظمات الليبرالية، والاشتراكية البورجوازية الصغيرة، والماركسية القانونية الشرعية، والجمعيات الحقوقية على تحقيق الأهداف السياسية والاقتصادية لجموع الكادحين التي اتخذت شكلاً غائماً فضفاضاً في 25 يناير (الشعب يريد إسقاط النظام – عيش حرية كرامة إنسانية عدالة اجتماعية)، بدلاً من حزب شيوعي طليعي ثوري.

هناك مناضلون ونشطاء يخلطون بين الممهدات الاقتصادية الاجتماعية للوضع الثوري، والوضع الثوري ذاته، فالأخير لا يكتمل إلا بوجود الشرط الذاتي أي الحزب الشيوعي المرتبط بطليعة عمالية ثورية. ومفاد ذلك أن العامل المحدد يقرن بين الاجتماعي والسياسي الذي يتعين بالوعي الطبقي السياسي، وخاصة الطبقة العاملة وحزبها. وواحدة من علاماته المميزة أن تبدأ الطبقة العاملة، أو على الأقل الفصيل الطليعي منها في جذب بقيتها مع حلفائها الطبقيين للبحث عن مخرج، ليس من داخل النظام القائم بطرح مطالب اقتصادية عمالية خاصة بهذا القطاع أو ذاك، وما إلى ذلك، وإنما بالخروج عليه، وعلى أسسه وصولاً للانتفاض ضده. أضف إلى ذلك تململ البورجوازية الصغيرة وفقدها الثقة في أحزابها التقليدية ونزوعها لتغيير ثوري راديكالي، فضلاً عن شيوع اليأس داخل الطبقة الحاكمة وشعورها بأنها لا تستطيع إنقاذ نظامها (راجع: “ماهية الوضع الثوري“، ل. تروتسكي).

ويسود في أوساط المناضلين، والنشطاء تفسير “شعبوي” يرى أن الممهدات الاقتصادية الاجتماعية وواقع الأزمة الطاحنة المحتدمة الشاملة سوف يقود لانفجار شعبي مما سيؤدى لتغيير ثوري يحقق الأهداف المتواضعة لثورة يناير، ولا يدرك هؤلاء أن النقطة التي وصلنا إليها بتجريد الثورة من أسلحتها السياسية التي كسبتها على أرض المعارك المكشوفة، وبالالتفاف على كل مطالبها تقريباً، وعدم قدرتها على تحقيق انتصار راسخ، وبالأحرى عدم قدرتها على رد الاعتداءات عليها يعود في أحد أهم جوانبه إلى تلقائية وعفوية الثورة، وهو نتاج تاريخي طبيعي أدت إليه ظروف موضوعية وذاتية تتعلق بوضع الطبقة العاملة، واليسار الشيوعي، والعولمة الإمبريالية، وأزمة القيادة الثورية على الصعيد العالمي الخ..، إن الجسر الذي يصل بين الممهدات الاقتصادية الاجتماعية، والاستجابة النفسية لم نعبره بعد، والمطلوب إحداث تغييرات في موقف مختلف الطبقات المعنية إزاء الوضع الكارثي الذي نواجهه وخاصة تجاوز الطبقة العاملة لأوضاعها المعيقة، وتعيين أهداف وطرائق ثورية تنتهي بحيازتها للسلطة السياسية.

ولكن حسب لينين فلا اضطهاد الطبقات الدنيا، ولا الأزمة في أوساط الطبقات العليا يمكن أن تولد الثورة، وإنما قد يؤديان لتعفن البلاد ما لم تكن هناك طبقة ثورية قادرة على تحويل حالة الاضطهاد السلبي إلى حالة ايجابية حافزة للتمرد، والانتفاض النشيط. فالثورة مستحيلة دون وضع ثوري، “ولكن لا يؤدى كل وضع ثوري بالضرورة إلى الثورة. فلابد أن يترافق مع جميع التغيرات الموضوعية تغير ذاتي، أي استطاعة الطبقة الثورية القيام بأعمال جماهيرية ثورية لحد تصديع النظام القديم الذي لن يسقط أبداً حتى في فترة الأزمات إن لم تتجه للإطاحة به. وفى كل الأحوال .. لا يمكن “صنع” الثورة، فالثورات تنشأ من الأزمات والانعطافات التاريخية التي نضجت موضوعياً (بصرف النظر عن إرادة الأحزاب والطبقات)، وأن الجماهير بدون تنظيم تكون محرومة من قوة الإرادة، وأن النضال ضد المنظمة العسكرية والإرهابية القوية للدول الممركزة، أمر صعب وطويل النفس” (لينين، “إفلاس الأممية الثانية“).

وإذا كان المجلس العسكري، ثم الإخوان، ثم الرئيس البونابرتي قد استطاعوا الوصول إلى السلطة، والسيطرة عليها، وقطع الطريق على تجذر الثورة، فقد استندوا جميعاً إلى احتكار العنف وصرامة التنظيم العسكري، أو قوة التنظيم بصلاته الجماهيرية السياسية، وفى كل الأحوال على طبقة اجتماعية معادية للثورة، واعية بمصالحها هي البورجوازية الكبيرة، ووسائطها في الطبقات الاجتماعية الأخرى. لم يكن “دهاء” المجلس العسكري، ولا “دعاء ركوب” الإخوان واحتيالهما هو ما أدى لذلك فحسب. فقانون رأس المال الذي يحكم الحياة الاقتصادية هو الذي يحكم أيضاً الحياة السياسية، وهناك روابط متداخلة بين كل أجهزة الدولة القمعية، والأيديولوجية، ومنظمات الرأسماليين الخاصة بأعمالهم، وقد تمرس الأخيرون لفترة طويلة على العمل السياسي، ويعرفون من أين تؤكل الكتف، وتدربوا على تسيير شؤون الدولة في الداخل والخارج، ولهم خبرة تاريخية مباشرة، ومنقولة حول كيفية مناهضة الثورة.

وقد لاحظ لينين أن واحدة من سمات الثورات السياسية البورجوازية أن الطبقات الدنيا تقاتل بينما تحصد الطبقات العليا ثمار القتال. وبينما تعانى البروليتاريا، والمثقفون الشباب من القتل والأسر، والتشريد، لا تقدم الطبقات المسيطرة، أو أحد، أو بعض أجنحتها شيئاً، وإن كان شيئاً ضئيلاً، لتقع كل مكاسب النضال في فمها. وهذا وضع يفرضه الوضع الطبقي والسياسي والاجتماعي والعسكري المميز للبورجوازية الكبيرة في كامل بنية النظام القائم. لقد استفاد من الثورة كل أعداء الثورة من البورجوازية البيروقراطية العسكرية التي تصدرت مصالحها الفئوية ومكانتها الخصوصية واستثماراتها الدستور، والواقع بالطبع، إلى كبار رجال الشرطة, والقضاء، وصولاً حتى أمناء الشرطة، وتعززت مكاسب، وامتيازات أجنحة داخل البورجوازية الكبيرة، كانت معرضة للاضطهاد من عصبة مبارك، فضلاً عن البورجوازية الكبيرة ككل. أما الطبقات الكادحة فقد أغرقت بالوعود والكلمات الخاوية في الدستور، وفى الواقع، ولم يتحقق لها شيء أساسي مما استهدفته، كما جرى الالتفاف حول المكاسب الشكلية التي جرى الاعتراف بها ذراً للرماد في العيون.

فقد تبين أن العدالة الانتقالية هي عدالة تخص البورجوازية، واستثماراتها وأرباحها، كما تبين أن حقوق الشهداء هي حقوق ضباط الجيش، والشرطة، ومن اضطهدتهم الزمرة المباركية. ولا شيء سوى الكلمات، والوعود، والتسويف والمماطلة، وازدواج الأقوال، وتعزية الثوار بطقوس لفظية تبجل الثورة الأولى وموجتها الثانية، وتدوس كل ما يتعلق بهما من الناحية الفعلية. ويرتكب أفدح الأخطاء من الناحية السياسية ذلك الذي يقبل الأقوال كما هي دون أن يقارنها بالأفعال حتى يدرك مغزاها الفعلي، ومن يحكم على السياسات الكلية من واقعة جزئية مهملاً مضمونها الطبقي متغافلاً عن ربطها بسياقها من كل جوانبها، فيستغلق عليه مغزاها.

من المنطقي والمبرر أن يشعر الثوري الذي يتململ سخطاً في جلده، من ناضل ودخل في صدامات مكشوفة ومعارك ضارية ضد أجهزة القمع ونال حريات، وحقوق فرضتها سلطة الثورة، بألم ممض وبحزن عميق، وبحنين للعودة إلى الميدان، وبالملل والضيق من الركود الراهن، من استشراس السلطة التي تمر قراراتها دون احتجاجات جماهيرية قوية ظاهرة، لغياب الألفيات، والمليونيات، لخلو الميادين، للاعتقالات، لسفالات أجهزة القمع التي لا يردعها رادع، ولدوس السلطة دستورها، وقوانينها بالأقدام، للفساد الطافح والمستشري، وللتدهور المتسارع في مستوى المعيشة، وتزايد الأزمات الخانقة، وجعل حياة الشعب الكادح مستحيلة برفع “الدعم” وزيادات الأسعار .. الخ، غير أن تأسيس التاكتيكات أي أشكال الحركة والتنظيم، وطرح الشعارات ودعوات النزول للتظاهر أو للإضراب العام – ارتكازاً على مشاعر مبررة في حدودها – أمر آخر تماماً.

فلا يمكن استحضار شبح الثورة بتعاويذ تتردد فيها كلمة “الثورة” عشرات المرات، ولا بمغامرات صدامية تقوم بها عصب باسلة من الشباب الثوري المناضل المستعد للتضحية، لاستنهاض الجماهير التي غفت بتوليد شرارة قد توقظها. كل هذا استبدال للواقع بالأماني. وعدم إدراك أن الوضع الراهن بموازين القوى القائمة التي ما تزال السلطة فيه مهيمنة رغم اهتزاز دعائم النظام يعود إلى غياب الشرط الذاتي الذي يكتمل به الوضع الثوري، وهو ما ينبغى الاشتغال عليه بصبر وبدأب وعلى نحو تراكمي وهو في الواقع العمل الأصعب في النشاط الثوري. إن انفجار الحركة التلقائية ونحن مازلنا في وضع عدم الاستعداد، وحال غياب قيادة سياسية راديكالية، وحزب ذو جذور في الطبقة العاملة بالدرجة الأولى أو على الأقل نواة متماسكة سيكون له أوخم العواقب على العملية الثورية مهما كانت البطولات والتضحيات، مما قد يعيقها لعقد أو عقدين، خاصة وأن المؤسسة العسكرية ببيروقراطيتها قد باتت هي حزب البورجوازية الفعلي، واحتكارها للعنف واحترافيتها وتنظيمها يدعون إلى الإنصات جيداً وتأمل عبارة إنجلز : “لا تلعبوا بالانتفاض“. ولا تشابه بين الوضع الراهن بموازين القوى الحالية، ووضع الرئيس البونابرتي فيه وبين وضع نظام مبارك في 25 يناير 2011. حيث التقى مخزون الطاقة الثورية لمدة ثلاثين عاماً سابقة بشرارة أطلقها شباب الثورة، أما الآن فمازالت قطاعات واسعة من الشعب المتعب تتطلع للأمن، والاستقرار، والقضاء على الإرهاب، وتحسن الأحوال، وتداعبها وعود السيسي، وتخدرها، سوف يتبدد كل ذلك عاجلاً أم آجلاً؛ هذا أمر متوقع لكنه ليس واقعاً بعد. ومن الجلي أن الإرهاب قد عزز بنهجه سياسات السلطة وجعل إجراءاتها حتى وان كانت مكروهة لدى الشعب شيئاً يمكن أن يغض عنه البصر مؤقتاً على الأقل…

بعد أيام تحل الذكرى الرابعة للثورة، ويدعو “شباب الإخوان” في بيان صادر عنهم قوى الثورة للعودة إلى الميادين واستعادة الوحدة بينهما في وجه السلطة القائمة. والواقع أنه لم تراودنا أبداً أوهام حول الطبيعة الرأسمالية لجماعة الإخوان المسلمين فهم جناح من أجنحة البورجوازية الكبيرة (ليبرالية متوحشة إسلامية) ذات أيديولوجية دينية تعود للقرون الوسطى، يمثلون وجهاً آخر للثورة المضادة، ونزاعها مع الأجنحة الأخرى داخل البورجوازية، وخاصة مع البورجوازية البيروقراطية العسكرية، وهو صراع حول الثروة والنفوذ والمكانة والسلطة، وهم يقفون معاً ضد الثورة الشعبية. فلا يمكن الحكم على طبيعة حزب إلا بوعي من تخدم سياساته من زاوية مضمونها الطبقي، فواقع أن البورجوازية الصغيرة تشكل قاعدته لا يعني أن سياساته تخدم هذه الطبقة الاجتماعية وتلبي مصالحها (وعزل نفوذ القيادات الفكري والسياسي عنها لا يكون بالتحالف معها وإنما بتعرية سياساتها وكشف مضمونها الطبقي!). فقد كانت قطاعات من البروليتاريا والبورجوازية الصغيرة هي القاعدة الاجتماعية للحزب النازي في ألمانيا بينما كانت سياسات الحزب تخدم البورجوازية الإمبريالية الألمانية.

لذا لا يمكن لقوى الثورة أن تعقد اتفاقاً، أو أن تقيم تحالفاً مع عدو للثورة له وسائل وأهداف مغايرة لأهدافنا كلية, وإنما يمكن لها أن تستفيد إن أمكن من صراع الأعداء معاً. يقول المثل الأفريقي: “حين يتقاتل فيلان فإن العشب هو الذي يعاني“، وقد أسهمت سياسات الإخوان الحمقاء منذ عزل مرسي في الوضع المتردي الذي بتنا فيه، فقد قدمت ذريعة تبرر إجراءات السلطة القمعية. تكتيكنا هو السير منفردين والضرب منفردين؛ أهدافنا مغايرة وسبلنا مغايرة. أضف إلى ذلك أن نزول الميادين لا يمكن أن يؤمن إلا في وجود ظهير شعبي هو غير موجود الآن، الأمر الذي يعنى فقط المغامرة بإضافة شهداء، ومعاقون، وأسرى إلى قائمتنا الثورية. فلندخر قوانا، وننظم أنفسنا، ولنبن جيشنا السياسي حتى يحين وقت الصدام.

من جانب آخر دعا بعض المناضلين الثوريين استناداً لما أسموه “أقوى الموجات الثورية الشعبية” إلى إضراب عمالي عام، وإدارة ذاتية، وحددوا مطالب عاجلة للعمال وبرنامجاً لما ينبغي توخيه في ذكرى الثورة. والحال أن هناك بالفعل حركة إضرابية في مواقع عمالية متباينة لا يربط بينها رابط حتى الآن، وهذا طبيعي فهي مطالب اقتصادية ترتبط بالمصنع، أو المهنة، أو القطاع لكنها لا ترتبط بالطبقة العاملة ككل، فمازالت الطبقة العاملة على أرض النضال الاقتصادي. ومن الواضح أن هناك قفزة على هذا الواقع، واقع النضالات المطلبية الاقتصادية الجزئية، واقع أن التضامن العمالي حتى على المستوى الاقتصادي لم ترسي أسسه بعد، وإن بدت بعض تباشير جزئية بتضامن عمال شركتين في كفر الدوار مع عمال غزل المحلة، وعليه ستظل الدعوة لإضراب عمالي عام معلقة في الفضاء، ولن تتحقق على الأغلب، لأنها لم تستند على تطور اتجاه فعلى في الواقع، جرت تنميته من خلال روابط سياسية، وتنظيمية خلقها وأرساها الثوريون، وإنما على الأمنيات الطيبة لطارح الدعوة من أعلى (الإضراب العام الطويل لا يحدث تلقائياً، ولابد من التحضير العملي له، وتنظيمه، وتهيئة قيادته، ووضع إمكان تطويره إن حدث بالانتفاضة، حيث يتمايز الإضراب كمظاهرة عارضة وقتية عنه كجزء من انتفاضة مقبلة). ومن المعلوم أن اعتصام عمال الفايبر بالإسكندرية قد فض دون احتجاجات تذكر من قطاعات أخرى للطبقة العاملة.

يظل فهم الواقع كما هو تحديداً بدون إضافات غريبة، وإدراك موازين القوى الفعلي مطلباً أساسياً ماركسياً لتحديد سياسات صحيحة، وربما يكون من أهم ما يمكن أن نقدمه للثورة ولمستقبلنا نحن، أن نستخلص دروسها بموضوعية في السنوات الأربع الماضية، ونتفادى أوهامها العديدة – وكما قيل فإن الطريق لهزيمة الثورة مفروش بالأوهام – ونعد لنهوض ثوري جديد. ببناء قيادة ثورية، ونواة عمالية طليعية، وبمد جذور في أوساط الكادحين. وتلك خير طريقة نحتفل بها بذكرى الثورة. ونحن لن نهزم مادمنا نقاوم.

(*) لابد من ذكر أن محاولات بعض التنظيمات “الشيوعية” في الحلقة الثانية في بناء حزب شيوعي على غير الأسس الماركسية اللينينية، وهما طليعة العمال وحدتو؛ الأول من خلال الطليعة الوفدية، التي سيخرج منها حزب شيوعي؟!، والثاني من خلال حركة ديموقراطية واسعة، لم تهدف أصلاً لبناء حزب شيوعي بالمعنى اللينيني؟!، انتهت إلى الإخفاق ووصل كليهما في ظروف سياسية مغايرة كلياً للعهد الملكي إلى حل نفسه في نهاية المطاف، وتذيل السلطة الناصرية.

Advertisements

مناقشة

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

حمل العدد الأخير من نشرة الثوري

آخر اصداراتنا

أنت الزائر رقم

  • 68,316

%d مدونون معجبون بهذه: