مقالاتنا, تحليل سياسي

زيارة السيسي للكاتدرائية … محاولة للفهم والتحليل


Sisi-in-cathedral-470x260في ليلة عيد الميلاد، مساء الثلاثاء 6 يناير 2014، فاجأ عبد الفتاح السيسي جموع المصلين لقداس العيد في الكاتدرئية المرقسية بالعباسية، بزيارة – لم يكن معلناً عنها من قبل – لتهنئة البابا تاوضروس والمصلين من الأقباط الأرثوذكس بعيد الميلاد، لم يتوقف رد الفعل عند التصفيق الحاد الذي قابل به المصلون السيسي وكلمته “المرتجلة“، ولا عند الاحتفاء المبالغ فيه من قيادات المؤسسة الكنسية، لكن استثار هذا الحدث مواقف متعددة ومتباينة، فهناك من رحب بالزيارة باعتبارها خطوة ضرورية من الدولة تجاه مواطنيها المسيحيين، وهناك من هاجم المسيحيين لأنهم نسوا مذبحة ماسبيرو والدماء التي سالت تحت جنازير مدرعات المؤسسة العسكرية وصفقوا واحتفوا بزيارة ممثلها في السلطة، وهناك من استخدم الحدث ليبث دعايته الطائفية ليصور أن نظام السيسي عدو للمشروع الإسلامي ويستند بشكل رئيسي على المسيحيين الذين ذهب ليخطب ودهم، وأخيراً هناك من هاجم أي محاولة لتحليل الزيارة سياسياً ناعتاً كل من حاول أن يتجاوز المظهر السطحي للحدث باحثاً عن ما قد يكون وراءه من دوافع سياسية، بالتفذلك والانفصال عن الواقع والجماهير، طارحاً أن الحدث لا يحتوي سوى على المشهد الذي ظهر على شاشات التليفزيون والنية الحسنة للسيسي، بلا أفق ولا جذور ولا إمكانية للتفسير السياسي.

يقدم هذا المقال محاولة لتحليل هذا الحدث في إطار السياسة التي يتبناها نظام السيسي ووضعه الحالي، وطبيعة العلاقة بين الدولة والمؤسسة الكنسية تاريخياً، كما يحاول انطلاقاُ من هذا التحليل أن يطرح أفقاً للموقف السياسي المناسب منه.

  1. أين يقف نظام السيسي الآن

نقطة الانطلاق لتحليل أي موقف للنظام هي فهم طبيعة هذا النظام، فالسيسي لا يمثل ذاته، لكن هو ممثل نظام تشكل في ظروف خاصة، اعتمد فيها على إرهاق الجماهير نتيجة عملية ثورية طويلة استمرت عامين ونصف دون أن تبلور بديلاً سياسياً حقيقياً للنظام، وبالتالي ومع تطور الغضب الشعبي من حكم الإخوان المسلمين وعدم قدرة الإخوان على إحتوائه، ومع غياب البدائل، كانت مؤسسات الدولة وعلى رأسها المؤسسة العسكرية على أتم استعداد للاستثمار في هذا الغضب وتوجيه والاستفادة منه لاستعادة زمام الأمور، وتصفية الثورة. لكن ولأن هذه المؤسسات كانت لا تزال مهزوزة بفعل الثورة والضغوط الجماهيرية السابقة عليها، ولم تختبر بعد رد فعل الجماهير، فكان لابد أن تتم هذه التصفية باسم الثورة وتحت لافتاتها، ثم بعد تطور الصراع بين المؤسسة العسكرية والإخوان، أضيف شعار محاربة الإرهاب إلى هذه اللافتات، وتصبح هذه اللافتات هي وجهة كتل كبيرة من الجماهير المرهقة بفعل عدم الاستقرار، والتي زاد الصراع المحتدم من مخاوفها، ولم يقدم لها بديلاً متبلوراً إلا المؤسسة العسكرية في شخص وزير الدفاع آنذاك عبد الفتاح السيسي، والذي قدم باعتباره المنقذ.

لكن هذه صورة المنقذ تلك التي سمت ببطء وباحترافية في أذهان الجماهير، كانت مغايرة للواقع، فنظام السيسي نتيجة للسياق الذي تشكل فيه، كان غارقاً في التناقضات وفي الأزمات.

فمن ناحية فإن الطبقة الرأسمالية المهيمنة منقسمة على ذاتها، وفي حالة صراع دموي عنيف على الهيمنة بين أجنحتها الرئيسية؛ العسكريون والدولة من ناحية ويدعمهما قطاع كبير من الرأسماليين سواء المنتمين لنظام مبارك أو “الليبراليين“، والإخوان المسلمون ويدعمهم قطاع كبير من الإسلاميين بالإضافة إلى قطاع من الجمهور كسبه التنظيم بدأب طيلة سنوات نشاطه السياسي السابق في عهد مبارك.

بجانب هذا الصراع، من الجلي أن هذه الأجنحة حتى غير خالية من الأزمات والصراعات الداخلية، فجناح الدولة تحديداً يعاني من تصدع وصراع داخلي بين من يرغبون في استعادة نظام مبارك دون أي تغيير، وبين من يسعون لإجراء تغييرات – وإن كانت شكلية – لتجنب انفجار شعبي آخر، يمكن تلمس هذا الصراع في التصريحات المختلفة وفيما يخص الانتخابات البرلمانية وإعداد قوائمها وأيضاً في سيل التسريبات المستمر من قلب مكاتب السلطة.

أضف إلى هذا الضغط الداخلي المستمر على النظام، الضغوط الخارجية المرتبطة بتطورات الأحداث والصراعات في المنطقة، والمرتبطة بصراعات الهيمنة بين الجناحين الإمبرياليين؛ الغربي (الولايات المتحدة وأوروبا) والشرقي (روسيا والصين) والضغوط التي يمارسها كل منهما على النظام من أجل تأمين مصالحه، بالإضافة إلى ضغوط من المؤسسات الاقتصادية الدولية من أجل دفع الاقتصاد من جديد إلى المسار النيو ليبرالي الذي تعطل بعض الوقت بسبب الثورة.

يصاحب هذه الضغوط السياسية (داخلية وخارجية) التي تجعل النظام في حالة من عدم الاستقرار، استمراراً للأزمة الاقتصادية وتدهور مستمر في مستوى حياة أغلبية المواطنين المصريين، تضاعفها السياسات النيو ليبرالية للنظام فيما يخص تحرير أسعار الخدمات الأساسية وتقليل الالتزامات على الرأسماليين، بالإضافة إلى عودة القمع الأمني من جديد. هذه الأزمة الاقتصادية بالإضافة لاكتشاف الجماهير تدريجياً عودة نظام مبارك ورموزه يهددان بانفجار جماهيري جديد، أو على الأقل تراجع شعبية النظام وقبوله الجماهيري، وهو ما يشكل ضغطاً وتهديداً إضافياً على النظام.

لا يملك السيسي ونظامه في مواجهة كل هذه الضغوط إلا المناورات والمساومات، فهو يسعى لإنهاء الصراع الداخلي في قلب مؤسسات الدولة، لكنه لا يستطيع تصفية أي من الجناحين المتصارعين دون خسائر. أيضاً يسعى للتوصل إلى تسوية مع الإخوان المسلمين لتخفيف الضغط على النظام وإعادة إدماجهم فيه من جديد، وفي نفس الوقت فإن تسوية من هذا النوع ستكون متناقضة مع دعاية النظام ضد الإخوان والتعبئة الجماهيرية المضادة لهم التي حفزتها أدوات الدولة الإعلامية وشعارات الحرب على الإرهاب.

وفي مواجهة الأزمة الاقتصادية وتذمر الجماهير، لا يملك بسبب ارتباطه بالمؤسسات الاقتصادية الدولية وبسبب ضغوط الرأسماليين عليه تكرار السياسات الشعبوية الناصرية، ليس لديه سوى شعارات الحرب على الإرهاب التي ستستنفذ قدرتها على تخدير الجماهير إن آجلاً أو عاجلاً، والوعود بتغيير الأوضاع وبمشروعات قومية (قد يظهر بعد ذلك عدم جدواها مثل مشروع ميناء دمياط)، ومشاهد استعراضية يلعب فيها على أوتار بعينها لدى الجماهير ويستخدم فيها أسلوبه “العفوي” وخطابه العاطفي محاولاً الحفاظ على شعبيته.

إذن فنحن أمام نظام مأزوم، واقع تحت ضغط مستمر، ومهدد باحتمالات انقلاب الجماهير عليه مع الوقت، ولا يملك أن يقدم شيئاً حقيقياً، ويسعى لكسب قطاعات جماهيرية – أو الحفاظ على شعبيته بينها – عن طريق الوعود والمساومات والخطوات الاستعراضية.

  1. المؤسسة الكنسية والدولة

منذ تأسيس الجمهورية، وعلاقة رئيس الجمهورية بقيادة المؤسسة الكنسية تمثل أمراً جوهرياً وحيوياً بالنسبة للطرفين؛ الدولة والمؤسسة الكنسية. فالدولة التي تسيطر على كل أشكال التنظيم الجماهيري، في نفس الوقت الذي تعجز فيه عن إيجاد نفوذ جماهيري حقيقي، تسعى لأن ضمن ولاء قطاعات كاملة من الشعب عبر كسب قيادات مؤسسات قائمة بالفعل، فيمكن كسب قطاع كبير من المسيحيين عن طريق إقامة علاقة مع قيادات المؤسسة الكنسية، ويمكن كسب قطاع كبير من سكان الصعيد عن طريق كسب قيادات القبائل. وليس بالضرورة أن يكون معنى هذا الكسب هو التأييد المباشر للدولة فضمان عدم الانقلاب على الدولة أو معارضتها كافيان. وبالتالي فالدولة “الحديثة” التي أقيمت مع الجمهورية، لم تسعَ لتصفية العلاقات القبلية والطائفية القديمة بل كرستها واستخدمتها كبديل لمنظمات جماهيرية حقيقية.

والكنيسة المصرية حالة لها خصوصية في هذا السياق، فمن ناحية فالقطاع الجماهيري الذي يتبعها يشكل نسبة لا يستهان بها من السكان (تتراوح التقديرات حول نسبة 10 %)، ومن ناحية أخرى فإن نفوذ القيادات الكنسية على المواطن المسيحي وقدرتها على صياغة وجهة نظره للواقع وكيفية تفاعله معه أكبر بكثير من النفوذ الذي تملكه أي مؤسسة قبلية أو طائفية أخرى.

لذا استغلت الدولة باستمرار علاقتها مع المؤسسة الكنسية لضمان تأييد ورضا المواطنين المسيحيين، الذين اعتبرت الدولة أن المؤسسة الكنسية بقيادة البابا هي ممثلهم الشرعي والوحيد. وامتلكت الدولة على الدوام كروتاً تساوم بها المؤسسة الكنسية (تصريحات بناء الكنائس كمثال)، كما ضمنت للمؤسسة الكنسية استمرار نفوذها على المسيحيين، سواء عن طريق ترسيخ حق الكنيسة في التحدث باسم المسيحيين (خاصة في فيما يخص صياغة القوانين أو التعامل مع جهاز أمن الدولة في حالات تغيير الدين أو حتى في ترشيح الأعضاء المسيحيين المعينين في البرلمان)، أو عن طريق مواجهة حالات الانشقاق على الكنيسة (حالة الأنبا ماكسيموس).

لم تكن هذه العلاقة دائماً تسير على مستوى واحد من الانسجام والتوافق، فمرت بلحظات اختلاف (خلاف السادات والبابا شنودة على سبيل المثال) ومرت بلحظات بدا أن المؤسسة الكنسية تفقد فيها سيطرتها ونفوذها على قطاعات كبيرة من المسيحيين (لحظة الثورة على سبيل المثال)، لكن استمر الوضع في المجمل أن الدولة تسعى للدعم ولتأييد، وتتعامل مع المؤسسة الكنسية باعتبارها ممثلاً حصرياً للمسيحيين.

وبالتالي وإن كانت الدولة لا تسيطر بشكل مباشر على المؤسسة الكنسية مثلما هو الحال مع الأزهر ووزارة الأوقاف، لكنها تضمن أن تقوم المؤسسة الكنسية بدورها كأحد مؤسسات الدولة في دعم النظام وضمان استمراره، في مقابل تأمين وضع الكنيسة ونفوذها.

  1. زيارة السيسي مكسب حقيقي .. أم جعجعة بلا طعن؟

في ضوء التحليل السابق يمكن أن نتأمل زيارة السيسي للكاتدرائية ونحكم عليها سياسياً، بالتأكيد من الممكن أن تحمل الزيارة إشارة إيجابية من حيث كونها المرة الأولى التي يزور فيها رئيس جمهورية الكاتدرئية في ليلة العيد، لكن هذه الإشارة الإيجابية شكلاً لا يجب أن تحتل صدارة المشهد لتلهينا عن فهم الدوافع الرئيسية للزيارة، ولا أن تمنعنا عن فهم موقف المسيحيين المصريين الحالي منها.

التمييز الواقع على المسيحيين المصريين هو أمر واقع، قد لا يجد التمييز له سنداً قانونياً أو دستورياً، لكنه موجود وترسخه الدولة، سواء بممارسات طائفية جرى عليها العرف فيما يخص التعيين في المناصب العامة والحساسة، أو في تعاملها مع كل الأزمات الطائفية وإقرار الجلسات العرفية كبديل عن تنفيذ القانون، أو في التعامل الأمني مع كل ما يخص بناء الكنائس أو تغيير الديانة. يساعد من ترسيخ هذا التمييز على الناحية الأخرى خطاب ديني إسلامي سلفي متشدد منتشر استخدمته الدولة – وتستخدمه – في بعض الأحيان للحد من نفوذ وتأثير الإخوان المسلمين، وبالتالي فحتى وإن كانت النصوص القانونية والدستورية تمنع التمييز إلا أن التطبيق والواقع يتم من خلالهما التمييز، كما كتب ماركس في كراسه حول المسألة اليهودية: “موقف الدولة و الجمهورية خاصة من الدين، إنما هو موقف الناس الذين يشكلون الدولة من الدين وحسب“.

وبجانب هذا التمييز اليومي، ولأن المجلس العسكري في فترة حكمه الأول بعد تنحي مبارك حاول أن يستخدم الطائفية في مواجهة الثورة، فتعرض المسيحيون المصريون وكنائسهم لهجمات متعددة في أطفيح، وإمبابة وأسوان وغيرها، اكتملت بمذبحة حقيقية على يد المجلس العسكري (بعضوية السيسي آنذاك) في ماسبيرو.

إذن فهناك ظلم حقيقي واقع على المسيحيين المصريين، ظلم لن يمكن رفعه بزيارة لا تتجاوز الخمس دقائق، وترديد كلمات من عينة “حبوا بعض يا مصريين“، هذا الظلم يحتاج إجراءات قانونية وتنفيذية حقيقية بدءً من قانون موحد لدور العبادة وإنهاء المنطق العرفي في الأزمات الطائفية وصولاً إلى محاكمة ومحاسبة كل المتورطين في المذابح والاعتداءات. لكن الإجراءات التنفيذية ليست هي ما يمكن أن يقدمه السيسي، فهو لا يملك كما أسلفنا سوى الوعود، وعود بقوانين تنتظر أن تتحقق مجلس الشعب، برغم أنه منذ وصوله إلى السلطة أصدر حزمة من القوانين للسيطرة من جديد على الجامعات والحركة الاجتماعية ولخدمة مصالح قطاعات الرأسمالية المختلفة.

لا يملك السيسي سوى الوعود، لأنه من ناحية يخشى أن يخل بالتوازن الدقيق الذي يقف عليه لو أجرى أي تغيير حقيقي أو محاسبة، ومن ناحية أخرى لأنه لن يتخلى عن الكروت التي يساوم بها المؤسسة الكنسية والتي يضمن بها استمرار العلاقة كما كانت، ويصمن بها استمرار المؤسسة الكنسية كممثل وحيد للمسيحيين (يمكن بالتأكيد أن يتم تغيير قانون الأحوال الشخصية وإلغاء الزواج المدني استجابة لرغبة المؤسسة الكنسية، لكن هذا الإجراء هو لتعزيز نفوذ المؤسسة الكنسية على المسيحيين وليس لرفع تمييز واقع على المسيحيين).

  1. لماذا رحب المسيحيون بهذه الزيارة

لكن إن كانت الزيارة لم تقدم شيئاً أكثر من مشهد استعراضي جديد، يحاول السيسي فيه أن يكسب قطاع من الجماهير (المسيحيين المصريين، والمثقفين دعاة الدولة المدنية) دون أن يقدم شيئاً يتجاوز الوعود والعبارات العاطفية، لماذا رحب بها المسيحيون بهذه الطريقة، التي وصلت لقطع الصلاة والتصفيق عند دخول السيسي إلى الكاتدرائية؟

بالتأكيد جزء أساسي من الموضوع هو أن السيسي لعب على وتر جاهز عند كل المسيحيين المصريين، ارتبط بإحساسهم بالاضطهاد والتمييز وإحساسهم بأنهم مواطنين من الدرجة الثانية في نظر الدولة ومؤسساتها، وانطلاقا من هذا لن يلتفتوا إلى أي تحليل سياسي للزيارة، ولن يلتفتوا لأكثر من مظهرها الخارجي، الذي يحمل لهم بالتأكيد طمأنينة وإحساس باستعادة جزء من كرامتهم وحقوقهم.

الجزء الثاني في الأمر هو أنه حتى الآن لم يطرح أي بديل سياسي على الساحة يمكن أن يكسب ثقة الجماهير بشكل عام ، والمسيحيين بشكل خاص، فالثورة نتيجة لضعف وهشاشة التنظيمات اليسارية والديموقراطية لم تستطع أن تقدم برنامجاً عملياً يضمن المساواة لكل المواطنين يمكن أن يجذب وراءه أغلبية المصريين للنضال لتحقيقه، وهيمن على دفتها في أعين الجماهير الإسلاميين طائفيتهم وتعصبهم. وبالتالي فمن ناحية لم يقدم الجماهير في قلب لحظة الإرهاق الجماهيري الحالية، وفي قلب الخوف من الإرهاب والعنف والدماء، لهذه سوى السيسي ونظامه. ومن الناحية الأخرى لم تبلور الثورة تحركاً جماهيرياً منظم يمكن أن ينظر إليه المسيحيون باعتباره ممثلاً لهم ولحقوقهم، بديلاً عن المؤسسة الكنسية.

وبالتالي فلا بديل أمام المسيحيين المصريين سوى النظر إلى السيسي والبابا، الدولة والمؤسسة الكنسية، باعتبار أن اتفاقهما هو الحل الوحيد المطروح إلى الآن، إلى أن يظهر في المشهد بديلاً آخر.

  1. عقم التحليلات .. أم تحليلات عقيمة

في مقال له في يوليو 1917 بعنوان “بداية البونابرتية“، كتب لينين متحدثاً عن الحكومة المؤقتة البورجوازية:

إن الخطأ الأخطر والأكثر كارثية الذي يمكن أن يرتكبه الماركسيون هو أن يحكموا بالكلمات بدلاً عن الأفعال، بالمظاهر الخادعة بدلاً عن الحقيقة أو بشكل عام بدلاً عن شيء جدي.

يمكن تطبيق نفس العبارة على الوضع الحالي، فهناك قطاع كبير من المشتغلين بالسياسة، ويدعي بعضهم الانتماء للماركسية أو الاشتراكية بشكل أو بآخر، يتوقفون عند الكلمات والمظاهر الخادعة، رافضين أي محاولة لتحليل الأفعال أو الواقع الحقيقي، رافعين شعار عقم التحليلات وإفلاسها. في الحقيقة هذا الشعار معناه العملي ليس رفض التحليلات السياسية بشكل عام، لكن معناه تبني التحليل السياسي الأكثر رجعية ومحافظة – وعقماً في الحقيقة – الذي يرى أنه لا بديل عن الواقع، وأن أي محاولة لفهمه من أجل تغييره هي بلا معنى ولا جدوى.

إن تحليل زيارة السيسي للكاتدرائية هو محاولة لفهم الواقع وتعقيداته، انطلاقاً من خطوة ذكية قام بها السيسي، ومحاولة لفهم الخلفية السياسية للمشهد، بغرض استنتاج المهام التي يجب على الثوريين أن يشرعوا للقيام بها فيما يخص قطاع كبير من السكان المصريين يتعرض لاضطهاد مزدوج وللاستغلال من قبل السلطة، هم المسيحيون.

يجب على القوى التي تدعي انتمائها للثورة، وعلى وجه الخصوص الماركسيين الثوريين، أن تضع على رأس جدول أعمالها بناء البديل، البديل الذي يقدم برنامجاً يمكن تحقيقه من أجل تغيير شامل للمجتمع لمصلحة الأغلبية الكادحة من أعضاءه، ويضمن المساواة الكاملة غير المنقوصة بين كل المواطنين وإنهاء التمييز والاستغلال بكل أشكاله، ويتبنى فصل الدين عن الدولة وأن يكون الدين شأناً خاصاً، وفي نفس الوقت يقود حركة نضالية حقيقية على الأرض تضم كل المستغلين المتضررين من هذا النظام، ويجد فيها المسيحيون المصريون ممثلاُ حقيقياً لهم ولمصالحهم، حتى يمكن أن نتجاوز المشهد الحالي الذي لا يظهر فيه سوى السيسي والبابا.

Advertisements

مناقشة

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

حمل العدد الأخير من نشرة الثوري

آخر اصداراتنا

أنت الزائر رقم

  • 69,389

%d مدونون معجبون بهذه: