وحدة الترجمة, المكتبة, عربي ودولي

الأزمة في العراق .. الثمرة المرة للحرب والاحتلال


آشلي سميث

آشلي سميث

يقدم آشلي سميث عضو مجلس تحرير “انترناشيونال سوشيالست ريفيوInternational Socialist Review،  في هذا المقال الطويل عرضاً لدور الاحتلال الأمريكي للعراق في إثارة سلسلة من التفاعلات الطائفية التي ضربت المنطقة كلها طيلة السنوات الماضية، بداية من الاقتتال الطائفي في العراق وصولاً لظهور داعش، لا يتبنى المقال وجهة النظر القائلة بأن داعش هي مؤامرة أمريكية بالأساس، لكنه يرى أن عبث الولايات المتحدة ومنافسيها وحلفائها الإمبرياليين في المنطقة، وتغييرها لتوزانات القوى وخريطة القوى الاجتماعية فيها، قد سهل من ظهور مثل هذه الحركات الطائفية.

المقال منشور في مجلة International Socialist Review في عدد 94 (خريف 2014)
http://isreview.org/issue/94/crisis-iraq

الترجمة عن الإنجليزية وحدة الترجمة بـ”اليسار الثوري“.


يقف العراق على شفا حرب أهلية أخرى وتفككه المحتمل كدولة موحدة. سيطرت الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) بالفعل علي العديد من المدن العراقية وبدأت في بناء ما تدعي أنه الخلافة الإسلامية السنية. الحكومة الكردية الإقليمية (حكومة إقليم كردستان) سيطرت على كركوك وتقف مستعدة لتأكيد حقها في كأمة مضطهدة في إعلان الاستقلال، وتقلصت المساحة الواقعة تحت سيطرة رئيس الوزراء الشيعي نوري المالكي لتشمل فقط الأقسام الوسطى والجنوبية من البلاد.

أرسلت الولايات المتحدة سفناً حربية وقوات خاصة لمساعدة الدولة العراقية في الإبقاء علي تماسك البلاد. وأرسلت إيران أيضاً العديد من المستشارين والقوات. ولا ننسى روسيا التي باعت طائرات مقاتلة للمالكي ليستخدمها ضد داعش. وقد نشرت المملكة العربية السعودية والأردن قوات على حدودهما لمنع داعش من توسيع خلافتها داخل بلدانهم. وقام نظام بشار الأسد لأول مره بإطلاق صواريخ لقصف داعش. وفي نفس الوقت، قامت إسرائيل باستغلال الوضع لمهاجمة حماس في غزة. كامل النظام الذي أنشأته الإمبرياليتان البريطانية والفرنسية في الشرق الأوسط بعد الحرب العالمية الأولي، والذي أشرفت عليه الولايات المتحدة منذ الحرب العالمية الثانية، قد تزعزع بشدة.

حاول مخططي حرب جورج و. بوش على العراق من المحافظين الجدد إلقاء اللوم علي إدارة أوباما بخصوص هذه الأزمة. واحد منهم، ديك تشيني، خرج من مخبئه المجهول وانضم إلي ابنته في التنديد بإدارة أوباما. بدون أي إحساس بالمفارقة، ادعى دعاة الحرب هذين أنه: “نادراً ما أخطأ رئيس أمريكي في الكثير من الأمور بهذه الطريقة على حساب كثيرين“،[1] الحقيقة أن بوش وتشيني والمحافظين الجدد يستحقون نصيب الأسد في اللوم علي هذه الأزمة. لقد كذبوا في طريقهم إلى الحرب على العراق، وقاموا بفرض احتلال وحشي دمر البلاد، واستخدموا الطائفية لتقسيم وإخضاع المقاومة العراقية، وزعزعوا استقرار المنطقة في هذه العملية. وقد قام أوباما فقط بإتباع خطواتهم المشينة.

مشروع الحزبين الأمريكيين الإمبريالي في العراق، وليس نزعة طائفية عربية لا تنتهي، هو المسئول عن الفوضى التي تبتلع الشرق الأوسط اليوم. إن مزيد من التدخل من جانب الولايات المتحدة أو القوى المنافسة لها مثل الصين وروسيا لن تفعل سوى تعميق الأزمة.

التقسيم الإمبريالي

يمكن العثور على الجذور العميقة للأزمة في العراق والمنطقة في تقسيم القوى الامبريالية للإمبراطورية العثمانية بعد الحرب العالمية الأولي. من خلال المعاهدات السرية، مثل سايكس بيكو، قسمت بريطانيا وفرنسا المنطقة إلى دول منفصلة يحكمها ملوك عرب قامتا هما باختيارهم. فصلا بشكل مصطنع الشعوب، حيث اعترفا للبعض بدول قومية ونبذا آخرين مثل الأكراد، الذين تعرضوا كنتيجة لذلك إلى عقود من الاضطهاد القومي.

من خلال وعد بلفور، وضعت بريطانيا أيضاً إنشاء إسرائيل كدولة استيطانية استعمارية طردت الشعب الفلسطيني الأصلي من أرضه حيز التنفيذ. وفي النهاية أسس الصهاينة إسرائيل في عام 1948 بموافقة كاملة من الأمم المتحدة، طاردين موجات من الفلسطينيين على مدى العقود التالية.[2]

بعد انتصارها في الحرب العالمية الثانية، حلت الولايات المتحدة محل القوي الأوروبية في الشرق الأوسط، وقد هدفت الولايات المتحدة أولاً إلى تأمين السيطرة علي النفط المكتشف حديثاً في المملكة العربية السعودية، الذي أطلقت عليه الخارجية الأمريكية “مصدر هائل للقوة الإستراتيجية، وواحد من أهم المكاسب المادية في تاريخ العالم“،[3] مع انهيار السيطرة الاستعمارية في المنطقة وصعود دول مستقلة ودول مستقلة اسمياً، هدفت الولايات المتحدة لاحتواء أي مظهر من مظاهر القومية العربية أو النفوذ الروسي في المنطقة. لتحقيق هذا الهدف، دعمت الولايات المتحدة الدكتاتوريات والملكيات الرجعية. في إيران، خططت الولايات المتحدة لانقلاب 1954 الذي وضع الشاه الدكتاتور بهلوي في السلطة. ولمراقبة هذا النظام الجديد، وخاصة منذ انتصار إسرائيل في حرب عام 1967، استخدمت الإدارات المتعاقبة الدولة الصهيونية ككلب حراستها الرئيسي في المنطقة.

بالإضافة إلى مواجهة الحركات القومية والعلمانية اليسارية، التي هددت هيمنتها، قامت الولايات المتحدة بدعم الأصولية الإسلامية في السعودية وباكستان لتقويض القوي الثورية في كل المنطقة. [4]

في الفترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، اعتمدت الولايات المتحدة على ثلاث دول رئيسية – المملكة العربية السعودية وإيران وإسرائيل – لترسيخ هيمنتها الإقليمية. عملت الولايات المتحدة علي ترهيب وترغيب الديكتاتوريات العربية الأخرى، مثل أنور السادات في مصر، لضمهم إلى معسكرها في الحرب الباردة. وبالتالي رسخت واشنطن نفسها كحامي للثورة المضادة في المنطقة؛ كعدو للتحرر الوطني، والحركة العمالية، والديمقراطية.

سقط الترتيب المفروض من أمريكا للمنطقة في 1979، عندما أطاحت الثورة الإيرانية بالشاه. وعلي الرغم من رجعية نظام آية الله الخميني، فقد عارض الولايات المتحدة. وفي الوقت نفسه، في أفغانستان، دعمت الولايات المتحدة وباكستان والمملكة العربية السعودية المجاهدين الأصوليين ضد النظام الستاليني في البلاد مما دفع الاتحاد السوفييتي لغزو واحتلال البلاد. استخدم الرئيس كارتر هذا الغزو لتبرير سياسة التدخل العسكري المباشر في الشرق الأوسط. وفي خطاب حالة الاتحاد عام 1980، أعلن كارتر:”ليكن موقفنا واضحاً تماماً: أي محاولة من قبل أي قوة خارجية للسيطرة على الخليج الفارسي سيتم اعتبارها كاعتداء على المصالح الحيوية للولايات المتحدة الأمريكية، وسيتم صد هذا الهجوم بكل الوسائل الضرورية، بما في ذلك القوه العسكرية“.[5]

وضع مبدأ كارتر الولايات المتحدة على نهج التدخل العسكري المتزايد في الشرق الأوسط بشكل عام والعراق بشكل خاص. واصل خليفة كارتر رونالد ريغان تمويل وتسليح القوات الأصولية الإسلامية في أفغانستان، بما في ذلك مؤسس تنظيم القاعدة، أسامة بن لادن.[6] كما أيد حرب صدام حسين ضد إيران التي، بينما انتهت إلى طريق مسدود، أدت إلى مذبحه راح ضحيتها أكثر من مليون شخص.

خرج العراق من هذه الحرب في حالة من الفوضى ومكبل بدين قدره 14 مليار دولار إلى الكويت، ولا يمتلك القدرة علي سداده. غزا صدام حسين الكويت للاستيلاء على نفطها، ونهب بنوكها، والسيطرة على مينائها لتصدير النفط. أعتقد صدام حسين عن طريق الخطأ أن لديه الضوء الأخضر من الولايات المتحدة بعدما أخبره السفير الأمريكي أبريل غلاسبي “ليس لدينا رأي في النزاعات العربية العربية، مثل خلافك الحدودي مع الكويت“.[7]

مذبحة بوش الأب في الخليج

أدرك الرئيس بوش الأب أن حليفته السابقة قد خرجت عن السيطرة، وأصبحت تشكل الآن خطراً محتملاً على الهيمنة الأمريكية. لذا أطلق حرب الخليج لطرد العراق من الكويت. وقد لخص لورنس كورب، السكرتير المساعد لوزارة الدفاع لدي ريغان، الدوافع الأمريكية عندما قال”إن كانت الكويت تزرع الجزر، لم نكن لنمنح الموضوع أي اهتمام“.

بشر بوش بحرب الخليج كبداية لـ”نظام عالمي جديد“، خاصة بعد انهيار إمبراطورية روسيا في أوروبا الشرقية، وقد كانت الإستراتيجية الأمريكية الكبرى هي أن تؤسس نفسها كالقوة العالمية المهيمنة الوحيدة التي من شأنها أن تفرض اقتصاديات الليبرالية الجديدة وسحق أي مما يسمي بالدول المارقة التي تقف في طريقها. استخدمت الإدارات الجمهورية والديموقراطية تكتيكات متعددة وأحادية الجوانب على السواء لفرض هذا النظام أحادي القطب، الذي حل محل النظام ثنائي القطب للحرب الباردة.

في الشرق الأوسط، سعت الولايات المتحدة لمنع عراق صدام حسين من أن يصبح قوة إقليمية، نشر عن وزير الخارجية الأمريكية جيمس بيكر أنه قال لوزير الخارجية العراقي طارق عزيز في عام 1991ان الولايات المتحدة سوف تعيد العراق “إلى العصر الحجري“.[8] إن قصف أغسطس 1990 والهجوم البري الذي تلاه لإجبار القوات العراقية علي الخروج من الكويت، دمر البنية التحتية للعراق وخلف 100000 قتيل و300000 جريح. ولكن الولايات المتحدة قررت ألا تسقط حكومة صدام حسين. مفضلة ديكتاتور تم إضعافه على بدائل لا يمكنها التحكم فيها قد تتسبب في زعزعة استقرار المنطقة بشدة.

لذا، وعلي الرغم من أن بوش شجع شيعة وأكراد العراق علي الانتفاض ضد النظام، ولكنه رفض مد يد العون إلى تمردهم. وبدلاً من ذلك وقف جانباً يراقب الجيش العراقي يذبح الآلاف من الشعب. وفي أعقاب ذلك، فرض منطقة حظر جوي في الشمال الكردي والجنوب الشيعي، وبهذا شرع في عملية تفتيت العراق. استخدم الأكراد بوجه خاص غطاء للقوة الجوية الأمريكية لتطوير اقتصادهم الخاص ووضع الأساس لدولة خاصة بهم.

عقوبات الإبادة الجماعية

اختار بوش وخليفته بيل كلينتون سياسة الاحتواء المزدوج للعراق وإيران. لقد فرضا نظام عقوبات بموافقة الأمم المتحدة على كلا البلدين. في حالة العراق، فإنها منعت أي شيء يمكن أن يكون له استخدامات مزدوجة؛ للجيش و للأغراض مدنية. هذا يعني منع استيراد كل شيء من الأقلام الرصاص إلى أدوية حيوية لعلاج السرطان.[9] كما أجبروا النظام على السماح بدخول مفتشي الأسلحة وقاموا بحملات قصف منتظمة في كل مرة يعصي صدام حسين فرماناتهم الإمبريالية.

دمرت العقوبات المزيد من العراق الذي مزقته الحرب. قدرت الأمم المتحدة أن العقوبات قتلت نصف مليون طفل.[10] ليزلي ستال واجهت مادلين أولبرايت وزيرة خارجية كلينتون في برنامج “60 دقيقة“، في تحدي أخلاقي معلقة: “سمعنا أن نصف مليون طفل لقوا حتفهم. أعني أن هذا عدد أكبر من الأطفال من ضحايا هيروشيما، هل الثمن يستحق ذلك؟” أجابت أولبرايت “أنا أعتقد أن هذا خيار صعب، ولكن الثمن كما نعتقد يستحق“.[11]

هناك موقف أقلية في الطبقة الحاكمة، يمثلهم أمثال وكيل وزارة الدفاع للشؤون السياسية وقتها، بول وولفويتز، الذي أنشأ مع آخرين يصفون أنفسهم بالمحافظين الجدد، مشروع القرن الأمريكي الجديد، الذي يريد أن تجري الولايات المتحدة تغييرات في الأنظمة بالعراق وفي المنطقة ككل. ولكن بوش وكلينتون رفضا هذا جملة وتفصيلاً.

لفرض هذا الاحتواء المزدوج، أنشأت الولايات المتحدة قواعد عسكرية في جميع أنحاء الشرق الأوسط بما في ذلك المملكة العربية السعودية، هذا القرار المصيري أثار بن لادن، المتعاون السابق مع أمريكا، وجعله يأمر القاعدة بشن هجمات علي الأهداف الأمريكية.

أجبر تحرك دولي واشنطن على تخفيف عقوباتها. استغل العراق وإيران هذه المساحة لتأسيس علاقات تجارية قانونية وغير قانونية مع عدد كبير من الدول. كانت سياسة الاحتواء المزدوج تنهار. وسط أزمة هذه السياسة، هاج المحافظون الجدد من أجل إستراتيجية بديلة لتغيير النظام في العراق. وتحت هذا الضغط، حث كلينتون الكونجرس الأمريكي على تمرير “قانون تحرير العراق” عام 1998 والذي ألزم الولايات المتحدة بإسقاط صدام حسين.

كان إدعاء كلينتون أن العراق تمثل تهديداُ لأمريكا هو كذب، إن عقدين من الحرب والعقوبات حولتها من دولة ذات مستوى معيشة يتساوى مع اليونان إلى واحدة على قدم المساواة مع دول جنوب الصحراء الكبرى في أفريقيا. قضى مفتشو الأمم المتحدة على قدرة العراق علي إنتاج أسلحة دمار شامل. لقد كانت دولة منهكة علي وشك الانهيار، يحكمها طاغية تحتقره كافة شرائح المجتمع.

الغطرسة الإمبريالية لبوش الابن

وصل بوش الابن إلى الحكم معه شريحة كاملة من المحافظين الجدد في الوظائف الأصغر في إدارته. عندما هاجمت القاعدة مركز التجارة العالمي والبنتاجون في 11 / 9، استغل المحافظون الجدد المأساة لإقناع بوش بإعلان ما أسماه بـ”الحرب علي الإرهاب“.

وبينما كانت رغبة الولايات المتحدة سحق تنظيم القاعدة، كان هذا المشروع ثانوياً بالنسبة لطموحهم الرئيسي في تحويل وإخضاع الشرق الأوسط. ومع سيطرتها على المنطقة، كانت الولايات المتحدة تهدف إلى تأكيد هيمنتها علي كل منافسيها، خاصة الصين، والتي يغذى نفط المنطقة اقتصادها. وبهذا سوف تتمكن الولايات المتحدة من تأمين وضع سيطرة لا نظير له علي عالم أحادي القطب وتفتتح، بحسب كلمات المحافظين الجدد، “قرن أمريكي جديد“.

كما هدف بوش الابن علي تحطيم كارتل الأوبيك، وخصخصة صناعة النفط المؤممة في المنطقة، وفتحها لشركات النفط متعددة الجنسيات، وزيادة الإنتاج وبالتالي خفض تكلفة النفط. [12] لتحقيق هذه الأهداف، خطط بوش لإسقاط صدام حسين وإجراء تغييرات في النظامين السوري والإيراني. قال أحد المسئولين البريطانيين القريبين لإدارة بوش لجريدة نيوزويك: “إن الجميع يريدون الذهاب إلى بغداد، لكن الرجال الحقيقيون يريدون الذهاب إلى طهران،[13] كان بوش يأمل في صناعة أنظمه ليبرالية جديدة مرنة وحليفة للولايات المتحدة في كل الشرق الأوسط.

أثار مسئولو الولايات المتحدة الأكاذيب لتبرير المشروع الإمبريالي. لقد ادعوا أن صدام حسين يمتلك أسلحة دمار شامل وأنه يتعاون مع القاعدة. وبالطبع لم يكن أي من هذا صحيحاً، كما صرح محافظ البنك المركزي الأمريكي الأسبق آلان غرينسبان “إن الجميع يعلمون أن حرب العراق في جانب كبير منها بسبب النفط“.[14]

اختارت قيادة الحزب الديموقراطي، بما فيهم هيلاري كلينتون، “الاختيار الصعب” بدعم حرب بوش. ردد إعلام الشركات،(*) وخاصة جريدة نيويورك تايمز، أكاذيب بوش. لكن في 15 فبراير 2003، ظهرت حركة ضد الحرب ضخمة لمواجهة حملة المؤسسات للحرب، عندما خرج عشرات الملايين في كل أنحاء العالم في مسيرات ضد الحرب الوشيكة. ولكن بوش تجاهل المحتجين معتبرهم مجرد “مجموعة استطلاع رأي“.

تجاوز بوش الأمم المتحدة وأسس ما أطلق عليه “تحالف الراغبين“، كان أؤلئك الراغبين بريطانيا ودولتين متطوعتين أخرتين فقط. كانت البقية دول ضعيفة قامت الحكومة الأمريكية بشرائها أو بإجبارها على المشاركة في المجهود الحربي. ومن أجل حشد الدعم من أنظمة عربية، استبعدت الولايات المتحدة إسرائيل من الصراع.

فيما أسمته واشنطن بسياسة “الصدمة والرعب“، بدأت حملة القصف المشترك والغزو البري في 19 مارس عام 2003. وفي 5 أبريل وقبل أربعة أيام من نهاية المرحلة الأولى من الغزو، أعلنت صحيفة الإندبندنت أن قوات “التحالف” قد “أطلقت 725 صاروخ من طراز توماهوك و18000 غارة جوية، وأسقطت 50 قنبلة عنقودية، وأطلقت 12000 قذيفة عالية التوجيه“.[15]

الاحتلال والمقاومة

قال نائب الرئيس الامريكي ديك تشيني لبرنامج “التقي بالصحافةMeet the Press على قناة NBC في 16 مارس 2003، أن القوات الأمريكية سيتم الترحيب بها في العراق كـ”محررين“. عرض الجيش الأمريكي أحداث دعائية مثل الإسقاط المشين لتمثال صدام حسين في ميدان الفردوس ببغداد لتأكيد أوهامهم الخاصة، [16] بالطبع كان معظم العراقيين سعداء برؤية مضطهدهم يسقط. حتى حرس صدام حسين الجمهوري كان خائفاً ولم يحارب حتى للدفاع عن النظام. لكن علي الرغم من ذلك، لم يحتفل أي عراقي بالاحتلال الأمريكي .

أمل الشيعة في المطالبة بحقوقهم الدينية، وأيضاً في تشكيل مستقبل الدولة باعتبارهم أغلبيتها. كان السنة قلقون من أن تتم معاقبتهم لكونهم القاعدة غير المتجانسة لحزب صدام حسين “البعث“. فقط الأكراد كانوا سعداء نسبياً، يأملون أن يستطيعون إقامة دولة مستقلة (كانت المناطق الكردية في شمال العراق قد حققت بالفعل قدراً من الحكم الذاتي تحت حماية الحظر الجوي الأمريكي بعد حرب الخليج الأولى). ولكن الولايات المتحدة عارضت إقامة كردستان مستقلة، مفضله الإبقاء علي العراق كدولة موحده مراعاة لحليفتها تركيا.

سريعاً قامت الولايات المتحدة بعزل الطبقات الحاكمة السنية والشيعية وأتباعهم. وقام بول بريمير، مندوب بوش، بفرض الإصلاحات الليبرالية الجديدة علي الاقتصاد العراقي الذي كان تحت سيطرة الدولة، مخصخصاً بقدر استطاعته. ولكنه فشل في بناء أي شيء بديل، لذا أُفقر السكان البائسين بالفعل. ولم تتحقق أبداً الوعود بأن صناعة النفط المخصخصة حديثاً سوف تقم بتغطية عملية إعادة الإعمار.

فجرت أول ثلاثة أوامر عامة لبريمر مقاومة واسعة. كان الأمر الأول هو فصل كل البعثيين من وظائفهم الحكومية. وحيث أن نظام صدام حسين كان يعتمد علي السكان السنة، وكان التوظيف يعتمد على عضوية حزب البعث، فقد المهنيين والعمال السنة وظائفهم في كل شيء من بيروقراطية الدولة إلى التعليم العام. وفي الحال تحولوا ضد الاحتلال.

الأمر الثاني سرح الجيش العراقي المكون من 450000 عراقي، والذي كان المؤسسة القومية الوحيدة الغير طائفية. فساعد عديد من الضباط ذوي الأغلبية السنة في تنظيم المقاومة بأسلوب حرب العصابات. وترك المجندون الشيعة المعدمين، بلا أي فرص لوظائف أخرى في اقتصاد مدمر.

الأمر الثالث أجل عملية الانتخابات وأعلن فعلياً الدولة تحت الاحتلال الاستعماري. أغضب هذا الطبقة الحاكمة الشيعية والتي كانت تأمل في تولي قيادة الدولة. وبهذا فقد أثارت قرارات بريمر نضالاً متشظياً للتحرر الوطني.

بدأ السنة نضال حرب عصابات مدعوم شعبياً تحت قيادة متنوعة من إسلاميين، وبعثيين سابقين، وقادة القبائل. وأطلق رجل الدين الشيعي مقتدي الصدر، حملة من مظاهرات حاشدة تطالب بالانتخابات ووضع حد للاحتلال. علي الرغم من إعلان بوش الانتصار في حرب 2003، كانت حربه الاستعمارية في مواجهة الشعب العراقي كانت فقط في بدايتها.

بوش يزرع الطائفية العراقية

واجه المحتلون الأمريكان نضال التحرر بقمع وحشي. أجروا عمليات تمشيط للمناطق السنية، واعتقلوا الآلاف، ووضعوهم بسجون صدام حسين، مثل سجن أبو غريب الشهير، وعذبوهم من أجل المعلومات. سجلت صورة التقطها أحد حراس السجن الأمريكان الاعتداء الوحشي على الأسرى. أظهرت رجلاً عراقياً واقفاً علي صندوق، ومغطي الرأس، ويديه موصلة بأسلاك كهرباء إلى مقبس في الحائط. حلت هذه الصورة، عن حق، محل الإسقاط المرتب لتمثال صدام حسين، كالرمز الحقيقي للاحتلال الأمريكي.

استهدف نظام الاحتلال أيضاً المقاومة الشيعية، محاولاً أكثر من مرة كبح وقمع حركة الصدر. لكن هذه دفع الصدريين نحو تحالف مع نضال المقاومة السنية. بمجرد أن أدركت الولايات المتحدة أنها تخاطر بتوحيد المقاومتين، عادت إلى أقدم حيلة في قواعد اللعبة الإمبريالية؛ فرق تسد، وفي هذه الحالة تأجيج الانقسام الطائفي.

أولاً، وضعت الولايات المتحدة عملية انتخابية وتوزيع للمناصب الحكومية على غرار النموذج اللبناني، يقسمان المناصب الحكومية طبقاً للطائفة والقومية. وهذا جعل السياسة العراقية مفتوحة للجميع. وبمجرد أن وضع هذا النظام الانتخابي في حيز التنفيذ، أدركت الطبقة الحاكمة السنية أنها كأقلية في النظام المفتوح الجديد ستخسر أمام الأحزاب الشيعية وأغلبيتها الطائفية. أدي هذا إلى مقاطعة من ناخبي الأولين. كنتيجة سيطرت الأحزاب الطائفية الدينية للشيعة، مثل المجلس الأعلى الإسلامي وحزب الدعوة بقيادة المالكي، على الدولة المركزية ولم يتخلوا عنها أبداً.

ثانياً، استغلت الولايات المتحدة نشأة تنظيم القاعدة في العراق ككعب أخيل لأي أمل في وحدة عراقية. علي العكس من دعاية بوش فتنظيم القاعدة لم يكن له أي علاقة بنظام صدام حسين ولم يوجد في البلاد قبل الاحتلال. قام الأردني أبو مصعب الزرقاوي بإنشاء تنظيم القاعدة في العراق في أواخر عام 2004. استهدف أولئك المتعصبين السكان الشيعة ومزاراتهم الدينية.

كرد فعل، استخدمت الأحزاب الشيعية قواتها شبه العسكرية، مثل جيش المهدي التابع للصدر وفيلق بدر التابع للمجلس الأعلى الإسلامي، والتي كانت قد أنشأت لتوفير النظام وسط فوضى الاحتلال، بشكل متزايد في الدفاع عن النفس في مواجهة الهجمات الطائفية لتنظيم القاعدة ضد المدنيين الشيعيين والمزارات الدينية. طبقت واشنطن ما يسمى خيار سلفادور؛ فأدمجت الميليشيات الشيعية في قوات الأمن العراقية واستخدمتهم للهجوم ليس فقط على تنظيم القاعدة، ولكن أيضا المقاومة السنية والسكان المدنيين.[17]

حرب أهلية طائفية

أوجدت الولايات المتحدة شكلاً من أشكال الصراع الطائفي لم يوجد من قبل في تاريخ العراق. بينما كان نظام صدام حسين يعتمد في الغالب علي النخبة السنية، امتلك قادة وأعضاء شيعة. كان طاغية غير طائفي. قبل الاحتلال كان التزاوج بين السنة والشيعة شائع جداً. وكانت المجموعة الوحيدة المضطهدة بشكل منهجي هي الأكراد.

أشعلت الطائفية التي زرعها لها بوش الحرب الأهلية بين السنة والشيعة والتي احتدمت من 2006 حتى 2008. كان يقتل في أوجها 3000 شهرياً. دفع القتال 2 مليون لاجئ إلى الأردن وسوريا وشردت 2 مليون آخرين داخل العراق. تحولت بغداد في أثناء العملية من مدينه ذات أغلبية سنية قبل الحرب الأهلية إلى ذات أغلبية شيعية اليوم.

بوصول العراق إلى حافة التحلل، نفذ بوش “اندفاعه” الأشهر. فنشر قوات من 20000 جندي في عام 2007 خاصة في بغداد، بزعم أنهم سوف يضعون حداً للحرب الأهلية. لم يكن هذا سوى واحدة أخرى من أكاذيب بوش. في الواقع، كانت المليشيات الشيعية قد انتصرت بالفعل في الحرب وهدأ القتال. كانت قيادة القبائل السنية أوقفت قتالها للنظام وبدلاً من ذلك شكلت مجالس الصحوات لمهاجمة تنظيم القاعدة في العراق.

قام بوش بتحييد مقاتلي مجالس الصحوات من خلال وضعهم على جدول الرواتب الأمريكي ووعدهم أن يقنع رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي بدمج مقاتلي المجلس في الجيش العراقي ووضع حد لسياسة اجتثاث البعث المعادية للسنة. لكن المالكي رفض. ومع ذلك، واصل بوش دعم المالكي، الذي كان قد تم انتقائه ليكون رئيس وزراء البلاد في عام 2006. مع كلا من الدعم الإيراني والأمريكي، كان المالكي عازم على إقامة دولة شيعية طائفية.

أقلمة الطائفية

بحلول عام 2008، كانت الأوهام الإمبريالية لبوش حول تغيير النظام المسيطر في جميع أنحاء الشرق الأوسط قد اختفت. عانت الولايات المتحدة من انتكاسات مهينة في كل من أفغانستان والعراق. وعلاوة على ذلك، خسرت إسرائيل حربها ضد حزب الله في لبنان في عام 2006. وصف الجنرال وليام أودوم غزو بوش للعراق أنه “أعظم كارثة إستراتيجية في تاريخ الولايات المتحدة“.[18]

بدلاً من إلغاء فكرة الهيمنة العالمية الأمريكية، عجلت حرب العراق بالتراجع النسبي للإمبريالية الأمريكية ضد منافسيها الدوليين والإقليميين. بدأت الصين وغيرها من القوى الصاعدة إلى فرض نفسها في مناطق عبر كل أنحاء العالم.

في الشرق الأوسط، كان المستفيد الرئيسي من الحرب علي العراق هي للمفارقة إيران. لقد أمنت حليف شيعي في عراق المالكي لتضمه إلى شركائها الآخرين، الأسد في سوريا، وحزب الله في لبنان ولبعض الوقت حماس في فلسطين. كما أمنت أيضاً زيادة في العلاقات التجارية مع منافسي الإمبريالية الأمريكية؛ الصين وروسيا، وأيضاً خصمها الأمريكي الجنوبي فنزويلا.

بوقوع مشروعه الإمبريالي في أزمة، تراجع بوش إلى إستراتيجية من توازن القوي لاحتواء إيران وما يطلق عليه “الهلال الشيعي“. التفت إلى المملكة العربية السعودية ودول الخليج السنية الرجعية الأخرى لمواجهة صعود إيران النسبي. وبذلك أقلم الطائفية التي شكلها داخل العراق. وكي لا تخرج من المشهد، بدأت إسرائيل في دق طبول حربها، مطالبة الولايات المتحدة أن تشن ضربات جوية ضد برنامج إيران النووي المدني.

جهود أوباما الفاشلة للإصلاح

توجهت الطبقة الحاكمة في الولايات المتحدة إلى باراك أوباما والديموقراطيين لترميم الإمبراطورية الممزقة. وصل أوباما إلى السلطة في ظل نظام عالمي دولي مختلف. انتهى النظام العالمي أحادي القطب. وفي المقابل واجه نظام عالمي ناشئ متعدد الأقطاب بشكل لا متماثل، فيه الولايات المتحدة هي القوة العظمى الوحيدة لكن تواجه الصين كمنافس دولي محتمل، بجانب مجموعة من المنافسين الإقليميين. لذا لاذ بالتعددية ليحافظ على حلفاء أمريكا بجانبها للحفاظ على موقعها المهيمن. وحاول إعادة توجيه السياسة الخارجية بعيداً عن الشرق الأوسط بواسطة “توجهه الأسيوي” ليحتوي الصين. كما سعى أيضاً بشكل متزايد لاحتواء روسيا التي عادت للظهور في أوروبا الشرقية وآسيا الوسطى.

لكن ردود الفعل السلبية متزايدة الحدة نتيجة لحرب بوش الفاشلة على الإرهاب جعلت إعادة التوجيه هذه أقرب للمستحيل. وبينما كان أوباما يتجنب الاجتياحات البرية، ضاعف في الحقيقة رهانه في الحرب على الإرهاب على هجمات الطائرات بدون طيار أكثر من أي وقت مضى في باكستان واليمن وكل الأماكن الأخرى. وقلد اندفاعة بوش في العراق بأخرى تخصه في أفغانستان، والتي كانت حتى أقل نجاحاً، لم تنجح لا في هزيمة طالبان ولا في إعادة إعمار البلد. وفي العراق، حذا بشكل أساسي حذو بوش، داعماً دولة المالكي الشيعية الطائفية في نفس الوقت الذي يضغط عليه ليدمج السنة في قلب النظام.

لم يفشل أوباما فقط في الحصول على موافقة المالكي على هذا الإدماج، لكن أيضاً في إجبار العراق على الموافقة على اتفاقية لوضع القوات من شأنها أن تضمن حصانة قانونية للقوات الأمريكية. أراد المالكي وداعمته الرئيسية إيران إنهاء الاحتلال كي يمكنهم تعزيز سلطة الشيعة في العراق. وبوصوله إلى طريق مسدود، أنهى أوباما الاحتلال بشكل محرج في ديسمبر 2011، عندما هرولت آخر القوات الأمريكية خارج البلاد في منتصف الليل.

دعا أوباما حرب العراق، التي عارضها يوماً ما، “نجاحاً“، و”إنجاز استثنائي“. وتفاخر أنها خلفت “عراق مستقر ذا سيادة ويعتمد على ذاته، بحكومة تمثيلية انتخبت بواسطة الشعب العراقي“.[19] في الحقيقة، بددت الولايات المتحدة 3 تريليون دولار، و 4500 جندي، و30 ألف مصاب آخرين، لتهدم العراق. وتم التضحية بحياة مليون عراقي من أجل السيطرة الإمبريالية على النفط. خلفت الحرب ديكتاتورية شيعية تحكم مجتمعاً تصدع بسبب الصراع الطائفي، وخلفت المنطقة على شفا أزمة أعمق.

انحدار العراق أكثر إلى الطائفية

بتحرره من الضغط الأمريكي، تخلص المالكي من منافسيه السنة. ففصل العشرات من البيروقراطيين السنيين، متهمهم بأنهم بعثيين وإرهابيين. حتى إنه اتهم نائب الرئيس طارق الهاشمي بالإرهاب. وبعد هرب الهاشمي إلى تركيا، أدانته الحكومة العراقية غيابياً وحكم عليه بالإعدام.

أيضاً واجه المالكي حكومة إقليم كردستان، والتي تجاوزت الدولة العراقية لتعقد اتفاقات نفطية مباشرة مع تركيا. فتحدى الحكام الأكراد في السيطرة على كركوك واحتياطياتها النفطية الهائلة. لذا، وبينما فقدت الدولة الأمريكية وإعلام شركاتها المطيع السيطرة على الأحداث في العراق، كانت جولة جديدة من الطائفية المسمومة والصراعات القومية تتخمر.

كرد فعل على طائفية المالكي، انتفض السكان السنة في احتجاجات سلمية حاشدة في 2012 و2013. أطلق البعض عليها الربيع العراقي. في مواضع مختلفة بدا أنها من الممكن أن تحفز المقاومة للمالكي، ليس فقط بين السنة، لكن أيضاً الأكراد والشيعة، لكن لم يكن هناك منظمة جماهيرية تملك السياسات القادرة على تحقيق هذا الاحتمال. قادت كل أنواع القوى الاحتجاجات السنية، من “الحزب الإسلامي العراقي” إلى البعثيين السابقين في الطريقة النقشبندية، ومجالس الصحوات لقادة العشائر، وداعش. طالبوا بإنهاء اضطهاد المالكي الطائفي وبنصيبهم العادل من دخل النفط العراقي كي يستطيعوا إعادة بناء قطاعهم من البلد.

مثل سادته الأمريكيين السابقين، استجاب المالكي للتحرك بالقوة الوحشية. أرسل الجيش العراقي الذي يتكون معظمه من الشيعة لقمع التظاهرات، والقبض على المشاركين، وسجنهم وتعذيبهم. وبينما انتقد أوباما المالكي، دعم الدولة الشيعية مع ذلك إلى أقصى درجة بالمعونات المالية والعسكرية. زادت إيران أيضاً معونتها العسكرية للمالكي، وأمدته بـ 195 مليون دولار في شكل أسلحة في بداية 2014.[20]

الثورة المضادة الطائفية الإقليمية

إن الطائفية التي شجعتها الولايات المتحدة في المنطقة عادت بنتائجها على العراق، دافعة إياه نحو حرب أهلية جديدة أخرى ونحو التفتت. فالطبقات الحاكمة للمنطقة، التي استخدمت الطائفية كجزء من مناوراتها من أجل مكانتها في المنطقة، الآن تستخدمه كجزء من ثورتها المضادة في مواجهة ربيع 2011 العربي؛ الثورات الجماهيرية التي أطاحت بالديكتاتورين المؤيدين للأمريكان في تونس ومصر.

لم ينتفض هؤلاء فقط من أجل الديموقراطية، لكن أيضاً من أجل إعادة توزيع الثروة، ولمناهضة الإمبريالية الأمريكية. عارضت الولايات المتحدة الربيع العربي في البداية، لكن بعدها حاولت أن تتحاشى مواجهته وتستخدم الثوار من أجل أغراضها الخاصة. لذا استخدم أوباما قوة جوية هائلة لتساعد الثورة الليبية في إسقاط الديكتاتور معمر القذافي، الذي كان حليفاً لأمريكا أحياناً وخصم لها أحياناً أخرى.

وبإدراك واشنطون سريعاً أن الثورات تهدد حلفائها الرئيسيين، خاصة المملكة العربية السعودية، غضت الطرف عندما أرسل السعوديون قوات إلى مملكة البحرين في الخليج لسحق الانتفاضة ذات الأغلبية الشيعية. (يشكل الشيعة 70 % من تعداد البحرين، لكن العائلة المالكة سنية). سريعاً تحولت دول المنطقة إلى القمع وتكتيكات فرق تسد على أساس طائفي للحفاظ على سلطتها.

أصبحت سوريا هي بؤرة هذه الثورة المضادة الطائفية. فأسرة الأسد، استمرت نفسها تحكم النظام السوري، مثل ملكيات الخليج، لمدة أربعين عاماً، واستخدم أفرادها سلطتهم ليحوزوا السيطرة على الجانب الأكبر من الاقتصاد السوري ويقمعوا بالعنف كل معارضة. بدأت الثورة هناك كانتفاضة جماهيرية سلمية، موحدة كل المجموعات الدينية ضد الحكم المطلق الوحشي للأسد وسياساته الاقتصادية الليبرالية الجديدة. فدولة الأسد، برغم إدعاءات المدافعين عنها من الستالينيين، هي في الحقيقة طائفية تماماً. جهاز الدولة الأمني يعتمد على الأقلية العلوية في الدولة، والتي تشكل ديانتها فرعاً من الإسلام الشيعي، وقمع بشكل مستمر أغلبية الدولة السنية. قمع الأسد الثورة بوحشية واستخدم الطائفية ليشتتها ويخضعها. أولاً، طلب الدعم من حلفائه الشيعة؛ إيران وحزب الله اللبناني، ليمدوه بالسلاح والمستشارين والقوات لدعم حربه المضادة للثورة. (تلقى أيضاً دعماً من روسيا والصين).

ثانياً، أطلق الأسد سراح عشرات من المتشددين السنة من سجونه.[21] كان هدفه هو إدخال طابور خامس من المتشددين السنة في صفوف الثورة، التي كانت اندفاعاتها الأولى خالية من الطائفية لدرجة كبيرة. كان يعلم أن هذه القوى سوف تهاجم العلويين والمسيحيين، وتدفعهم بعيداً عن الثورة وإلى أحضان النظام. ويمكن أن يظهر بعدها بمظهر المدافع عن نظام القومي العلماني وحقوق الأقليات ضد الطائفية السنية، مقلصاً المجال السياسي أمام القوى الثورية الجماهيرية غير الطائفية.

نصبت إدارة أوباما نفسها في البداية كداعم للثورة السورية، آملة أن تكرر عملها في ليبيا. لكن بعد أن أصبح جلياً أن تدخلها في ليبيا لم يوجد حليف مستقر لكن فقط مزيداً من الفوضى واغتيال سفيرها، كريس ستيفينز، تخلى أوباما عن هدف تغيير النظام في سوريا. وبدلاً من ذلك، تبنى ما يدعى بـ”الحل اليمني“، ساعياً للتخلص من الأسد لكن الحفاظ على قلب دولته. لذا، أعطى أوباما فقط الدعم الأدنى للجيش السوري الحر وأراد استخدامهم فقط ككارت مساومة في عملية التجهيز لانقلاب قصر.

بينما تراجع أوباما عن تغيير النظام، لم تفعل كل من المملكة العربية السعودية وقطر والكويت. فقدموا الأموال والأسلحة والتدريب للقوى الإسلامية فيما أصبح حرباً أهلية في سوريا. والأسوأ، أن الأقسام الإسلامية في الطبقات الحاكمة لهذه البلدان مولت جبهة النصرة التابعة للقاعدة وحتى داعش التي تكونت حديثاً.

صعود داعش

أعادت جبهة النصرة تجميع القوات المتشظية لتنظيم القاعدة في العراق، والتي قد سحقت بواسطة مجالس الصحوات. ووجدوا تربة خصبة لعمل هذا في الحرب الأهلية في سوريا والتي تزداد طائفية. انفصلت داعش عن النصرة بسبب عدم الاتفاق على الإستراتيجية. كانت النصرة مهتمة بقتال نظام الأسد في سوريا. وبالعكس، كان قائد داعش أبو بكر البغدادي يهدف إلى تأسيس قاعدة في سوريا يغزو منها العراق بهدف تأسيس خلافة سنية في المنطقة. طرد تنظيم القاعدة داعش من شبكته بسبب هذا الخلاف الإستراتيجي، وأيضاً بسبب هجماته الوحشية على القوات الثائرة الأخرى التي تقاتل الأسد.

بمجرد أن أصبحت داعش مستقلة، سيطرت على مدينة الرقة السورية بجانب مدن أخرى قليلة. وبسيطرتهم الآن على معظم شرق سوريا، أسسوا دولة أولية كاملة بنظام ضرائب ومحاكم بحسب الشريعة تدعمها قواتهم العسكرية، التي يقدر عددها بحوالي 15 ألف. الأكثر أهمية أنهم استولوا على عديد من آبار ومصافي النفط ليمنحوا أساساً اقتصادياً لنظامهم.

لم تحارب داعش الأسد، لكن خلقت تسوية مؤقتة مع النظام، وصلت إلى أن تبيع له النفط.[22] وبالمثل، امتنع الأسد عن مهاجمة داعش. (يطرح تقريراً حديثاً أن هذه السياسة ربما تكون في حيز التغيير الآن). كان سعيداً أن يراها تشن هجمات لا ترحم على المنظمات الثورية السورية. أيضاً ذبحت داعش، في المناطق التي سيطرت عليها، العلويين والمسيحيين الذين اعتبرتهم كافرين.

بغزو داعش للأقاليم السورية، جمعت غنيمة حرب تقد بـ 2 مليار دولار والتي استخدمتها لتمويل غزوها للأقاليم العراقية.[23] خلال الانتفاضة السنية ضد المالكي، عقدت داعش تحالفاً عميقاً مع البعثيين السابقين في الطريقة النقشبندية وقادة العشائر في مجالس الصحوات. هزم هذا التحالف الجيش العراقي واستولى على الفالوجة والرمادي في بداية 2014.

بعدها، قادت داعش هذا الصيف تحالفها لغزو الموصل، لتطرد جيشاً من 30 ألف جندي. انهار الجيش العراقي، الذي صرفت الولايات المتحدة 25 مليار دولار لتدريبه. فالجنود ذوي الأغلبية الشيعية فيه فقط من أجل رواتبهم وليس لديهم أي ثقة في قادتهم أو في حكومة المالكي.

بعد الاستيلاء على الموصل، اندفعت داعش وحلفائها جنوباً نحو بغداد، واستولوا على تكريت ومدن أخرى. وسيطروا على الحدود مع سوريا والأردن والمملكة العربية السعودية. بعد معركة متأرجحة، استطاعوا السيطرة على مصفاة النفط في بيجي، التي تمد معظم المناطق السنية بالوقود. منذ سيطرتهم على هذه المنطقة، أعادوا تسمية أنفسهم باسم “الدولة الإسلامية” ووجهوا الدعوة لكل السنة لينضموا إلى حربهم من أجل خلافة جديدة.

من الهام جداً الإشارة إلى أن “الدولة الإسلامية” ليست تعبيراً عن الانتفاضة الجماهيرية. لا يؤيدها السكان السنة العراقيين. بدلاً من ذلك ينظرون إلى “الدولة الإسلامية” كشر أقل مقارنة بنظام المالكي. ويبقى أن نرى إن كانت “الدولة الإسلامية” يمكنها الاحتفاظ بتحالفها وقبول السكان السنة عندما تفرض سياستها الرجعية على السكان.

في البداية، لم تسن “الدولة الإسلامية” نسختها المتطرفة من القانون المعتمد على الشريعة، أو تهاجم الحلفاء من البعثيين السابقين والعشائر، أو تقمع الأقليات الشيعية والمسيحية. لكن ربما يكونوا قد فقدوا حذرهم المبدئي. هناك تقارير عديدة حول الصراعات داخل التحالف وبدأت “الدولة الإسلامية” في تهجير سكان الموصل المسيحيين.[24]

على شفا حرب أهلية أخرى

يظهر رد فعل كل من “حكومة إقليم كردستان” ودولة المالكي إلى أي مدى يقف العراق في انتظار حرب أهلية أخرى والتفكك المحتمل كدولة قومية. بعد أن استولت “الدولة الإسلامية” على الموصل، سيطرت “حكومة إقليم كردستان” على مدينة كركوك المتنازع عليها واحتياطياتها من النفط. وحركت ميلشياتها البشمركة التي تقدر بحوالي 100 ألف لحماية حدودها مع “الدولة الإسلامية“، وهددوا بإجراء استفتاء لإعلان أنفسهم كدولة مستقلة.[25]

وقعت حكومة المالكي في أزمة بين “الدولة الإسلامية” والأكراد الذين يهددون بإعلان الاستقلال. لقد ظهر أنها ضعيفة، بلا أي قبول لحكمها من قبل السكان السنة أو الأكراد. فاز حزب المالكي الدعوة بأغلبية المقاعد في انتخابات أبريل البرلمانية، لكن معتمداً فقط على أصوات الشيعة وبدون مقاعد كافية لتشكيل الحكومة. وعلاوة على ذلك، فإن الجيش العراقي في حالة من الانهيار.

وبوصوله إلى اليأس، اتجه المالكي إلى منافسيه الشيعة، الصدر والمجلس الأعلى الإسلامي في العراق، وسألهم أن يعيدوا تعبئة جيش المهدي وفيلق بدر لمساندة دفاع الجيش الضعيف في مواجهة “الدولة الإسلامية“. دعا رجل الدين الشيعي آية الله علي السيستاني كل العراقيين، وليس فقط الشيعة، أن يستجيبوا للنداء ويحاربوا “الدولة الإسلامية” للحفاظ على العراق. وعد المالكي أن يكافئ أي شخص سيستجيب للنداء. استجاب الشيعة فقط. انضم الآلاف إلى الميليشيا وتم حشدهم للقتال بجانب وحدات الجيش. يقف العراق على شفا ما يمكن أن يكون حرب أهلية أخرى والتي ستكون حتى مدمرة أكثر من الحرب الأخيرة.

في المرة الأخيرة، تراجعت الطبقات الحاكمة للشيعة والسنة والأكراد في اللحظات الأخيرة وبقيت تراهن على الدولة المركزية لأن كل منهم أراد نصيباً من أرباح النفط. هذه المرة،ـ يسيطر كل جانب على آبار ومصافي للنفط، لذا فهم غير مهتمين لهذه الدرجة بإبقاء العراق موحداً. جعلت الطائفية المتطرفة في البلاد التقسيم احتمالاً أقرب. أي صراع سيتم عسكرته أكثر من الأخير وسيورط الدول المحيطة بالعراق لأسباب متعددة. “الدولة الإسلامية” تتضمن جزء من سوريا. ودولة كردية مستقلة ستثير أكراد المنطقة لينضموا إليها، مزعزعة تركيا وإيران وسوريا، وكل منهم لديها سكان أكراد. ومحاولة المالكي اليائسة لإبقاء العراق موحداً تحت هيمنة شيعية ستجذب الدعم من إيران وحزب الله.

أزمة إقليمية

كل القوى الإقليمية استجابت للأزمة المتزايدة في العراق. إيران وحلفائها هرعوا لنجدة حكومة المالكي. أرسلت قائد فيلق القدس، اللواء قاسم سليماني، مع 2000 من القوات الخاصة. نظام الأسد الآن قلق بما فيه الكفاية ليشن غارات جوية ضد داعش لأول مرة في غرب العراق، وحزب الله أرسل ما يقرب من 250 مستشار للمساعدة في إعادة بناء الجيش العراقي وتقوية الميليشيا الشيعية المعاد تشكيلها.[26]

دعمت تركيا القوى التي تحارب الأسد وتعارض الدولة الشيعية في العراق. ومع ذلك، فإن احتمال دولة كردية مستقلة أدى بتركيا لأن تفضل الحفاظ على العراق كدولة موحدة. والأردن قلقة من أن يزعزع استقرارها نمو الصراع الطائفي في العراق والذي سينعكس على التعداد الضخم من اللاجئين العراقيين والسوريين داخل حدودها.

أصبحت ملكيات الخليج، السعودية وقطر والكويت، التي قد دعمت بشكل إيجابي المعارضة السنية للمالكي في العراق ومولت المتشددين السنة الذين يحاربون الأسد في سوريا، مرعوبة الآن من القوى ذاتها التي ساعدت في خلقها. كما يوثق باتريك كوكوبرن في كتابه القادم “عودة الجهاديين: داعش والانتفاضة السنية الجديدة“، تقلق السعودية الآن من أن تنقلب “الدولة الإسلامية” ضد نظامها، مثلما فعل بن لادن من قبلها، لذا حشدت قوات تقترب من 30 ألف إلى حدودها مع العراق.

وتقلق إسرائيل، التي كانت بالفعل قلقة من محاولة إدارة أوباما للوصول إلى اتفاق مع إيران حول برنامجها النووي، من أن التعاون بين الولايات المتحدة وإيران من أجل استقرار العراق سوف يقرب الطرفين من بعضهما. وهي مازالت تريد من واشنطون أن تواجه إيران. لذا فقد دعمت دولة كردية مستقلة كوسيلة لإضعاف إيران وحلفائها.[27] وفي قلب كل هذه الفوضى، انتهزت إسرائيل الفرصة لتشن حرباً جديدة على حماس في غزة. لقد أرادت أن تعطل عملية السلام التي تقودها إدارة أوباما، وأن تكسر اتفاق الوحدة بين حماس والسلطة الفلسطينية، وأن تدمر قدرة حماس العسكرية على مقاومة الاحتلال.

وبهذا، أصبحت كامل منظومة الدول التي أرستها الإمبرياليتين البريطانية والفرنسية في نهاية الحرب العالمية الأولى، والتي رعتها الولايات المتحدة منذ نهاية الحرب العالمية الأولى، في أزمة. في الحقيقة، وضعت “الدولة الإسلامية” إسقاط منظومة دول سايكس – بيكو وإحلال خلافة سنية محلها في كامل الشرق الأوسط كهدفها الرئيسي.[28]

إمبريالية الولايات المتحدة: ضعيفة ومرتبكة وخطرة

في مواجهة هذه الأزمة المتزايدة، ليس لدى الولايات المتحدى أي إستراتيجية متماسكة. حفزت إستراتيجيتها لتوازن القوى المعدة لتواجه صعود إيران سقوط المنطقة في قلب الطائفية. والآن تشارك في مجموعة مذهلة ومتناقضة من التحالفات لتحاول أن تسيطر على الوضع. إنها في تحالف فعلي مع إيران لدعم الدولة العراقية التي هيمن عليها الشيعة، لكنها تعامل إيران رسمياً كعدو تفرض عليه عقوبات من أجل برنامجه النووي. وفي نفس الوقت تحاول أن تضع حداً للصراع عن طريق المفاوضات الممتدة مع طهران.

لكن أي تقارب أمريكي مع إيران يغضب إسرائيل والسعودية وتركيا. ربما التطور الأكثر إثارة للذهول، هو أن البعض في المؤسسة، بما فيهم سفير بوش السابق في العراق ريان كروكر، ينصحون أن تعقد واشنطون تحالفاً مع الأسد في مواجهة “الدولة الإسلامية“.[29]

بوجود الشكل المربك للتحالفات والصراعات، ليست الولايات المتحدة في موقف قوي لشن أي تدخل عسكري واسع المجال، برغم الدعوات لمثل هذا التدخل من قبل اليمين المتبجح. لذا فإن سياسة أوباما المفضلة هو الحفاظ على وحدة العراق بالضغط من أجل تسوية سياسية. وسياسته البديلة، التي اقترحها في الأصل نائبه جو بايدن خلال الحرب الأهلية الأخيرة، هي تقسيم البلاد. ولن تقدم أي منهما حلاً.

نشر أوباما سفن حربية، وأرسل مستشارين خاصين، وطرح فكرة الغارات الجوية ضد مواقع “الدولة الإسلامية“. وكان الشرط لهذه المساعدات هو أن يتنحى المالكي وأن تحل حكومة وحدة وطنية جديدة محله.

أرسل أوباما وزير الخارجية جون كيري ليحاول التفاوض من أجل اتفاق. وكما هو متوقع لم يصل لشيء. رفض المالكي أن يتنحى؛ وصدت القيادة الكردية كيري وصمموا على إجراء استفتائهم على الاستقلال؛ ولم تجد الولايات المتحدة أي قوى سنية ظاهرة يمكن أن تثق فيها مجدداً. من الصعب أن نرى لماذا وكيف يمكن أن تتوحد من جديد الطبقات الحاكمة للمجموعات العراقية الكبيرة الثلاث.

الميزة الوحيدة التي كانت للولايات المتحدة في هذا الموقف هي “الدولة الإسلامية” نفسها. في المرة السابقة واجه قادة العشائر القاعدة في العراق بسبب سياساتهم الرجعية وهجماتهم العدمية على الشيعة والمواقع الدينية. لكن الآن انعقد تحالف بين “الدولة الإسلامية” وقادة العشائر والبعثيين السابقين. لذا إن شنت الولايات المتحدة أي غارات جوية سينظر إليها كاصطفاف بجانب الدولة الشيعية في مواجهة السنة.

أما سياسة أوباما البديلة لتقسيم العراق، والتي هي موقف جريدة السياسة الأمريكية غير الرسمية ستراتفور، سوف تؤدي إلى زعزعة استقرار تركيا وإيران وسوريا ودول أخرى متعددة. مثل صبي الساحر، استحضرت واشنطون أزمة متفشية لا يمكنها السيطرة عليها أو حلها.

أمل في قلب الرعب

إن الولايات المتحدة، ومنافسيها الإمبرياليين، وكل دول المنطقة القائمة، كلهم جزء من المشكلة ولم يقدموا أي حل للأغلبية المستغلة والمضطهدة. الأمل في قلب هذا الرعب هو العملية الثورية طويلة المدى التي حفزها الربيع العربي. أن تكشف الانتفاضة الجماهيرية الطريق للتغلب على المزيج المسموم للإمبريالية والحكم الاستبدادي والليبرالية الجديدة والطائفية التي تمزق المنطقة.

في ذروة النضال، في مصر على سبيل المثال، دعا الثوريون إلى الوحدة بين المسلمين والمسيحيين الأقباط. وبشكل مشابه في بداية الثورة السورية، وقف السنة والعلويون والمسيحيين سوية في مواجهة نظام الأسد. في العراق نفسها، توحدت تقريباً المقاومتين السنية والشيعية المتشظيتين للقتال من أجل التحرر الوطني في مواجهة الاحتلال.

لكن، اليسار ببساطة لم يكن بالقوة الكافية أو راسخ بما فيه الكفاية ليقود انتفاضة ثورية موحدة في اتجاه النصر. وكنتيجة لهذا، استقطبت الأحزاب الإسلامية الحركة وقادت عديد من الثورات إلى مأزق الطائفية. فتح هذا المجال للنظام القائم ليشن ثورة مضادة عبر إستراتيجية من القمع وفرق تسد على أساس طائفي.

ومع ذلك، لم تنتهي العملية الثورية. ترتبط الأنظمة أكثر من أي وقت مضى بالاستبداد والليبرالية الجديدة والتحالفات إما مع الولايات المتحدة أو منافسيها الأقل مثل روسيا والصين. وعقد العديد منهم أيضاً اتفاقات مع إسرائيل. لذا فستحفز سياساتهم موجة أخرى من النضال.

أعلن بيان مشترك من اشتراكيي المنطقة الآتي:

نرى ضرورة أن يعمل اليسار الثوري، والقوى الديمقراطية، والنسوية، والتقدمية العربية، على مواجهة النهج والسياسات الطائفية والمذهبية، التي تعتمدها الأنظمة العربية، من جهة، والمنظمات الظلامية، والرجعية اليمينية، من جهة أخرى، وذلك من أجل إسقاط الخطر الطائفي- المذهبي، الذي يشكل أحد أهم أسلحة قوى الثورة المضادة، في المنطقة، وتحاول، من خلاله، ضرب المساحة الثورية الجامعة لشعوبها.[30]

ستكون المسألة هي إن كان يسار المنطقة يستطيع الصمود في مواجهة الثورة المضادة، وأن يجد لنفسه موضعاً في أي مساحات جديدة للمقاومة مثل الاحتجاجات ضد هجوم إسرائيل على غزة، وأن يقدم بديلاً عندما ينفجر نضال الجماهير ثانيةً. في هذا النضال يجب ألا يكون الهدف هو الحفاظ على نظام الدولة القائم من أجل مصالح الإمبريالية والطبقات والعائلات الحاكمة في المنطقة، لكن بدلاً من ذلك النضال من أجل إعادة تشكيل كاملة اجتماعياً واقتصادياً للشرق الأوسط.

في البلدان الإمبريالية، على اليسار أيضاً مسئوليات متعددة. يجب أن نكون واضحين بشكل قاطع: الولايات المتحدة هي من بدأ هذه الكارثة. أي تدخل ستقوم به سيكون ضد مصالح شعوب المنطقة. وأنها مهتمة فقط بتأمين سيطرتها على النفط، أياً ما كانت العواقب.

لذا، يجب أن نعارض المؤامرات الأمريكية في المنطقة، سواء كانت ضغوط دبلوماسية، أو مفاوضات تحت تهديد السلاح، أو ضربات عسكرية، أو غزو صريح. وفي نفس الوقت، يجب أن نتجنب الفخ الذي سقط فيه بعض من هم على اليسار بدعم الدول الاستبدادية أو داعميها من الإمبرياليين الصغار، وتزينهم باعتبارهم معارضين للإمبريالية. مثل هذه النزعة للاصطفاف في معسكرات قادت مجموعات وشخصيات عديدة لدعم الصين وروسيا أو قوى إقليمية مثل إيران، وحتى، وهو الأغرب، الأسد في سوريا، الذي أمضى الخمسة عشر عاماً الأخيرة متعاوناً مع القوى الغربية، مندفعاً في سياسات الليبرالية الجديدة، قامعاً بالعنف أي معارضة. كل هذه الدول هي جزء من المشكلة. يجب أن نعيد بناء حركة معاداة للإمبريالية حقيقية في مواجهة عدونا الرئيسي في الداخل، لكن أيضاً في مواجهة منافسيه الأكبر والأصغر.

[1] ديك تشيني وليز تشيني، “عقيدة أوباما المنهارة“، جريدة وول ستريت، 17 يونيو 2014.

[2] لتفسير مفصل لهذا التقسيم الإمبريالي أنظر كتاب ديفيد فرومكين “سلام ينهي كل السلام: سقوط الإمبراطورية العثمانية وخلق الشرق الأوسط المعاصر” (نيويورك: كتب آفون، 1989).

[3] مقتبس في كتاب جو ستورك، “نفط الشرق الأوسط وأزمة الطاقة” (نيويورك: منثلي ريفيو بريس، 1975)، 34.

[4] لقراءة المزيد حول هذا التاريخ غير المعترف به للتواطؤ الأمريكي مع الأصولية الإسلامية، أنظر كتاب روبرت دريفوس، “لعبة الشيطان: كيف ساعدت الولايات المتحدة في إطلاق العنان للإسلام الأصولي“، (نيويورك: كتب أول، 2005).

[5] جيمي كارتر، “خطاب حالة الاتحاد“، 23 يناير 1980. متاح على http://www.presidency.ucsb.edu/ws/?pid=33079

[6] لخلفية عن هذا الموضوع، أنظر كتاب جون كولي، “حروب غير مقدسة: أفغانستان، أمريكا والإرهاب الدولي“، (نيويورك: بلوتو بريس، 2002).

[7] جريدة نيويورك تايمز، “مواجهة في الخليج“، 23 سبتمبر 1990.

[8] رامزي بارود، “العراق على الحافة: عقد بعد الاحتلال“، فلسطين كرونيكل، 12 فبراير 2013. متاح على http://www.palestinechronicle.com/iraq-at-the-brink-a-decade-after-the-invasion/

[9] لنظرة شاملة حول العقوبات الأمريكية ضد العراق، أنظر كتاب أنتوني أر-نوف (محرر)، “العراق تحت الحصار“، (بوسطن: ساوذ إند بريس، 2003).

[10] باربارا كروسيت، “عقوبات العراق تقتل الأطفال، تقارير الأمم المتحدة“، جريدة نيويورك تايمز، 1 ديسمبر 1995.

[11] شاهد اللقاء على http://www.youtube.com/watch?v=omnskeu-puE

[12] من أجل مناقشة معمقة لرغبتهم في سحق الأوبيك، أنظر كتاب مايكل شوارتز، “حرب بلا نهاية“، (شيكاغو: كتب هايماركت، 2008).

[13] مقتبس في مقال ديفيد ريمنيك، “حرب بلا نهاية؟“، جريدة نيويوركر، 23 أبريل 2003.

[14] آلان غرينيسبان،”عصر الاضطراب“، (نيويورك: بنجوين بريس، 2007).

(*) إعلام الشركات The corporate media، مصطلح يطلق على وسائل الإعلام المملوكة للمجموعات الاقتصادية العملاقة والواقعة تحت سيطرة مديريها التنفيذيين وتعمل لمصالحهم.

[15] “جرس الحرب الذي أخذ الحلفاء إلى بوابات بغداد“، إندبندنت، 5 أبريل 2003.

[16] ديفيد زوكتشينو، “الجيش يخرج العرض المسرحي لسقوط تمثال صدام حسين“، لوس أنجلوس تايمز، 3 يوليو 2004.

[17] منى محمود وآخرين، “من السلفادور إلى العراق: رجال واشنطون وراء فرق البوليس الوحشية“، جريدة الجارديان، 6 مارس 2013.

[18] جنرال وليام أودوم، “تريدون الاستقرار في الشرق الأوسط؟ أخرجوا من العراق“، نيمان واتشدوج، 11 نوفمبر 2005. متاح على http://www.niemanwatchdog.org/index.cfm?fuseaction=background.view&backgroundid=63

[19] “أوباما يعلن نهاية حرب العراق في فورت براج“، بي بي سي، 14 ديسمبر 2014، متاح على http://www.bbc.com/news/world-us-canada-16186136

[20] أحمد رشيد، “حصرياً: العراق يوقع اتفاق تسليح لشراء أسلحة وذخيرة من إيران“، مجلة بيزنس انسايدر، 14 فبراير 2014

[21] دومينيك تيمي، “بشار الأسد ومناورة الشيطان“، جريدة الأطلنطي، 16 يوليو 2014.

[22] بن هوبارد، كليفورد كراوس، لإيريك شميت، “المتمردون في سوريا يعلنون السيطرة على موارد“، جريدة نيويورك تايمز، 28 يناير 2014.

[23] مارتن تشولوف، “كيف كشفت عملية اعتقال في العراق شبكة الـ 2 مليار الجهادية الخاصة بداعش“، جريدة الجارديان، 15 يونيو 2014.

[24] أليسا ج. روبن، “قوات داعش تجبر آخر المسيحيين على الهرب من الموصل“، جريدة نيويورك تايمز، 18 يوليو 2014.

[25] كارل فيك، “الأكراد العراقيون في طريقهم للتصويت من أجل الاستقلال“، جريدة تايم، 1 يوليو 2014.

[26] نيكولاس بلانفورد، “لماذا يلعب حزب الله دوراً أصغر في هذا الصدام العراقي“، مجلة ذا كريستيان ساينس مونيتور، 16 يوليو 2014.

[27] “رئيس الوزراء الإسرائيلي يدعم استقلال الأكراد“، جريدة الجارديان، 29 يونيو 2014.

[28] أبا صوفيا، “نهاية سايكس – بيكو“، http://www.youtube.com/watch?v=YyM0_sv5h88

https://www.youtube.com/watch?v=i357G1HuFcI

[29] ريان كروكر، وليام لوريز، توماس بيكرنج،”كيف يمكن أن يساعد الاتفاق النووي الأمريكي الإيراني في إنقاذ العراق“، جريدة واشنطون بوست، 11 يوليو 2014.

[30] بيان موحد، “لأجل عراق ديمقراطي علماني ثوري سيِّد ومستقل“، موقع المنشور، 28 يونيو 2014. متاح على http://al-manshour.org/node/5536

نص البيان بالعربية http://al-manshour.org/node/5506

Advertisements

مناقشة

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

حمل العدد الأخير من نشرة الثوري

آخر اصداراتنا

أنت الزائر رقم

  • 67,003

%d مدونون معجبون بهذه: