مقالاتنا, عربي ودولي

اليونان وسيريزا .. هل الأمل في الطريق؟؟


في هذا المقال الطويل يقدم الرفيق سامح السعدي صورة شاملة للوضع في اليونان، والظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي ظهر وتقدم فيها حزب “سيريزا” اليوناني، ويحاول من خلالها الإجابة عن التساؤلات بخصوص طبيعة “سيريزا” والفرص المتاحة والمخاطر المحتملة أمام تطور الحركة الاجتماعية الثورية في اليونان.


تحت شعار “الأمل في الطريق” خاض حزب “ائتلاف اليسار الراديكالي” اليوناني – والمعروف باسم “سيريزاSYRIZA (الحروف الأولى للاسم باليونانية) – الانتخابات البرلمانية الأخيرة في اليونان يوم 25 يناير 2015، والتي تحدد موعدها بعد فشل البرلمان السابق في تسمية رئيساً للجمهورية، فكانت النتيجة أن حل البرلمان نفسه، ودعت الحكومة إلى الانتخابات الجديدة.

بالشعار السابق مع وعود بمواجهة سياسات التقشف ومواجهة سلطة الترويكا (الهيئات الثلاث التي تفرض على اليونان شروط التقشف؛ صندوق النقد الدولي، البنك الأوروبي، مفوضية الاتحاد الأوروبي)، حصل “سيريزا” على نسبة 36,34 % بزيادة حوالي 10 % عن النسبة التي حصل عليها في الانتخابات السابقة عام 2012، ليزيح حزب “الديموقراطية الجديدةNew Democracy اليميني عن السلطة، ويشكل “سيريزا” حكومته التي ينتظر قطاع كبير من الجماهير اليونانية أن تنهي معاناته وأزمته الاقتصادية.

حصل حزب “سيريزا” على 99 مقعد في البرلمان اليوناني، ولكونه الحزب صاحب الأكثرية، حصل على 50 مقعداً إضافياً طبقاً لقانون الانتخابات اليوناني الذي يمنح الحزب صاحب الأكثرية هذه المقاعد الإضافية لتعزيز كتلته في البرلمان ليمنح حكومته الاستقرار، وبذلك أصبحت عدد المقاعد التي حصل عليها “سيريزا” بالكامل 149 مقعداً من أصل 300 مقعد في البرلمان اليوناني، وبدأ زعيم الحزب أليكسس تسيبراس Alexis Tsipras (40 عاماً) في السعي لتشكيل الحكومة.

انتصار ساحق لليسار؟؟!!

بالتأكيد تعد النسبة التي حصل عليها “سيريزا” انتصاراً، لكنها ليست انتصاراً ساحقاً لليسار على اليمين كما روج البعض في تحليله لهذا الانتصار. ويمكن أن نلمس هذا من ناحيتين:

فمن ناحية دلالات التصويت، وبرغم ارتفاع نسبة “سيريزا” حوالي 9,5 % وحصوله على 28 مقعداً فوق ما حصل عليه في انتخابات يونيو 2012 (تصبح 78 بإضافة المقاعد الخمسين الإضافية) وارتفاع نسبة “الحزب الشيوعي اليونانيKKE عن النسبة السابقة بحوالي 1 % وحصوله على 3 مقاعد إضافية (حصل على 5,47 % و15 مقعداً، والمقارنة بالنسبة للانتخابات الثانية في يونيو 2012، بينما في انتخابات 2012 الأولى في مايو حصل الحزب الشيوعي على 8,5 % و26 مقعداً)، إلا أن حزب “الديموقراطية الجديدة“، الحزب الحاكم السابق والذي حل ثانياً في ترتيب كتل الأحزاب في البرلمان، لم يتراجع سوى بنسبة تقارب 2 % (حصل على حوالي 28 % و76 مقعداً) ولم يفقد سوى 3 مقاعد عما حصل عليه في الانتخابات السابقة (تصبح 53 مقعداً عند حساب المقاعد الخمسين). وحزب “الفجر الذهبيGolden Dawn الفاشي، الذي حل ثالثاً في الترتيب، وظل محتفظاً بنسبته كما هي ما بين 6 – 7 %، ولم يفقد سوى مقعداً واحداً وحصل على 17مقعداً (يجب ملاحظة أن الكتلة السابقة لحزب “الفجر الذهبي” في برلمان 2012 كانت في الأصل 18 مقعداً، لكنها كانت قد أصبحت 16 مقعداً قبل حل البرلمان بسبب انسحاب نائبين من الحزب). بينما أكبر تراجع لليمين كان لحزب “اليونانيين المستقلينIndependent Greek الحزب القومي اليميني، الذي تراجع بنسبة تقارب 3 % وفقد 7 مقاعد ليحصل فقط على 13 مقعداً (يجب أن نلاحظ أيضاً أن كتلة “اليونانيين المستقلين” كانت قد أصبحت 12 عضواً قبل حل البرلمان بسبب استقالة 7 نواب من الحزب).

بينما تراجعت أحزاب اليسار الديموقراطي القديمة؛ حزب “الحركة الاشتراكية الهلينية” (“باسوكPASOK) وحزب “اليسار الديموقراطي” (“ديمارDIMAR)، فالأول تراجع من شريك في الحكومة السابقة بنسبة 12 % و33 مقعد إلى ما يقرب من 5 % و13 مقعداً (كان حزب بوساك في السلطة بأغلبية مطلقة في البرلمان حتى 2004)، والثاني وهو حزب تأسس نتيجة لانفصال الجناح اليميني في سيريزا عام 2010، تراجع من نسبة 6,25 % و17 مقعداً إلى نسبة 0,5 % لم يحصل معها على أي تمثيل برلماني (العتبة الانتخابية 3 %)، بينما حصل حزب “النهرTo Potami الوسطي الذي تأسس عام 2014 على 6 % من الأصوات و17 مقعداً.

إذن فتقدم “سيريزا” في الانتخابات الأخيرة لم يكن في الأساس على حساب اليمين، فكتلة اليمين الأساسية في البرلمان اليوناني؛ “الديموقراطية الجديدة” و”الفجر الذهبي“، لم تمس تقريباً، بينما تراجع اليسار الديموقراطي لحساب “سيريزا” ولحساب الوسط كما أشرنا بعاليه.

الناحية الثانية، هي علامات الاستفهام التي تطرح على أداء “سيريزا” نفسه، ومدى قدرته على تبني سياسات يسارية جذرية، أو الالتزام بالحد الأدنى الذي طرحه في برنامجه، خاصة أن “سيريزا” اضطر ليحصل على الأغلبية المطلقة (151 مقعداً) التي تسمح له بأن يشكل الحكومة، أن يتحالف مع الحزب اليميني القومي “اليونانيون المستقلون“، الذي يتفق معه في مواجهة سياسات التقشف ومواجهة الترويكا من أرضية شوفينية، لكنه بالتأكيد سيختلف مع أي سياسات معادية للرأسمالية قد يطرحها “سيريزا“، وسيقف منها موقف العداء.

لكن فهم الوضع على حقيقته في اليونان لا يتوقف فقط على نتيجة “سيريزا” في الانتخابات البرلمانية، ولا على الاتفاقات البرلمانية التي تتم من أعلى. لذا سنحاول عرض الوضع الاقتصادي والاجتماعي الذي تشكل مع الأزمة الاقتصادية الأخيرة في اليونان، والفرص والاحتمالات المتاحة لنمو القوى الثورية فيها في المرحلة التالية.

1. اليونان بين السياسات النيوليبرالية والأزمة الاقتصادية

طيلة السنوات التي تلت سقوط الديكتاتورية العسكرية في اليونان سنة 1974، كانت أغلبية البرلمان اليوناني محصورة بين حزبين؛ “الديموقراطية الجديدة” و”باسوك“، وكانت الحكومات يتم تشكيلها من الحزب الفائز منهما، وفي أحيان قليلة من ائتلاف بين الحزبين معاً. كان حزب “باسوك” يمتلك نفوذاً وسط الموظفين وأصحاب الأعمال الصغيرة، وكان يقارن بتجربة بيرون في الأرجنتين، أي نموذج قومي يميل إلى اليسار ويعتمد على قاعدة من دعم العمال والشرائح الاجتماعية الوسطى. بينما حزب “الديموقراطية الجديدة” هو حزب اليمين الذي يحظى بدعم وتأييد كبار رجال الأعمال والرأسماليين.

منذ عقد التسعينات تبنت كل الحكومات السياسات النيوليبرالية، ينطبق هذا على حكومات “باسوك” في التسعينات، ثم حكومة “الديموقراطية الجديدة” 2004 – 2009 (حكومة كارامانيلس) ثم حكومة “باسوك “2009 – 2011 (حكومة باباندريو)، ثم الحكومات الائتلافية بين الحزبين من 2011 – 2015 (حكومتي باباديموس وساماراس).

كان تمويل الموازنة العامة معتمد بشكل حصري على ضرائب الأجور للعاملين والشرائح الدنيا من الطبقة الوسطى، وتعتبر هذه الضرائب هي الأعلى في أوروبا، أما بالنسبة للشركات فتفرض عليها ضرائب هي الأقل في أوروبا؛ في بداية التسعينات كانت الضرائب على الأرباح 45 %، وبحلول 2007 كانت قد وصلت إلى 20 % للصناعة و12 % للبنوك، وحتى هذه النسبة كانت لا يتم جمعها بانتظام، وأصبح التهرب الضريبي – خاصة في عهد كارامانيلس – في أعلى مستوى بالنسبة لأوروبا، حتى ضريبة المبيعات كانت لا يتم جمعها بل تترك في يد الشركات. كما أن الدولة ورجال الأعمال توقفوا عن دفع نصيبهم في صناديق المعاشات (وصل عجز صندوق المعاشات أكثر من 10 مليارات يورو سنوياً).

بالإضافة لهذا أيضاً هناك الفساد الحكومي المرتبط بالشركات عابرة الجنسيات، والذي يظهر في إنفاق الحكومة على مشروعات أو على شراء سلع وخدمات – قد لا يحتاجها المواطنون – من هذه الشركات، سواء في صفقات سلاح أو معدات تكنولوجية من شركات مثل سيمنز الألمانية (اشترت الحكومة نظام مراقبة من سيمنز لأولمبياد 2004 كلفها 100 مليون يورو، ولم تتسلمه إلا بعد الأولمبياد بسنوات)، أو في بناء الملاعب أثناء الاستعداد للأولمبياد .. الخ.

الأزمة الاقتصادية وسياسات التقشف

في نهاية 2007 وبداية 2008، ومع الأزمة الاقتصادية العالمية، انفجر الوضع وظهرت نتيجة تراكم السياسات النيوليبرالية لسنوات. نتيجة للأزمة تضررت القطاعات الرئيسية في الاقتصاد اليوناني، فحدث ركود تام في قطاع المقاولات؛ القطاع الرئيسي في الاقتصاد اليوناني والذي كان مسئولاً عن عدد كبير من المشروعات في البلقان وتركيا ودبي، وقطاعات السياحة والشحن، والقطاع المصرفي (كانت البنوك اليونانية تلعب الدور الرئيسي في منطقة البلقان). تدخلت الحكومة لإنقاذ البنوك من الإفلاس، فمنحت حكومة كارامانيلس البنوك مليارات لتنقذها من الإفلاس، مما فاقم من وضع الاقتصاد اليوناني المأزوم. فوصل عجز الموازنة السنوي إلى 12.5 % من الناتج القومي الإجمالي (GDP) وهي 4 أضعاف النسبة التي يسمح بها الاتحاد الأوروبي (3 %)، والدين الخارجي وصل إلى 130% من الناتج القومي الإجمالي، وهي ضعف النسبة المسوح بها من الاتحاد الأوروبي.

مع الأزمة لجأت الحكومة اليونانية إلى مفوضية الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي لإنقاذ اقتصادها من الانهيار، قدمت هذه المؤسسات وصفتها المعتادة في مثل هذه الأحوال: سياسات التقشف؛ تخفيض الإنفاق الحكومي على الخدمات العامة وعلى التأمين والضمان الاجتماعي، مع مزيد من التنازلات للرأسماليين لجذب الاستثمارات، وهي الوصفة التي أثبتت فشلها في كل الدول التي تم اختبارها فيها، وأثبتت أنها لا تنهي الأزمة بل تفاقم من آثارها وأضرارها. لكن كل ما كان يعني مفوضية الاتحاد الأوروبي هو احتواء الأزمة لتظل فقط في اليونان، وحماية منطقة اليورو من تبعاتها، وفي المقابل يدفع الشعب اليوناني الثمن.

اليونان والاتحاد الأوروبي والأزمة

ضربت الأزمة الدول الأضعف اقتصادياً في أوروبا، أو ما يطلق عليهم اختصاراً PIIGS (البرتغال، إيطاليا، أيرلندا، اليونان، أسبانيا)، وهي الدول التي كانت تتعرض للاستغلال داخل الاتحاد الأوروبي من قبل الدول الأقوى اقتصادياً مثل ألمانيا وفرنسا. مع تعمق الأزمة الاقتصادية وتراجع الاقتصاد الفرنسي وسعت ألمانيا من هيمنتها وسيطرتها على الاتحاد الأوروبي، فالاقتصاد الألماني القوي يملك ميزة تنافسية بالنسبة لباقي دول الاتحاد الأوروبي، وتملك البنوك الألمانية التي كانت أقل تأثراً بالأزمة القدرة على توفير السيولة الكافية لإقراض البنك المركزي الأوروبي وبقية دول الاتحاد الأوروبي، فبين الدول الدائنة للبنك المركزي الأوروبي؛ ألمانيا وهولندا وبلجيكا ولكسمبرج، تأتي ألمانيا في المركز الأول، وفي المقابل تأتي أسبانيا في المركز الأول بين الدول المدينة: أسبانيا وإيطاليا واليونان والبرتغال وأيرلندا وفرنسا التي انضمت إليهم مؤخراً.

يتجلى في علاقة اليونان بألمانيا استغلال دول منطقة اليورو الأقوى اقتصادياً للدول الأضعف، فألمانيا تعتبر اليونان ساحة خلفية لاستثماراتها، فهي مصدر للمواد الخام الرخيصة، ومصدر أيضاً للعمالة الرخيصة، كما أنها مجال مناسب لنزح المواهب والخبرات في القطاعات التي يعاني الاقتصاد الألماني من نقص للخبراء فيها عن طريق الهجرة.

بالإضافة إلى هذا، فهي مجال مناسب لمراكمة ثروات البنوك الألمانية، خاصة بعد الأزمة، فالبنوك الألمانية التي تمتلك نسبة لا بأس بها في البنوك اليونانية استغلت الأزمة والقروض التي لجأت لها الحكومة اليونانية لتحقق المزيد والمزيد من الأرباح.

فعلى سبيل المثال؛ عندما اضطرت الحكومة في يناير 2010 لإصدار سندات لتمويل عجز الميزانية، أصدر بنك دويتشه (البنك الأكبر في ألمانيا) تقرير يحذر فيه من ازدياد نسبة المخاطر المرتبطة بسندات الحكومة اليونانية، فكانت النتيجة ارتفاع نسبة الفائدة عليها إلى 6,2 %، ومع إضافة عمولة البنوك تصل قيمة خدمة مديونية السند إلى 8 %. وعند طرح أول مجموعة من السندات، قيمة 5 مليار يورو، كان البنك الرئيسي في التحالف (الكونسرسيوم) الذي اشتراها هو بنك دويتشه.

ومع تفاقم الأزمة الاقتصادية اليونانية بسبب وصفات المؤسسات الرأسمالية الدولية العلاجية، أصبحت اليونان هي الحلقة الأضعف في السلسلة الرأسمالية الأوروبية، هي الدولة الأوروبية الأكثر تضرراً بالأزمة وفي نفس الوقت تملك مقاومة جماهيرية شرسة، بالضبط كما كانت روسيا في نهاية الحرب العالمية الأولى عندما وصفها لينين بالحلقة الأضعف للرأسمالية. لكن هذا التوصيف في هذه المرة لم يعد قاصراً على الماركسيين فقط، فجريدة “الفاينانشيال تايمز” الإنجليزية، والتي تمثل قطاعات هامة من الرأسمالية العابرة الجنسيات، عبرت عن قلقها من الوضع قبل الانتخابات الأخيرة بمقال في نهاية ديسمبر 2014 كان عنوانه “المصوتون هم الحلقة الأضعف في منطقة اليورو“، أي أن الانتخابات في الدول المأزومة، خصيصاً اليونان وأسبانيا، يمكن أن تمثل خطراً حقيقياً على النظام الرأسمالي الأوروبي الذي ترسخ لسنوات.

صعود التحرك الجماهيري وانتفاضة 2008

مع تدهور الاقتصاد اليوناني بسبب الأزمة وتراكم تأثير السياسات النيوليبرالية لسنوات، انفجرت موجة من الاحتجاجات الجماهيرية والإضرابات في نهاية 2007 وبداية 2008، فأضرب عمال القطاع العام، والمواني، والكهرباء، والمطارات، ضد الخصخصة وتغيير نظام التأمين الاجتماعي. حدثت 3 إضرابات عامة ليوم واحد على المستوى القومي؛ 12 و19 ديسمبر 2007، و3 مارس 2008، بالإضافة لإضرابات موقعية متعددة لعمال القطاع العام، جذبت هذه التحركات أكبر نسبة مشاركة عمالية منذ أكثر من 30 عاماً، وبدا من الواضح أن الحركة الجماهيرية تنمو من جديد مع الأزمة بعد سنوات من التراجع.

وفي ديسمبر 2008 بدأت انتفاضة للشباب اليوناني احتجاجاً على إطلاق أحد رجال الشرطة الرصاص على طالب عمره 15 عاماً، رفعت الانتفاضة التي بدأت ضد قمع ووحشية الشرطة شعارات ضد البطالة وضد الفساد الحكومي، كان الشباب اليوناني يتمرد على نظام يقتل كل أحلامه في المستقبل، وانضم إليهم العمال والجماهير التي أرهقتها واستنزفتها الأزمة، لمدة أسبوعين كان هناك صدامات يومية مع البوليس ومظاهرات جماهيرية وموجة واسعة من الإضرابات. لعب الاشتراكيون الديموقراطيون في قيادة النقابات دوراً كبيراً في تهدئة التحركات، بينما فشل اليسار الجذري في دفعها للاستمرار.

لكن برغم فشل الانتفاضة في الاستمرار، كان الغضب الجماهيري من سياسات كارامانيلس واضحاً أمام أعين الجميع، ومع تراجع نفوذ حزب “الديموقراطية الجديدة“، وأصبحت الحكومة مترددة في اتخاذ المزيد من تدابير التقشف. لذا دعا رئيس الوزراء كارامانيلس لانتخاب حكومة جديدة تستطيع أن تتخذ القرارات والتدابير “المناسبة” لمواجهة الأزمة الاقتصادية، وكان من الواضح أن حزب “الديموقراطية الجديدة” يتراجع لصالح “باسوك“، ببساطة يفسح الطريق للحزب الاشتراكي الديموقراطي ليستكمل سياسات التقشف معتمداً على شعبيته التاريخية.

ظل جيورجوس باباندريو، زعيم “باسوك“، يتحدث في حملته الانتخابية عن “الواقعية والمسئولية” أملاً في كسب تأييد كبار رجال الأعمال والمصرفيين، ولجأ أيضاً لمغازلة النزعات الشوفينية بالحديث عن عدم التسامح مع المهاجرين، وأعلن أن هدف حكومته الأساسي سيكون هو استقرار الاقتصاد، وهو ما كان يعني ضمنياً الاستمرار في سياسات كارامانيليس، برغم كل الوعود الأخرى في برنامجه بتحسين ظروف العمال والطبقات الوسطى، كان الشعار الأساسي الذي رفعه هو التغيير أو الغرق. في نفس الوقت الذي كانت دعاية بعض وسائل الإعلام والسياسيين هي أن السبب الأساسي للأزمة هو المصاريف العامة المرتفعة، للتأمين الاجتماعي والخدمات العامة.

بعد فوز “باسوك” في انتخابات 2009، قام رئيس الوزراء باباندريو بكل الخطوات المعاكسة لبرنامجه الانتخابي، فبعد أن كان يعلن في حملته أنه سيقف ضد تجميد الأجور، استمر بعد فوزه في سياسات “الديموقراطية الجديدة” فأعلن في مارس 2010 برنامج تقشف لمدة 3 سنوات (1010 – 2013)، وفي أبريل 2010 أعلن التوصل لاتفاق مع الترويكا (صندوق النقد الدولي، البنك المركزي الأوروبي، ومفوضية الاتحاد الأوروبي) من أجل الخروج من الأزمة، مما يعني مضاعفة سياسة التقشف التي ارتبطت بالمذكرة التي وقعتها الحكومة مع الترويكا.

هذه الإجراءات فتحت الطريق عملياً أمام تقليل الأجور وليس فقط تجميدها، فبدأت الدولة في تقليل العمالة في القطاع العام، فسرحت العاملين بعقود مؤقتة وأعادت تعيين أعداد أقل للقيام بنفس الوظائف، فتجاوزت نسبة البطالة 25 %. أيضاً بدأت الحكومة في تقليل النفقات الاجتماعية: التأمين الاجتماعي والتعليم والصحة تحديداً، وخصخصة مؤسسات تعمل بهذه القطاعات بالإضافة إلى الموانئ وقطاع الطاقة ومياه الشرب.

كما رفعت الحكومة الضرائب على العمال والشرائح الدنيا من الطبقة المتوسطة، بدون أن تمس ضرائب كبار رجال الأعمال. وخفضت من قيمة التعويضات التي يدفعها أرباب العمل للعمال عند تسريحهم من العمل. أعلن رئيس الوزراء باباندريو أن برامج التقشف يجب أن تستمر، وأنه يجب على الحكومة أن تجمع 25 مليار يورو من المواطنين خلال 3 سنوات، بينما قامت من قبل حكومة كارامانيلس في يوم واحد بمنح البنوك 28 مليار يورو لتقيها من أثار الأزمة.

اعتمدت حكومة “باسوك” في تمرير كل هذه الإجراءات على النفوذ القوي الذي كان للحزب تاريخياً في قلب النقابات، معلنة أن هذه الإجراءات ضرورية من أجل كسب ثقة السوق العالمي، لكن في الحقيقة كان “باسوك” يسعى أيضاً لكسب ثقة وتأييد الطبقة الحاكمة.

كانت النتيجة تدهور عام في مستوى حياة الشعب اليوناني، وصفه البعض بأن اليونان انتقلت من كونها دولة أوروبية لتصبح من دول العالم الثالث، فالمستشفيات أصبحت تعاني ليس فقط من نقص الأطباء والممرضات بل أيضاً من نقص في الأدوية واحتياجات طبية أساسية، كالشاش والسرنجات .. الخ، وأقسام بأكملها في مستشفيات رئيسية تم غلقها. تزايد عدد السكان الذين لا يجدون نقوداً لشراء وجبات، وعدد المشردين الذين لم يستطيعوا أن يدفعوا إيجارات منازلهم، فاضطروا للبيات في العراء.

2011 موجة جديدة من التحركات الجماهيرية

كانت نتيجة تطبيق حكومة “باسوك” لسياسات التقشف وشروط “المذكرة“، هو مزيد من التفاقم للأزمة في 2011، لذا بدأت حركة المقاومة تتصاعد، طيلة عامي 2011 و2012 كانت الإضرابات والمظاهرات نشاط شبه يومي للآلاف من العمال والطلبة والمهنيين، أُجبرت القيادات البيروقراطية للاتحادات النقابية، والتي كان للاشتراكيين الديموقراطيين النفوذ التقليدي فيها، على الانخراط في حركة الإضرابات.

ووصلت الحركة إلى احتلال ميدان سينتاجما Syntagma (الميدان الرئيسي في أثينا وحيث يقع مبنى البرلمان) مرتين، في فبراير وفي أكتوبر 2011، ومحاصرة البرلمان قبل جلسات للتصويت على تخفيض الأجور والنفقات العامة. فشلت الحركة الجماهيرية في منع التصويت على إجراءات التقشف، لكن حركة الجماهير التي تجذرت بدأت تشق لنفسها طرق أخرى بجانب الاحتجاجات الكبيرة والمظاهرات وهو ما سنتناوله في الحديث عن حركة المقاومة. وبالرغم من الفشل في منع إقرار برامج التقشف، وضع الغضب الجماهيري باباندريو وحكومته في أزمة عميقة، لم يجد معها إلا اللجوء إلى دعم حزب “الديموقراطية الجديدة” الذي وافق على الدخول في حكومة ائتلافية مقابل استقالة باباندريو وحكومته، وهكذا تشكلت الحكومة الائتلافية لباباديموس في نهاية عام 2011، والتي انضم إليها مع الحزبين الرئيسيين الحزب اليميني المتشدد “التجمع الأرثوذكسي الشعبي” “لاوس(LAOS) Popular Orthodox Rally، والتي استمرت في نفس السياسات التقشفية بمباركة الممثلين السياسيين للطبقة الحاكمة.

ساماراس على نفس النهج

في الانتخابات الأولى في مايو 2012، تراجعت شعبية كل من “الديموقراطية الجديدة” و”باسوك” فلم يستطيع أي منهما أن يشكل الحكومة، ولم يستطيعا تشكيل حكومة ائتلافية بعد الانتخابات الأولى في مايو بسبب رفض “سيريزا” المشاركة في أي حكومة “وحدة وطنية” أو “إنقاذ وطني“، وانهار حزب “التجمع الأرثوذكسي الشعبي“، وفي المقابل تقدم اليسار “سيريزا” و”الحزب الشيوعي اليوناني“، لكن أيضاً تقدم الحزب الفاشي “الفجر الذهبي” ليدخل البرلمان للمرة الأولى.

وفي الإعادة في يونيو استطاع حزبا “الديموقراطية الجديدة“و”باسوك” تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة ساماراس (حصلا سوياً على 162 مقعداً) وانضم لهما حزب “اليسار الديموقراطي” (“ديمار“)، وتقدم “سيريزا“،بينما تراجع “الحزب الشيوعي اليوناني” وبقى “الفجر الذهبي” محافظاً على نسبته.

بعد تولي ساماراس للحكومة وعد بمحاولة إقناع الترويكا بمد فترة تنفيذ “المذكرة“، أي إطالة الإطار الزمني الذي يتم تنفيذ فيه تعليمات الترويكا ليتم تنفيذ الإجراءات بشكل أكثر تدريجية، لكنه أعلن أنه يجب أن تثبت حكومته جديتها في التنفيذ قبل التفاوض، وبالتالي استمرت حكومة ساماراس في سياسة التقشف وتخفيض النفقات، وصحبها هجوم عنيف على النقابات وكل محاولات العمال للمقاومة. وبالإضافة إلى الهجوم على الحركة الاجتماعية شنت الحكومة هجوم عنيف على المهاجرين، وصل إلى أن وصف أحد الوزراء المهاجرين بأنهم أكبر عدو لليونان. وبرغم كل هذا فقد رفضت ألمانيا تقديم أي تنازلات فيما يخص “المذكرة” وإجراءات التقشف، وأصرت أن تستمر بنود “المذكرة” كما هي.

في بدايات 2014 كان كل قادة الاتحاد الأوروبي يتحدثون عن تعافي الاقتصاد، لكن بنهاية العام ثبت أن كل هذه مجرد أوهام، في حالة اليونان، كانت نتيجة أربع سنوات من التقشف هي تراجع الناتج القومي نفسه بنسبة 25 %، والمليارات التي تلقتها الحكومة اليونانية في إطار خطة الإنقاذ ذهبت كلها إلى جيوب الدائنين، سواء البنوك اليونانية أو الأجنبية أو المؤسسات المالية الدولية، وبرغم من ذلك ارتفعت نسبة الدين من 125 % من الناتج القومي الإجمالي في 2010 إلى 175 %.

الأزمة التي استمرت لسنوات، قضت على تماسك الأحزاب السياسية للطبقة الحاكمة، ودفعتها للانقسام، وخاصة الأحزاب الاشتراكية الديموقراطية التي انهارت شعبيتها بحدة، وأضحت الأزمة الاقتصادية مع تزايد معاناة الأغلبية من المواطنين اليونانيين ظرفاً موضوعياً مناسباً لتحركات ثورية، لكن ليست كل معاناة جماهيرية تؤدي إلى وضع ثوري، فالوضع الثوري لا يكتمل إلا بوجود حركة جماهيرية قوية تعكس اقتناع الجماهير بضرورة التغيير الثوري وعقم أي محاولات للإصلاح في إطار النظام القائم. ولا يتحول الوضع الثوري إلى ثورة منتصرة إلا بالشرط الذاتي الأهم وهو وجود الحزب – أو الأحزاب – الثورية القادرة على تقديم قيادة حقيقية وبرنامج ثوري لحركة الغضب الجماهيري العفوي، ليتحرك في اتجاه تحطيم النظام القديم وبناء النظام الجديد. فلنحاول أن نقترب ونرى إلى أي مدى تحقق هذين الشرطين.

2. البدائل الجماهيرية .. المقاومة والتضامن

مع إجراءات التقشف في 2010، بدأت حركة المقاومة الجماهيرية، فأضرب كل العاملين بالقطاع العام في 10 فبراير، ثم كان الإضراب العام في 5 مارس، والذي كان التحرك الجماهيري الأكبر، فخرجت مظاهرات في كل مدن اليونان، وفي العاصمة أثينا اصطدمت مسيرة مكونة من أكثر من 150 ألف عامل بقوات الشرطة أمام مبنى البرلمان في ميدان سينتاجما Syntagma واستمرت الاشتباكات لمدة 3 ساعات. ثم كانت الدعوة للإضراب العام الثاني في 20 مايو، لتتوالى الإضرابات العامة وتصل طيلة عامي 2011 و2012 إلى 17 إضراباً عاماً، وبنهاية 2014 تتجاوز 35 إضراباً عاماً، رافق هذه الإضرابات حركة متصاعدة من الاحتجاج الجماهيري، لم تكتفي بامتناع العمال والموظفين عن العمل أثناء الإضراب بل وصلت إلى حد احتلال الميادين والمنشآت الحكومية.

ومع زيادة نشاط الحزب الفاشي “الفجر الذهبي” تم بناء حركة قوية مضادة للفاشية فرضت نفسها على الساحة بقوة، وخاصة بعد اغتيال بعض أعضاء “الفجر الذهبي” لمغني راب ينتمي للحزب الشيوعي في سبتمبر 2013، فتظاهر الآلاف ضد حزب “الفجر الذهبي” وهوجمت مقراته، واضطرت الشرطة تحت هذا الضغط الشعبي إلى اعتقال بعض قيادته وتحويلهم للمحاكمة.

لم تتوقف الحركة الجماهيرية عند مرحلة المقاومة، بل بدأت في التحرك في اتجاه خلق البدائل، فمن حركة احتلال الميادين التي بدأت في مايو 2011، والتي تزعمتها حركة “المواطنين الغاضبين” على غرار الحركة الشبيهة التي بدأت في أسبانيا، خرجت دعوات لاجتماعات محلية في الأحياء، وبدأ تشكيل لجان لهذه الأحياء وبدأت تتخذ مبادرات محلية لتساعد في مواجهة الأزمة؛ خلق بدائل للسوق الرأسمالي، وخلق رقابة شعبية على السلطات المحلية. أيضاً تشكلت حركة “لن ندفع” في مواجهة الزيادات التي فرضتها حكومات “المذكرة” على أسعار الخدمات والمرافق، وأيضاً في مواجهة الضرائب الجديدة التي فرضت على العمال والموظفين، شكلت هذه الحركة لجانها في مئات الأحياء ونجحت في منع قطع الكهرباء عن مئات المنازل. كما استطاع العمال بإضراباتهم ومقاومتهم في عديد من المواقع الحصول على حق الإدارة الذاتية لبعض المنشآت.

أيضاً تشكلت حركة واسعة للتضامن حملت اسم “التضامن للجميع” جمعت بداخلها عدة مبادرات مختلفة لمواجهة الأزمة، بداية من التضامن مع الإضرابات العمالية ودعم تجارب الإدارة الذاتية، وصولاً إلى مبادرات تعاونية وشبه تعاونية مثل مبادرة “لا وسطاء” والتي قامت من خلالها لجان الأحياء بالتواصل بشكل مباشر مع المنتجين للحصول على السلع بعيداً عن وسطاء السوق الرأسمالي وسلاسل المتاجر الكبيرة، مروراً بمبادرات “المطابخ الجماعية” و”الصيدليات والعيادات المجتمعية“.

لكن برغم من حركة المقاومة والتضامن الواسعة، ظلت هناك معضلة رئيسية في الوضع اليوناني، فبرغم اشتراك العمال بكثافة في الاحتجاجات وبرغم الإضرابات والانتصارات التي تحققت في بعض المواقع، وبرغم الإضرابات العامة المتتالية، لم تتطور حركة الطبقة العاملة اليونانية في اتجاه طرح أشكال عمالية بديلة للسلطة، كما أن نفوذ الأحزاب والمنظمات اليسارية الجذرية داخل حركة العمال ليس بالقوة الكافية، ومازالت القيادات البيروقراطية للنقابات تمتلك القدر الأكبر من التأثير، صحيح أنها تحت ضغط قواعدها أجبرت على الدعوة إلى الإضراب العام العديد من المرات، إلا أن هذه الدعوات ظلت في حدود الإضراب عام ليوم واحد في كل مرة للضغط على الحكومة ولم تتطور أبداً لتطرح الإطاحة بالحكومة لسببين؛ أولاً لأن هذه القيادات لا ترغب في الدخول في صراع مفتوح مع النظام وحتى الآن لم يستطع أي من قوى اليسار أن يقدم نفسه كقيادة تلتف حولها الطبقة العاملة بديلاً عن القيادات النقابية القديمة، وثانياً لأن الطبقة العاملة اليونانية لا تزال حتى الآن لم تتجاوز الأوهام الانتخابية بخصوص الديموقراطية وإمكانية التغيير عبر البرلمان.

إذن فالحركة الجماهيرية القوية التي تشكلت أثناء الأزمة ما تزال حتى الآن بعيدة من أن تطرح لنفسها أفقاً ثورياً للتغيير، وما تزال تبحث عن خلاص عبر الصندوق الانتخابي وعبر البرلمان، ولا تزال الطبقة العاملة لم تجد لها ممثلاً سياسياً يساعد في تطوير نضالها الطبقي الأولي ضد سياسات التقشف، إلى هجوم شامل على النظام الرأسمالي في اليونان. أين إذاً يقف اليسار اليوناني الذي من المفترض نظرياً أن يقدم نفسه للعب هذا الدور.

3. اليسار في اليونان

لليسار اليوناني تاريخ طويل وتراث يمتد إلى عصر الثورة البلشفية، وكان له تاريخياً نفوذ كبير في وسط الجماهير اليونانية، خاصة مع اهتمام الجماهير السياسي الواسع ومشاركة قطاعات كبيرة منها في العملية السياسية، فلنتأمل المجموعات الرئيسية في اليسار اليوناني.

الحزب الشيوعي اليوناني“؛ تاريخ حيوي .. وواقع راكد

تأسس “الحزب الشيوعي اليونانيKKE في نوفمبر 1918، باسم “حزب العمل الاشتراكي“، ثم تغير الاسم إلى الحزب الشيوعي اليوناني في نوفمبر 1924. لعب الحزب دوراً محورياً في تنظيم “جيش تحرير الشعب اليونانيGreek People’s Liberation Army (ELAS) لمواجهة الاحتلال النازي أثناء الحرب العالمية الثانية، وبعد انتهاء الحرب حاولت الحكومة اليمينية تصفية الحزب الشيوعي بالاغتيالات والاعتقالات، فبدأت الحرب الأهلية التي استمرت حتى عام 1949، وواجه فيها الحزب الشيوعي الحكومة التي يدعمها الأمريكان والبريطانيون بمفرده، بعد أن تخلى ستالين والاتحاد السوفييتي عند دعمه خوفاً من الإخلال باتفاقية “يالطا” التي عقدها ستالين مع تشرشل ورزفلت عام 1945.

انتهت الحرب الأهلية بهزيمة الحزب الشيوعي والجيش الذي شكله (“جيش اليونان الديموقراطيDemocratic Army of Greece (DSE)) وتم حظر الحزب حتى عام 1974، تعرض أعضائه خلال هذه الفترة للاضطهاد والاعتقالات، التي تضاعفت بعد أن بدأت الحركة الجماهيرية في التصاعد من جديد في الخمسينات والستينات، وصولاً إلى فترة الديكتاتورية العسكرية ما بين 1967 – 1974.

في عام 1968، انقسم الحزب الشيوعي اليوناني على خلفية الغزو السوفييتي ليوغسلافيا، والموقف من الاتحاد السوفيتي إلى مجموعتين: المجموعة الأولى هي “الحزب الشيوعي اليوناني” (الداخلي) KKE (Interior) وهي المجموعة التي عارضت التبعية للاتحاد السوفييتي، وتبنت هذه المجموعة أفكار ما يعرف بالشيوعية الأوروبية ونزعاتها الإصلاحية والبرلمانية وسمت نفسها فيما بعد “اليسار اليونانيGreek Left، والمجموعة الثانية هي “الحزب الشيوعي اليوناني” (الخارجي) KKE (Exterior) وهي المجموعة التي ظلت على ولائها للاتحاد السوفييتي وهي التي استمرت تحمل اسم “الحزب الشيوعي اليوناني” إلى اليوم.

بقى “الحزب الشيوعي اليوناني” حزباً شيوعياً تقليدياً، وبقى نفوذه الأساسي بين عمال القطاع العام. واستمر طيلة التسعينات وبداية الألفينات بنسبة تصويت ثابتة تتراوح حول 5 %، ارتفعت إلى ما يقرب من 8 % في انتخابات 2007 و2009 ومايو 2012، ثم عادت للتراجع في انتخابات يونيو 2012 و2015 إلى النسبة القديمة 5 %.

اتسم “الحزب الشيوعي اليوناني” بنزعتين أساسيتين؛ أولهما هي النزعة المحافظة، فأدان الحزب الشيوعي انتفاضة الشباب في 2008، وفي مؤتمره الأخير أعاد تأكيد التزامه بالستالينية، وهو الحزب الشيوعي الوحيد في أوروبا الذي مازال مقتنعاً أن محاكمات موسكو كانت للدفاع عن الاشتراكية في مواجهة عملاء الرأسمالية وهتلر.

وثانيهما هي نزعة عصبوية ورفض للعمل المشترك مع كل أحزاب اليسار الأخرى وخصوصاً “سيريزا“، طيلة سنوات التحركات الجماهيرية الشعبية وحتى الانتخابات الأخيرة كان الحزب الشيوعي يخرج في مظاهرات النقابات بمظاهرة مستقلة وخط سير مختلف عن المظاهرات الرئيسية، حتى أثناء حصار البرلمان في 2011 فضلت قيادات “الحزب الشيوعي اليوناني” تنظيم مظاهرات ضعيفة في أماكن أخرى من العاصمة أثينا، وقبل انتخابات 2015 أعلن في بيان إنه لن يدعم أي حكومة يشكلها “سيريزا“، وأنه يعتبر “سيريزا” حزب يخدم الرأسمالية بتجميل وجهها عبر دعايته اليسارية المزيفة.

سيريزا” .. “سايناسبيزموز” .. التأسيس والتطور

تكون “سيريزا” كتحالف في إطار حركة مناهضة العولمة، بين “سايناسبيزموزSynaspismos الحزب الإصلاحي، والذي كان في الأصل تحالف انتخابي قديم شارك فيه مجموعات يسارية وشيوعية نتجت عن انقسام الحزب الشيوعي، ومجموعات ماركسية ثورية: “المنظمة الشيوعية لليونانCommunist Organization of Greece (KOE) وهي مجموعة ماوية، و”اليسار العمالي الأمميInternationalist Workers’ Left (DEA) وهي مجموعة تروتسكية كانت حتى عام 2001 عضوا بـ”حزب العمال الاشتراكي” اليوناني و”التيار الاشتراكي الأمميIST، و”التوجه الشيوعيCommunist Tendency وهو مجموعة ماركسية صغيرة تأسست في قلب التحالف وأصبحت عضواً بـ”التيار الماركسي الأمميIMT، بالإضافة لعدد من المجموعات الشيوعية الصغيرة التي انفصلت على مراحل زمنية مختلفة من الحزب الشيوعي، ومجموعات اشتراكية ومضادة للرأسمالية متنوعة، مع العديد من الأفراد المستقلين الذين لا ينتمون لأي مكون التفوا حول “سيريزا” ودعموه وعملوا تحت رايته، وعددهم هو الأكبر مقارنة بعدد أعضاء الأحزاب والمجموعات المكونة لـ”سيريزا“.

كان “سايناسبيزموز” في الأصل كما ذكرنا تحالف انتخابي بين مجموعتي الحزب الشيوعي اليوناني تأسس في الثمانينات، وشارك في تشكيل الحكومة مرتين في عام 1989، مرة مع حزب “الديموقراطية الجديدة” ومرة مع حزبي “الديموقراطية الجديدة” و”باسوك“، وفي 1991 ترك “الحزب الشيوعي اليوناني” (الخارجي) هذا التحالف. تدريجياً تحول “سايناسبيزموز” إلى حزب يضم طيف واسع من اليسار، ومع نهاية القرن العشرين بدء يتجه أكثر إلى اليسار، ولعب دوراً كبيراً في الحركات المضادة للعولمة التي ظهرت مع بداية القرن الحادي والعشرين.

خاض تحالف “سيريزا” أول معاركه الانتخابية في 2004، وحقق نسبة 3,3 % و6 مقاعد، ثم في انتخابات 2007 ارتفعت إلى 5 % و14 مقعد، وفي 2009 نسبة 4,6 % و13 مقعد، ليحقق بعدها قفزته الكبيرة إلى الموقع الثاني في انتخابات 2012 ، فحقق في الانتخابات الأولى في مايو نسبة 16,8 % و52 مقعداً، وقتها رفض “سيريزا” الاشتراك في تشكيل الحكومة مع “الديموقراطية الجديدة” و”باسوك” بسبب تمسكه برفض سياسات التقشف، فأعيدت الانتخابات في يونيو لعدم قدرة أي من الأحزاب على تشكيل ائتلاف حزبي يحصل على الأغلبية المطلقة (151 مقعداً)، وفي الإعادة حصل “سيريزا” على 26,9 % و71 مقعداً.

لم يكن تحالف “سيريزا” ذو مكونات ثابتة طيلة السنوات التي عمل فيها، فمنذ التأسيس في نهايات 2003 وبداية 2004 كانت المجموعات الأصغر المكونة لـ”سيريزا” تنفصل عن التحالف ثم تعود له مرة أخرى، نتيجة للخلاف على الموقف السياسي مع قيادة “سايناسبيزموز” التي كانت تتردد في مواقفها بين اليمين واليسار، حدث هذا مع “المنظمة الشيوعية لليونان” و”اليسار العمالي الأممي” وغيرهما من المجموعات، لهذا ظل التحالف مفتوحاً يتطور بشكل ديناميكي ويتجه تدريجياً لليسار مع تجذر الحركة.

في عام 2008 تغيرت قيادة “سايناسبيزموز” ليصبح تسيبراس، الذي كان مرشحاً لمنصب عمدة أثينا في عام 2006، قائداً للحزب، وبعد أن أصبح عضواً في البرلمان في 2009 تم اختياره قائداً لـ”سيريزا“. (كان تسيبراس من الجناح الشبابي لـ”الحزب الشيوعي اليوناني” من المجموعة التي استمرت في “سايناسبيزموز” بعد خروج الحزب من التحالف في عام 1991).

استطاع “سيريزا” أن يضم قطاعات كبيرة من الشباب ذوي الميول الأناركية والذين شاركوا في انتفاضة 2008، بسبب موقفه الداعم للانتفاضة، لكن بعد الهجوم الحكومي والإعلامي الشديد عليه عقب الانتفاضة، ترددت قيادة “سايناسبيزموز” ودفعت في اتجاه تبني “سيريزا” لسياسات مهادنة، هذا الانعطاف اليميني والسياسة المتعرجة أفقدت “سيريزا” جزءً من جمهوره في انتخابات 2009، فلم يكسب تأييد المحافظين والوسطيين وفي نفس الوقت فقد ثقة قطاع من الثوريين.

بعد هذا التراجع في انتخابات 2009 كان الجناح اليميني لـ”سايناسبيزموز” يرى التخلي عن “سيريزا” وتبني سياسات أكثر مسئولية وعقلانية، لكن أغلبية “سايناسبيزموز” وباقي مكونات “سيريزا” كانت مع الاستمرار. فانفصل الجناح اليميني في عام 2010 ليشكل حزباً مستقلاً هو حزب “اليسار الديموقراطي” (“ديمار“) الذي شارك في حكومة ساماراس الائتلافية حتى يونيو 2013، واضطر للانسحاب منها بعد تجذر المعارك الجماهيرية وخاصة المعركة في مواجهة غلق مؤسسة الراديو والتليفزيون الحكومية ERT.

بجانب الكتل الشبابية التي ضمها، ضمن “سيريزا” تأييد المهاجرين بسبب موقفه الداعم لهم، والمضاد للفاشية والتمييز. واستطاع “سيريزا” كسب قطاعات كبيرة من الحركة الجماهيرية والحركات العمالية، لأنه دعم كل معاركها، ليس فقط عن طريق الدعم السياسي، بل عن طريق المشاركة المباشرة فيها. بعكس الحزب الشيوعي الذي ظل محافظاً على عصبويته، ففشل في المشاركة في هذه الاحتجاجات بل حتى في دعمها. لكن برغم كسب التأييد الانتخابي لهذه القطاعات العمالية، إلا أن وجود “سيريزا” على المستوى التنظيمي وعلى مستوى التأثير في الاحتجاجات العمالية ظل محدوداً.

في 2013 قرر مؤتمر “سيريزا” بأغلبيته أن يتحول التحالف إلى حزب، وهو القرار الذي تحفظت عليه مجموعة “اليسار العمالي الأممي” التي كانت ترى أن صيغة الجبهة المتحدة هي الأفضل والأوقع للعمل المشترك، لكن باقي المكونات وافقت وقامت بإنهاء وجودها ونشاطها المستقل لتعمل فقط تحت راية “سيريزا“، وأصبح “سيريزا” حزباً واحداً لكنه أقر حق بناء تيارات داخله تعبر عن التوجهات المختلفة لأعضائه فتكون “التيار اليساري” بقيادة باناجيوتيس لافزانيس (وزير الصناعة والبيئة والطاقة الحالي في حكومة تسيبراس) وحصل هذا التيار على 30 % من عضوية اللجنة المركزية و”التوجه الشيوعي” الذي حصل على 1 %.

اليسار المناهض للرأسمالية

على يسار “سيريزا” و”الحزب الشيوعي اليوناني” توجد العديد من الأحزاب والمنظمات والمجموعات اليسارية الجذرية، أهمها هو التحالف المضاد للرأسمالية “أنتارسياAntarsya، تأسس هذا التحالف في 2009 من 10 منظمات يسارية جذرية، أهمها هو “حزب العمال الاشتراكي” اليوناني SEK، عضو “التيار الاشتراكي الأمميIST الذي يقوده “حزب العمال الاشتراكي” البريطاني SWP، و”منظمة الشيوعيين الأمميين في اليونان – سبارتاكوسOKDE-Spartakos وهي أحد أعضاء الأممية الرابعة بعد إعادة توحيدها. قدم “أنتارسيا” نفسه كتحالف جذري في مواجهة الرأسمالية، يرى أن الحل الوحيد لأزمة اليونان هو القطع مع الاتحاد الأوروبي والسياسات الرأسمالية وليست محاولة إصلاح النظام الرأسمالي مهما كانت محاولات الإصلاح هذه جذرية، ولتنفيذ هذا البرنامج يراهن “أنتارسيا” في الأساس على تعبئة الطبقة العاملة وتقوية تنظيماتها بالإضافة للتنظيمات الشعبية الأخرى لتقوم بهذه المهمة، التي لن يمكن لأي حكومة مهما ادعت يساريتها أن تنفذها بدون أن تستند على هذه القوى الاجتماعية المنظمة.

يسعى “أنتارسيا “والقوى المشاركة فيه لبناء مظلة لليسار المناهض للرأسمالية على يسار “سيريزا” تعمل على تقوية ودفع الحركة الجماهيرية الصاعدة لتتجاوز بأفقها الحدود البرلمانية ومطالب الإصلاح داخل نفس النظام، لكن من الواضح أن التجربة ما تزال بعيدة عن تحقيق أهدافها، فمازالت شعبية “أنتارسيا” لا تتقدم بنفس القوة والوتيرة اللتان تقدمت بهما شعبية “سيريزا“، فبرغم أن “أنتارسيا” لعب منذ تأسيسه دوراً في التحركات الاجتماعية المتصاعدة، وفي حركة مواجهة الفاشية، لكن لم يحظى دوره بالتركيز والظهور الإعلامي الذي حظي به “سيريزا” نظراً لضعف قوة “أنتارسيا” العددية والمادية. وظلت النتيجة التي يحققها في الانتخابات البرلمانية أقل مما يسمح له بأن يحصل على أي تمثيل انتخابي، ففيما عدا انتخابات مايو 2012 التي حقق فيها “أنتارسيا” أكبر نسبة تصويت حصل عليها منذ تأسيسه (1,19 % حوالي 75 ألف صوت)، كانت النسبة التي يحصل عليها في المتوسط 0,4 % سواء في انتخابات 2009 أو يونيو 2012 أو انتخابات البرلمان الأوروبي 2009.

في 25 يناير 2015، دخل “أنتارسيا” الانتخابات في تحالف مع تحالف آخر هو “مارسMARS (جبهة اليسار الجذري الموحدة)، وحقق التحالف الجديد (“أنتارسيا – مارس“) نسبة 0,64 % (39,455 صوت) وهي نسبة أكبر من التي حققها “أنتارسيا” بمفرده في انتخابات يونيو 2012، لكنها أقل من نسبة مايو 2012، وأقل من النسبة التي حققها في انتخابات البرلمان الأوروبي في مايو 2014، حيث حقق “أنتارسيا” بمفرده 0,72 % (41,370 صوت).

وهنا يجب الإشارة إلى نقطتين:

الأولى: فيما يخص تحالف “مارس“، الذي تأسس في 2014، ويلعب الدور الأساسي فيه حزب “الخطة البديلةPlan B ، وهو الحزب الذي أسسه مجموعة انفصلت عن “سيريزا” في 2011 بسبب تبنيهم لموقف الخروج الفوري من الاتحاد الأوروبي والعودة لاستخدام العملة القديمة لليونان الدراخمة، ويتزعم هذا الحزب أليكوس ألافانوس Alekos Alavanos، رئيس حزب “سايناسبيزموز” حتى 2008 وقائد “سيريزا” السابق، يتبني هذا الحزب برنامجاً اقتصادياً لما يسميه الطريق اليوناني للاشتراكية وهو برنامج يعتمد على التنمية المستقلة للاقتصاد اليوناني خارج منطقة اليورو عن طريق التعاون الاقتصادي مع الصين وروسيا.

برغم تبني تحالف “أنتارسيا – مارس” في انتخابات 2015 نفس برنامج “أنتارسيا” في 2012، إلا أن مجموعات داخل “أنتارسيا” منها SEK و OKDE-Spartakos عارضت هذا التحالف، من ناحية لأنهم يعتبرون البرنامج الذي يطرحه حزب “الخطة البديلة” ليس برنامجاً اشتراكياً مضاداً للرأسمالية، بل هو أقرب لبرامج القوميين أو الوطنيين اليساريين التي تدعم رأسمالية وطنية في مواجهة الرأسمالية الإمبريالية، وبالتالي سيكون التحالف معناه التركيز على شعار الخروج من الاتحاد الأوروبي ورفض “المذكرة” أكثر من التركيز على مهام بناء البديل الثوري ومواجهة السياسات الرأسمالية، ومن ناحية أخرى لأن وجود شخصية مشهورة مثل ألافانوس في التحالف ستجذب التركيز الإعلامي عليه وعلى خطابه مما قد يؤثر على فعالية التحالف، لكن التحالف تم بسبب قبول باقي أطراف “أنتارسيا“.

النقطة الثانية، هي أن “أنتارسيا” في سعيه لتكوين المظلة التي تجمع كل اليسار المناهض للرأسمالية، وجه الدعوة لمجموعات تروتسكية وماوية أخرى أصغر للمشاركة في التحالف، لكن هذه المجموعات رفضت المشاركة في التحالف وفضلت المشاركة منفردة، لأنها رأت أن تحالف “أنتارسيا – مارس” ينحرف في طريق إصلاحي، وأن رفعه لشعار الخروج من الاتحاد الأوروبي سيظل شعاراً مضللاً ما لم يترافق معه رفع شعار “الولايات المتحدة الأوروبية الاشتراكية” لتكون البديل لكل من الاتحاد الأوروبي وللسياسات الرأسمالية. شارك كل من هذه المجموعات في انتخابات 2015 منفرداً لتحقق نسب تصويت ضئيلة، لا تتجاوز عند تجميعها 0,2 % (حوالي 12 ألف صوت).

4. الكرة على قمة الجبل، صعود الفاشية

لكن التاريخ يعلمنا أنه في وقت الأزمات مع صعود المقاومة الجماهيرية وفي القلب منها اليسار الجذري، يصعد أيضاً اليمين المتطرف ويظهر في شكل أحزاب وحركات تتبني الخطاب الفاشي في مواجهة تحركات الطبقة العاملة، وفي مواجهة القطاعات الاجتماعية الضعيفة مثل الأقليات و المهاجرين. في حين تتبنى الطبقة العاملة واليسار تفسير الأزمة بطبيعة النظام الرأسمالي وبالتالي تربط حلها بالنضال ضد النظام الرأسمالي والرأسماليين والدولة، يتبنى الفاشيون تفسير الأزمة بتزايد أعداد المهاجرين والمؤامرات الدولية على الوطن وبالتحركات العمالية التي تمنع الاستقرار وبالتالي تطرح الحل برفض المهاجرين والأجانب وتحطيم مقاومة الطبقة العاملة وتنظيماتها وكل هذا على خلفية وطنية شوفينية تزينها شعارات التحرر والسيادة الوطنية.

تمثل الفاشية يأس البورجوازية الصغيرة وبحثها عن حل سريع لمشاكلها يضمن الاستقرار حتى وإن كان حلاً زائفاً، وبالتالي تجذب خلف شعاراتها قطاعات البورجوازية الصغيرة التي تأثرت بالأزمة وأحبطت من النضال ولا تبحث سوى عن خلاصها واستقرارها الاقتصادي وتتحرك بنفسها لتضع هذا الاستقرار بالقوة موضوع التنفيذ، وفي أغلب الأحيان تلتقط البورجوازية الكبيرة هذا الخيط وتستخدم التشكيلات الفاشية لصرف الأنظار عن الأسباب الحقيقية للأزمة، ولتحطيم مقاومة الطبقة العاملة وإجبارها بالعنف والقوة على الاستسلام، حدث هذا في التجارب الفاشية الأولى والأشهر في إيطاليا وألمانيا، ويحدث حالياً بدرجة ما في اليونان.

كان حزب “التجمع الأرثوذكسي الشعبي” “لاوس” هو حزب أقصى اليمين التاريخي في اليونان، لكن مع انهيار حزب “لاوس” بعد اشتراكه في حكومة باباديموس في 2011، ظهر حزب “الفجر الذهبي” النازي على الساحة ممثلاً لأقصى اليمين، فالحزب الذي تأسس منذ الثمانينات وظل محدود التأثير طيلة هذه السنوات، بدأ ينشط ويكسب قطاعات من الجماهير، ففي 6 فبراير 2011، ومع انفجار الغضب الجماهيري من سياسات التقشف، نظم النازيون الجدد مسيرة في قلب أثينا ضد قانون منح الجنسية لأبناء المهاجرين المولودين باليونان، وفي انتخابات 2012 حصل لأول مرة على تمثيل في البرلمان اليوناني بنسبة تقترب من 7 % و18 مقعداً، وظل محافظاً على نفس النسبة تقريباً في انتخابات 2015، واستطاع في انتخابات البرلمان الأوروبي في 2014 أن يحصل على حوالي 10 % و3 مقاعد، وهو عدد كبير مقارنة بالـ 21 مقعداً المخصصين لليونان في البرلمان الأوروبي، ومقارنة بمقاعد “سيريزا” الستة التي حصل عليها في نفس الانتخابات.

يمكن تفسير صعود “الفجر الذهبي” وتصاعد نفوذ الفاشية بعدة عوامل؛ أهمها الهيستريا العنصرية في وسائل الإعلام ومن الأحزاب الرئيسية؛ “الديموقراطية الجديدة” و”باسوك” في فترات حكمها ضد المهاجرين، أيضاً امتصاص الحزب العديد من الأعضاء الذين هجروا الأحزاب اليمينة التقليدية، سواء “الديموقراطية الجديدة” أو “لاوس“، خاصة الأخير الذي إنهار تماماً.

في المعتاد يهاجم الفاشيون في دعايتهم السياسية الدولة، ويحافظون على مسافة ما بينهم وما بين الحكومة ويظهرون كأشد الناقدين لها في أعين الجماهير، ويقدمون أنفسهم لهم باعتبارهم البديل، لكن في نفس الوقت يكسبون قطاعات متزايدة من جهاز الدولة إلى صفوفهم، وهو ما يفعله “الفجر الذهبي” في اليونان، فالحزب كان يهاجم باستمرار حكومات “الديموقراطية الجديدة” و”باسوك” المتعاقبة، وينظم الفعاليات الخيرية لتوفير الغذاء للمواطنين الذين لا يحصلون على الغذاء ويصاحبها دعاية لأفكارهم العنصرية (لا يوفرون الغذاء للمهاجرين بالطبع)، وفي نفس الوقت يكتسب نفوذاً في صفوف جهاز الدولة اليوناني وتحديداً في قلب الشرطة، فالكثير من الاعتداءات التي تورط فيها أعضاء من “الفجر الذهبي” ضد المهاجرين كان هناك إشارات لتورط أو تواطؤ عناصر من الشرطة فيها، وفي انتخابات مايو 2012 عندما صوت أفراد العمليات الخاصة للشرطة في ثكناتهم كانت نتيجة 50 % من تصويتهم لصالح “الفجر الذهبي“.

الخطير في الأمر أن شعبية “الفجر الذهبي” لم تتراجع تقريباً في انتخابات 2015، برغم أنه ابتداءً من سبتمبر 2013 بعد اغتيال مغني راب عضو في الحزب الشيوعي، كان هناك حركة قوية ضد الفاشية وهجوم على مقراته، واضطرت الشرطة إلى اعتقال بعد قياداته وتحويلهم للمحاكمة، استمرار نسبته التصويتية عند نفس المستوى يعني أن الفاشية في اليونان تجد أرضاً صلبة تقف عليها، وأن حركة اليسار في مواجهة الفاشية لازالت لا تستطيع تحقيق هدفها.

يمكن أن نستعير تشبيه تروتسكي لوصف الوضع في ألمانيا سنة 1931 في مقال “من أجل جبهة متحدة عمالية ضد الفاشية“، لنصف الوضع الحالي في اليونان:

“إذا وضعنا كرة على قمة هرم، فإن أي مؤثر مهما كان بسيطاً قد يدفعها للسقوط جهة اليسار أو جهة اليمين. وهذا هو الموقف الذي تندفع ألمانيا نحوه حالياً في كل لحظة. هناك قوى تريد أن تنزلق الكرة يميناً وأن تقصم ظهر الطبقة العاملة، وقوى أخرى تريد أن تبقى الكرة في مكانها على رأس الهرم، وهذا ضرب من الخيال، إذ لا يمكن للكرة أن تبقى ثابتة على قمة هرم. ويريد الشيوعيون أن تنحدر الكرة إلى جهة اليسار وأن تقصم ظهر الرأسمالية. لكن الرغبة وحدها لا تكفي.”

الكرة الآن على قمة الجبل، وحتى الآن لازال اليسار برغم كل محاولاته غير قادر على إسقاطها في اتجاهه.

5. سيريزا .. ائتلاف اليسار الجذري؟

لا يمكن تعريف القوى السياسية بما تقوله عن نفسها، ولا يمكن أن يتم تقييم الأحزاب السياسية فقط بما تحمله كلماتها وبرامجها من إشارات للثورة أو من تشهير بالرأسمالية ومآسيها، فقط الحكم على أفعال وعلى ممارسة هذه الأحزاب والقوى في أرض الواقع وفي مواجهة المنعطفات المختلفة هو ما يمنحنا الأدوات الحقيقية للتعريف والتقييم.

يصف حزب “سيريزا” نفسه بأنه ائتلاف اليسار الراديكالي، فهل هو فعلاً يمثل اليسار الراديكالي والجذري؟ وهل ما يطرحه فعلاً جدير بهذه التسمية؟

الانعطاف يميناً

كانت خط “سيريزا” منذ البداية غير ثابت، فطيلة السنوات الأولى كان هذا الخط يتعرج يميناً ويساراً بحسب القوى المشاركة وتأثيرها، وبحسب مواقف قيادة “سايناسبيزموز” وهو الكيان الأكبر في قلب التحالف، لكن مع نمو الحركة الجماهيرية من جديد مع الأزمة في 2007 و2008، ومع تزايد انضمام المستقلين إلى التحالف، تراجع تأثير قيادة “سايناسبيزموز” وفرضت القواعد والجناح اليساري في “سايناسبيزموز” مع المجموعات الجذرية الأخرى داخل “سيريزا” خطاً أكثر جذرية للتحالف.

لكن برغم من هذا ظل برنامج “سيريزا” لا يتجاوز برنامج إصلاح جذري للنظام الرأسمالي، لا يطرح أي هجوم مباشر على الرأسمالية، وظل الموقف من الاتحاد الأوروبي يشكل أزمة داخل “سيريزا“، ما بين من يدعمون الخروج الفوري من الاتحاد الأوروبي، ومن يرفضون الخروج والقطيعة مع الاتحاد الأوروبي، وبين من يسعون لإيجاد حل للأزمة الاقتصادية عن طريق إعادة التفاوض مع الاتحاد الأوروبي دون تقديم تنازلات وفي نفس الوقت دون التخلي عن الإطار الأوروبي. كان “التيار اليساري” في “سيريزا” يتبنى الخروج من الاتحاد الأوروبي لكن عبر عملية طويلة من الضغوط والتفاوض والسعي لإيجاد البديل، لكن كان هناك مجموعات أخرى منها مجموعة ألافانوس التي انفصلت عن “سيريزا” وكونت “الخطة البديلة” ترى الخروج الفوري من الاتحاد الأوروبي، في المقابل، كانت المجموعة التي انفصلت وشكلت “ديمار” ترى أنه لا بديل للاتحاد الأوروبي وبالتالي ترفض مجرد التفكير في الخروج منه، بينما كانت قيادة “سيريزا” ممثلة في تسيبراس تحاول أن تجد إطاراً للتسوية مع الاتحاد الأوروبي والضغط عليه بالتلويح بالخروج لتحقيق مكاسب دون أن تضطر اليونان لمغادرة منطقة اليورو فعلاً.

أيضاً ظل الموقف من السلطة يشكل أزمة أخرى، ما بين من يرى أنه يجب على “سيريزا” أن يخفف من حدة خطابه ويطرح قابليته للتفاوض ليستطيع أن يتسلم السلطة، وما بين من يرى أنه يجب رفض السلطة أصلاً وعدم السعي لتسلمها، وما بين من يتبنى موقف تشكيل حكومة يسار تدعم نضال العمال.

كان الطرح الأساسي لبرنامج “سيريزا” في 2012 هو إلغاء “المذكرة” التي وقعتها الحكومة اليونانية مع صندوق النقد الدولي بدون أي تفاوض على شروطها، مما يعني إنهاء سياسات التقشف وإنهاء سيطرة الترويكا على الاقتصاد اليوناني، ثم التفاوض على إلغاء الدين، وتأميم البنوك ووضعها تحت إدارة العاملين، مع فرض ضرائب أكثر على الأرباح والفوائد الرأسمالية.

لكن بعد انتخابات 2012 والقفزة التي حققها برز إلى السطح إشارات إلى أن “سيريزا” أصبح يسعى لكسب أصوات المعتدلين ليشكل الحكومة. فقام “سيريزا” بتشكيل حكومة ظل برئاسة تسيبراس، وظهرت سياسة الزجزاج مرة أخرى، فمثلاً وجه المتحدث الرسمي لـ”سيريزا” رسالة إلى الكوادر يطالبهم بتحمل المسئولية في تصريحاتهم، على اعتبار أن الدعاية التي تناسب حزب حصل على 4 % في الانتخابات تختلف عنها عندما يحصل على 27 %. وأعلن تسيبراس إنه لن يدعو لمظاهرات ضد حكومة ساماراس، طارحاً أن التضامن في هذه اللحظة هو أهم من المقاومة، أعلن جورج ستاثاكيس، أحد اقتصاديي “سيريزا“، ووزير التنمية في حكومة الظل، وحالياً وزير الاقتصاد والبنية التحتية في حكومة تسيبراس، أن حل الأزمة سيكون في دعم خطة الاتحاد الأوروبي فيما يخص البنوك، برغم أن برنامج “سيريزا” كان يتضمن تأميم للبنوك وعمل قطاع مصرفي وطني. وظهرت إشارات في تصريحات لأعضاء الحزب لوجود النية لإعادة التفاوض على شروط الدين وطرق السداد بدلاً من إلغاءه، لذا بدأت أحاديث ممثلي الرأسمالية اليونانية والأجنبية تشير إلى نضج “سيريزا“، بمعنى استعداد قيادته للتفاهم والتفاوض.

أيضاً بدا من الواضح أن تركيبة الحزب تتغير سعياً وراء مكاسب أكبر في الانتخابات البرلمانية التالية، فوراء شعار أن يصبح الحزب جامعاً لكل اليسار، أصبح أعضاء من “باسوك” بل ومنهم برلمانيون سابقون أعضاءً في “سيريزا” وترشحوا على قائمته الانتخابية، والأكثر من هذا أن الأمر لم يتوقف عند “باسوك” بل تجاوزه إلى أعضاء سابقين في حزب “اليونانيين المستقلين” اليميني تم ترشيحهم باسم “سيريزا” في البرلمان اليوناني.

على سبيل المثال صوفيا ساكورافا أحد الأعضاء الستة لـ”سيريزا” في البرلمان الأوروبي، كانت عضو في البرلمان اليوناني عن “باسوك” حتى 2010، أيضاً باناجيوتيس كورومبليس وزير الصحة في حكومة تسيبراس، كان عضو البرلمان اليوناني عن “باسوك” حتى 2011، وراشيل ماكري، عضو في البرلمان اليوناني عن “سيريزا“، كانت عضو عن “اليونانيون المستقلون” في برلمان 2012،لم يستقل أولئك وغيرهم من أحزابهم وينضموا لـ”سيريزا” بسبب انعطافهم المفاجئ إلى اليسار، بل فقط بسبب رفضهم للتقشف، أي بسبب رفضهم لانعطاف أحزابهم يميناً، (في حالة عضو حزب “اليونانيين المستقلين” كان السبب خلاف غير سياسي مع قيادة الحزب)، والذي حدث أن “سيريزا” انعطف يميناً ليضم هؤلاء لضمان زيادة كتلته البرلمانية في انتخابات، مما ظهر واضحاً في برنامجه الانتخابي لـ 2014 / 2015.

بماذا وعد “سيريزا” اليونانيين

في 15 سبتمبر 2014، أعلن أليكسس تسيبراس برنامج “سيريزا” للحكومة، وهو ما سمي بـ”برنامج تسالونيكي“، وأعلن أن هذا البرنامج وبنوده غير قابلة للتفاوض أو التراجع عنها بأي شكل من الأشكال.

فما هو محتوى هذا البرنامج؟

يتكون البرنامج من جزأين؛ الأول هو ما يختص بعلاقة اليونان بالاتحاد الأوروبي والموقف من “المذكرة“، طرح فيه استعداده للتفاوض لبناء أوسع تحالف في الاتحاد الأوروبي، لكن مع إسقاط جزء من الدين ليصبح محتملاً، وربط أقساط الدين الباقي بالنمو وليس بالموازنة، وعقد اتفاق أوروبي جديد، يمول بموجبه بنك الاستثمار الأوروبي الاستثمارات العامة في اليونان وغيرها من دول الاتحاد الأوروبي. وعلى الناحية الأخرى زيادة الاستثمارات العامة بشكل فوري، والعكس التدريجي لإجراءات “المذكرة“، واستعادة مستوى الأجور والمعاشات، ووضع حوافز للتشغيل في المؤسسات الصغيرة والمتوسطة مرتبطة بقدرتها على تشغيل أكبر عدد من العمالة.

الجزء الثاني هو برنامج إعادة البناء الوطني، وهو برنامج متوسط المدى لاستعادة كفاءة الاقتصاد اليوناني في مدة تتراوح بين عامين وثلاثة أعوام، ويقسم إلى أربعة محاور:

مواجهة الأزمة الإنسانية؛ كهرباء مجانية لـ 300 ألف منزل، ومساعدات غذائية لـ 300 ألف أسرة، مع برنامج إسكان مبدئي يوفر 30 ألف وحدة سكنية، وزيادة المعاشات عن طريق استعادة علاوة استثنائية تم إلغائها من قبل، وعلاج وعناية طبية مجانية للمتعطلين عن العمل والغير مؤمن عليهم، بالإضافة لكارت مواصلات مجاني للمتعطلين.

إعادة تنشيط الاقتصاد وحفز العدالة الضريبية؛ الضغط على المستثمرين لدفع المتأخر عليهم من ضرائب وأقساط التأمين الاجتماعي، وسن ضريبة جديدة على ملكيات الأراضي الكبيرة، واستعادة الحد الأدنى للأجور عند 751 يورو ورفع حد الإعفاء الضريبي من ضريبة الدخل إلى 12 ألف يورو سنوياً، مع إسقاط جزء من الديون الشخصية للمواطنين عند خط الفقر، ووضع حد أقصى على فائدة القروض الشخصية لا يتجاوز ثلث دخل المدين، وإنشاء بنك تابع للدولة للتنمية.

برنامج قومي للتوظيف، يوفر 300 ألف فرصة عمل خلال عامين، ويضح حدوداً للفصل التعسفي وانتهاك حقوق العمال.

تحويل النظام السياسي إلى مزيد من الديموقراطية، عن طريق دعم التنظيمات الجماهيرية التي تشكلت وإنشاء أشكال لممارسة الديموقراطية المباشرة، ومنح المواطنين الحق في الدعوة لاستفتاء والحق في طرح تشريعات وحق الفيتو على تشريعات والحق في محاسبة النواب البرلمانيين.

برغم كل ما يمكن أن يحمله البرنامج من إصلاحات وإجراءات جذرية، إلا أنه يظل في إطار النظام الرأسمالي ولا يطرح أي هجوم على نمط الملكية والإنتاج السائدان، ولا يخاطب الجماهير التي ناضلت طيلة الأعوام السابقة لتجذر حركتها وتتقدم للأمام، برغم الإشارات الإيجابية المرتبطة بالديموقراطية الشعبية وحقوق المراقبة والمحاسبة، إلا أن البرنامج مازال يبحث عن حل للأزمة من خلال المناورات السياسية والإصلاحات الفوقية وليس من خلال بدائل تبنى في قلب الحركة الجماهيرية، كما أن الموقف من الدين والاتحاد الأوروبي فيه تراجع عن الموقف الذي طرحه “سيريزا” في 2012، فهذه المرة الكلام عن تفاوض بخصوص كيفية تسديد الدين وليس إلغاؤه بشكل تام، كما أن البرنامج تراجع عن فكرة تأميم البنوك وعن الزيادات الواضحة في ضرائب الدخل والأرباح التي ذكرت في برنامج 2012.

وهنا يجب الإشارة إلى أن هذا البرنامج يختلف عن ذلك البرنامج الذي قام بترجمته أحد المواقع للعربية باسم “البرنامج الرسمي لسيريزا اليوناني” نقلاً عن حزب “إعادة التأسيس الشيوعي” الإيطالي، وقامت المواقع اليسارية العربية بنقله عنه، وهو في الحقيقية برنامج “سيريزا” لانتخابات 2012، وليس برنامج 2014، وهو بالطبع أكثر يسارية وجذرية كما أشرنا من قبل، ويمكن الإطلاع عليه بالإنجليزية من هنا.

إذاً فـ”سيريزا” يقدم برنامج إصلاحي جذري للرأسمالية ذو ملامح كينزية، ويقدم نفسه كبديل لأحزاب الاشتراكية الديموقراطية القديمة التي أفلست ولم تعد تستطيع أن تلعب دور القطب الثاني في قلب النظام الرأسمالي أكثر من هذا. فهل يمكن لـ”سيريزا” حتى أن ينفذ فعلاً برنامجه هذا؟

امتحان السلطة

بعد فوز “سيريزا” في 25 يناير 2015، بدأ مرحلة جديدة انتقل فيها من موقع المعارضة إلى الحكومة. كانت بداية هذه المرحلة هي التحالف مع حزب “اليونانيين المستقلين” لتشكيل الحكومة، فالمقاعد التي حصل عليها “سيريزا” لم تكن كافية للحصول على الأغلبية المطلقة (50 % +1) التي يحتاجها ليشكل حكومة مستقرة، وكان يحتاج إلى مقعدين إضافيين فوق مقاعده الـ 149 ليصل لهذه النسبة، وبهذا تشكلت حكومة ائتلافية من الحزبين مثل فيها حزب “اليونانيين المستقلين” بوزير واحد هو رئيسه بانوس كامينوس في منصب وزير الدفاع!!

هذا التحالف هو انعطاف يميني جديد يضاف لانعطافات قيادة “سيريزا“، فحزب “اليونانيين المستقيين” الذي يتفق مع “سيريزا” في مواجهة سياسات التقشف ومواجهة الترويكا، هو حزب يميني قومي يتبنى هذه الاختيارات من موقع شوفيني ولن يتفق مع “سيريزا” في أي محاولة للهجوم على الرأسمالية، حتى إن كانت إصلاحات جذرية مثل التي يتبناها برنامج تسالونيكي، وبالتالي وضع قادة “سيريزا” الأغلال في أيديهم بهذا التحالف.

صحيح أن قيادة “الحزب الشيوعي اليوناني” دفعت في هذا بموقفها العدائي وبرفضها المسبق تقديم أي دعم لـ”سيريزا” برغم أن هذا الدعم لم يكن بالضروري أن يكون مرتبطاً بمشاركة في تشكيل الحكومة، لكن قيادة “سيريزا” انتهزت الفرصة للانحراف يميناً، ولكون الحزبين الوحيدين المعادين للتقشف والترويكا هما “الحزب الشيوعي اليوناني” و”اليونانيون المستقلون“، ولأن “الحزب الشيوعي اليوناني” أعلن عن موقفه قبل الانتخابات، فكانت الحجة جاهزة في يد قيادة “سيريزا” للقيام بهذا الانعطاف إلى اليمين، ولم يحاولوا التفاوض مع “الحزب الشيوعي اليوناني” أو حتى استغلال الفرصة لتوجيه أي نداء لقواعده ليكشفوا أمامهم عصبوية القيادة، مما كان قد سيعني إمكانية تحقيق “سيريزا” لمكاسب أكبر في حال فشل في تشكيل الوزارة واضطر إلى خوض الانتخابات ثانيةً.

بعد أن شكل تسيبراس حكومته، أصبح التساؤل الأساسي المطروح هو هل يمكن لـ”سيريزا” فعلاً أن يخرج من الاتحاد الأوروبي؟

يسعى تسيبراس للتفاوض مع ميريكل ومع قادة منطقة اليورو محاولاً الحفاظ على وجود اليونان في منطقة اليورو في نفس الوقت الذي يحاول أن يخفف من القبضة الثقيلة الملتفة حول عنق الاقتصاد اليوناني، لذا تراجع عن التهديد بالخروج من الاتحاد الأوروبي بعد ما أبدت ميريكل استعدادها لخروج اليونان من الاتحاد الأوروبي حال وصل “سيريزا” للسلطة وطرح مطالب “غير مقبولة“، وبدأت حكومته في سلسلة من المفاوضات واللقاءات من أجل التوصل إلى حل. لكن بالنسبة لقادة الاتحاد الأوروبي وفي مقدمتهم ألمانيا، تقديم التنازلات لليونان سيفتح المجال لتنازلات مشابهة أمام إيطاليا وأسبانيا والبرتغال وأيرلندا، وهو الأمر الذي سيكون غير مقبول لأنه سيعني عملياً تهديد مكاسب وامتيازات ألمانيا وباقي الدول المستفيدة من الأوضاع الحالية. لذا كانت الإجابة التي تلقاها وزير المالية اليوناني في اجتماع وزراء مالية منطقة اليورو هي أنه على اليونان متابعة إجراءات التقشف وأنه لا تفاوض على الديون قبلها. وآخر ما استطاع أن يصل له هو الاتفاق مع وزراء مالية منطقة اليورو يوم الجمعة 20 فبراير على مد خطة الإنقاذ لمدة أربعة أشهر أخرى، مع تعهد من اليونان بالالتزام بديونها، وتقديم قائمة بمعايير إصلاح الاقتصاد اليوناني (أي سياسات التقشف) التي ستلتزم بتنفيذها الفترة القادمة.

يعني هذا بوضوح أن الطريق أمام “سيريزا” وحكومته مغلقاً، ليس فقط في طريق تخفيف الدين وإجراءات التقشف لكن أيضاً في طريق خطته لإنعاش الاقتصاد اليوناني، مما يعني عملياً أنه يوضع في الاختيار ما بين الاستمرار في منطقة اليورو والانصياع والاستسلام لأوامر ألمانيا، أو الخروج من الاتحاد الأوروبي وهو ما قد يعني بالنسبة له مغامرة غير مأمونة العواقب. وستظل هذه الأزمة قائمة برغم أن “سيريزا” يسعى لإيجاد بدائل عن الاتحاد الأوروبي أو حتى للمقاومة في داخل الاتحاد الأوروبي، أهمها هو تضامن الدول المأزومة وإمكانية تشكيل نوع من الجبهة الموحدة فيما بينها وخاصة أسبانيا، لذا يقف في انتظار نتيجة الانتخابات الإسبانية في نهاية العام، ويسعى لتوطيد علاقته بحزب “بوديموس” الأسباني.

لكن كل هذه المحاولات ستظل مأزومة ومحكومة بالفشل، طالما الاختيار هو بين الاستمرار في الاتحاد الأوروبي أو الخروج منه دون أن تطرح طبيعة النظام الاقتصادي اليوناني على مائدة البحث، فاستمرار اليونان محافظة على النظام الرأسمالي يعني أن تظل أزمتها بلا حل، ويعني أنها ستظل مضطرة للخضوع أكثر وأكثر للضغوط الأوروبية المتزايدة، بينما يمكن أن تؤدي قطيعة اليونان مع النظام الرأسمالي إلى موجة من التغيرات في جنوب أوروبا قد تؤدي لخلق اتحاد اقتصادي من نوع مختلف بين دول هذه المنطقة.

لكن قطيعة من هذا النوع، وتبني لسياسات اشتراكية، يجب أن تدفعنا للتساؤل إن كان “سيريزا” يحوز السلطة فعلاً، فبرغم أن الحزب فاز في الانتخابات وشكل الحكومة إلا أن السلطة الحقيقية في الدولة البورجوازية تختلف عن الحكومة، فأدوات القوة لتنفيذ قرارات الحكومة ليست بيد الحكومة، بل بيد الجهاز التنفيذي وأجهزة القمع (الشرطة والجيش)، وهذه الأدوات ليست بيد “سيريزا” وليست بيد حكومة تسيبراس، أضف إلى ذلك أن المؤسسات الإعلامية الكبيرة في يد كبار الرأسماليين، (في 2012 وبعد القفزة الكبيرة لـ”سيريزا” في انتخابات مايو، تناثرت أقاويل عن اجتماعات دعا لها ضباط في الجيش اليوناني لمناقشة موقفهم حال وصل “سيريزا” إلى السلطة). وبالتالي أي محاولة من “سيريزا” لتحطيم النظام الرأسمالي ستواجه بمقاومة عنيفة وستبوء بالفشل، ما لم يسعى لبناء مؤسسات جديدة تعتمد في الأساس على قوة الجماهير المنظمة لمواجهة محاولات المؤسسات القديمة في الحفاظ على الوضع الحالي، وهذه العملية تحتاج إلى تعبئة وحشد للطبقة العاملة ومنظماتها للدفاع عن مصالحها، لكن التجارب التاريخية للإصلاحيين في السلطة تقول أن هذا لا يحدث، وأنهم إما أن يخضعوا مباشرة للرأسمالية ويندمجوا في النظام الرأسمالي والطبقة الحاكمة كما فعل حزب “باسوك” في اليونان منذ الثمانينيات ومثله من قبل كل أحزاب الاشتراكية الديموقراطية الأوروبية، أو يعتمدون على المناورات السياسية ويحجمون من التحركات الجماهيرية على أمل كسب مزيد من الوقت وعدم إثارة البورجوازية فتكون النتيجة أن تستخدم البورجوازية العنف للإطاحة بهم بعد أن يكونوا قد لعبوا دوراً في إضعاف مقاومة الجماهير، وهو ما حدث مع نظام سلفادور اللندي في تشيلي.

فرص ودروس

برغم كل شيء تظل تجربة “سيريزا” تحمل العديد من الفرص والدروس الثورية، فلم ينتهي الأمر في اليونان بعد، ويمكن أن تستطيع قواعد “سيريزا” والمجموعات الجذرية داخله جذب القيادة في طريق أكثر جذرية، خاصة إن استطاع الائتلاف المناهض للرأسمالية “أنتارسيا” أن يلعب دوراً في تنظيم واستمرار التحركات الجماهيرية، أو يمكن أن يستطيع “أنتارسيا” أن يقدم نفسه وبرنامجه للجماهير باعتباره البديل الأكثر جذرية إن استمرت قيادة “سيريزا” في الانعطاف اليميني، لكن أيضاً هناك احتمال فشل “سيريزا” في تقديم أي مكاسب حقيقية للشعب اليوناني في ظل غياب أي بديل يساري حقيقي، وهو ما سيعني فتح الطريق أمام الفاشية وحزب “الفجر الذهبي” (أو أي شكل جديد للفاشية) لتحقيق مكاسب سياسية وجماهيرية على حساب فشل اليسار، وهو ما قد يعني، في ظل الاحتمالات الشبيهة القائمة في عديد من الدول الأوروبية، بداية لفصل مظلم جديد من تاريخ العالم والرأسمالية.

أما الدروس الأهم في هذه التجربة فهي لليسار المصري، ليست في نجاح “سيريزا” الانتخابي ووصوله للسلطة الذي قد لا يمثل شيء جديد في الواقع كما بيننا، ولكن يمكن أن نلخصها في الآتي:

أولها هو أهمية النضالات العمالية، وبالتالي ضرورة مد الجذور والصلات إلى الطبقة العاملة، فبرغم قوة انتفاضة الشباب اليوناني في 2008، إلا أن تأثيرها تعاظم بانضمام العمال إليها عبر الإضرابات، وتراجع هذا التأثير عندما استطاعت القيادة البيروقراطية للنقابات تثبيط نشاط العمال، كذلك كان العامل الأساسي في إسقاط وزعزعة حكومات “المذكرة” المتتالية؛ (كارامانيلس، باباندريو، باباديموس، ساماراس) هو التحركات العمالية والإضرابات العامة المتتالية النشطة، والتي برغم من تتاليها واستمرارها وجذريتها إلا أنها لم تصل إلى حد طرح قضية السلطة على برنامجها والسعي إلى حلها على طريقتها بعيداً عن الطريق البرلماني.

مازالت الطبقة العاملة المصرية في وضع متأخر بالنسبة للطبقة العاملة اليونانية، فلم تعرف دعوات حقيقية للإضراب العام، وحتى الإضرابات الموقعية ما تزال رغم نضاليتها محدودة، لكن هذا الوضع المتأخر لم يكن هو حال الطبقة العاملة المصرية على الدوام، فقد عرفت لحظات كانت فيها هي قاطرة النضال والتحركات الجماهيرية والسياسية، سواء في الأربعينات، أو بدرجة ما في السبعينات، لكن التأخر في وضع الطبقة العاملة يرتبط في الأساس بتراجع التنظيمات والأحزاب الماركسية والاشتراكية عن التأثير والتواجد في قلب نضال الطبقة العاملة وتجذير مطالبها وتطويرها، فأصبح البعض ينتظر أن تتقدم الطبقة العاملة من تلقاء ذاتها لصدارة المشهد ليقرر وقتها الرهان عليها وعلى حركتها.

لن تتطور حركة الطبقة العاملة من النضال حول المطالب الحالية الضيقة الخاصة بكل منشأة إلى المطالب الاقتصادية الأوسع المرتبطة بوضع الطبقة العاملة ككل ومنها إلى النضال السياسي في مواجهة النظام الرأسمالي ودولته، إلا بوجود العامل الذاتي الأهم في قلب هذا النضال وهو الحزب الثوري. بكلمة أخرى لن يتطور الوعي الطبقي للطبقة العاملة المصرية وتصبح طرفاً في المعادلة السياسية إلا عندما تتواجد الأحزاب والمنظمات الثورية التي تراهن على نضال الطبقة العاملة وتتدخل قصدياً لتطوير هذا الوعي.

ثانياً؛ أن الانتصار البرلماني مهما كان على برنامج جذري أو يرفع شعارات ثورية، يظل انتصار محدود ومؤقت، فالبرلمانية محدودة بالعمل داخل إطار الدولة البورجوازية، وتحت تهديد أدوات حماية هذه الدولة سواء عن طريق العنف أو تشويه الوعي، ولن يمكن لأي حزب تجاوز هذا الإطار إلا بالرهان على قوة الجماهير وتنظيماتها وفي القلب منها الطبقة العاملة. إن التجربة البرلمانية للأحزاب الشيوعية الأوروبية، والأحزاب الاشتراكية الديموقراطية من قبلها، انتهت إلى الاندماج في قلب الدولة الرأسمالية، وبالتالي تآكلت شعبيتها تدريجياً، ولم تعد المعبر الحقيقي عن الجماهير ونضالاتها، وبالمثل انتهت تجارب يسارية وشيوعية في مصر والمنطقة العربية بالاندماج والتماهي في الدولة حتى دون أن تسلك الطريق البرلماني، لمجرد أن قدم النظام هامش إصلاحات محدود داعب أحلام هذه الأحزاب المعزولة عن الجماهير.

ما لم تكن مسألة السلطة وتمكين الجماهير منها مطروحة على جدول أعمال الأحزاب اليسارية التي تدعي انتمائها إلى الثورة أو تبنيها الطريق الثوري، تنحط هذه الأحزاب ولا تصبح أكثر من أجنحة يسارية للأنظمة القائمة، ينطبق هذا الوضع على اليونان وانتصار “سيريزا” في دولة أوروبية لها تراث ديموقراطي وبرلماني يمتد إلى أكثر من 40 عاماً، وينطبق أكثر على الحالة المصرية حيث لا توجد إلا دولة بورجوازية بوليسية تضع زينة برلمانية وديموقراطية لتخفي وجهها القبيح.

يصبح الأهم في برنامج الأحزاب اليسارية الثورية في هذه اللحظة، هو الرهان على بناء الحركة الجماهيرية واستمرارها وليس على عدد المصوتين في صناديق الانتخابات، ولهذا الغرض يجب أن يخضع تقييم كل المعارك (ومنها المعارك البرلمانية) والإصلاحات والمكاسب التي يتم تحقيقها، فالأحزاب الثورية لا ترفض الإصلاحات طالما تسمح باستمرار الأفق الثوري مفتوحاً ولا تسد على الجماهير طريق التطور عن طريق تزييف وعيها، بمعنى آخر الإصلاحات التي تتحقق عبر معارك جماهيرية تكسب الجماهير الثقة في نفسها وتدفعها لمزيد من التقدم والتنظيم.

أخيراً؛ هو كيف يمكن لتحالف يساري صغير يبنى بين أحزاب ومجموعات ثورية، على أسس يسارية جذرية واضحة في مواجهة الدولة والنظام الرأسمالي، ويتبنى ديموقراطية داخلية حقيقية ويتجاوز الحدود العصبوية والحلقية، يمكن لمثل هذا التحالف أن ينمو ويكسب ثقة قطاعات كبيرة من الجماهير، وأن يجمع القوى المشتتة للمجموعات والأفراد وأن يقدم نفسه كبديل حقيقي للأقطاب المتصارعة، شرط أن يطرح على نفسه المعارك الجماهيرية الصحيحة، وأن يتبنى خطاً مستقلاً يسارياً جذرياً لا يتذيل اليمين بأي من أشكاله، ولا يساوم أو يتراجع عنه من أجل مكاسب انتهازية ضيقة.

حتى وإن كان هذا التحالف أو أحزابه صغيرة وضعيفة في البداية، لكن يمكن أن تضعه الجماهير في قيادة الحركة، إن استطاع أن يعبر ببرنامجه عن أزماتها ويشتبك مع نضالاتها ويكسب ثقتها في قلب المعارك المختلفة، كما كتب لينين في كراسه “المؤتمر الثالث للأمية الشيوعية” سنة 1921:

“أنا لا أنفى قطعاً أنه يمكن أن يبدأ الثورة حزب صغير جداً ويسير بها إلى نهاية مظفرة. ولكنه ينبغي أن يعرف الوسائل التي يجتذب بها الجماهير إلى جانبه. ولهذا الغرض لابد من إعداد الثورة بشكل جدي … حسبكم حزب صغير جداً لكي تجروا الجماهير وراءكم. ففي أوقات معينة لا حاجة لمنظمات كبيرة.

ولكن لابد من اكتساب تعاطف الجماهير لأجل إحراز النصر. والأغلبية المطلقة ليست ضرورية دائماً؛ ولكن الجوهري من أجل إحراز النصر، من أجل الاحتفاظ بالسلطة، ليس فقط أغلبية الطبقة العاملة – وأنا استعمل هنا تعبير “الطبقة العاملة” بمعناه الأوروبي الغربي، أي بمعنى البروليتاريا الصناعية – بل كذلك أغلبية المستغَلين والكادحين من سكان الريف…”

بالتأكيد هناك مساحات اختلاف كبيرة بين تطور الحركة الجماهيرية في كل من مصر واليونان، ما بين حركة لم تتجذر بالقدر الكافي في مواجهة دولة بوليسية لا تسمح بأي مجال للإصلاحات، كما هو الحال في مصر، فكانت النتيجة هي انفجار شعبي مباغت أجبر النظام على تقديم بعض التنازلات أمام الضغط الجماهيري الذي تراجع مع استعادة النظام لتوازنه، وحركة متجذرة وواسعة لكن في مواجهة نظام ديموقراطي راسخ ما زال يطرح أمام الجماهير أوهام حول التداول السلمي للسلطة وفعالية صناديق الانتخاب، كما هو الحال في اليونان، فتظل هذه الحركة المتجذرة تتقدم عبر معارك مختلفة داخل البرلمان وخارجه. لكن برغم الاختلاف تشترك التجربتان في أنهما يثبتان من جديد إفلاس النظام الرأسمالي وعجزه عن الخروج من أزمته، التي لن يتم تجاوزها إلا بالإطاحة بهذا النظام، أو بأن يلجأ النظام لمزيد من البربرية والوحشية للحفاظ على نفسه في مواجهة غضب الجماهير.

Advertisements

مناقشة

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

حمل العدد الأخير من نشرة الثوري

آخر اصداراتنا

أنت الزائر رقم

  • 67,003

%d مدونون معجبون بهذه: