مقالاتنا, تحليل سياسي, عمال وفلاحين

من أرض الحق البورجوازي لأرض الصراع الطبقي … تحصين الخصخصة سلاح بقانون


بعد انتهاء المؤتمر الاقتصادي في شرم الشيخ، هللت كل وسائل الإعلام معلنة نجاح المؤتمر ومعلنة فتح عهد جديد للاستثمار الأجنبي في مصر، دون أن يخبرنا أحدهم إلى من تعود مكاسب هذه الاستثمارات، سنحاول في مجموعة من المقالات أن نلقي الضوء على ما قدمه النظام من تشريعات وقوانين طيلة الفترة السابقة على المؤتمر ليضمن أرباح الرأسمالية الأجنبية والمحلية على حساب العمال والكادحين، محاولين أن نتجاوز الإطار الحقوقي والقانوني البورجوازي إلى إطار الصراع الطبقي.

صورة أرشيفية لعمال طنطا للكتان

تصاعدت وتيرة الطعون التي تلاحق عقود بيع شركات الدولة المبرمة بين الحكومة، وأساطين الرأسمالية المصرية، جراء لجوء الطبقة العاملة في هذه الشركات إلى ساحات القضاء، مستندة إلى نصوص القوانين والتشريعات التي تحكم عمليات التصرف في المال العام لصالح الغير من الأفراد أو الكيانات الاعتبارية، ومستندين أيضاً إلي كونهم – عمال الشركات – محل التصرفات نظراً لما لحق بهم من أضرار جراء تلك العقود “المعيبة” المعروفة بعمليات الخصخصة لصالح المستثمرين في ظل سياسات الليبرالية المتوحشة.

وقد انتهت العديد من القضايا بحصول العمال على أحكام قضائية ببطلان هذه العقود المبرمة بالمخالفة للقانون والتي ألحقت أضرارا بالمال العام والعمال “نتيجة ما ارتكب من صفقات وقحة تدثرت بثوب من الفساد” – وفق وصف المحكمة الإدارية – فالتصرف بالبيع يتم بأثمان بخسة عن القيمة الحقيقة، فمثلاً تم بيع أرض تقدر بنحو 95 مليون جنية بحوالي 35 مليون، هذا إلى جانب إهدار حقوق العمال سواء التي يستحقوها عن فترة عملهم أو بتسريحهم، حيث يلقي الرأسمالي المستثمر بالعمال إلي الضياع ضامناً عدم وجود مظلة حاكمة تنحاز للعمال تلاحق ما يرتكب من جرائم في حقهم.

على أنه يتبع صدور الحكم ببطلان هذه العقود الحكم بعودة الشركات إلى الدولة. وعلى سبيل المثال الحكم الصادر ببطلان خصخصة شركة طنطا للكتان الصادر من محكمة القضاء الإداري بتاريخ 21 / 9 / 2011 في الدعوى رقم 34248 لسنة 65 ق والمؤيد من المحكمة الإدارية العليا في 29 / 9 / 2013 برفض الطعن المقدم من كل من الحكومة (البائع) ومن الرأسمالي السعودي عبد الإله الكعكي (المشتري)، ومثلها أحكام خاصة ببطلان عقود بيع شركات عمر أفندي، وغزل شبين، والمراجل البخارية، والنيل لحليج الأقطان، والعربية للتجارة الخارجية. وتشمل هذه الأحكام عودة العمال المفصولين إلى عملهم، الأمر الذي شكل عقبة أمام مسيرة الهيمنة الرأسمالية التي يقصدها حلف “رجال الأعمال” والسلطة على مقاليد الاقتصاد في المجتمع لإحكام قبضتهم الطبقية على كافة مصادر الثروة واستغلال الطبقة العاملة.

السلطة وكبح نضال العمال

إلا انه بعد أن حصل العمال على أحكام نهائية ببطلان عقود بيع تلك الشركات وإعادتها للدولة، وما شملته من ضرورة إعادة العاملين مرة أخرى لعملهم، وكذلك الحكم بحصول العمال على كافة مستحقاتهم، ظلت السلطة التنفيذية (الحكومة) – التي سبق وأتمت تلك التصرفات الباطلة – تماطل حتى الآن في تنفيذ تلك الأحكام النهائية بعودة الشركات إلى ملكية الدولة والخزانة العامة، علاوة على أن العاملين بها حتى الآن يلجئون إلى القضاء من أجل تمكينهم من تنفيذ أحكام عودتهم للعمل. يشكل تنفيذ تلك الأحكام عرقلة لهيمنة البورجوازية الأمر الذي حرك عناصر البورجوازية المتحالفة ضد الطبقة العاملة لكبح نضالهم من أجل نيل حقوقهم والحفاظ على مكتسباتهم المشروعة، ولتكبيد العمال ثمن نضالهم بالدفع بهم أكثر وأكثر تحت وطأة الأزمات والضغوط اللا متناهية، فإذا خرج العمال بأسطر على ورق تبلغهم بحقهم المشروع يجدوا أنفسهم في صدام بذات السلطة المنوط بها تنفيذ تلك الأسطر .

أمام مواجهة العمال لتحالف السلطة الحاكمة مع “رجال الأعمال” تحركت أجنحة البورجوازية لقمع هذه المواجهة العمالية وإخمادها، فالسلطة التي تتبنى توجهات الرأسمالية عملت على اتخاذ تدابير وإجراءات متعددة حيال تحركات العمال، فهي في لحظات الصعود الثوري تعمل على ترويض نضالهم ومحاصرته داخل أفق المطالب الاقتصادية والمعيشية، لكبح أي تطلع طبقي سياسي آخر يهدد وجود ومصالح البورجوازية. أما في لحظات الجزر الثوري تقمع السلطة نضالات العمال وفق مسارها. فقد رتب هذا التحالف البورجوازي لمواجهة نضال العمال القانوني المشروع بكل جدية لسد كافة السبل التي يسلكها العمال في نضالهم.

قرار بقانون رقم 32 لسنة 2014 والفتك بعقبة البطلان

تلك الأحكام التي حصلت عليها الطبقة العاملة ببطلان عقود الحكومة بخصخصة شركات المال العام للرأسماليين شكلت عقبة قضائية وقانونية وعثرة أمام الرأسمالية المصرية والأجنبية في طريقها الاقتصادي الاحتكاري، مما دفع إلي التفكير في حلول تواجه هذه العقبة فكان إصدار قانون تحصين العقود من السلطة التنفيذية ذاتها على لسان رئيسها المؤقت (رئيس المحكمة الدستورية) وهو القرار بقانون رقم 32 لسنة 2014، وهو أحد مشاريع الطبقة الحاكمة الذي سعى مرسى إبان اعتلائه سدة الحكم بوصفه ممثلاً لأحد أجنحة البورجوازية الكبيرة أن يصدره، لكن قوة الحركة الثورية آنذاك على عفويتها عطلت ذلك، وإن كانت في الحقيقة قد أجلت فقط عملية صدوره للوقت الذي تمكنت فيه السلطة من إصداره في فترة انحسار المد الثوري، وفي ظل آثار الترويع الذي خلقته دعاية السلطة بشأن الحرب على الإرهاب .

وبمطالعة هذا القرار بقانون نجده قد نص في مادته الأولى على الآتي “… يكون الطعن ببطلان العقود التي يكون أحد أطرافها الدولة أو أحد أجهزتها من وزارات، ومصالح، وأجهزة لها موازنات خاصة، ووحدات الإدارة المحلية، والهيئات والمؤسسات العامة، والشركات التي تمتلكها الدولة أو تساهم فيها، أو الطعن بإلغاء القرارات أو الإجراءات التي أبرمت هذه العقود استناداً لها، وكذلك قرارات تخصيص العقارات من أطراف التعاقد دون غيرهم …

فبصريح عبارات هذا القرار بقانون، التي لا تحتاج إلى فقهاء القانون لتفسيرها، أصبح يقتصر حق الطعن على عقود البيع والاستثمار التي تبرمها أي جهة حكومية ممثلة للدولة مع أي رأسمالي مستثمر مصري أو أجنبي، بما فيها قرارات تخصيص العقارات، على “طرفي التعاقد فقط” أي المستثمر المشتري وممثل الدولة على النحو الذي أوضحه نص القانون شاملاً كافة الأحوال وكافة القطاعات الاقتصادية ومختلف التقسيمات الإدارية بالحكومة التي يتحرك من خلالها المستثمرين للحصول على ملكية أموال الدولة أو الانتفاع بها بتخصيص العقارات. أي اقتصر على طرفي التعاقد مرتكبي الفساد فيما بينهم. فبذلك يكون النص قد حظر على العمال أو غيرهم رخصة الطعن أمام القضاء على تلك العقود، وحال دون استخدام حق التقاضي كطريق حقوقي بورجوازي عاجز للبحث في هذه العقود وإعادة النظر في إجراءاتها وفيما تحويه من مضامين تخص عملية نقل الشركات، وهو ما يطلق يد الدولة في إبرام العقود مع المستثمرين دون رقابة لاحقة على ما تقوم به السلطة صاحبة التوجه البورجوازي في الأملاك العامة.

ادعت الحكومة أن هذا القرار بقانون هو لحماية الاقتصاد، إلا أنها قد أوضحت أن السبب في إصدارها لقرار التحصين يرجع إلي طعون الطبقة العاملة التي تستند إلي مجرد إجراءات وصفتها السلطة بالعقيمة، والتي عطلت مسيرة الاستثمار وأضرت بالمستثمرين الذين هربوا علي أثر ذلك. وخرجت علينا جوقة الإعلام البورجوازية بأكاذيبها الوقحة بأن تحركات العمال وأحكام البطلان أدت إلي حدوث فوضى واضطرابات في المعاملات وإهدارا لحقوق المستثمرين الذين تم وصفهم بحسني النية، واستكمالاً لسيل وقاحة البورجوازية فقد روجت أن الجهات الإدارية قد أقرت بصحة وسلامة هذه العقود التي أبرمتها، أي أن هذه الجهات تمجد بحمد فسادها الذي كشف عنه النقاب نضال العمال القضائي بالمحاكم التي وصفت تلك العقود بـ”المتدثرة بثوب الفساد“، ولم تنتهي رطانة السلطة وجوقة البورجوازية في تبرير قرار التحصين إذ قللت وتفهت من شأن الفساد الذي يرتكب وذهبت إلى أن ما يقع من فساد لا يعيب الخصخصة في شيء فالقائمون عليها هم الفاسدون.

إن هذه الدعاية، التي تخدع بها جوقة البورجوازية الجماهير لتعميهم عن حقيقة الصراع الطبقي القائم بين الطبقة البورجوازية بأذرعها وبين الطبقات الكادحة وعلى رأسهم العمال، لن تنجح في تخدير وعي الجماهير وعلي الأقل الطبقة العاملة إذ يظهر جلياً الانحياز لصالح الرأسماليين المصريين والأجانب والدفاع عن مصالحهم دون أي اعتبار لمصالح وحقوق العمال وباقي فئات الشعب. ومن البين أن هذه الدعاية تتبنى كلياً الدفاع عن المستثمرين ومصالحهم التي وصفت بأنها حقوقهم ولم تعر أي اهتمام بالعمال وما يرتكب من جرائم في حقهم وما يرتكب من فساد بإهدار المال العام، بل بكل وقاحة تزيف وعى الجماهير بالإدعاء بأن هذه العقود سليمة وتدلل علي صحتها بشهادة مرتكبي هذه الجرائم، ضاربة عرض الحائط بتلك القوانين والأحكام التي شرعتها السلطة الطبقية ذاتها والتي تحكم التصرفات في المال العام، وما توصل إليه العمال من أحكام قضائية تم إهدارها ليتوارى دور القضاء (وهو قضاء النظام في كل الأحوال) بهذا الصراع طالما ما يسفر عنه من أحكام ليس في صالح الهيمنة الرأسمالية.

إن ما انتهى إليه النص يعد مخالفة قانونية ودستورية صريحة (ولكن متى احترمت السلطة الدستور والقانون حين خالف مصالحها حتى المؤقتة؟)، فالتشريعات التي شرعها مجلس الشعب (النواب) تواترت على نظام قانوني وقضائي يجعل تصرفات الجهات الإدارية – الحكومة – خاضعة لرقابة قضاء محاكم مجلس الدولة، للبحث فيما إذا التزمت الجهات الحكومية – باعتبارها جهات تنفيذية – لصحيح قواعد القانون المنظمة لإدارة أملاك الدولة والتصرف فيها وكذالك لباقي القوانين التشريعية الحاكمة في الدولة، ويتم إخضاع هذه العقود للرقابة القضائية لتدارك شبهات فساد المسئولين وانحرافاتهم عند اتخاذ إجراءات تخص المال العام، وما يرتكب بالتلاعب في العقود لتحقيق مصالح شخصية تعود بالضرر على حقوق فئات الشعب وبالأخص العمال باعتبارهم الفئة المضرورة بشكل مباشر. ذلك الفساد الذي اعتبرته جوقة البورجوازية لا قيمة له.

نص الدستور، الذي شرعته السلطة الحاكمة بنفسها عام 2014، على إخضاع كافة التصرفات الإدارية لرقابة قضاء مجلس الدولة، حيث جاء ضمن نص المادة 190 على اختصاص مجلس الدولة بمراجعة مشروعات العقود التي تكون الدولة أو أحد هيئاتها العامة طرفاً فيها، وهذا هو مبدأ دستوري تواترت عليه الدساتير السابقة ألا وهو “مبدأ سيادة القانون” الذي يوجب خضوع الدولة للقانون، والذي جاء النص عليه بالمادة 96، وترسيخاً لذلك نصت أيضاً المادة 97 من ذات الدستور على مبدأ استقرت عليه التشريعات الدستورية يحظر تحصين أي عمل أو قرار إداري صادر من جهة الإدارة من رقابة القضاء، وفي هذا الصدد هي التصرفات الحكومية على شركات المال العام سواء بالبيع أو بتخصيص العقارات ضمن أعمالها الإدارية قامت بها جهات تنفيذية على مختلف الهيكل الإداري للحكومة وهو ما واجهه نص التحصين باشتماله على مختلف الجهات الإدارية التي تبرم هذه العقود مع المستثمرين .

وهذه المواد الدستورية التي سطرها النظام بنفسه تعد في مجال الفقه القانوني والقضاء “من الجهة الفنية” “مبادئ عصية على التغير أو المساس بها ولا يستقيم بدونها أي نظام حكم“. إلا أن هذه المفاهيم لها مضمون أخر لدى السلطة البورجوازية التي تتحرك وفق مصالحها الرأسمالية فعندما تعثرت بهذه القوانين والمبادئ وما تفترضه من إخضاع الدولة لسيادة القانون على قدم المساواة مع باقي الشعب، لم تتحمل التطلعات البورجوازية هذا الخضوع للقانون فحركت البورجوازية آلتها نحو تنظيف الطريق من أي عوائق أمام طموحاتها، فجعلت هذه المبادئ الدستورية مجرد حبراً على ورق مفتقدة لأي اعتبار أو قيمة فعلية، بل شرعت بيد السلطة التنفيذية نص قرار يفوق الدستور يشق طريقاً خاصا للمصالح البورجوازية في الخصخصة التي تعرقلت بتحركات العمال استناداً إلى القوانين التشريعية بحصولهم على أحكام ببطلان عقود الخصخصة. لتنكشف حقيقة هوية التشريع البورجوازي الذي يتبنى مصالح المستثمرين بالأساس.

ومن الجدير بالذكر أن السلطة أسرعت في إصدار قانون التحصين على يد الرئيس المؤقت عدلي منصور “رئيس المحكمة الدستورية العليا“!! في غيبة مجلس تشريعي أثناء الفترة الانتقالية التي رسمها النظام لنفسه بعد منعطف 30يونيه، وهو الأمر غير المبرر على الإطلاق بل يقدم مؤشراً كاشفاً عن الإرادة الحقيقة للنظام القائم، فمن حيث الشكل القانوني قد خالفت السلطة وعلى رأسها قاضى قضاة المحكمة الدستورية الدستور في مادته 156 بخصوص الوضع حال عدم انعقاد البرلمان إن استجدت أمور طارئة بما يستدعى السلطة التنفيذية عدم التأخر لمواجهتها والتدخل بإصدار قرارات بقوانين، إذ تتحدث هذه المادة عن حالات الاستعجال الضرورية التي توجب الإسراع لاتخاذ تدابير لا تحتمل التأخير لحين انعقاد البرلمان وهو ما لا يتوافر بالنسبة لقانون تحصين عقود الدولة.

فأي ضرورة استجدت لا يمكن معها التأخر في إصدار قانون يحصن عقود بيع وتخصيص أملاك الدولة؟!!!!( رغم أن البرلمان بحكم تركيبه المتوقع كان يمكن أن يصدر ذات التشريع؛ فهو برلمان الثورة المضادة في كل الأحوال) وهو ما يظهر مدى الفجاجة التي تتصرف بها السلطة التنفيذية والوقاحة التي تطلق بها يدها على الشعب، فمن ناحية تتغزل بهذه السطور التي سطرتها بالدستور ثم على يد قاضى قضاة المحكمة الدستورية تؤكد أن هذه مجرد حروف من حبر على ورق لا قيمة لها ولا اعتبار عند وضع سياسياتها وخط سير حكمها لتحقيق المصالح الرأسمالية، تلك السياسات التي انتهجتها السلطة حينما “خالفت” النصوص الاشتراكية – الشكلية – بدستور 71 إبان التحول الاقتصادي الذي أطلقه السادات لتتبع الدولة نهج الرأسمالية والسوق الحر في الاقتصاد المصري، وتبدأ في الخصخصة لصالح البورجوازية.

الإطاحة بما تبقي من نضالات

تصاعدت حدة الهجوم البورجوازي بسلاح هذا القانون على التحركات العمالية بالمحاكم طعناً على عقود الخصخصة، إذ خُصصت المادة الثانية من قانون التحصين للإطاحة بما تبقى من محاولات العمال لدى المحاكم للطعن على عقود خصخصة المال العام إذ نصت هذه المادة علي “… تقضي المحكمة من تلقاء نفسها بعدم قبول الدعاوى أو الطعون المتعلقة بالمنازعات المنصوص عليها في المادة الأولى من هذا القانون و المقامة أمامها بغير الطريق الذي حددته هذه المادة بما في ذلك الدعاوى و الطعون المقامة قبل تاريخ العمل بهذا القانون…“.

فالإزعاج الذي سببته طعون العمال على عقود الخصخصة بالمحاكم أثارت غضب الرأسماليين شر غضب وهاجت ثائرتهم ضد تلك التحركات العمالية، فواجهوا كل ما يشكل عائق أمام طريقهم ضاربين عرض الحائط بأي التزام قانوني حتى شكلي يعيقهم عن نهمهم في الاستحواذ، فنص المادة الثانية ألزم المحاكم التي تنظر قضايا بطلان عقود الخصخصة برفضها بما فيها تلك التي رفعت قبل إصدار القانون والعمل به.

ولما كانت القواعد الأصولية في القانون تمتد بجذورها إلي أعماق مبادئ العدالة (وهى دائماً طبقية بصيرة وليست عمياء عن مصالحها كما يصورونها، كما إنها نتاج لموازين القوى داخل المجتمع)، إلا أن البورجوازية قد وطئتها بأقدامها حتى في حدودها الشكلية فعصفت بقضايا الطعون على عقود الخصخصة التي مازالت متداولة أمام المحاكم لأن نتيجتها المضرة بمصالح الرأسماليين هي التي فُصل لها هذا القانون، الأمر الذي يصبح معه قانون 32 غير فعال بالنسبة لهم عملياً حال القضاء للعمال ببطلان عقود خصخصة شركات أخري مما يزيد خسائرهم بانضمام شركات جديدة لتلك التي استعادها العمال من أيديهم إلي ملكية المال العام، وهو الدافع الذي حدا بهم إلي سلوك هذا المسلك “الانحرافي” المعبر بكل وضوح عن حقيقة الصراع الطبقي القائم فعلياً بين البورجوازية والبروليتاريا المناضلة ليس فقط داخل مصانعها إنما أيضاً في معارك النضال القانوني بالمحاكم.

من الجدير بالذكر أنه قد طعن بعدم دستورية القرار بقانون رقم 32 لسنة 2014 بالدعوى رقم 120 لسنة 26 ق المرفوعة أمام المحكمة الدستورية العليا التي عاد لرئاستها المستشار عدلي منصور الذي سبق وأصدر قانون التحصين إبان رئاسته المؤقتة للجمهورية، وهي مفارقة تثير الانتباه عن الموقف الصدامي في شخصه بصفتين، مره بالصفة التنفيذية المطعون علي تصرفها ومره بالصفة القضائية التي تفرض الآن رقابتها الدستورية على القانون المطعون فيه والبحث عما إذا التزم بصحيح الدستور من عدمه!!

فما هو المتصور هنا أن يعود الرئيس عدلي منصور إلي صفته القضائية فيستوضح أوجه العوار فيما سبق وأصدره كرئيس للجمهورية ثم ينقضها بحكم دستوري مخالف ؟!! أم سيستمر القانون معبراً عن المصالح الرأسمالية التي حتمت إصدار مثل هذا السلاح المتسربل بوصف القانون!! ومن ثمة يظل موجوداً حامياً لمصالح البورجوازية معادياً للبروليتاريا التي تئن تحت نير الاستبداد البورجوازي.

أخيراً، يبدو من الواضح أن النضال القانوني في المحاكم هو سبيل ثانوي ينبغي أن يخضع للنضال السياسي والاقتصادي للطبقة العاملة التي لا ينبغي أن تجلس في مقاعد المتفرجين لمتابعة مبارزة قضائية بين محامٍ ناشط ومنصة القضاء. فممارسة الصراع الطبقي بكل أشكاله وبتوظيف كل أدواته هو المسار الذي ينبغي أن يخلق لتطوير وعي الطبقة العاملة وتنظيمها.

Advertisements

مناقشة

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

حمل العدد الأخير من نشرة الثوري

آخر اصداراتنا

أنت الزائر رقم

  • 68,316

%d مدونون معجبون بهذه: