مقالاتنا, تحليل سياسي

أقنعة الإخوان البديلة وتضليل قوى الثورة


صورة من بيان مسجل بالفيديو لمجموعة العقاب الثوري

عقب اغتيال المناضلة شيماء الصباغ (عضو حزب التحالف الشعبي الاشتراكي) من قبل أجهزة القمع، أعلنت إحدى الجماعات الأصولية الإرهابية (العقاب الثوري) التي هاجمت كميناً لأفراد الشرطة المصرية في اليوم التالي 25 يناير، أنها قامت بذلك ثأراً لمقتلها ودفاعاً عن الثورة المجهضة، وأعلنت أنها شكلت هياكل للدفاع عن الأخيرة في 15 محافظة. وتصاعدت مرة أخرى نغمة روح الميدان، ورفقة الـ 18 يوماً في الانتفاض على نظام مبارك، وصولا إلى ضرورة استعادة وحدة القوى “الثورية” مرة أخرى – التي يستحيل بدونها هزيمة سلطة “الانقلاب” – بهدف مغازلة القوى الديموقراطية من الليبراليين، والاشتراكيين، والماركسيين، بإيجاز ممن هم خارج معسكر أتباع النظام القائم.

والحال، وأياً ما كانت طبيعة روابط مثل هذه الجماعات (العقاب الثوري، أو المقاومة الشعبية، وجند الله، والجهاد وغيرها) وصلة قرباها بالإخوان المسلمين، ومدى خضوعها لقيادتهم المباشرة أو غير المباشرة، إلا أنها في التحليل الأخير تتحرك في إطار الجناح البورجوازي الإسلامي المهزوم في الثورة المضادة، وهو جزء من الطبقة المسيطرة يتبنى ذات سياساتها الاقتصادية والاجتماعية، ويضفى عليها قناعاً دينياً قروسطياً (دولة إسلامية رأسمالية)، ولا يجمعه جامع بثورة 25 يناير الشعبية التي أوجز طبيعتها شعارها العام: عيش حرية كرامة إنسانية عدالة اجتماعية، وقد خبرنا سياسات هذا الجناح عملياً من خلال مواقفه الفعلية وتبيناها لمدة عام مرير كامل. ولا تهدف كل النداءات الراهنة الداعية لاستعادة وحدة الميدان، إلا استتباع العناصر الثورية وتذييلها وتطويع حركتها السياسية لغايات، وأهداف الجناح المقموع داخل البورجوازية الكبيرة.

ولأن غايات الثورة تختلف في مضمونها الطبقي، وأهدافها الإستراتيجية، فإنها تختلف أيضاً في وسائلها، وأشكال تنظيمها، أي تكتيكها، وهو ما ينتهي بنا إلى أن نكرر القول بأن علينا أن نسير منفردين، ونضرب منفردين، فلا تحالف ولا تعاون ولا تنسيق، فهؤلاء وأياً ما كانت رطانتهم جزء من معسكر الأعداء أثمره المناخ السياسي المزري لإرهاب الدولة في أحد وجوهه، ولا يمكن اعتباره حركة معارضة احتجاجية ثورية بحال. بل إن العمليات التي يقام بها، التي بدأت في فترة سابقة بمسيرات ومظاهرات واعتصامات وسلاسل بشرية وانتهت إلى تبنى العنف الإرهابي من أسفل، باتت تخدم في إعاقة نضال العناصر الثورية الديموقراطية والاشتراكية، وعرقلة الوعي وتشويهه وهو ما ينعكس على قدرتها على التنظيم والحركة، ويسهم في تشديد قبضة سلطة القمع العنيفة، ويعزز تشريعاتها المنحرفة، ويقدم لها مبرراً لتصفية الحركة الثورية بأشكال من الإرهاب الأقصى آمنة من احتجاجات الجماهير الواسعة التي باتت تنشد “الأمن والاستقرار“، وهى تلعب دوراً مزدوجاً في الإبقاء على نوع من الترابط والتلاحم الداخلي لهذه الجماعات، وتفادى ما يشق صفوفها داخلياً بالجدل حول جدوى ومآل السياسات، ومن ناحية أخرى تتخذ سبباً لدى النظام في توطيد أركان دولته العسكرية – البوليسية. فضلاً عن أنها لا تستهدف سوى إعادة جناح آخر للثورة المضادة إلى السلطة، أو على الأقل إبقاء ورقة ضاغطة إذا ما حل أوان المساومات من أجل صفقة سياسية مناسبة في أفضل الأحوال.

إن إهداء العملية العسكرية الأولى التي قامت بها جماعة “العقاب الثوري” لروح المناضلة شيماء الصباغ لا يحولها في حد ذاته من مجموعة مضادة للثورة إلى مجموعة ثورية بحال، وفى مناخ الأمزجة الارتدادية السائد، والجزر الثوري، والحنين إلى معارك الميدان الصدامية وتخلف تنظيم الطبقة العاملة، والعجز عن إدراك أن المهمة الأساسية في اللحظة الراهنة هي خلق الوعي العمالي الطبقي المنظم، أثارت العملية ارتياح قلة من العناصر التقدمية نكاية في الدولة! وإذا كان بعض الرفاق ممن ينتمون إلى معسكر الثورة قد طوروا مواقفهم على مدى السنوات الماضية من الإخوان المسلمين، ورأوا قصور مقولة “ضد الدولة دائماً ومع الإسلاميين أحياناً” ومعها الحديث عن “المعارضة الإصلاحية” إلا أنهم لم يبلغوا بعد حد تبنى فكرة أن هؤلاء جناح في سلطة البورجوازية الكبيرة التي لا تتميز في سياساتها الجوهرية عن باقي أجنحتها، وهى تخدم مصالح الرأسماليين من مليارديرات ومهنيي الحركة في التنظيمين المحلى والدولي. ومن الخطأ الفادح أن يعتقد أن عزل الخط الفكري والسياسي لهذه الجماعة عن قاعدتها البورجوازية الصغيرة يتأتى من خلال التحالف مع قياداتها بدلاً من كشفها وتعرية مضمونها الطبقي أمام هذه القاعدة بالذات، وإلا لجاز التحالف مع هتلر وموسوليني لعزل قيادتهما الفكرية والسياسية عن قطاع من البروليتاريا والبورجوازية الصغيرة آمن بهما والتف حولهما!! ولكن إلى أي مدى أثمرت هذه السياسة منذ أن اتبعت خلال العقد الماضى من الناحية العملية في تحقيق ما استهدفوه ؟!

كيفما كان الأمر، حينما يستعير الإرهاب لغة الثورة لتضليلها، فلا ينبغي أن نصدقه سواء كان الإرهاب من أعلى؛ أي إرهاب الدولة، أو الإرهاب من أسفل؛ أي إرهاب تلك الجماعات والبؤر والخلايا. وتواجهنا الآن تقريباً في كل يوم، وفى معظم مدن البلاد الرئيسية ما يشبه حرب العصابات المدينية من خلال بؤر صغيرة تنتشر على مساحات واسعة، ويمكن أن نتلمس في بعضها قدراً من التنظيم والتنسيق، والبعض الآخر أشبه بأن يكون إرهاباً عفوياً تلقائياً مصدره مبادرات أقرب إلى أن تكون فردية. أن ينبت الإرهاب كالفطر مشتتاً هو نتاج طبيعي لغياب القيادات الكبرى والوسطى من الإخوان، وحلفائهم، والعاطفين عليهم، أضف إلى ذلك هناك دائماً المولد الدائم والحاضن والمنبت الطبيعي لنشوء وتغلغل الأيديولوجية الدينية في مسام المجتمع الذي لم ينتفض حتى الآن ضد مواريثه القروسطية خاصة في الريف وعشوائيات المدن. ولا يمكن بالطبع تجاهل دور المؤسسة الدينية الرسمية وغير الرسمية في إعادة إنتاجه. فضلاً عن أن سياسة السلطة المعادية لمواجهته شعبياً بكل مترتباتها – التي يخشاها النظام وأذنابه – فيما تسميه مكافحة الإرهاب هي سبب رئيسي في تناميه وانتشاره على هذا النحو، بإفراطها العنيف في القتل خارج القانون وبأشكال مختلفة ، إلى الاعتقالات التعسفية، والأحكام المسيسة “الرادعة” التي تستهدف الترويع لا إصدار الأحكام المستحقة في حدود العدالة الجنائية البورجوازية. الأمر الذي أدى إلى ظهور تيار داخل جماعة الإخوان المسلمين ذاتها دعا إلى اعتبار “كل ما دون الرصاص سلمية” وانتهى إلى تبنى منطق عنف “أهل الحق” من المجموعات الجهادية المتعاطفة معهم التي تقود الحركات التظاهرية والصدامية العملية.

من هنا جرى الحديث عن ظاهرة “الذئاب المنفردة“، وصاحب التعبير هو كون كوجلن محلل الشؤون الدفاعية في صحيفة الدايلي تلجراف. وباتت تعنى الأفراد الذين يتبنون رؤى وأفكاراً “جهادية” ويقومون بعمليات عنيفة ضد الأهداف التي تستهدفها التنظيمات الجهادية دون الارتباط بها تنظيمياً. ويكمن خطر هؤلاء في أنهم يخططون ويحضرون وينفذون عملياتهم بمفردهم ويكاد أن يكون من المستحيل مراقبتهم. ولن يكون من الممكن حصارهم مادامت الدولة تكافح الإرهاب بطريقتها المعادية لأبسط المطالب الإصلاحية للمستغلين والكادحين وقوى الثورة على صعيد الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وعلى صعيد الحقوق والحريات الديموقراطية التي كسبتها هذه القوى في معاركها المكشوفة على مدى السنوات الأربع الماضية. لقد أطاح الشعب بالسلطة السياسية الإخوانية في عام، وقاطعها، وحاصرها سياسياً، وجماهيرياً، وفل نفوذها لحد بعيد (لم تتمكن سلطة الدولة من ذلك خلال ثمانين عاماً رغم القمع العنيف)، وكان هو القادر على مواجهتها وحصارها، إن تمكن من فرض منظماته الجماهيرية المستقلة للحماية والمراقبة الشعبية للأماكن المستهدفة للعمليات الإرهابية بعيداً تماما عن سلطة الدولة وهيمنتها وخاصة أجهزة قمعها، وهو الأمر الذي لم تقبل بوجوده السلطة الراهنة فعدوها الرئيسي على اليسار؛ أي من يمثلون عموماً الشعب الكادح والمستغل، ولن يحدث هذا إلا إن استطاعت قوى الثورة أن تفرضه فرضاً عليها. ولا يستنفذ هذا بالطبع كل مستويات المواجهة الراديكالية على صعيد النظام السياسي الاجتماعي بكامله، وخصوصاً علمنة الدولة بكل ما يعنيه ذلك من حقوق المواطنة الشاملة لمعتنقي كل العقائد والمذاهب دون تمييز في الحقوق أجمعها.

لقد شهدنا عمليات نوعية ضد القوات المسلحة في شمال سيناء خاصة معسكراتها ونقاط تمركزها، أما في العاصمة، وبعض المدن المصرية الأخرى، فقد استهدفت قوات الشرطة في مديرياتها، وأقسامها، وكمائنها، وأحرقت سيارات، وأكشاك، ونقاط مرور، وحاويات، وترامات، وأعتدي على مبان حكومية، وقطارات، وأبراج هواتف محمولة، وأبراج كهرباء، ومحطات مياه الخ … ويبدو أن هناك نقلة نوعية في الشهرين الأخيرين من زاوية الأهداف التي باتت تقصدها تلك العمليات وتتمثل في استهداف منشئات ومؤسسات اقتصادية يعتقد أنها تدعم سلطة الثورة المضادة بالحرق والتفجير. فمن استهداف بعض أفرع شركة موبينيل المملوكة للرأسمالي المصري نجيب ساويرس إلى استهداف مول “سيتي ستارز” في مدينة نصر المملوك لرأسماليين سعوديين هما عبد الرحمن وحسن الشربتلي إلى بعض أفرع محلات كنتاكي، وبعض البنوك المصرية والعربية وما إلى ذلك، جرى تداول فكرة “الحرب الاقتصادية” في أوساط الجهاديين على مواقع التواصل الاجتماعي وتتقوم في استهداف داعمي السلطة القائمة من الرأسماليين المصريين والعرب والشركات العالمية متعددة الجنسية بوصفها ركائز النظام الأساسية وباستهدافها يمكن إسقاطه – وفق وجهة نظرهم! وهم يستلهمون تجربة تنظيم “رمح الأمة” بقيادة نيلسون مانديلا في جنوب أفريقيا الذي قام منذ ستينات حتى ثمانينات القرن الماضى بعمليات تفجير لمحطات الكهرباء والاتصالات وقواعد تابعة للجيش وشركات البترول والهيئات الحكومية والمنشآت الخاصة بالدولة، حتى أنهكت الأخيرة واضطرت في النهاية للتفاوض مع المقاومين. وكذلك تجربة حركة الطلاب قاطعي الطريق في اندونيسيا التي يقال أنها لعبت دوراً أساسياً في إسقاط الجنرال سوهارتو.

مهما يكن من شيء فقد تبنت مجموعات تنتمي للاتجاه الإسلامي التي لجأت للعمل السري مثل “حركة العقاب الثوري” و”حركة المقاومة الشعبية” تلك العمليات المنوه عنها أعلاه. وفى ظل الفراغ السياسي القيادي التنظيمي بعد غياب القيادات الأولى والوسطى الإخوانية لم يكن هناك من يوجه تلك البؤر الجهادية وجهة عملية موحدة إلى أن ظهر من وصف بأنه “المنظر الجديد لتمرد الإسلاميين في مصر“؛ شهيد كينج بولسين، صحفي كاثوليكي من أصل أمريكي، أسلم وتزوج فلسطينية وعاش في الإمارات العربية المتحدة وانتقل إلى تركيا حيث يقيم فيها الآن، تعرف على السلفي الجهادي محمود فتحي مؤسس حزب الفضيلة المصري بعد ثورة يناير ويتابعان الحركة الإسلامية المصرية من الخارج ويزودانها بالتوجيهات السياسية الضرورية.

وتتقوم جهود بولسين فيما يعتبره البعض محاولة لصهر”الإيديولوجية المعادية للرأسمالية مع التعاليم المحافظة السلفية” وأسلمة خطاب أقصى اليسار حول الشرور العالمية للإمبريالية الجديدة وحسب قوله “مصر اليوم تتعرض للغزو والاحتلال من قبل الامبريالية الجديدة الصليبية“. وإذ يسعى لدمج وجهة نظر فوضوية – بورجوازية صغيرة معادية للرأسمالية مع إيمانه الديني الجديد اقترح إستراتيجية لا تقتصر على مصر فقط (بل يمكن استخدامها في أماكن أخرى)، وهي مهاجمة الشركات متعددة الجنسية للإطاحة بالنظام القائم في مصر. وفى تقديره أن برنامج الليبرالية الجديدة يشكل خطراً اكبر على مصر، وعلى الحركة الإسلامية من الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي. ويرى أن استهداف هذه الشركات من شأنه تخفيض أرباحها، وزيادة كلفة أعمالها التجارية مما يجبرها على سحب دعمها للسيسي مما يؤدى لانهيار نظامه. وتعد هذه من وجهة نظره هي الإستراتيجية الحاسمة للمشروع الإسلامي العالمي حيث يمكن لمصر أن تكون رائدة فيه بحكم أوضاعها الراهنة. ويشدد بولسين على “أن الإسلام هو العدو الحقيقي لإمبراطورية القوة الليبرالية الشيطانية الجديدة التي تسعى للاستيلاء على أراضى المسلمين الغنية بالموارد” ويرى أن إقامة النظام الإسلامي تتطلب الاستقلال عن الليبرالية الجديدة، وأن “النموذج الرأسمالي هو مؤامرة من قوى الغدر الوثنية التي تسعى لنشر دين الرأسمالية القائمة على الكفر“، لذا فواجب المؤمنين بالمشروع الإسلامي محاربة هذه القوة الليبرالية الاقتصادية.

ولكن هل يمكن لنا أن نساير باحثي مجلة فورين بوليسي، في مقالهما المعنون: “شهيد بولسين: هل يسقط النظام المصري بإحراق KFC؟“، حول اندماج “العقائد السلفية مع المبادئ الجهادية والمنهجية الثورية” أو “الحقن الثوري وإدخال أفكار معادية للرأسمالية في فكر الإسلام السني في مصر” أو الزعم بأنه يسير على هدى فكر على شريعتي أحد مفكري الثورة الإيرانية الذي “جمع بين الخطاب الماركسي الجديد المناهض للاستعمار وبين المفاهيم الحية والعميقة للإسلام السياسي” انتهاءً بأن السلفية الثورية تتمثل لينين في شخصية الإرهابي الراسبوتيني شهيد بولسين؟! الواقع أن العمليات التي تبنتها “المقاومة الشعبية” أو “العقاب الثوري” لا تنبئ حتى الآن عن أي تمايز أيديولوجي أو توجه سياسي مناهض للامبريالية أو معادٍ للرأسمالية عن السلفية الجهادية التقليدية بشكل عام. ويمكن بالطبع لكل النزعات الفوضوية البورجوازية الصغيرة الساخطة على الأوضاع الاقتصادية الاجتماعية وتتبنى أنماطاً من الأيديولوجية الدينية أن تظهر في هذا الشكل أو ذاك من أشكال العداء للعولمة الإمبريالية والرأسمالية في ظل غياب قيادة إخوانية أو جهادية مهيمنة تضع مصالح البورجوازية الكبيرة في الصدارة كما هو الحال مع الإخوان المسلمين والسلفيين التقليديين، غير أن هذا المنحى الذي يستعير بعض مفاهيمه من الثورة الإيرانية على نحو تجريدي هو منحى فردي يخص طارحه حتى الآن ويصعب أن يجد جذوراً له في التربة المصرية لاختلاف الأوضاع والشروط التاريخية التي ولدته، فضلاً عن أن مآله هو بناء رأسمالية تستند على الملكية الخاصة، معادية للكادحين والمستغلين، مكيفة إسلامياً، متعاملة مع الإمبريالية وسوقها المعولم، ولن تفلت من الأسر الاقتصادي والسياسي كما هو حال كل النظم المسماة إسلامية من إيران إلى طالبان، مروراً بباكستان والسودان والصومال والسعودية. فما من طريق ثالث إسلامي بين الرأسمالية والاشتراكية.

لينين الإسلامي أحدث فرقعة في عالم الإرهاب؟!” هكذا كتب الصحفي فهمي هويدي في مقاله “لينين الإسلامي“. والحال أن موقف الماركسية من الإرهابين؛ المضاد للثورة والثوري البورجوازي الصغير الفوضوي، معروف. فمنذ منتصف القرن التاسع عشر وربما قبله بقليل ناهض ماركس وإنجلز العصب الصغيرة والشيع التآمرية ورفضا النزعات الانقلابية البلانكية. وفى أواخر ذات القرن وبداية ما يليه انتقد بليخانوف ولينين وتروتسكي في كتاباتهم الإرهاب الفردي الثوري الذي لا يتكامل مع حركة ثورية طبقية واسعة. فقد وقفوا جميعاً ضد المبارزات الفردية التي يقوم بها بعض الأبطال بمعزل عن الصراع الطبقي الذي تخوضه حركة الطبقة العاملة وحلفاءها الثوريين. إن الدرس الذي يتعين على قوى الثورة في مصر استخلاصه من خبرة وفكر هؤلاء الثوريين العظام هو درس الصراع الطبقي والوعي الطبقي والتنظيم الطبقي. لا علاقة بالمرة بين أفكار شهيد بولسين وعمليات العقاب الثوري والمقاومة الشعبية الرجعية كلية والفكر السياسي اللينيني والأهداف الاشتراكية التي يقوم على أساسها نضال الشيوعيين من أجل ثورة سياسية اجتماعية ركيزتها الأساسية هي الطبقة العاملة والفلاحين الفقراء والديموقراطيين الثوريين من البورجوازية الصغيرة، من أجل القضاء على التبعية للغرب الإمبريالي في كل مظاهرها، وتصفية الكيان الصهيوني، ومناهضة كل قوى الرجعية العربية وخاصة الخليجية، وإقامة سلطة اشتراكية وديموقراطية في مصر.

إن العمليات التي تقوم بها الجماعات التي تناولناها أعلاه يتحدد مضمونها بالأهداف السياسية الفعلية التي تتوخاها وبنتائجها الموضوعية الواقعية بمعزل عن اللافتات الخارجية المعطاة. إهداء إحدى العمليات الإرهابية لروح شيماء الصباغ لن يجعلها في حد ذاتها عملية ثورية حتى على مستوى الإرهاب الفردي لأنها مبارزة بين طرفين كليهما عدو للثورة. وكما قيل على لسان لينين فإن أسوأ شيء يمكن أن يفعله ماركسي هو أن يعتد بالكلمات. الثوريون لا يطلبون “قصاصاً أو ثأراً” فتلك مفاهيم شرعية دينية وقبلية، وإنما يطلبون حكم الثورة على جلاديهم حين يأتي وقتهم. وأفضل ما يمكن لثوري أن يفعله إجلالاً لذكرى كل الشهداء ومعهم شيماء الصباغ أن يواصل ما بدءوا مسيرتهم من أجله؛ أي تحقيق أهداف الثورة التي لم تتحقق بعد.

مصادر:

Advertisements

مناقشة

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

حمل العدد الأخير من نشرة الثوري

آخر اصداراتنا

أنت الزائر رقم

  • 67,003

%d مدونون معجبون بهذه: