مقالاتنا, النظرية الماركسية

في ذكرى معلمنا الأعظم.. كارل ماركس


كارل ماركسكان العالم بأسره في حالة تحول، ثمة نظم وإمبراطوريات كانت تغرب عنها الشمس، قصور وحصون أمراء الإقطاع تتهاوى على يد طبقة ثورية جديدة اسمها البورجوازية، أفكار الماضي المقدسة تسقط كقشرة الجرح النتنة عن الجسد دون أي قداسة، من رحم ماضي بدا أبدياً تولد طبقات جديدة، وطبقات أخرى تموت تحت معول التاريخ، أوروبا الإقطاعية بتيجان ملوكها وقصور نبلائها يقتحمها العامة، الكهنوت الذي نصب نفسه ظلاً لله يفقد جلاله المهيب ووظائفه الأعلى من الملوك، حل التاجر محل الكاهن، والمبنى الإداري محل القصر الملكي، والتبادل البضاعي محل الهبات والعطايا والبذخ الأرستقراطي، أوروبا تترنح، في انجلترا صعد آدم سميث يمجد في “تقسيم العمل” الذي صنعته البورجوازية، وفي فرنسا ظهر روسو يبشر بعقد اجتماعي جديد للعصر البورجوازي، وفى ألمانيا المرتبكة التي تأخرت ثورتها كان هيجل يمجد الدولة ويعتبرها محطة النهاية لتطور الروح أو العقل، وعلى هامش الثورات البورجوازية كان هناك تحولاً آخر، تحولاً في شكل الإنتاج، في علاقات العمل، وفي قوى الإنتاج، وفي التشكيلة الطبقية، إنها ولادة البروليتاريا التي خرجت من رحم التحول التاريخي والاجتماعي، من رحم شكل الإنتاج البورجوازي بالتحديد، حتى قبل أن تسيطر البورجوازيات على سلطة الدولة، ذلك المشهد التاريخي المركب، حيث نهاية عالم، وولادة عالم جديد، كان يخفى داخله تناقضاً أعظم وأعمق بكثير، تناقضاً قد يؤدي إلى انهيار لكل تاريخ العالم الطبقي أصلاً، إنه لا يهدد امتيازاً هنا أو هناك، بل يهدد كل المنظومة التي صنعت امتيازات لطبقة دون أخرى، لقد حملت البورجوازية في ولادتها أعدى أعداء نظامها وقدمته إلى مسرح التاريخ، لم يلاحظ كتاب وفلاسفة العالم البرجوازي (عصر الأنوار) مدى خطورة ذلك الذي أحضره التجار والصناعيين إلى العالم، نظروا إلى العمال كمساكين في حاجة إلى عطف الأغنياء، إلى العدالة والديموقراطية، أي أجر أفضل قليلاً، وحرية قانونية، ومساواة في التصويت لا غير… وتطرف بعضهم فتحدث عن اشتراكية ما، تعاونيات، هجاء الظلم الاجتماعي، اقتراحات… الخ.

من قلب ذلك المشهد التاريخي، ولم يكن ممكناً في أي وقت آخر، برز كارل ماركس، بلا أساطير أو خرافات، طالب الفلسفة الذي أدار وجهه تدريجياً نحو العالم (كما هو عليه وليس كما نرغب أن يكون)، من ألمانيا هيجل التي تشهد ولادة صعبة لنظامها البورجوازي، ليكتب مخطوطه حول (فلسفة الحق عند هيجل) ويكتشف، ويكشف معاً، خواء تلك الفلسفة عن الحق كما قدمها فلاسفة التنوير البورجوازي، ويتكشف أمامه صورة أخرى للدولة غير الصورة المقدسة التي رسمها هيجل، ومن ثم سينضم إلى حلقة فلسفية هيجلية متمردة على الهيجلية، إنهم اليسار الهيجلي، وسيسهم فيورباخ في إعطاء المثالية الهيجلية رصاصة الرحمة، التي ستوفر نصف المسافة على ماركس الشاب الذي سيستدير لاحقاً ليجهز على “الإنسان المجرد” عند فيورباخ، ويقفز بذلك إلى حقل التاريخ العيني والإنسان المحدد بعيداً عن الظلال اليمنية واليسارية للفلسفة الهيجلية.

بانتقاله إلى الرؤية المادية التاريخية سيزيح ماركس الستار عن لغز تطور التاريخ الذي فشل هيجل في فهمه، فبدلاً من حركة الروح في العالم عبر التاريخ (الهيجلية) فإن من يلعب فعلاً أدوار ملموسة على مسرح التاريخ هم الطبقات الاجتماعية، تلك الطبقات التي تعيش معاً بتناقضات تفرضها الطبيعة الاقتصادية للنظام، وتتصارع فيما بينها، سيمثل أحدها حاجز التطور، ويمثل الآخر دور القوى الدافعة التي ستزيل هذا الحاجز وتنتقل، وتنقل معها، النظام الاجتماعي برمته، خطوة أرقى في سلم التطور التاريخي… ها هو صراع الطبقات الاجتماعية – المادي الملموس – يطرد خرافات هيجل وباقي الفلاسفة التأمليين والمثاليين، ومحل اقتراحات الفلاسفة سيكون علينا النظر إلى “صراع الطبقات” الدائر فعلاً لنعرف من هي الطبقة التي تمثل المستقبل ونقف في صفها، هكذا تم اكتشاف البروليتاريا نظرياً. واكتشاف دور الثورة الاجتماعية كجسر ضروري لهذا التطور.

إلا أن البورجوازية – كنظام اقتصادي – هي واقع جديد محير، فكل شيء فيها يبدو عادلاً وديموقراطياً، (حين تعمل تأخذ مقابلاً لعملك، وإن عملت عدد ساعات أكبر تنال عنها أجر إضافي، وإن أهملت أو تكاسلت عن العمل فتلك مشكلتك، وتستطيع كأي مواطن أن ترشح نفسك أو تنتخب من تشاء وبشروط متساوية مع الجميع) فأين هي مشكلة النظام؟

ومن ثم بدأت رحلة ماركس مع الاقتصاد السياسي، بدءً من أول وأبسط مكوناتها، السلعة، انتهاء لاكتشاف الهيكل الكامل للاقتصاد السياسي الرأسمالي والقوانين الخاصة بحركته الموضوعية، فيتعرى هذا الأخير من كل أوهام المساواة والعدالة والديموقراطية، ويظهر وحشاً بلا قلب، يعيش من دماء العمال والأجراء، كائن طفيلي في خدمة من لا يعملون، ليس له غاية إنسانية فكل غايته هي أن تتضخم الأرباح ثم الأرباح ثم الأرباح، كأن نمو الثروة (الميتة) على حساب العمل (الحي) هي كل غاية وجوهر النظام الرأسمالي.

ووجد نفسه هكذا في حاجة لإجراء جردة لأعمال الاقتصاديين الكلاسيكيين، فقد قدموا لوحة اقتصادية للنظام تخفي طابعه المستغل، من ثم كان يجب إبراز هذا في رؤيته الجديدة “نقد الاقتصاد السياسي“، فأظهر الوسيلة المدمجة في النظام لاستغلال الأجراء، وفائض القيمة، أو وقت العمل غير مدفوع اﻷجر، من هذا المصدر الذي أغفله الاقتصاديون تأتى كل ثروة الرأسماليين جميعاً، وتأتي أيضاً أجور خدمهم الذين ينتجون. ليس المال، كمية النقود، هو المشكلة، فلا قيمة له إن لم يقابله منتجات يشتريها، إن النقود بلا قيمة، و لا يزيد دورها عن كونها تعبير رمزي عن قيم مادية، تلك القيم بالضرورة نتاج عمل، فهبات الطبيعة إن لم يستخدم في وجودها أي عمل ليس لها أي قيمة اقتصادية، مثال الأكسجين في الهواء والحرارة القادمة من الشمس، إن مقياس القيمة ليس هو النقود، بل كمية العمل المبذولة لإنتاج سلعة، ولكن نقيس العمل ذاته، إنه يقاس بوقت بذله، بعدد ساعات العمل.

لكن جهد كل عامل يختلف عن غيره في نفس عدد الساعات. نعم ومن ثم يجب القياس على متوسط كمية العمل المبذول وفق شروط تطور مجتمع ما في عدد الساعات المعتبرة، ومن ثم نطرح جانباً الشذوذات، عامل ضعيف أو منخفض المهارة، وكذلك عامل ينتج فوق هذا المتوسط الاجتماعي. أما النقود أو الأسعار فهي ذلك التعبير الرمزي، أو وسيط التبادل، التي يتم عبرها التبادل السلعي بوجه عام، تلك نقله تاريخية تخطت بها الرأسمالية التبادل القديم بين بضاعة وبضاعة، قمح وجلود مثلاً، لم يعد لازماً أن أقدم القمح مقابل الجلود، فالمقابل العام صار النقود. وسواء زاد سعر سلعة أو انخفض تظل القيم المادية وليس القيم الرمزية (النقود/ السعر) هي جوهر التبادل، فماذا يبادل العامل مع الرأسمالي؟ إنه لا يبادل عمله، ولا يبادل ساعات العمل، فتلك مجرد وسيلة قياس، إنه بالتحديد يبادل قوة عمله، جهده الجسدي والذهني، نشاط عروقه وأعصابه وعضلاته، في تحويل مادة معينة إلى صورة منتج قابل للاستهلاك والبيع. إنه يبيع – بدقة أكثر يؤجر – نشاطه الفيزيائي كله للرأسمالي، يؤجر جسده وجزء من عمره. ونتاج هذا النشاط هو ما يتحول إلى قيم اقتصادية تدر للمالك ثرواته.

حل ماركس لغز القيمة، وحل معها لغز فائض القيمة الذي حجبه أو غفل عنه الاقتصاديون قبله، ولن نتعرض هنا لفائض القيمة فقد شرحت في آلاف الكتب الماركسية.

بعد أن صار جسد الاقتصاد الرأسمالي عارياً، وعلاقة الاستغلال الطبقي مكشوفة، صار واضحاً هذا الصرح الخفي الذي تقوم عليه كل بنية النظام، وفلسفته، ومناهجه التربوية، والذي يبدو بسبب كل هذا الضباب كقانون طبيعي، وحتى كغريزة.. إنها الملكية الخاصة، فبدون نفي الملكية الخاصة لن يزول الطابع الطبقي للمجتمع، ولن يزول الاستغلال، ولن تزول الأزمات والحروب، ولكن من يريد زوال الملكية الخاصة.. هنا يظهر الدور التاريخي الثوري للعمال، إنهم الموضوع الرئيسي للاستغلال الطبقي، وهم دون باقي كل طبقات المجتمع وشرائحه، من يتوقف تحررهم من الاستغلال على نفى الملكية الخاصة، لا يملكون شيئاً سوى قيودهم، لا صلة لهم مع الملاك سوى صلة الاستغلال الذي يتعرضون له طوال حياتهم، فلن يخسروا شيئاً بزوالها، على العكس سيتحررون من قيود الاستغلال، وسيكسبون عالماً بأكمله احتكره الرأسماليون لأنفسهم على حساب العمال والشرائح الفقيرة، هكذا ظهر لماركس مفتاح التقدم التاريخي في العصر الرأسمالي، البروليتاريا، وبالنسبة لماركس الفيلسوف الثوري، لن تكون للأفكار الثورية أو التفسيرات العلمية أو الفلسفة الاجتماعية أي قيمة في ذاتها، لقد انكشف لغز التاريخ، طبيعة النظام الرأسمالي، فلنبدأ بالعمل، وبالعمل مع مفتاح اللغز تحديداً؛ العمال، إن فلسفته كلها لا قيمة لها إن لم تترجم في عمل، في منشورات وسط العمال، في ابتداع طرق وتكتيكات للنضال ضد الرأسمالية.

هكذا تحول المفكر والباحث في أمور بدأت بأدوات ومفاهيم هيجيلية، إلى المناضل السياسي، رجل حلقات وروابط العمال، مصدر البيانات والمنشورات، صائغ برامج الحركة وشعاراتها، بدأت الماركسية الوليدة تمشى على الأرض وتختلط ببشر في شروط حياتهم وتفكر في العالم حولها من منظور الصراع الفعلي الدائر، منظور الممارسة، ارتبط نضج الماركسية وتطورها بتحولها المادي إلى فلسفة ممارسة، فبدلاً من جدليات الروح، وتجريدات الاغتراب، ونقد العائلة المقدسة، دخلت مدار الانتباه والبحث فكرة التنظيم، الروابط، دراسة الثورات، الاستعمار والدول المستعمرة، الطابع العالمي للاستغلال، تكتيك التصعيد والتراجع، شروح آليات عمل الرأسمالية في المصانع والسوق والقوانين.. الخ.

هذا العملاق الفيلسوف لم يهدر المزيد من الوقت في التأمل الفلسفي أو البحث المجرد، فباستثناء سنوات التراجع أو التضييق والمطاردة، كان وقته يتوزع بين حلقات العمال، والتنظيم الأممي، والروابط العمالية المرتبطة بالأممية، وكتابة الكراسات والمقالات التي يمكن أن تلعب دوراً في الصراع الدائر.

سرعان ما تحول هذا النسق الفكري المسمى بالماركسية، إلى مرجعية وإطار حركة لمناضلين عبر العالم، لكل من أظهر له ماركس ما كان خفياً في علاقات الاستغلال، ولكل من اصطدم بالاستغلال الطبقي دون أن يفهمه أو يعرف أن هناك إمكانية للتحرر الجذري منه، وذلك حال حياته كثائر تاريخي عظيم، إلا أن درساً أخيراً تركه ماركس بجانب تراثه الكبير في المنهج وفى الخبرات وفي التحليل الاجتماعي وتشريح الرأسمالية، إنه جدله الخاص مع أعماله ومع رفاقه وحتى مع فكرة الثورة نفسها؛”كل ما أعرفه أنني لست ماركسياً“، في مواجهة تلاميذه الذين فهموا الماركسية فهماً اقتصادوياً أو دوجمائياً، “كانت مجرد تمرين على الكتابة، وكنا نعتزم تركها لتقرضها الفئران“، عن العمل الضخم – الأيدلوجية الألمانية – الذي كان تصفية الحساب مع الهيجلية التي لم تعد أمراً مهماً في الصراع والاهتمامات الجديدة….

إن الثورة تتطور من خلال نقد نشاطها هي بالذات.. نكتفي بتلك العبارة لماركس التي نحتاج جداً لتعلم دلالتها النظرية والعملية الآن. فتحية يا قائدنا ومربينا الأول، إنك لازلت حياً بألف طريقة في الصراع الدائر في عالمنا الآن، هذا الطريق الذي اخترته لحياتك، والذي يستحضرك للوجود كل يوم من تاريخ وفاتك وحتى الآن.

Advertisements

مناقشة

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

حمل العدد الأخير من نشرة الثوري

آخر اصداراتنا

أنت الزائر رقم

  • 67,003

%d مدونون معجبون بهذه: