مقالاتنا, النظرية الماركسية

تحرر النساء بين المفهومين الليبرالي والماركسي


1. القهر الذي تتعرض له المرأة، وإن كان له شكل خاص في العصر البورجوازي، إلا أنه ليس حديثاً، وإنما يعود لعهود وعصور قديمة، حيث تحددت الحيازات والملاك والممتلكات وبدء تخصيص الأدوار والمراتب داخل الجماعة الواحدة.

حيث تم تدريج سحب وظائف المرأة بحسب نشوء عادات وأعراف “ثقافة” وسلطة هرمية، سواء داخل الجماعة، أو داخل الأسرة، هنا بدء تقسيم العمل بين طبقات الجماعات البشرية، حكماء، ملاك، عبيد، أشباه عبيد، وامتد إلى داخل الأسرة؛ سادة، أبناء، خدم. في الأسر الفقيرة قامت المرأة بدور الخدم وفي الأسرة الغنية كان هناك جواري وعبيد يقومون بهذا الدور.

2. هذا التخصيص الوظيفي الذي هو انعكاس لمواقع طبقية، أنتج ثقافة تسانده، وتقنع العبيد والنساء بأن هذا التخصيص طبيعي، فهناك أناس خلقوا ليكونوا سادة بطبيعتهم، وأناس خلقوا ليكونوا عبيد فحسب، وآخرون محاربون، وآخرون حكماء، وبالمثل هناك طبيعة للذكر هي التي تحمل الميزات الفضلى، وطبيعة أخرى للمرأة “أدنى” في تكوينها من طبيعة الذكر، ومن ثم فإن الطبيعة أو الإرادة الإلهية، خلقت هذا التخصيص الطبيعي ولا يمكن تغييره، إذ لا يمكن مخالفة الطبيعة، أو الإرادة الإلهية، فالعبد ليس في ذكاء السيد، ولا يمكن أن يعمل بمفرده، وقد كتب له أن يعمل في خدمة السيد، وليس له أن يملك أو يتاجر، ولكن له أن يتناسل، وهو ونسله ملك سيده، حتى زوجة العبد يمكن للسيد الاستمتاع بها، أو التصرف فيها كما يشاء، فهي ملك للسيد شأن زوجها.

والمرأة المستعبدة أبنائها أيضاً ملكاً لسيدها، وجهدها وعمرها كذلك، وما ينتج عن استمتاع السيد بها ليس له حقوق خاصة، فهو عبد إلا إذا أنعم عليه السيد بالاعتراف بالبنوة.

والمرأة التي جردت من أدوارها المساوية للرجل قبل ظهور الملكية الخاصة، اعتبرت كائناً أدنى في وظائفه الجسدية (التي تم إضعافها وحصرها) وأقل ذكاء ومعرفة من الرجل، وتم قصر دورها على إمتاع الرجل، وتربية أبنائه، وربما أدوار محدودة في العمل – فقط كمساعدة للرجل – لا تعطيها أي ميزة.

3. التخصص في إمتاع الرجل خلق كأثر له سوقاً واسعة للجواري والبغاء والمهن الجنسية المشابهة، بل خلق معه أنماط من الزواج غير الأحادي، تعاشر فيه المرأة رجال عديدون من القبيلة حتى يرتبط بها أحدهم، و هذا يعنى أمرين متناقضين:

– إن البغاء جاء من الملكية الخاصة، وليس انحرافاً أخلاقياً نسوياً.

– إن صناعة البغاء فرضت على المرأة، التي تم تسليعها، أن تتهتك وتتعرى لإبراز جمال البضاعة النسائية.

وكأثر لذلك تشكلت أذواق وميول جنسية ارتبطت بالتهتك، وبالمقابل بدأت النبيلات والحرائر بتقليد التهتك لجذب انتباه الرجال، ثم لجلب أزواج أو عشاق، وبدء الرجال في مقاومة التهتك وفرض الفضيلة في “المنزل / نساء الأسرة” والبحث عنه خارج المنزل، فنشأت بذلك الازدواجية الأخلاقية على صعيد الخطاب والسلوك الاجتماعي.

4. في التطور التاريخي للمجتمعات مرت العلاقة بين النساء والرجال بصورة مختلفة، سعت النساء لمقاومة قهرهن داخل وخارج المنزل، تارة باسم الثقافة الأخلاقية وتارة ضدها. المكانة الطبقية وحدها هي التي كانت تحدد إذا كانت المرأة مقهورة (وبأي درجة) أو قاهرة. حيث سيتوجب دائماً على الرجل احترام المرأة النبيلة، أو الحرة، أو صاحبة الأرض، أو سيدة العمل، وبالمقابل تتعرض نساء الطبقات الدنيا للتمييز والتعسف والقهر، بل إن المرأة الثرية تمارس قهر نساء مثلها ورجال أيضاً، عبيد أو فقراء أو عمال. فلم يكن قهر المرأة دائماً ذكورياً، وليس كل النساء مقهورات، وليس للقهر جنس معين ذكوري أو نسائي، فالقهر كان دائماً، ولازال، طبقياً حتى في القيم الأخلاقية والسلوك الاجتماعي.

الحجاب هو أحد صور الثقافة المزدوجة، فلم يكن مطلوباً من الجواري التحجب، ولا حرج عليهم في التهتك، وظل في الإسلام مثلاً بعض الشخصيات الدينية يعملن في بيع الجواري، وحتى في فتح بيوت بغاء، واضطر الدين للتعايش مع هذا الواقع تحت صيغة ملك اليمين وهو الاسم الديني للجواري وحتى البغايا اللواتي ليس لهن حقوق.

أحد صور الازدواج الأخلاقي، الذي هو أيضاَ انعكاس للتقسيم والتناقض الطبقي، أن القيم المزدوجة ستقدم نفسها في صورة عامة، وكقيمة عامة، رغم ازدواج الممارسة، وكون الفضائل في الأديان ليست فقط مستحبة، بل سماوية ومقدسة، ستندمج القيم الأخلاقية بشدة في التربية والخطاب الثقافي والخطابة والأدب …الخ. وفي الممارسة ستنتهك دائماً، لكنها تظل أحد وسائل تماسك الجماعة ولو ظاهرياً.

إن أهم أسباب قهر النساء، والازدواج الأخلاقي، ليس أبداً الخطاب الأخلاقي في ذاته، ليس هذا التناقض أو ذاك بين الخطاب والسلوك، ولد قهر النساء من التخصيص الطبقي للأدوار والوظائف، وولد كليهما من ظهور الملكية الخاصة، لا يمكن البحث عن مفتاح فهم، أو مدخل لحل، في الخطاب أو في تغيير الخطاب، في الزي أو في تغيير الزي، فلو فرضنا مثلاً أن المجتمع أو الدولة اتفقوا على رجعية الحجاب، واختفى الحجاب من رأس المرأة، هل سيحرر ذلك النساء من شروط القهر الاجتماعي أو التمييز الثقافي؟ الإجابة هي لا، فشروط هذا القهر متجذرة في العلاقات المادية للمجتمع، في الأوضاع الطبقية، في العلاقات الاقتصادية، في شبكة قيم ومفاهيم وأعراف امتدت في الزمن والممارسة لآلاف السنين الغابرة.

5. التصور الليبرالي حول تحرر النساء هو تصور قاصر بامتياز، إذ يهتم بممارسات شكلية، وحقوق نصية، ومساواة قانونية، دون أن يتطرق إلى الشروط والأوضاع المادية الطبقية، إنه يبحث عن المساواة في مجتمع جوهر وجوده هو عدم المساواة، ولا يعادى هذه اللا مساواة الطبقية بل على العكس يدافع عنها ويبررها، مساواة الليبراليين بين الرجل والمرأة هي أن نكون جميعاً عبيد بشروط متساوية، لنا نفس الأجر، نفس ساعات العمل، نفس البدلات والضمانات، أي نفس شروط الاستغلال الطبقي، ولا مساس بالاستغلال الطبقي نفسه، ذلك المنظور لا يناضل حتى من أجل مطالبه الشكلية المتواضعة، إنه في العادة يطالب الدولة أن تضع من أعلى تلك الإصلاحات المحدودة لأوضاع النساء، متجاهلاً جذورها التاريخية، واندماجها في الذهنية الفكرية للمجتمع الطبقي، وتماهي القطاع الأكبر من النساء مع التخصيص الطبقي، وإن تلك الإصلاحات تحتاج – لتكون خطوة على طريق تحرر النساء – نضالات طبقية وأيدولوجيا ضخمة.

نحن لا ننكر وجود استغلال مضاعف للنساء، وأنها مقهورة المقهورين، ولا ننكر أهمية إيلاء قضية تحرر المرأة مكانة خاصة في نضالاتنا، وكون هذه القضية لا تقتصر في مجرد شروط عمل عادلة، أو مساواة قانونية متضمنة في نصوص، يجب أن تحصل النساء على مساواة تامة بالرجال، وبوجه خاص النساء من الطبقات الدنيا وشرائح البورجوازية الصغيرة الدنيا، هن من يعانين فعلاً من أشد أنواع التمييز والقهر، هؤلاء ضحايا استغلال جنسي واقتصادي وتمييز اجتماعي وقهر أسري، ولا ننكر أيضاً أهمية خوض معارك إصلاحية لتحسين شروط حياتهم حتى في ظل النظام البورجوازي، لكننا نرى أهمية تعبئتهن، وتنظيمهن وتحريضهن هن على خوض معاركهن، فبالنسبة لنا لا نضال بالوكالة، ولا أثر ثوري للإصلاحات من أعلى، ولا معنى لحرية تأتي كمنحة من الدولة، بينما كل الشروط الأخرى الاجتماعية والأيديولوجية على ما هي عليه.

6. لننظر إلى حدود ما قدمه التحرر البورجوازي للنساء، بالمقارنة بثقافة المجتمع الإقطاعي لا شك أنه خطوة كبرى إلى الأمام، فقد أعطى حقوق أفضل للنساء، اعتبرها شخصية مستقلة ولها حرية إرادة وليست ملحقاً للرجل أو عبدة لرغباته، إنه أيضاً – ومن خلال عملية معقدة – أطاح بالعبودية وبسوق الجواري الإقطاعي مُجرماً الاتجار بالبشر سواء ذكور أو نساء، إنها الآن مثل الرجل “مواطنة حرة“، أعطاها أيضاً حق العمل والتعليم، ووضع قوانين تسرى قواعدها على المرأة والرجل بلا تمييز…

إلا أن التحرر البورجوازي بدرجة كبيرة صنع مساواته على الورق، وترك اللا مساواة الاجتماعية والطبقية تفعل مفعولها، لقد كان – ولا يزال – تحرراً ناقصاً، أولاً في المجتمعات الأوروبية ورث سوق الدعارة والأفلام الجنسية كل تقاليد الاستغلال الجنسي والبغاء والتهتك المورثة من العصور الطبقية السابقة، وهو أمر يمثل تجارة بالبشر وبالنساء بوجه خاص ولكن تحت مظلة قانونية، ثانياً ظل الاستغلال الطبقي للعاملات مستمراً، وهم في ذلك يرثن، بدرجة ما، إرث الفلاحات الفقيرات في المجتمعات الإقطاعية، وإن بشروط أفضل بلا شك، وبرغم هذا يظل في هذه المجتمعات بالمقارنة بمجتمعاتنا وضع أفضل للنساء العاملات لا شك، وحتى للبغايا القانونيات، وللمرأة بوجه عام، فالثقافة البورجوازية الشرقية لا تزال تميز الذكور وظيفياً وقانونياً واجتماعياً عن النساء، تعامل المرأة كمواطن من الدرجة الثالثة، وليس كشخص متساوٍ اجتماعياً ضمن فكرة المواطنة، في الممارسة الاجتماعية في مجتمعاتنا توجد جرائم شرعية وضغوط ثقافية واجتماعية تحط من شأن المرأة وتعرضها لشتى أنواع التمييز والاضطهاد وحتى الاستغلال الجنسي.

7. بالنسبة لنا لا نتوقف عند حدود التحرر الليبرالي الناقص والمتناقض، ولا نقبل بأي حال عبودية واستغلال النساء في الشرق البورجوازي، نريد مجتمعاً بلا استغلال أو بغاء، نريد نساء حرائر متساويات، لا يضطررن إلى بيع أو تأجير أجسادهن، ولا يعاملن معاملة تنتقص من حريتهن أو كرامتهن. إن اضطهاد واستغلال النساء يستند إلى قاعدة واسعة من الممارسات التاريخية، والقيم الثقافية، والعلاقات الطبقية والأسرية المركبة. وليس أمراً بسيطاً يمكن اختزاله في بعض مظاهره التي تطفو على سطح تلك القاعدة.

إن الدعوة الليبرالية إلى خلع الحجاب، في ظل الشروط الاجتماعية والثقافية الراهنة، ودون حركات ومنظمات نسائية قوية تتبناها، لا معنى لها على الإطلاق، فالحجاب ليس إلا انعكاساً بسيطاً لثقافة بورجوازية شرقية ودينية كل مكوناتها تنشر فكرة التخصيص الجنسي والطبقي والوظيفي.

ولا تزال النساء الشرقيات تتبنى بدرجة كبيرة تلك الثقافة المهيمنة، حتى في أوساط أغلب غير المحجبات، وفي الشروط الراهنة فإن هذه الدعوة إنما تضع العربة أمام الحصان، فيجب أن ينهض ويقوى أولاً حصان النساء المقهورات، حتى يجر عربة التحرر، وبالطبع لن يجرها منفرداً، فبجانبه سيتواجد منظمات ثورية وحركات عمالية ومثقفين تقدميين يجرون معه، لو ساعد إذا في إنهاضه وتقويته فعلاً، في طريق يؤدى فعلاً إلى تحرر النساء.

Advertisements

مناقشة

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

حمل العدد الأخير من نشرة الثوري

آخر اصداراتنا

أنت الزائر رقم

  • 68,316

%d مدونون معجبون بهذه: