مقالاتنا

البورصة مرتع المضاربين


بعد اجتماع محلب والمجموعة الاقتصادية ورئيس البورصة، قررت الحكومة إلغاء “ضريبة أرباح البورصة” وهي تلك الضريبة التي تحصل على الأرباح الرأسمالية وعلى أرباح تداول الأسهم بالبورصة، وحسب تصريح المتحدث الرسمي باسم مجلس الوزراء فإنه قد تم تأجيل العمل بهذه الضريبة لمدة عامين. رغم أن فرضها كان منذ عام كامل في مايو 2014، وكانت مبررات فرضها – حسب تصريحات وزير المالية – “أن مصر انتقلت لمرحلة الاستقرار، مما يعنى بدء مرحلة جديدة للبناء واتخاذ سياسيات اقتصادية واجتماعية جديدة من أجل تحقيق عدالة ضريبية”. كما أن الحكومة صرحت بأن قرار فرض ضريبة أرباح البورصة جاء بعد دراسة ليحقق أهداف العدالة الضريبة وخدمة الموازنة العامة. والآن عللت الحكومة تجميد العمل بهذه الضريبة بضرورة الحرص على الاستثمار وتنافسية سوق العمل، وأن الوضع الحالي يحتاج لتحفيز وجذب الاستثمار وليس العكس. وهو ما برره بعض الاقتصاديين بأن القرار كان غير مدروس ومتسرع منذ البداية ذلك لأن البورصة المصرية في مرحلة غير مستقرة تحتاج لجذب المستثمرين والشركات للاكتتاب في البورصة.

يبدو أن محاولة حكومة محلب لدعم الموازنة العامة وإنعاشها بمثل هذه الضريبة ليست إبداعاً منها، فحكومة قنديل في عهد الإخوان كانت قد وافقت على هذه الضريبة، وسبق لحكومة الحزب الوطني أن وافقت على مثل هذه الضريبة، إلا أن كل هذه المحاولات باءت بالفشل أمام ضغوط الرأسماليين وأجبرت الحكومات على التراجع أو تأجيل تطبيق هذه الضريبة، حتى لا يتحمل مضاربي البورصة أي أعباء تقلل من عوائد أرباحهم من المضاربة التي تعود عليهم بمكاسب رهيبة تصب في خزائنهم صافية دون تقديم أي تكاليف ضريبية لخزينة الدولة.

كان فرض هذه الضريبة وفق خطة الحكومة يهدف إلي تحصيل عائد سنوي يصل إلى 10 مليار جنيه إلي خزانة الدولة، يمكنه أن يساعد في سد الالتزامات الخدمية كالصحة والتعليم وتقديم السلع الأساسية للجماهير. الأمر الذي يعنى وجود تضارب مصالح بين تطلعات البورجوازيين للربح وبين مصالح الجماهير الفقيرة، وهنا قد اختارت الحكومة – كعادتها – الانحياز لصف البورجوازيين.

البورصة سوق المضاربة

تكمن فكرة البورصة في أنها سوق لتداول الأوراق المالية – فوفق المفهوم البورجوازي – يتم قيد الشركات بها لتطرح رأسمالها في صورة أسهم للتداول بهذه السوق. ويحدد قيمة السهم وفق مركز الشركة المالي والاقتصادي وقوتها السوقية والإنتاجية. ويكون دخول شركة جديدة للبورصة عن طريق طرح أسهم جديدة لها في البورصة للاكتتاب، والسماح للراغبين من غير الشركاء في المساهمة في الشركة بشراء الأسهم مما يزيد من رأس مال الشركة. فتكون شركة مساهمة ويحق للمساهمين حملة الأسهم تحصيل أرباح دورية فيما يعرف بتوزيع الكوبونات. كما يمكن تداول هذه الأسهم في البورصة من خلال عملية البيع والشراء، وهنا تكمن حقيقة البورصة إذ أن جوهرها هو مجرد عمليات مضاربة يقوم فيها حملة الأسهم بعرض ما بحوزتهم للبيع بأسعار معينة تزداد وتتراجع وتعود للزيادة وتنخفض وهكذا، فيتم الشراء عند سعر ما ويتم بيعه بسعر أغلى لتحقق مكاسب من هذه المضاربة، ولا يرتبط ارتفاع السعر وانخفاضه بإنتاج الشركة الحقيقي المادي، لكن ما يؤثر في عملية زيادة أو انخفاض سعر أسهم الشركة، هو الأخبار عن موقفها المالي وحجم تواجدها في السوق ومدى قوتها الإنتاجية وهكذا، كما أنه في حالة إعادة تقيم المركز المالي لشركة ما أو وجود ظرف ما تقرر معه شركتين أو أكثر الاندماج في شركة أخري أو التحول لأخرى. يتم إعادة تقيم الأصول الرأسمالية لتحديد قيمتها للدخول في الإندماج أو الانضمام لشركة أخري وهو ما يعنى عملية شراء أيضاً. وكل هذه العمليات لا تخلو من ألاعيب وتمرير أخبار كاذبة عن قصد. أياً كان الأمر فإن أرباح هذه المضاربة السوقية التي يحققها الأفراد أو الشركات دون عمل إنتاجي حقيقي هي خارج نطاق الضريبة على الأرباح.

جدير بالذكر أنه كانت هناك دمغة موحدة تحصل على كل عملية بيع أو شراء للأسهم بالبورصة بغض النظر عن تحقيق هذه العملية ربح أو خسارة. ومع التوجه لفرض ضريبة الأرباح في البورصة تم إلغاء هذه الدمغة لتكون الضريبة على تحقيق الأرباح فقط، إلا أن رابطة المضاربين توجهوا بحملة ضغط على الحكومة للتراجع عن هذه الضريبة حتى أنهم سعوا لرفع دعوى قضائية بحجة غموض هذه الضريبة وعدم وضوح آلية تطبيقها، الأمر الذي انتهي بإلغائها تماماً وليس وضع آلية لتطبيقها، مما يعنى أن المضاربات في البورصة الآن معفاة تماماً من أي ضريبة أو أعباء علي الأرباح المحققة من هذه المضاربات.

إن تحصيل الضريبة لصالح الخزانة العامة يتم على أكثر من وجهة؛ منها الأجور عن العمل ومنها تحقيق الأرباح، فإن كانت الدولة تقتطع ضريبة من كل من يعمل فإنها تترك شريحة المضاربين الغير عاملين يحققون أرباحاً طائلة ويراكمون هذه الأموال لديهم دون أي ضريبة فتتحقق لهم قوة شرائية كبيرة وهو ما يعنى تهيئة بيئة خصبة لإنتاج رأسماليين وطفيليين. وهو ما يترتب عليه أنهم إما أن يسعون لامتلاك وسائل إنتاج جديدة أو أن يعملوا على إشباع حاجاتهم بأي ثمن، فترتفع الأسعار على باقي الجماهير التي لا تمتلك ذات القوى الشرائية. فمن يعمل يتحمل ضرائب ومن يربح بالمضاربة بلا عمل معفى من الضريبة.

ضعف الحركة الجماهيرية ومهام اليسار

بطبيعة الحال فإن الطبقات الكادحة من العمال والفلاحين وصغار الموظفين والمهنيين ليسوا منظمين في كيانات تحمي حقوقهم وتتحرك في اتجاه تأمين مصالحهم ومتطلباتهم، وهو الأمر الذي يسهل، مع طبيعة الحكومة الطبقية، عملية انحيازها نحو الأقلية البورجوازية وإهدار مصالح الجماهير الغفيرة التي تتحمل أعباء عجز الموازنة العامة، فتسعى الحكومات المصرية لسد عجز الموازنة بالاقتراض، وهو ذالك العبء الذي يقع على أكتاف الجماهير، خاصة مع إلغاء الدعم واعتماد الحكومة على ضريبة المبيعات التي تحصل من ثمن السلع الاستهلاكية التي يتحملها المشتري النهائي فترتفع الأسعار وتصاب العملة بالتضخم. إن إلغاء ضريبة أرباح البورصة معبر حقيقة عن طبيعة السلطة، وأنها ليست كيان حيادي مجرد من الانحياز، بل هي أداة من يملك، من يملك وسائل الإنتاج، ويملك القوة الاقتصادية، يملك صنع السياسيات. بالضبط كما فعل رأسماليو البورصة لمنع ضريبة البورصة.

إذن الدرس المستفاد مما فعلته حكومة محلب، هو بوضوح أن صاحب القوة يملك فرض مصالحه وتطبيق سياسات تخدمها، وأن الصيغ المكررة عن العدالة والانحياز للفقراء هي عبارات رخيصة الاستخدام لا تحمل أي مضمون، بل هي مجرد ديكور لبيانات الحكومة وخطب المسئولين ورئيس الدولة، فلا تخلو خطبة – أو بالأحرى فضفضة – للسيسي أو غيره من عبارات دعم الفقراء ووضعهم على أولوية الاهتمامات وغيرها من هذه العبارات التي تنال من التهليل والترويج الإعلامي والنشر على أوسع نطاق، بغرض تلميع المسئول، أما ما يتخذ من إجراءات وقرارات وقوانين في أرض الواقع وتشكل الطريق الذي سيتبع، فإنها تحمل مصالح البورجوازيين بكل وضوح وصراحة ولا تلتفت لها جوقة التهليل الإعلامي. وتظل جموع الجماهير العريضة يقتصر دورها على الاستماع والانتظار، أن يتحسن حالها وأن يتغير مصيرها بيد خصومها الطبقيين، تعقد على السلطة الآمال وتنتظر منها تلبية الاحتياجات، وحتى تلتمس العذر للحكومة عند عدم قيامها بمهامها، بسبب ثقل المهام وكثافة السكان وغيرها من الأكاذيب المزيفة لحقيقة الصراع الطبقي.

هذا الوضع يطرح على اليسار بكل مجموعات مهمة فضح السلطة وتعريتها أمام الجماهير، وكشف حقيقة انحيازها الطبقي لصالح القلة البورجوازية، وفضح كذب عبارات النظام الفخيمة عن العدالة الاجتماعية ودعم الفقراء، يطرح مهمة المساهمة في تشكيل وعي الجماهير ومواجهة الوعي المزيف الذي تبثه السلطة ورجالها، على أساس المصالح الطبقية لهذه الجماهير لتكون الخطة الأولى في اتجاه تنظيمها وبناء حركة جماهيرية تفرض مصالحها وقوانينها.

Advertisements

مناقشة

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

حمل العدد الأخير من نشرة الثوري

آخر اصداراتنا

أنت الزائر رقم

  • 69,389

%d مدونون معجبون بهذه: