مقالاتنا

الأقباط بين المواطنة والوطنية البورجوازية


شيخ الأزهر وقيادات عسكرية أثناء تهنئة البابا بالعيد

تنتشر المجالس العرفية في نسيج المجتمع المصري، فتعرفها المدن الكبيرة كالإسكندرية وعواصم محافظات الصعيد الذي لا تخلو قراه من هذه المجالس التي تتولى الفصل في كافة النزعات بين العائلات بما فيها التي ينجم عنها قتل. تتشكل هذه المجالس من كبار الأشخاص الذين يعتبرون حكماء، متبعين التقاليد والأعراف كقواعد حاكمة، لا تعرف هذه المجالس عقوبات الحبس أو القتل، بل الدية ونزع الملكية وأحياناً إبعاد شخص عن سكنه. وفي النزاعات بين كبري العائلات يتم تشكيل المجلس من مشايخ من أطرف النزاع وأطراف محايدة للوصول لحلول مرضية ومعاقبة المخطئ ولتصفية الأمور. المجالس العرفية كيان موازي للدولة أو بالأحرى بديل لها في بعض المناطق حيث لا اعتبار للدولة ولا لسلطة عامة سواء القضاء أو القانون، بل ترضخ الدولة لأعراف الناس وقواعدهم فلا تجرؤ الأجهزة الأمنية علي التعرض لهذه المجالس بل إنها ترعاها وتتمثل فيها أيضاً.

لقد وجدت الدولة المصرية في هذه المجالس العرفية التجسيد الأمثل لسياسياتها حيال الأزمات القبلية والطائفية، فبين عدم قدرتها على فرض قبضتها في بعض المناطق وبين تكتيكاتها لاستخدامها لأهدافها السياسية والأمنية تلعب على أوتار هذه المجالس. هذا ما اتبعته الدولة عبر السنين الماضية مع قضايا الصدامات الطائفية العنيفة، والتي كانت نتيجتها مئات من القتلى (أغلبيتهم من الأقباط) وهدم لمنازل الأقباط واستيلاء على ممتلكاتهم وكذلك طرد بعض من أسرهم خارج قراهم قسراً.

في المعتاد، تخضع قضايا الأقباط لتحكيم هذه المجالس العرفية، رغم كونها حوادث طائفية ذات قدر بالغ من الخطورة لما فيها من انتهاكات صارخة ليس فقط لحقوق المسيحيين الشخصية والسياسية بل للدولة بمفهومها البورجوازي الحاكم، فيُعطل قانونها وسلطاتها وأجهزتها لحساب أحكام هذه المجالس، بدون تدخل في قراراتها ضد الأقباط، بل ويمكن أن نشير إلي تورط الدولة مع المتشددين في هذه الانتهاكات ذاتها بل واستفادتها منها في بعض الأحوال.

لا يتم معاملة تلك القضايا وفق مبدأ المساواة أمام القانون، والتي تتحرك للتعامل معها معتبرة هذه الأحداث الطائفية ذات خصوصية وحساسية بالغة، فلا تترك للقواعد العامة الآمرة ولا تخضع للمجري العام ولا تحكم بذات الإجراءات والقوانين.

إن التاريخ ملئ بالأحداث الدامية والانتهاكات الفجة ضد الأقباط، أشهرها حادث الخانكة 1972 وحادث الزاوية الحمراء 1981 الذي فرض نفسه بسبب بشاعة ما تعرضت له الأسر المسيحية من حرق المنازل والحوانيت وما نجم عنه من موتهم حرقاً، مروراً بمسلسل طويل من الحوادث التي وصلت في العديد منها للمذابح الجماعية. عرف هذه الجرائم كافة القطر المصري من شماله إلي جنوبه بما لم يترك منطقة خالية من أحداث طائفية بين مسلمين ومسيحيين. ليست هذه الحوادث الدامية على قدر بشاعتها هي الشكل الأوحد للانتهاكات ضدهم، بل إن الانتهاك الأكبر هو أسلوب تعامل الدولة مع هذه الحوادث، فقد أهدرت الدولة المصرية مبدأ السيادة القانونية وجنبت القواعد العامة الحاكمة وتدخلت بشكل سياسي بمباركة الجلسات العرفية، فكانت النتيجة هضم حق الضحايا من القتلى والمصابين والمنتهكة أملاكهم حرقاً وهدماً وسلباً، وإقرار التهجير القسري توقع على الطرف الأضعف، وهو المسيحيين، دون ثبوت أي جريمة كعقوبة بالرغم من حظرها في دساتير الدولة. فأصبحت الدولة بالتواطؤ والصمت شريك أساسي في التعدي على طائفة من مواطنيها.

لا يقف الأمر عند تعطيل إعمال القانون والإجراءات العامة، وإنما تتنوع مظاهر انتهاك الدولة لحقوق المسيحيين، فيتعرضون لممارسة تميز غير رسمي من كافة الأجهزة الحكومية، التي ترسخ فيها مبدأ طائفي يخص الوظائف الكبرى يقضي بعدم اقتراب الأقباط منها. (بالإضافة إلى الحواجز غير الرسمية الأخرى الموضوعة في الطريق إلى المناصب الكبرى بجهاز الدولة، وهي الحواجز التي تعكس التمييز الطبقي في مواجهة كل المصريين). اتفقت الإرادة السياسية لمختلف الحكام على تجميد حقوق المسيحيين الدينية، بدءً من طلب الحصول على تراخيص بناء دور العبادة، وعدم حمايتهم من تحريض الإسلاميين ضد ممارستهم لطقوسهم فيها، وصولاً لتعرض المحليات وأجهزة الأمن لهم، وتولي أمن الدولة مسئولية ملف بناء الكنائس. هذا التعدي السياسي تترجمه وزارة الداخلية بتعطيل الحماية الواجبة لفقراء المسيحيين، بالأخص في أوقات الأزمات، حتى وصل الأمر للالتفاف على قرار وزير الداخلية بعدم السماح بتغير الديانة لمن هم دون سن الرشد، إذ في كثير من الحالات يكون تغيير الديانة مرتبط باختطاف قاصرات، وتتقاعس الشرطة عن تقديم المتهمين للتحقيق حتى تصل القاصرة للسن القانوني ويشهر تغير دينها. الجدير بالذكر أن الأجهزة الأمنية هي المعطل للتحريات الخاصة بجريمة كنيسة القديسين بالإسكندرية بعد مرور أربعة سنوات علي هذه الجريمة المنسوب ارتكابها للدولة ذاتها. هذا الانتهاك المنظم من قبل الدولة لا يرتبط بممارسات أو تجاوزات فردية من هذا المسئول أو ذاك، لكنه يرتبط ببنية الدولة ذاتها كما سنوضح لاحقاً.

التمييز سمة أساسية للرأسمالية

إن السلطة الطبقية تستخدم كافة الوسائل والأدوات لتمرير أهدافها ولحل أزماتها ومواجهة ما تتعرض له من تهديدات. منطلقة من جوهر النظام الرأسمالي، القائم على الملكية الخاصة بيد الأقلية البورجوازية، والتي تعمل الدولة لحماية مصالحها وتعزيز التفرقة الاجتماعية بين من يملك ومن لا يملك، وما تفرزه هذه التفرقة من ممارسات تمييزية تتأصل في قلب المجتمع، وهي نتيجة لواقع التمييز الطبقي من ناحية، وتستخدم كأداة للتغطية عليه وتمويهه من ناحية أخرى، وأخطر هذا الممارسات هي الطائفية الدينية.

هكذا انطلقت السلطة البورجوازية المصرية تفرض هيمنتها طالما بيدها حكم المجتمع، وتعاملت الدولة مع التيار الإسلامي بشكل مركب وفق تكتيكات سياسية تتراوح بين الاستخدام والمساومات والضربات العنيفة أحيانا، حسب ظروف واحتياجات كل لحظة. وفي ذات الإطار يأتي التعامل مع الأقباط وما يتعرضون له من انتهاكات، من قبل جهاز الدولة أو من قبل المتشددين الإسلاميين، تستهدف الدولة الاستفادة منهم سواء عبر اللعب مع الإسلاميين بهم أو ضمان تأييدهم لها. فالأقباط يشكلون أقلية دينية لها قيمة سياسية في الواقع المصري، فكتلة الأقباط التصويتية ليست ضعيفة بل هي ورقة سياسية تلعب بها السلطة كضمان تأييد قطاع واسع من الجماهير يجمعهم عامل واحد قوي هو الدين، ويمكن توجيههم عبر مرجعية مركزية واحدة هي الكنيسة.

إلا أن البعد السياسي ليس هو العامل الوحيد المؤثر في موقف الدولة من الأقباط، فعلى الجانب الاجتماعي تظل كتلة الأقباط عرضه للطمات المجتمع وأزماته وواقع التمييز الاجتماعي للنظام الرأسمالي في الدولة من خلال قوانينه وآلياته، يضاف إلي هذا الانعزالية المذهبية لجموع الجماهير بين تيارات دينية استقطابية (مسيحية وإسلامية) تمارس أدوار غير دينية؛ اجتماعية وثقافية ورياضية، في ظل ضعف المؤسسات المدنية الديمقراطية المشتركة لكل الجماهير وتراجع الدولة عن لعب دورها في كثير من القطاعات. هذا الواقع الاجتماعي الذي يعزز الطائفية، أنتج موظفين وسياسيين طائفيين تشكلت منهم أجهزة الدولة على المستوي الإداري والسياسي، والذين قد يمارسون تمييزاً دينياً طوعياً دون توجيه أو قرار سياسي محدد.

في هذا المجتمع الذي يحمل بذور الطائفية بزغت التيارات الإسلامية المتشددة على مختلف ألوانها من الإخوان والسلفيين إلى التكفيريين والجهاديين، وجميعهم يرفعون راية الحكم الإسلامي وعلى اختلاف رؤيتهم لكيفية تطبيق هذا الحكم إلا أنه يكاد يجمعهم موقف عدائي موحد للأقباط، هذا العداء ظل عنصر تكتيكي تلعب به الدولة في تعاملها مع الإسلاميين لضبط موازين الصراع الأمني والسياسي، كلما احتاجت لهم الدولة أو كلما رغبت في ترويضهم. فسعار الإسلاميين الطائفي لنهش الأقباط كان يفرض أحياناً، وأحيانا كان يمر بتواطؤ الدولة التي تترك هذه الأحداث لحل المجالس العرفية تفرض على الضحايا من المسيحيين عقوبات وبطش بعيد عن المحاكمات الرسمية فلم يقدم متهم لمحاكمة ولم يجبر ضرر لقبطي. المجالس العرفية التي تشكل من قوى طرف واحد برعاية الأجهزة الأمنية تحت ظلمة الأعلام الرسمي، وصمت الدولة واكتفاء الكنيسة بالصوم واعتكاف قائدها.

الاغتراب المسيحي من أرض الواقع لسماء اللاهوت

كنتيجة لانحصار المسيحيين داخل الكنيسة وانسحابهم معظم من مجالات العمل السياسي والعمل الاجتماعي خارج الكنيسة، تبلور اغتراب اجتماعي في قلب المسيحيين، أثر أكثر على تفاعلهم مع المحيط الاجتماعي والسياسي ليمتنع المسيحي في المعتاد عن المشاركة في مجالات غير مسيحية أو التشارك مع غيره في تبني القضايا العامة. وإن كان هذا العزوف عن المشاركة في الحياة العامة هو سمة عامة لقطاع واسع من المصريين بسبب ثقل الأعباء الاقتصادية والاجتماعية وتضيق الخناق السياسي، فان هذا العزوف يوجد بشكل أكبر وأوسع بين المسيحيين المصريين.

لعبت المؤسسة الكنسية ذاتها دوراً محورياً في تعزيز هذه النزعة، بنسج عالمها الروحي حول تابعيها، وتعليمهم الإيمان الديني كمحدد وحيد لكل حياتهم فيه الرجاء بالخلاص من عالم الأرضيات وما فيه من شرور واضطهاد، هكذا تشكلت ذهنية قطاع كبير من جماهير المسيحيين الفقراء والكادحين الذين تتشبث آمالهم بالمسيح المنقذ الوحيد، لنيل حقوقهم وتحقيق مصالحهم، وهو كل ما يملكه العمال والمزارعين والفقراء المسيحيين، على الناحية الأخرى فهناك إيمان البورجوازيين المسيحيين بالمسيح كمخلص روحي وليس مادياً نظرا لأوضاعهم الاجتماعية التي تشكل مظلة وسلاح ومخلص، والتي تحميهم وتحقق لهم المصالح التي يحرم منها فقراء المؤمنين الذين عليهم تقبل أوضاعها القاسية بفرح باسم المسيح.

لقد تشكلت الذهنية المسيحية على صورة المسيح المتسامح الذي قال من لطمك على خدك الأيمن حول له الآخر وغيرها من الوصايا التي دجنت المسيحيين أبناء النور الموعودين بعالم آخر، فلا داعي لأن يتصادم هؤلاء المتسامحون مع القيادات الرسمية في الدولة. فلم يخرج الأقباط بحشود غاضبة ضد الدولة بأجهزتها رغم ما حل بهم من جرائم وضد مرارة التميز العنصري الواقع عليهم. لقد نجحت الكنيسة أن تروض غضب المطحونين وتمتص ثورتهم ضد استغلالهم ووضعهم في ظروف خانقة. صحيح أن الثورة وإرهاصاتها دفعت لبعض التغيير في هذا الموقف من قبل الأجيال الجديدة من الشباب المسيحي الذي يعاني بجانب شعوره بالاضطهاد من معاناة أغلبية الشباب المصري من بطالة وضغوط اقتصادية، وهذا التغيير شكل في بعض المحطات جرس إنذار يهدد الكنيسة بخروج جمهورها عن طوعها، إلا أن الدولة والكنيسة استطاعا إلى حين امتصاص هذا الغضب الذي تراجع مؤقتاً إلى قلب قطاعات ضيقة من الشباب المسيحي.

الوطنية البورجوازية

روجت البورجوازية لثقافتها بين الجماهير مرسخة بأذهانهم أنها طبائع الأمور التي تتفق مع طبيعة البشر بل لا يجوز حتى مخالفتها أو تبديلها بأخرى. فقد أنتج الفكر البورجوازي مفاهيم مجردة نصية منفصلة عن الواقع المادي الذي يعيشه الناس بما فيه من الفوارق اجتماعية والمصالح المتضاربة. من أهم هذه المفاهيم النصية “الوطن” وهو الاسم الدال على الانتماء لمكان وجماعة من الناس تشكل هوية مشتركة. تتشارك هذه الجماعة في الأوصاف (مصريين) واللغة والحدود دون المشاركة في الامتلاك ولا العمل، فللبورجوازية الامتلاك وللفقراء العمل. المفهوم البورجوازي يربط الجماهير بالوطن الافتراضي القاصر على المفاهيم النصية في القوانين المختلفة، كلها حقوق افتراضية كحق الناس في الانتخاب والترشح وحقهم في نيل الرعاية الصحية والتعلم وغيرها من هذه الحقوق التي تمتلئ بها صفحات الدساتير البورجوازية. والتي لا تمتد لحقيقة الفوارق في الأوضاع المادية لطبقات المجتمع فمن يملك القوة والمال، له القدرة على الترشح والنجاح في الانتخابات والأهم له القدرة علي نيل حقوقه والتمتع بحياته بل فرض شروطه فعلياً على ارض الواقع بعيد عن النصوص وكلماتها. فالمساواة النصية لا تكملها مساواة مادية.

لقد صيغ حول هذا المفهوم المجرد “الوطن” كلمات براقة، وفارغة. فإلى جانب أنه مفهوم مجرد بعيد عن واقع الجماهير، كان دائماً ما يتم ربط مصطلح الوطن بضرورة احتمال الصعاب في سبيله وتقديم التضحيات لبنائه والتغاضي عن الحقوق لأجله. فتفرض الالتزامات على “المواطنون” مع العقاب في حالة الإخلال بها. دون أن يثار سؤال حول طبيعة وماهية هذا الوطن الذي تتضرر الجماهير الفقيرة وتذبح وتهدر حقوقها من أجله، دون مساس بمصالح الطبقة البورجوازية المالكة.

لم تكف رطانة السلطة – المعبرة عن مصالح البورجوازية – عن التشدق بالوطن في وجه الجماهير الكادحة في كل الحوادث، وبالأخص عند تعرض هذا “الوطن” لخطر الإرهاب، فيتم تجميد القواعد القانونية والمسار القضائي البورجوازيين، لتطلق السلطة يدها القمعية تبطش بمن تراه يهدد هذا الوطن، فنري الفتك بالمواطنين في كل صوب ودرب واقع على الجماهير أمام أعين الجماهير التي تصمت لأجل الوطن!!!

إن جر المسيحيين نحو لافتات مرفرفة في الهواء باسم الوطن دون إنزال هذه اللفظة إلي عيشتهم اليومية هو جر للوهم المطلق، فالمسيحيين مضطرون إلى تصديق قادتهم الدينين والساسة المتحالفين معهم حول منح الحقوق والأمان. إذ يهلل الأقباط للدولة وسلطتها في مواجهة رعب التيار الإسلامي، الخطر الأساسي في أعينهم، سبب مخاوفهم وتهديهم وما يذوقونه علي يده من مخاطر وجرائم تطول أموالهم وأبنائهم وبناتهم وحياتهم في ظل غياب الدولة بأجهزتها الرسمية بل بتواطؤ هذه الأجهزة، وبفضل رجال الكنيسة يتجدد ترويض غضب المسيحيين وإعادة إنتاج نزعة الوهم الوطنية التي أكدت تجاربهم على مدار التاريخ أنها فارغة إلا من تضررهم وتعرضهم للأزمات تلو الأزمات وخروجهم منها بلا أي تغيير.

يبدو أن غضب المسيحيين المتراكم وجد في يناير 2011 المجال لخلع برقع الكنيسة، فانغماس قطاع عريض من الشباب المسيحي في الثورة ضد النظام، بالأخص بعد تورط الشرطة في اغتيال حوالي 20 مسيحي ليلة الاحتفال بعيد الميلاد بكنيسة القديسين بالإسكندرية، كان بادرة لتحرر المسيحيين علي يد الثورة إلا أنه لم يكتمل، فالثورة ذاتها لم تستكمل. كانت محاولات الكنيسة مستميتة لتحريم العمل الثوري ضد النظام فتم استدعاء كلام بولس من الكتاب المقدس “رئيس شعبك لا تقول فيه سوء“، وظلت الطوائف الثلاثة تتعامل مع رموز النظام لكبح انغماس المسيحيين في الثورة، حتى جاءت جريمة المجلس العسكري بحق شباب الأقباط في ماسبيرو الشهيرة لتؤجج الغضب المسيحي، وفي هذه اللحظة كان اختيار بابا الكنيسة الأرثوذكسية الاعتكاف، وتسحب المظاهرات داخل أسوار المقر البابوي وداخل الاحتفالات الدينية أو مراسم العزاء مع إطلاق التطلع للسماء فتتحول الأنظار عن المجرم وسلاحه إلي فضاء الصلوات، ويتراجع الغضب المسيحي ويعاد ربط المسيحيين مرة أخرى بالكنيسة، وقد وجد النظام والكنيسة في الإخوان عدو جاهز ليحمل عن النظام “الوطني” الجريمة، إلي أن كانت الخطوة الأخيرة مع الجنرال ليعاد المسيحيين تماماً تحت السيطرة. فتم جرهم للاحتفال بمجيء منقذ جديد تسبقه وعود بأنه صادق في نجدة المسيحيين، فتم التغاضي عن مذبحة ماسبيرو بسذاجة أنها ليست مسئولية الرئيس، بل وتم الترويج لتورط الإخوان في هذه المذبحة التي نفذت بأوامر العسكريين وبأيديهم.

كانت جموع المسيحيين قد هللت لزيارة السيسي الفارغة للقداس التي لم تقدم شيء، فلم تتغير قوانين ولم تقر إجراءات بخصوص قضايا الأقباط ولم تتوقف الاعتداءات على المسيحيين سواء من المتشددين أو من أجهزة الدولة ذاتها، وتكررت حوادث التهجير القسري للأسر المسيحية، وتعرضت قرية مسيحية بالمنيا للفتك من الشرطة، إلا أن الكنيسة ظلت أمينه في دورها بالحفاظ على قطيعها وجذبه للسماء، ولم يعلق السيسي أول رئيس يزور البابا في القداس على ما جري في عهده من امتداد لسلسلة الاعتداءات والانتهاكات الإجرامية، ويجبر المسيحيين تحت تأثير الخوف من الإرهاب ألا يعيوا النظر في التاريخ القريب، ويتناسون أن تغيير الحكومات والمسئولين لم ينهي الجرائم الطائفية، حتى أن مفهوم المواطنة الذي علقت به أذهان المسيحيين ظل لفظ في تصريحات المسئولين دون تجسيده في سياسيات وتشريعات توحد معاملتهم مع باقي المصرين.

النضال الموحد على أرضية الصراع الطبقي

كيف يمكن أن يطرح النضال ضد الطائفية أو التمييز الديني؟

يمكن للبعض أن يصوغ الأمر كالتالي؛ “إن لم يتخلَ المسيحيون عن عقلية الطائفة فلن يستطيعوا مواجهة مشكلة التمييز الديني“، وهذه العبارة هي تحريف لمقولة لينين عن اليهود وحزبهم البوند إبان نضال الأخير لنيل حقوق العمال اليهود بانعزال عن نضال باقي عمال روسيا ضد القيصرية الروسية القمعية مما خلف نضال طائفي، حاربه لينين بقوة لما فيه من خطورة تفتيت النضال الطبقي على سندل الطائفية عدو الجماهير.

صحيح أن مواجهة العنصرية والطائفية وكافة أشكال التمييز يكون بالنضال ضد الاستغلال الطبقي على كافة المستغلين دون تمييز قائم على سبب طائفي أو عرقي. وصحيح أن التمييز لن ينتهي تماماً إلا بانتهاء المجتمع الطبقي، إلا أن انتظار أن تتخلى المجموعات المعرضة للاضطهاد والتمييز عن منظورها الطائفي من تلقاء ذاتها وتبني مفهوم النضال الاجتماعي لمصالح كل المضطهدين هو محض وهم، فعندما طرح لينين رؤيته السابقة كان هناك حركة عمالية قوية في روسيا، في قلبها حزب ثوري، تناضل من أجل إنهاء كل أشكال الاستغلال والتمييز ومنها الاضطهاد القيصري لليهود الروس، وكان لينين يجادل البوند من أجل تقوية وتعزيز هذه الحركة.

إذن فالخطوة الأولى تقع على عاتق الماركسيين، فلطرح مهمة توحيد النضال الجماهيري، يجب بناء مشروع اجتماعي ثوري يستوعب جماهير الفقراء والعمال والكادحين كلهم، يطرح حقوق واحدة للجميع كهدف للنضال، ويتبنى بجانب النضال ضد الاستغلال الرأسمالي، النضال من أجل كل الحقوق والحريات، ومواجهة كل أشكال التمييز والاضطهاد، مشروع يجد فيه المسيحيون وعداً بمجتمع جديد يقضي على الطائفية مثلما يقضي على استغلال العمال والبطالة وعدم المساواة.

إذاً علي الحزب الثوري أن يهتم بالحقوق المنتهكة للأقليات الدينية والنضال ضد هذه الانتهاكات، انطلاقاً من المنظور الطبقي رفضاً للتميز بين الجماهير بسبب انتماءاتهم أو عقائدهم، وبهذا النضال يجذب هذه الجماهير كرافد من روافد مشروعه الثوري.

يجب ألا يخاطب المسيحيين ككتلة واحدة أو طائفة واحدة، فالنظام لن يتعرض للرأسمالي المسيحي بل تظل الانتهاكات موجهة لفقراء المسيحيين، العمال المطحونين وصغار الموظفين والفلاحين والكادحين الفقراء، هؤلاء الأكثر عرضة للتمييز الطائفي، وهؤلاء أيضاً من يتم تشويه وعيهم وصرفهم بعيد عن صراعهم الطبقي ضد الرأسمالية، بالمفاهيم البورجوازية عن الوطن وباستخدام الدين ورجاله لتزيف حقيقة استغلالهم من قبل الأقلية البورجوازية محتكرة الثروة ووسائل الإنتاج. هذا ما يجب أن نسعى لأن نكشفه أمام المسيحيين وكافة المستغَلين. وهو ما سيساعد المسيحيين على التخلي عن شرنقة انعزالهم الطائفي والكف عن أن يطالبوا بحقوقهم كطائفة بل كجزء من حركة جماهيرية واسعة تتبنى نضالاً طبقياً ضد الرأسمالية وكل تجلياتها.

لأن نتيجة المطالبة الطائفية بالحقوق لن يكون إنهاء الطائفية بل إقرارها بشكل جديد. ففي مواجهة الصياغة الطائفية للمادة الثانية من الدستور التي تجعل الشريعة المصدر الرئيسي للتشريع، دافع رجال الدين المسيحيون عن صياغة طائفية أخرى من خلال المادة الثالثة التي تسمح لغير المسلمين بالاحتكام إلى شرائعهم، لم يطرحوا الدولة المدنية والتساوي القانوني كبديل، بل طرحوا ما يسمح ببقاء المسيحيين في حظيرة الكنيسة من خلال سيطرتهم علي الأحوال الشخصية للمسيحيين.

يجب على الماركسيين فضح هذه الممارسات دائماً، والنضال مع الجماهير المسيحية في مواجهة الطائفية، وجذبها إلي النضال من أجل رفع نير الممارسات الطائفية للدولة بدلاً من تغيير شكلها وتزيينها، بطرح إلغاء التميز القانوني علي أساس الدين والدفع نحو قواعد عامة لكل المواطنين، عبر قوانين موحدة، أي بطرح شعارات المواطنة والعلمانية، والتأكيد دوماً على أن هذه الشعارات لن تتحقق في الواقع بشكل حقيقي إلا بتصفية المجتمع الرأسمالي الحالي وإقامة مجتمع بديل هو المجتمع الاشتراكي.

Advertisements

مناقشة

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

حمل العدد الأخير من نشرة الثوري

آخر اصداراتنا

أنت الزائر رقم

  • 75٬512

Advertisements
%d مدونون معجبون بهذه: