مقالاتنا, تحليل سياسي

ما بين 30 يونيو و3 يوليو والتحليلات السياسية المأزومة


صورة نشرتها مؤسسة الرئاسة للقاء السيسي ومرسي يوم 1 يوليو 2013

صورة نشرتها مؤسسة الرئاسة للقاء السيسي ومرسي يوم 1 يوليو 2013

تحل في هذه الأيام الذكرى السنوية الثانية للمظاهرات الجماهيرية في 30 يونيو 2013، والتي ترتب عليها أن تدخل الجيش بقيادة وزير الدفاع آنذاك عبد الفتاح السيسي في 3 يوليو لعزل رئيس الجمهورية محمد مرسي، الذي وصل لرئاسة في أول انتخابات تم إجراءها بعد الإطاحة بمبارك في 2011، وممثل جماعة الإخوان المسلمين في منصب رئيس الجمهورية.

تحل الذكرى الثانية في لحظة يبدو منها أن الثورة المضادة تسود المشهد بجناحيها؛ سواء جناح تحالف الدولة بزعامة المؤسسة العسكرية الذي يمثله نظام السيسي والذي يظهر مسيطراً على كل مفاصل الدولة، وجناح الإخوان المسلمين وحلفائهم، والذين يقدمون أنفسهم باعتبارهم المعارضة الوحيدة الحقيقية للنظام القائم، سواء عبر قدرتهم على الحشد والتظاهر، أو عبر تبني لقطاعات ومجموعات منهم أعمال العنف والتفجيرات والاغتيالات في مواجهة الدولة. ومابين هذين الجناحين وفي قلب نيران صراعهما، تتراجع الثورة ومعاركها وتكاد تختفي تماماً من المشهد، ويحل محلها قمع وتغول أمني، وترسانة من التشريعات المقيدة للحريات، وتراجُع النظام عن كل التنازلات التي قدمت في أعوام قوة الثورة وحيوتها، والأهم هو تراجع حركة الجماهير وتراجع رغبتها خوض المعارك من أجل الدفاع عن حقوقها ومصالحها.

وكرد فعل على هذا المشهد الذي حمل مظهر الهزيمة للثورة، ظهرت تحليلات بعض المحسوبين على معسكر الثورة أو المدعين انتمائهم إليها، لتعلن أن 30 يونيو هو يوم هزيمة الثورة الحقيقي، وأنه كان تحرك للثورة المضادة في الأساس بغرض تصفية الثورة. يقيم هؤلاء 30 يونيو في ضوء ما أسفر عنه تعاقب الأحداث التالي، وبالتالي ولأن تعاقب الأحداث أدى إلى ترسيخ سلطة الثورة المضادة، فيصبح في رأيهم التحرك الجماهيري يوم 30 يونيو هو تحرك مضاد للثورة خُدع فيه الجماهير، بغض النظر عن تحليل طبيعة هذا التحرك الجماهيري، والأهداف التي أرادت لها الجماهير تحقيقها من هذا التحرك، والعوامل المختلفة المركبة التي أثرت في المزاج الجماهيري من قبل 25 يناير 2011 وحتى 30 يونيو 2013، وبغض النظر عن تقييم طبيعة السلطة التي كانت موجودة وطبيعة الصراع الذي كان مشتعلاً بين أجنحتها المختلفة. باختصار ترتدي 30 يونيو في نظرهم قناعاً واحداً مسطحاً، لا عمق له ولا يخفي ورائه أي ملامح أخرى ولا يقبل أي تفسيرات أخرى.

لم يقف الأمر عند تبني هذا الموقف من قبل مجموعات وأفراد لم تشارك أصلاً في 30 يونيو، أو أفراد قاموا بنقد مشاركتهم وموقفهم من 30 يونيو علناً باعتباره خطئاً أو خطيئة ارتكبوها بحسن نية، بل وصل أيضاً إلى أن تتبناه مجموعات وأفراد كانت مؤيدة أشد التأييد لحركة تمرد ولمظاهرات 30 يونيو قبل عزل مرسي، وشاركوا في جمع التوقيعات لاستمارة تمرد بكل قوة دون تقديم أدنى نقد لحركة تمرد، ووصفوها بالمبادرة المبدعة وشبابها بالشباب الثوريين، والآن بدون تقديم أي نقد لهذه المواقف تحولوا لنقيضها تماماً.

ليست القضية الأساسية هنا هي الدفاع عن 30 يونيو وحركة تمرد أو كيل الاتهامات لهما، بقدر ما هي محاولة لتحليل الصورة المركبة بشكل جدلي، يدرك تناقضات الواقع والحركة الجماهيرية، لينطلق من هذا الإدراك لاستخلاص الدروس وفهم مهمات اللحظة الحالية. لذا نحاول في هذا المقال استكمال مجهودنا النظري السابق لفهم 30 يونيو وتبعاته، سواء في مواقفنا السياسية “حدود حركة تمرد” أو “30 يونيو .. إبهار المشهد وتعقيداته“، أو في كراس “الانتخابات الرئاسية .. مسار التناقضات“.

عن التحليل السياسي والتحليل الأكاديمي والشعارات السياسية

قبل الاشتباك مع التحليلات المختلفة لطبيعة 30 يونيو، يجب أن نشير سريعاً لأزمات رئيسية تواجه التحليلات السياسية التي تتبناها بعض القوى السياسية، وهي الأزمات التي تتجلى كأوضح ما يكون عند التعامل مع واقع معقد ومركب ودائم الانعطاف مثل مسيرة الثورة المصرية خلال سنواتها السابقة، هذه الأزمات هي الخلط – بوعي أو بدون وعي – ما بين التحليل السياسي الأكاديمي والتحليل السياسي الماركسي والشعارات السياسية.

فتحليل المعارك السياسية الذي يقوم به الأكاديمي المتخصص في التاريخ المعاصر أو في العلوم السياسية يختلف عن التحليل السياسي الذي يقوم به المناضل الماركسي في نقطتين جوهريتين؛ أولاً أن المتخصص الأكاديمي يقدم تحليله – على الأغلب – من مقعد المتفرج، دون أن يكون طرفاً فاعلاً في المعركة، فيقدم تحليلاً يقدمه على أنه محايد لا ينحاز لطرف بعينه في الصراع ولكن ينحاز للنظرية العلمية والمنهج العلمي (لا يجب أن ننسى هنا أن المنهج العلمي نفسه وأدوات البحث – في العلوم الاجتماعية على وجه الخصوص – يكونان متشبعين بمفاهيم وتصورات مرتبطة بالطبقة السائدة في المجتمع)، بخلاف المناضل الماركسي الذي يكون جزءً لا يتجزأ من المعركة، وبالتالي يجب أن يكون تحليله ممثلاً للمصالح والتوجهات الطبقية للطبقة التي يناضل في صفوفها ويسعى لتمثيلها، أي أن تحليله السياسي يكون منحازاً بالضرورة. ثانياً أن التحليل الأكاديمي يسعى وراء تحديد ماهية محددة للحدث موضع الدراسة، انطلاقاً من الفرضيات والنظريات المستخدمة، وقد يتم هذا بالتركيز على وإبراز جانب بعينه على حساب بقية الجوانب، بينما التحليل السياسي الماركسي يسعى لدراسة الموقف بكافة أبعاده وتعقيداته، ليس لإصدار حكم ماهيوي يوصف الحدث، لكن لاستنباط التكتيكات الملائمة للتعامل مع هذا الحدث والشعارات الدعائية والتحريضية المناسبة لطرحها على الجماهير في هذه اللحظة، في ضوء الموقف الموضوعي وفي ضوء تطور وعي الجماهير.

إذن فالتحليل السياسي الماركسي لا يسعي لفهم الواقع وتوصيفه، إلا ليتدخل فيه لتغييره، أو كما عبر عنه ماركس في الأطروحة الأخيرة من أطروحاته عن فيورباخ؛ “إن الفلاسفة لم يفعلوا غير أن فسروا العالم بأشكال مختلفة ولكن المهمة تتقوم في تغييره“، إذن توصيف وتفسير الواقع ليس مهماً للمناضل الماركسي، إلا بقدر ما يساعد هذا التوصيف في استخلاص دروس وفي طرح مهاماً عملية وتكتيكات للنضال.

الأزمة الأولى تواجه الماركسيين عندما لا يستطيعون التمييز بين هذين النوعين من التحليل، ويكتفون بتبني التحليل الأكاديمي التوصيفي، ولا يتجاوزونه إلى ما هو أعمق أي طرح تكتيكات النضال، والأزمة الثانية هي عندما يعجزون عن تحويل تحليلهم السياسي إلى شعارات تتبناها الجماهير أو على الأقل قطاعاتها المتقدمة، سواء شعارات دعائية عامة تحمل توجهات وأفكار عريضة لكسب تعاطف قطاعات من الجماهير، أو شعارات تحريضية تحمل دعوات لأفعال محددة بغرض حفز الجماهير على تنفيذها. والأزمة الثالثة عندما يخلطون في دعايتهم بين نوعي الشعارات السابقين ويستخدمون كل منها في غير سياقه الملائم.

ثورة أم انقلاب

ولننتقل إلى التطبيق العملي، ونختبر كيف يتم تحليل الواقع من خلال تحليلات مأزومة بالأزمات التي ذكرناها بعاليه، ومنعطف 30 يونيو هو حالة نموذجية تتجلى فيها هذه الأزمات، خاصة عند البحث عن إجابة للسؤال الرئيسي في ما يخص 30 يونيو، ما طبيعة هذا الحدث هل هو ثورة أم انقلاب عسكري؟

يسعى التحليل السياسي الأكاديمي لطرح إجابة سريعة ومحددة عن هذا السؤال، لا تتحقق إلا بالنظر إلى المشهد بعين واحدة، فإما أن ترى أن خطاب السيسي في 3 يوليو هو المحور الذي ينطلق منه التحليل، وبالتالي يصبح 30 يونيو انقلاباً عسكرياً تم التدبير له بتأني وبهدوء منذ تسلم مرسي السلطة، وربما قبلها مع الشهور الأولى للثورة، وتم استدراك الجماهير لفخه عبر وسائل الإعلام وعبر عملاء مباشرين في قلب حركة تمرد. أو أن ترى أن التحرك الجماهيري في 30 يونيو هو المحور الذي يجب أن ينطلق منه التحليل، وبالتالي يصبح 30 يونيو ثورة شعبية ساندتها المؤسسة العسكرية لتحقيق مطلب شعبي هو التخلص من سلطة الإخوان المسلمين، والتي بدأت التحركات الجماهيرية في محاصرتها قبل 30 يونيو بشهور، وتحديداً منذ لحظة الإعلان الدستوري الذي حصن فيه مرسي قراراته والجمعية التأسيسية التي كان الإخوان أصحاب اليد العليا فيها.

تختلف نتيجة هذا التحليل على حسب المعسكر الذي يقف فيه صاحبه، لكن النتيجتين تتفقان أنهما تفترضان حالة نقية لا توجد في الواقع، ولم توجد من قبل في أي تجربة ثورية، تحرك جماهيري بلا أي تناقضات داخلية، وطرف فاعل محدد وقادر على تنفيذ هدفه أياً كان بغض النظر عن السياقات الموضوعية التي يعمل فيها، هذا الطرف هو المؤسسة العسكرية التي وضعت خطتها ونفذتها بلا أي معوقات في التصور الأول، أو الشعب الذي تحرك بشكل موحد نحو هدف واحد حققه دون أي مصاعب بحسب التصور الثاني.

في الحقيقة إن التقييم الماركسي للموقف يستلزم النظر إلى المشهد بالعينين معاً، وليس بعين واحدة، فلا يمكن أن يستقيم تحليل ماركسي للموقف دون أن يضع كل العوامل في الاعتبار، سواء حالة الجماهير، أو أداء الإخوان في السلطة، أو طبيعة التحالف الحاكم قبل وبعد 30 يونيو، أو حتى طبيعة المعارضة الرسمية التي تشكلت للإخوان جبهة الإنقاذ ومن بعدها حركة تمرد.

ولا يتسع المجال هنا لتحليل تفصيلي لهذه العناصر، لذا سنكتفي بإشارات سريعة حول كل نقطة من هذه النقاط؛

فمن ناحية حالة الجماهير؛ لم يكن تحركها في 30 يونيو هو تحركها الأول في مواجهة الإخوان، بل بدأ هذا التحرك جماهيري الواسع من مظاهرات جمعة الحساب في 12 أكتوبر 2012، ووصل لأوجه في المظاهرات الرافضة للإعلان الدستوري في نوفمبر 2012، كان الغضب الجماهيري من سياسات الإخوان يشتعل، بالتأكيد لعب الإعلام المملوك لكبار الرأسماليين سواء من رجال مبارك أو الليبراليين دوراً في تأجيج الغضب الجماهيري، لكن هذا لا ينفي أن هذا الغضب كان حقيقياً قبل هذا التحريض الإعلامي، وكان يعبر عن إحباط الجماهير التي أصيبت بالإرهاق وكانت تنتظر الاستقرار وتحسن الأحوال الاقتصادية، كما كان يعبر عن قلقها من طائفية وعجرفة الإخوان.

على الناحية الأخرى كان أداء الإخوان في السلطة مضاداً للثورة، فمنذ الأيام الأولى كان واضحاً أن الإخوان مستمرون في نفس السياسات الاقتصادية التي تبناها مبارك ومجلسه العسكري، ويتحركون لتنفيذ توصيات وشروط صندوق النقد الدولي، والتي لم يقف أمام تنفيذها الكامل سوى المقاومة الجماهيرية وتصاعد الغضب الجماهيري نتيجة تدهور الأحوال الاقتصادية. أضيف لهذه السياسات الاقتصادية المعادية للجماهير أداء الإخوان الذي أثار خوف وقلق الجماهير؛ في استخدام التحريض الطائفي في مواجهة المعارضين في وسائل الإعلام والقنوات المحسوبة على الإخوان وحلفائهم، وأداء قواعد الإخوان وحلفائهم في مناطقهم المحلية الذي حمل مزيجاً من الطائفية في مواجهة الشيعة والأقباط والعجرفة والاستعلاء في مواجهة عامة الجمهور، والتهديدات المستمرة من قبل قياداتهم وحلفائهم باستخدام العنف في مواجهة الجماهير، وهو ما ظهر أثناء أحداث الاتحادية، أو في بورسعيد، أو في الأيام القليلة التي سبقت 30 يونيو.

أيضاً هناك طبيعة السلطة وتحالف الإخوان و المؤسسة العسكرية، هذا التحالف الذي ظهر منذ الأيام الأولى لتنحي مبارك، وظهر في أداء الإخوان المسلمين أصحاب الأغلبية البرلمانية في برلمان 2011، وظهر في أداء الإخوان المسلمين بعد حصولهم على منصب رئيس الجمهورية في منتصف 2012. فحافظ الإخوان ببرلمانهم وحكومتهم ورئيسهم على قوانين القمع كما هي، وقفوا في مواجهة أي محاسبة جادة لمسئولين سابقين أو لقيادات عسكرية، لم يجروا أي إصلاحات جدية في أي من مؤسسات الدولة، وكان مفهومهم الوحيد للإصلاحات هو أن يحل محل رجال مبارك آخرين محسوبين على الإخوان، أن يحل حزب الحرية والعدالة محل الحزب الوطني. لا يعني هذا أن هذا التحالف كان مستقراً أو نهائياً، الحقيقة هي العكس تماماً، هذا التحالف كان تحالفاً هشاً مرتبطاً بسياق الأزمة التي كانت تخنق النظام وتخنق لطبقة الحاكمة، فأجبرت النظام على أن يدمج قطاعات مكروهة من البورجوازية الكبيرة (هي القطاعات التي يمثلها الإخوان المسلمين والسلفيين) ليضعها كواجهة بحثاً عن بعض الاستقرار في مواجهة الضغط الشعبي، وفي نفس الوقت أجبرت الإخوان وحلفائهم على القبول بهذا الدور في ظل عجزهم عن الوصول للسلطة بمفردهم وخشيتهم لنتائج أي محاولة لتجذير التحركات الجماهيرية أكثر في مواجهة النظام. قبلت المؤسسة العسكرية والإخوان بشراكة مرتبطة بهذه الظروف، وسعى كل منهم لتحسين وضعه في هذه الشراكة عبر تأزيم الطرف الآخر للحصول على مزيد من المكاسب، في انتظار لحظة يصبح لديه القدرة فيها على الإطاحة بالطرف الآخر واحتلال صدارة المشهد.

وفي مواجهة هذا التحالف الهش، تشكل تحالف هش معارض، هو جبهة الإنقاذ التي جمعت أطيافاً مختلفة لا تتفق سوى في معارضتها للإخوان المسلمين، لم تطرح أفق لحركتها في البداية سوى الضغط على الإخوان المسلمين من أجل بعض المكاسب الديموقراطية سواء إلغاء الإعلان الدستوري أو تعديل تشكيل لجنة صياغة الدستور، ووضعت نفسها على رأس الحركة الجماهيرية التي لم يربطها بها أي صلات حقيقية، ولم يكن لديها برنامجاً يمثل مصالحها أو مطالبها. هذه الجبهة بتشكيلها المكون في أساسه من نخب ليبرالية وفلول وقوميين واليسار الإصلاحي، وكنتيجة لضعف سيطرتها على حركة الجماهير، فهي لا تمثلها ولا تمتلك امتدادات تنظيمية بداخلها وإنما التقت معها في لحظة مد، لم تكن تملك سوى الضغط على الإخوان وعلى المؤسسة العسكرية من أجل الوصول إلى تسوية.

الأزمة الحقيقية في تشكيل جبهة الإنقاذ ليست هي الأداء الانتهازي، الذي لم يكن أمامها، نتيجة لطبيعتها التي ذكرناها، بديلٌ سواه، لكن هي أنها قطعت الطريق على تشكيل بديل جماهيري حقيقي للإخوان المسلمين، فمع إصرار المجموعات اليسارية والقومية والليبرالية، التي كانت تملك بعض الرصيد في قلب قطاعات الشباب الثوري، على الاستمرار في جبهة الإنقاذ وعدم السعي لتشكيل بديل يحمل مشروع اجتماعي مختلف عن مجرد رفض حكم الإخوان المسلمين، وجذب هذه القطاعات للعمل تحت مظلة جبهة الإنقاذ، أصبحت كل المحاولات التي تسعى لناء بديل آخر معارض للإخوان يستند على انحياز طبقي ضد الرأسمالية وأجنحتها؛ إخوان وعسكر وفلول، محاولات محدودة بالقوة العددية والجماهيرية للمجموعات التي تسعى لبنائها.

وأدركت مؤسسات الدولة وتحديداً المؤسسة العسكرية هذا، وبدأت في عقد الصلات مع جبهة الإنقاذ وقياداتها، سعياً لاستخدامهم في الضغط على الإخوان المسلمين شريك السلطة المكروه. ومع تطور الحركة الرافضة للإخوان، وإدراك الدولة لضعف الدور الذي تلعبه قيادات جبهة الإنقاذ في التوجيه الفعلي للحركة، بدأت محاولات التدخل والاستفادة من هذه الحركة العفوية فيما يتجاوز الضغط على الجناح الآخر للسلطة، فتحولت مبادرة استمارة تمرد التي ظهرت من مجموعة من الشباب المحسوبين على جبهة الإنقاذ، إلى حركة مستقلة جذبت الجماهير في مواجهة الإخوان بدون تأثير يذكر لجبهة الإنقاذ التي تراجعت إلى الظل.

إذن فهذه هي عناصر المشهد، تحرك جماهيري رافض للإخوان وسلطتهم، يسعى أعداء الإخوان ومعارضيهم وشركائهم في السلطة لاستثماره كلٍ على برنامجه، والإخوان وحلفائهم في واجهة السلطة يتبنون سياسات معادية للجماهير ولا يقدمون أي حلول للأزمات التي يعاني منها الجماهير.

كيف نحدد طبيعة أي تحرك جماهيري؟

في قلب المشهد المعقد الذي حللناه بعاليه، يلزم الإجابة على السؤال التالي لنستطيع التقدم، كيف يتم تحديد طبيعة أي تحرك جماهيري من حيث كونه رجعياً أم تقدمياً؟ من حيث كونه ثورياً أو مضاداً للثورة؟

هل يكون التحرك الجماهيري رجعياً طبقاً للنتيجة النهائية التي حققها؟ في هذه الحالة سيجب علينا أن نمنح معظم الثورات طبيعة رجعية، لأن معظم هذه الثورات برغم تحقيقها لمكاسب جماهيرية في بداياتها انتهت بفرض ديكتاتوريات أو حكم رجعي من نوع ما كرد فعل على الثورة بل وباسم الثورة في بعض الأحيان، حدث هذا في أشهر الثورات سواء الثورة الفرنسية العظمى في 1789 التي عرفت ديكتاتورية اليعاقبة ثم انقلاب 9 ترميدور ثم ديكتاتورية نابوليون بونابرت، أو الثورة الفرنسية في 1848 التي انتهت بانقلاب لويس بونابرت بعد أن سبق هذا تصفية الحركة العمالية على يد البورجوازية في عام الثورة الأول. والثورة البلشفية 1917 التي عرفت ديكتاتورية البيروقراطية بزعامة ستالين والتي بدأت تترسخ منذ منتصف العشرينات.

هل يكون التحرك الجماهيري رجعياً بسبب وجود قوة رجعية أو أكثر في قلب هذا التحرك أو تسعى لاستغلاله؟ في هذه الحالة سيكون التحرك الجماهيري الأكبر في مصر في 28 يناير تحركاً رجعياً، لأنه ضم قطاعات سياسية رجعية كان لديها مصلحة التخلص من مبارك، مثل الإخوان وقطاعات من السلفيين والجماعات الجهادية، بل وتم استغلاله من قبل أجنحة في الدولة مثل المؤسسة لعسكرية التي كانت تملك مصلحة في تصفية مشروع التوريث.

هل يكون تحرك الجماهير رجعياً إن لم يستطع أن يحسم المعركة بنفسه؟ هل يكون انقلاباً إن أجبر جناح أو أكثر من السلطة على التخلص من رأسها أو واجهتها؟ في هذه الحالة سيكون تحرك الجماهير في مصر في 28 يناير تحركاً رجعياً لأنه لم يستطع الإطاحة بمبارك إلا بالاعتصام والضغط على مؤسسات الدولة للتخلص من مبارك، وبالتالي يصبح يوم 11 فبراير انقلاباً عسكرياً تخلص فيه العسكريون من مبارك، بغض النظر عن حركة الجماهير التي أدت إليه.

الحكم الماركسي على طبيعة حركة الجماهير ينطلق من السياق الذي تتحرك فيه هذه الحركة، ومن المزاج الجماهيري السائد فيها، ومن الأهداف التي رفعتها الحركة لنفسها، والوسائل التي تستخدمها لتحقيق هذه الأهداف. لا شك أن عفوية الحركة وعدم قدرتها على حسم المعركة بنفسها، أي عدم وجود منظمات ثورية بالقوة الكافية لتحويل الحركة من مجرد حرك ضاغطة على النظام والطبقة الحاكمة لتقديم ببعض التنازلات إلى حركة تسعى لاستبدالهما ببديل يخرج من صفوفها، يسمح بتدخل أطراف عديدة منظمة ذات طابع رجعي، يمكن أن تقدم نفسها كجزء من الحركة، فتحصل على المكسب الرئيسي من الحركة، بل وقد تفرض تدريجياً أهدافاً رجعية للحركة كبديل عن الأهداف الأصلية للحركة التي كانت إما غير محددة أو غائمة لا تعرف الجماهير طريقاً لتنفيذها.

يمكن تطبيق المنهج السابق على الانتفاضة الجماهيرية الكبرى في 28 يناير، والتي كانت البداية الحقيقة للثورة المصرية، كما يمكن تطبيقه على التحرك الجماهيري الضخم في 30 يونيو. في كلا الحالتين كان هدف الجماهير هو التخلص من نظام معادٍ لها بسياساته وانحيازاته، وفي كلا الحالتين عمل أطرافاً رجعية داخل الحركة الجماهيرية لتستخدمها من أجل الوصول إلى السلطة. يكمن الفارق الأساسي بين الحالتين هو في مدى الإرهاق الذي أصاب الحركة الجماهيرية في الحالة الثانية، والذي أدى إلى ركون في الحركة الجماهيرية بعد التخلص من رأس النظام، وسمح للعسكريين بتثبيت سلطتهم تدريجياً، خاصة مع تهديد الإخوان وحلفائهم بالعنف واستخدامهم له فعلاً، مما كرس من حالة الانسحاب الجماهيري ليصبح العسكريين وحدهم في صدارة المشهد مع سياسيي جبهة الإنقاذ، الذين تم التخلص منهم سريعاً بعدها لينفرد العسكريون بالسلطة.

هنا يجب الإشارة إلى فارق أساسي بين التحرك الجماهيري في 30 يونيو وبين تحرك الإخوان وحلفائهم للرد على 30 يونيو، والذي بدأ قبل 30 يونيو بأيام. فتحركات 30 يونيو التي رفعت شعار الانتخابات الرئاسية المبكرة، كانت تمثل محاولة لفرض الإرادة الشعبية على السلطة، اكتفت بالتظاهر والاعتصام أمام مؤسسات الدولة في معظم الأحيان، ومقرات حزب الحرية والعدالة في بعض الأحيان، ومارست بعض العنف في الهجوم على هذه المقرات، في المقابل كانت تحرك الإخوان وحلفائهم محاولة لفرض إرادتهم على هذه الجماهير باستخدام العنف في مواجهتها، بداية من يوم 28 يونيو، ثم فيما يشبه الانتفاضة المسلحة بعد 30 يونيو، تم فيها مهاجمة بعض المناطق التي اعتصم فيها معارضي الإخوان، أو التي خرجت منها مظاهرات مضادة للإخوان، كما استمر فيها التحريض الطائفي ضد الأقليات الدينية.

إذن هناك تحرك جماهيري ينقصه التنظيم والبرنامج الثوري، يسعى لتحقيق هدف تقدمي هو سحب الثقة من السلطة التي فشلت في نظر الجماهير، بل وتتوجس الجماهير من عنفها وتحريضها الطائفي، لكن وبسبب النقص الذي أشير إليه، أدى هذا التحرك الجماهيري إلى دخول العسكريين في المشهد في 3 يوليو لتحقيق هذا الهدف، ثم رسخ العسكريين أقدامهم في السلطة وأزاحوا الجماهير من المشهد تدريجياً، وبدءوا في تصفية رجعية ووحشية لكل المكاسب التي حققها الجماهير سابقاً. لا يمكن الحكم على المشهد إلا بالنظر إلى اللحظتين معاً، ولا يمكن فصلهما.

هل ينفصل 3 يوليو عن 30 يونيو

لم يطالب التحرك الجماهيري في 30 يونيو بحكم عسكري، ولم يطالب بالمذابح التي أجراها العسكريون فيما بعد، لذا يطرح البعض تحليلاً مؤداه أن يومي 3 يوليو و30 يونيو منفصلين، فيوم 30 يونيو هو يوم انتفاضة شعبية، بينما يوم 3 يوليو هو يوم الانقلاب العسكري، ليس على مرسي والإخوان، لكن على حركة الجماهير.

يبدو هذا التحليل أنيقاً وثورياً، لكن مشكلته الأساسية أنه لا ينطلق من واقع حركة الجماهير وحالتها، لكنه ينطلق من تصور افتراضي لحركة الجماهير وكيف كان يمكن أن تحقيق هدفها. فبالتأكيد كلنا كان يرغب أن تستطيع الانتفاضة الجماهيرية في 30 يونيو أن تقدم بديلاً لسلطة الإخوان المسلمين والعسكريين، وبالتأكيد لم يكن أي منا يرغب في أن ينتهي التحرك الجماهيري إلى استمرار المؤسسة العسكرية في السلطة بشكل منفرد بعد الإطاحة بالإخوان المسلمين. لكن الرغبة شيء والقدرة على الفعل شيء آخر.

فلكي تستطيع الجماهير أن تقدم هذا البديل، لم يكن يكفي مجرد رفع الشعارات ضد العسكر والإخوان والفلول في بعض مظاهرات 30 يونيو، أو التأكيد المستمر على هذا في البيانات المختلفة، لكن كان يلزم عمل دءوب واسع المجال للتنظيم الجماهير وإعدادها قبل 30 يونيو بشهور إن لم يكن منذ الأيام الأولى للثورة. هذه المهمة سعت لها بعض المجموعات الثورية، لكن بشكل محدود بقدرتها العددية وإمكانياتها التنظيمية. لكن وجود جبهة الإنقاذ كممثل وحيد لمعارضي الإخوان، وعدم بناء جبهة معارضة أخرى ذات طابع وانحياز طبقيين واضحين ضد الرأسمالية بأوجهها المختلفة؛ إخوان، ومؤسسة عسكرية، ونظام مبارك، كل هذا وصل بالجماهير إلى يوم 30 يونيو وهي في حالة عفوية لا تملك فيها برنامجاً واضحاً لتنفيذ مطالبها، سوى بالضغط على أجنحة النظام الأخرى للتخلص من الإخوان المسلمين، أي الضغط على المؤسسة العسكرية للإطاحة بمرسي.

لا ينفصل يومي 30 يونيو و3 يوليو، فلولا 30 يونيو لما تحرك العسكريون في 3 يوليو، فتبعاً للحالة العفوية للجماهير، والتي لم يتم تجاوزها منذ بداية الثورة، لم يكن هناك بديل آخر أمام حركة الجماهير في 30 يونيو سوى تدخل المؤسسة العسكرية في 3 يوليو. لم يكن أمام الجماهير طريق آخر للتخلص من مرسي والإخوان إلا معركة طويلة المدى قطع العسكريون الطريق عليها فعلياً، ولم تكن الجماهير بحالتها تلك مستعدة لخوضها.

الانقلاب الحقيقي على حركة الجماهير لم يحدث يوم 3 يوليو، لكنه حدث تدريجياً في الأيام التالية، عندما استخدم العسكريون العنف المتزايد من الإخوان وحلفائهم ليجبروا الجماهير على التراجع إلى خلفية المشهد، ويصبح العسكريون هم اللاعب الوحيد في مواجهة العدو الذي يهدد الجماهير، لم يحدث هذا فقط نتيجة إرهاق وخوف الجماهير، لكن أيضاً نتيجة استسلام جبهة الإنقاذ وحركة تمرد التام لرغبة المؤسسة العسكرية وعدم رغبتهم في لعب دور أكبر مما يسمح لهم به العسكريون، هذا من ناحية، وعلى الناحية الأخرى نتيجة لانفصال المجموعات الثورية الأخرى عن الجماهير بشعارات خاطئة ركزت على خطر العسكريين في اللحظة التي كان فيها الإخوان هم الخطر الحقيقي في نظر الجماهير. كانت النتيجة هي انسحاب الجماهير التدريجي من المشهد وتآكل شعبية جبهة الإنقاذ والمجموعات الثورية، وتزايد شعبية العسكريين.

وبالتالي اختفي عنصر التحرك الجماهيري من المشهد وبقى فقط عنصر التدخل العسكري، الذي توسع في مذابحه وإجراءاته القمعية بقدر تراجع الحركة الجماهيرية، وهنا يجب ملاحظة أن المذابح التي نفذها العسكريون ضد مؤيدي الإخوان لم تبدأ يوم 3 يوليو، فلم يتم يومها التعامل بعنف اعتصام هؤلاء المؤيدين في رابعة، ولم تبدأ المذابح العنيفة إلا بعد فترة من المواجهات العنيفة بين الإخوان والجماهير رفعت من حالة الاستعداء الشعبي ضد الإخوان، وهي الحالة التي استغلها العسكريون لطلب التفويض الشعبي لمواجهة الإخوان.

هل كان هناك بدائل أخرى؟

كما قلنا لم يكن هناك بديل أمام حركة الجماهير في 30 يونيو سوى انتظار تدخل المؤسسة العسكرية في 3 يوليو للإنجاز المهمة التي خرجت الجماهير من أجلها. لكن كان هناك بدائل أخرى مطروحة على بقية أطراف المشهد.

وهنا يجب أن نشير أننا عندما نتحدث عن البدائل، لا نتقمص الروح الطوباوية الأكاديمية التي تطرح بدائل نظرية كان لا يمكن لأي من أطراف المشهد أن يتبناها بسبب طبيعته ومصالحه الطبقية. على سبيل المثال؛ طرح البعض أنه إن كان الإخوان قد مارسوا سياسات مختلفة في السلطة قدمت بعض التنازلات للجماهير وأجرت إصلاحات في جهاز الدولة القديم كان الوضع سيختلف، وكأن الإخوان كانوا يمكنهم أن يتبنوا سياسات مختلفة، وكأن انحيازاتهم هي قرارهم بغض النظر عن طبيعتهم الطبقية وطبيعة مشروعهم السياسي، أو أن يطرح البعض أنه لو كانت المؤسسة العسكرية التزمت جانب “الشرعية” ولم تستغل الوضع لتثبيت سلطتها على حساب الإخوان كان الوضع سيختلف، وكأنه يمكن للعسكريين أن يفوتوا فرصة كهذه للتخلص من الشريك المكروه الذين اضطروا إليه في سياقات محددة، لينفردوا بالسلطة مرة أخرى بعد تغير هذه السياقات.
ليست هذه بدائل حقيقية كانت مطروحة في قلب المشهد، لكنها أوهام وتصورات طوباوية لا مكان لها في أرض الواقع ومكانها الوحيد هو عقول أصحابها، ولا علاقة لها بالماركسية من قريب أو من بعيد، ببساطة لأنها تتغافل عن نقطة الانطلاق الرئيسية في أي تحليل ماركسي، وهي الصراع الطبقي ومصالح الطبقات والشرائح الطبقية المختلفة الفاعلة في قلب أي معركة اجتماعية.

لكن هذا لا ينفي أنه كان هناك بدائل؛ أهم هذه البدائل كان في يد الإخوان المسلمين ورئيس الجمهورية محمد مرسي في رد فعلهم على المظاهرات الجماهيرية في 30 يونيو، وهو أن يخرج رئيس الجمهورية ويعلن أنه قد لمس الغضب والرفض الجماهيري لذا يطالب بإجراء استفتاء على استمراره في السلطة من عدمه، لم يكن هذا الاختيار يتناقض مع المصالح الطبقية للإخوان بشكل جذري، لكنه كان سيدفعهم لتقديم تنازل أمام الحركة الجماهيرية، والأهم هو تقديم تنازلات متعددة لشركائهم في السلطة من العسكريين، ليستمروا فيها باتفاقات وشروط جديدة بعد الاستفتاء الذي كان يمكن أن تكون نتيجته في صالح استمرار مرسي.

كان هذا البديل سيطرح استمرار تحالف السلطة مع تغيير توازنات القوى ومساحات الهيمنة فيه نتيجة للضغط الجماهيري، وهو ما كان يمكن أن يرضي قطاع من العسكريين، خاصة بعد أن يظهر الإخوان بمظهر الساعين للحفاظ على الديموقراطية، ويفقد العسكريون أي مبرر للتدخل المباشر في المشهد. لكن الإخوان المسلمين قرروا أنه يمكن مواجهة الحركة الجماهيرية بحشد جماهيري موازٍ، وباستخدام العنف والقوة لتصفيتها. في صلف وثقة مبالغ فيها في قوتهم، وعدم إدراك لقوة وعنف الحركة الجماهيرية الموجهة لهم.

ماذا كان سيحدث لو هزم التحرك الجماهيري في 30 يونيو

البديل الآخر الذي كان مطروحاً، هو هزيمة التحرك الجماهيري في 30 يونيو، سواء بضعف الحشود، أو بتراجع الجماهير وخوفها من الحشود المضادة لمؤيدي الإخوان المسلمون. كان هذا البديل يطرح استمرار السلطة أيضاً بتحالفها القائم، لكن هذه المرة مع تغيير توازنات القوى ومساحات الهيمنة لصالح الإخوان في مواجهة العسكريين.

كان هذا سيعني أيضاً استقرار السلطة بشكلها هذا، فسيدرك العسكريون ومؤسسات الدولة عمق نفوذ وسيطرة الإخوان المسلمين على الجماهير، وعقم محاولات الانقلاب عليهم والضغط عليه. كان هذا يعني توحد هذه المؤسسات خلف الإخوان المسلمين، وتراجع مساحات العداء بينهما إلى إشعار آخر. بكلمة أخرى كان سيعني توحد طرفي الثورة المضادة لتنفيذ برنامجها، الذي ينفذه الجناح العسكري حالياً، بشراسة وعنف أكبر.

عام الإخوان “الديموقراطي

هنا يجب الإشارة إلى حجة يطرحها البعض دفاعاً عن الإخوان المسلمين، وهي أن عام حكم محمد مرسي كان الأكثر ديموقراطية مقارنة بما قبله وبما بعده، كانت التظاهرات مستمرة دون قمع أو تقييد، والاحتجاجات العمالية ليل نهار، ومساحة النقد الذي يصل إلى رأس الدولة في الإعلام أوسع بما لا يقاس. مرة أخرى يقف البعض عن خارج المشهد دون أن يهتمون بدراسة تفاصيل المشهد وسياقاته، ليصدرون أحكاماً عامة لا علاقة لها بالواقع.

بالتأكيد كانت هناك مساحات أوسع من الحرية والديموقراطية خلال عام حكم الإخوان المسلمين، لكن هذا لم يكن بسبب أن الإخوان المسلمون فصيل ديموقراطي أو تيار يؤمن بالديموقراطية، ففي لحظات بعينها ظهر وجههم الحقيقي، سواء باستخدام ميليشياتهم العنف في مواجهة معارضيهم، أو محاولة مرسي الضغط على النيابة لإصدار قرارات ضد معارضيه كما حدث في تحقيقات قضية الاتحادية، أو بمحاولة استخدام الشرطة والجيش للقمع. لكن الأزمة كانت في مساحات العداء وعدم الثقة بين مؤسسات الدولة للقمع والإخوان المسلمين.

هذا العداء وعدم الثقة الذين تعمقا بالإعلان الدستوري في نوفمبر 2012، مع قوة وحيوية الحركة الجماهيرية، هما ما جعلا النظام في حالة من عدم الاستقرار والاتزان، حالة من عدم التجانس، لا يستطيع، بل ويخشى، معها استخدام القمع على مدى واسع. هذه الحالة كانت حالة مؤقتة، كانت ستنتهي بخفوت حدة التناقضات الداخلية في قلب النظام؛ إما بانتصار أحد طرفيها، الإخوان والعسكريين، أو باستمرارها لفترة طويلة مما يهدد وجود النظام ذاته فيتوصل طرفاه إلى اتفاق جديد لمواجهة الحركة الجماهيرية، يتراجع معه عدائهما مؤقتاً إلى خلفية المشهد.

كلمة أخيرة عن الديموقراطية والشرعية

يعود البعض لطرح الديموقراطية والشرعية كسلاح في مواجهة تحرك الجماهير 30 يونيو، ومن الغريب أن يطرح ماركسيون هذا النقد، ويعلنون أن التمسك بشرعية الصندوق ونتيجة الانتخابات كان يجب أن يكون الموقف الماركسي السليم.

الموقف الماركسي من الديموقراطية واضح، فالماركسية ترى الديموقراطية بمنظور طبقي؛ كل ديموقراطية هي ديكتاتورية طبقة ما، وبالتالي فالديموقراطية الحقيقية في نظرها هي أن يستطيع الجماهير بقيادة الطبقة العاملة، فرض سلطتهم الخاصة من ممثليهم الخاضعين لرقابتهم، وبالتالي يتعامل الماركسيون مع الديموقراطية البورجوازية باعتبارها أداة ناقصة، تستبعد الجماهير من المشهد طيلة سنوات، ولا تستدعيهم إلا في لحظات الانتخاب ليختاروا من يحكمهم من الطبقة الحاكمة لعدة سنوات تالية.

وبالتالي فإن الماركسيون يحاربون في نضالهم اليومي من أجل توسيع مساحة الديموقراطية المباشرة، حيث يمارس العمال وسكان المناطق الشعبية حقهم في تنظيم أنفسهم في كيانات تمارس رقابة وضغط على أدوات السلطة الحالية، وتكون أنوية السلطة البديلة التي تستطيع عبر تناميها وتزايد قوتها الشعبية أن تزيح السلطة الحالية لتحل محلها، وأهم حق يسعى الماركسيون إليه لممارسة هذه الرقابة هو حق الجماهير في سحب الثقة من ممثليها، هذا يعني تواجد الجماهير على الدوام في المشهد وليس فقط في لحظات الانتخابات والصندوق.

لذا يبدو من الغريب أن يستخدم أولئك الماركسيون حجة الديموقراطية والشرعية في مواجهة تحرك جماهيري لسحب الثقة من رأس السلطة التنفيذية، وأن يطالبوهم باحترام نتيجة الصندوق، والانتظار لمدة 3 سنوات أخرى من أجل تغييره. الشرعية الحقيقية هي شرعية الجماهير التي تصنعها بيدها في تحركها، وليس معنى أن حالة ضعف التنظيم الجماهيري تجعل نتيجة هذه التحركات تستثمر بواسطة الأطراف الأكثر تنظيماً وجاهزية أن نسعى لسلب الجماهير سلاحها وتدجينها بشعارات الديموقراطية والشرعية التي لن تفعل شيئاً سوى ثلم نصل أي تحرك جماهيري قادم أو محتمل.

يجب أن نستمر في سن نصل هذا السلاح، ونؤكد على حق الجماهير في استخدامه، حق الجماهير في التحرك لسحب الثقة من أي مسئول، مع العمل في الوقت نفسه على دفعها لتجاوز أزمتها التنظيمية، ليصبح هذا السلاح مشهراً على رقبة السلطة الحالية في انتظار لحظة استخدامه، لمصلحة الجماهير وسلطتها هذه المرة.

بالتأكيد وجود الديموقراطية البورجوازية، وتداول السلطة عبر الصندوق، هو وضع أفضل وأكثر موائمة للنضال الجماهيري كما طرح ماركس أكثر من مرة، وبالتأكيد هو أفضل من الديكتاتورية العسكرية التي تسعى لتثبيت أقدامها أكثر وأكثر في هذه اللحظة، لكن يجب ألا ننسى أن هذه النتيجة هي ابنة تطور الظروف الموضوعية ولن تتغير بإرادتنا الذاتية المجردة، كما لا يجب أن ننسى أنه مع انحطاط البورجوازية الليبرالية وانحطاط الرأسمالية في مصر، تصبح فرص تحقيق الديموقراطية، حتى في شكلها البورجوازي، مرهونة بالحركة الجماهيرية وفي قيادتها الطبقة العاملة، وتطور وعيها وتنظيمها، لتصبح بضغطها المستمر على السلطة والنظام هي الضمان لتحقيق الديموقراطية.

هزيمة الثورة .. ماذا تعني؟

من المهم عند الحديث عن هزيمة الثورة، أن نفهم ماذا يقصد المتحدث بالهزيمة، يطرح البعض أن 30 يونيو هو تاريخ هزيمة الثورة لأنه مسئول، في نظرهم، عن عودة العسكريين للسلطة، وهم ممثلو الثورة المضادة، ويطرح البعض يوم 3 يوليو لأنه اليوم الذي التف فيه العسكريون على الحركة الجماهيرية واستولوا على السلطة بشكل مباشر. في تقديرنا أن هزيمة الثورة لا ترتبط باستيلاء أي طرف من أطراف الثورة المضادة على السلطة، وإلا لكان مشهد الجولة الثانية للانتخابات الرئاسية في 2012، حيث يتصارع طرفي الثورة المضادة، هو مشهد نهاية الثورة، لكن هزيمة الثورة ترتبط بتراجع التحرك الجماهيري عن المشهد، بانفضاض الجماهير عن النضال الثوري، واختيارها الركون في مواجهة سيطرة الثورة المضادة.

مسارات الثورات وإرهاق الجماهير

مسارات الثورات ليست خطوطاً مستقيمة صاعدة، وحركة الجماهير لا يمكن أن تستمر بذات القوة إلى الأبد، لكنها تمر بلحظات متفاوتة من المد والجذر، تصل إلى ذروتها في معارك الثورة الأعظم ثم تبدأ في التراجع التدريجي لتصل إلى حالة من الركود الظاهري شبيهة بالحال فيما قبل الأزمات الثورية وبداية تحركات الجماهير. هذا التراجع سمة طبيعية في حركة الجماهير، فالجماهير تصاب بالإرهاق من استمرار حالة عدم الاستقرار التي تؤثر عليها اقتصادياً وأمنياً، أيضاً تصاب باليأس من عدم ترجمة انتصاراتها إلى مكاسب آنية وملموسة تحسن أحوالها، أو تصبح عاجزة عن معرفة في أي طريق تتحرك بسبب غموض الأهداف المطروحة وتشوشها، وصف إنجلز هذه الحالة في مقدمته لكتاب كارل ماركس “الصراع الطبقي في فرنسا” قائلاً: “أن مزاج الجماهير الثوري هذا كان يحل محله دائماً تقريباً، وبعد فترة وجيزة جداً في معظم الأحوال، الإرهاق أو حتى الانعطاف إلى الجانب المضاد، ما أن كانت الأوهام تتبدد وتطل خيبة الأمل“.

بالطبع لا يتخذ هذا التراجع شكلاً واحداً في كل الأحوال، فثمة عدة من العوامل تؤثر فيها، منها وجود أو عدم وجود حزب أو أحزاب ثورية لها قدر من النفوذ الجماهير وتطرح برنامجاً ثورياً قابلاً للتطبيق، منها شكل ومدى التهديد الذي تمثله الثورة المضادة في اللحظة الحالية، ومنها السياقات الإقليمية التي تجري فيها الثورات ومدى ما تمثله من خطر وتهديد يشعر به مواطنو البلد الذي تجري فيه الثورة.

لكن تبقى النتيجة أنه مع التراجع الجماهيري، تبدأ قوى الثورة المضادة في العودة لصدارة المشهد، في بعض الثورات حدث هذا في شكل تدخل عنيف عسكري من قبل الثورة المضادة، وفي بعضها حدث من خلال التخلص النخب الثورية المعزولة التي انفض عنها الجماهير المرهقة تدريجياً، وفي ثورات أخرى حدث هذا من قلب الحزب الثوري ذاته، الذي انفصل عن جماهيره وسيطرت عليها فئات وشرائح بيروقراطية.

لحظة الهزيمة؟

يسعى البعض لتحديد لحظة بعينها لتسميتها لحظة الهزيمة، لحظة تكون هي نقطة البداية لهذه الخبرة المروعة؛ الهزيمة. هذا السعي يرتبط بمنظور لا جدلي في التفكير، منظور معادٍ للماركسية، يسعى لتجريد لحظة بعينها والتعامل معها مستقلة بذاتها بلا مقدمات وبلا ممهدات، لتحميلها كل المسئولية.

هزيمة الثورة، أي انفضاض الجماهير عن الثورة، هو شيء حدث بشكل تدريجي، بالتأكيد تزايدت وتيرته بعد الإطاحة بالإخوان المسلمين، ومع بداية استخدام الإخوان للعنف في مواجهة الجماهير، واستخدام العسكريون لهذا العنف في الترويج لأنفسهم وكسب التعاطف والتأييد الشعبي الذي وصل لذروته في لحظة التفويض، ليبدءوا بعدها في تنفيذ مذابح للإخوان وحلفائهم، لتجد الجماهير نفسها بعد ذلك في دوامة من العنف والعنف المضاد تنسحب معها تدريجياً من المشهد الذي تجد نفسها عاجزة عن التعامل معه.

لكن في الحقيقة أن انفضاض الجماهير عن الثورة لم يبدأ بعد 30 يونيو، لكنه بدأ منذ الأيام التالية لتنحي مبارك في 11 فبراير، فالجماهير التي وجدت نفسها بلا تصور ثوري محدد ولا برنامج واضح للثورة، برنامج يحول الشعارات العامة الفضفاضة للثورة إلى شعارات يمكن النضال من أجل تنفيذها في الواقع، شعرت بالحيرة والعجز عن تحديد الطريق المناسب، خاصة في ظل الضغوط الاقتصادية والأمنية التي وجدت نفسها فيها. صحيح أنه في لحظات بعينها كانت قطاعات من الجماهير تندفع إلى معارك بعينها، لكن معظم هذه المعارك كانت رد فعل على هجمات من الثورة المضادة، ولم تكن ترفع شعارات واضحة لكيفية تغيير النظام.

غياب الحزب الثوري والبرنامج الثوري اللذان يحوزان على ثقة الجماهير، ويطرحان عليها الطريق الذي يجب إتباعه عند كل مرحلة مفصلية في المعركة، والشعارات التي يجب رفعها والنضال من أجلها في كل لحظة، أيضاً التكتيكات الخاطئة التي تبنتها معظم المجموعات الثورية، وتذيلت بها الأعداء الطبقيين في معظم الانعطافات الهامة للثورة، هما عاملان أساسيان في هزيمة الثورة، وهو شيء لم يحدث في لحظة بعينها في مسار الثورة، بل هو عيب شاب الثورة منذ لحظاتها الأولى، وتم إهدار كل الفرص لمعالجته في مسار الثورة.

ما حققته حركة الجماهير العفوية من مكاسب، وما انتزعته من تنازلات من قبل السلطة، كان أقصى ما يمكن لقوى جماهيرية عفوية أن تنتزعه. لم تتصدر الطبقة العاملة المشهد السياسي بعد كطبقة ذات مصالح سياسية تسعى لتحقيقها، ولم تأخذ زمام المبادرة السياسية بعد، ولم يكن يمكن لحركة الجماهير أن تستمر بهذا الشكل العفوي مع تعقد المشهد وتشابك خيوطه. السبيل الوحيد الذي كان سيمكن الحركة الجماهيرية من الاستمرار لفترة أطول، وصقل الوعي الطبقي السياسي للطبقة العاملة، هو وجود التنظيم الذي يطرح عليها السياسة الصحيحة، هذا التنظيم الذي نسعى لبنائه، كان يجب أن يبنى قبل الثورة أو في لحظات قوتها، وأصبحت فرص بنائه حالياً أقل.

هل تهزم الثورات؟

على ناحية أخرى، فإن الطرح الماركسي للثورات المهزومة يضع في الاعتبار عنصراً آخر، هو أن الثورات برغم الهزيمة لا تتوقف عن التقدم، فكما يقول تروتسكي في كتاب “الثورة المغدورة“: “من المعروف أن كل ثورة حتى الآن كانت تعقبها رجعية، بل حتى ثورة مضادة. تسلب الوطن الكثير من مكاسبه ولكنها لا تنجح في إعادته إلى نقطة انطلاقه الأولى“. فهزيمة الثورة لا تعني لحظة نهاية وتوقف تام للحركة الجماهيرية، فالتجارب الثورية، حتى وإن هزمت، وإن لم يعد يظهر على السطح سوى تراجع الجماهير وركودها، هي محطات لتحول في وعي وتفكير الجماهير، وتحمل إمكانية لبناء وتطوير الحركة من جديد والاستعداد لمرحلة جديدة، شرط أن تستخلص الأحزاب والمجموعات الثورية دروسها، وأن تدرك طبيعة أعدائها وتحالفاتهم.

يقول ماركس في بداية كتابه “الصراع الطبقي في فرنسا“:

“إن كل باب هام إلى هذا الحد أو ذاك من تاريخ الثورة في 1848 – 1849، باستثناء بعض الفصول، يحمل العنوان التالي: هزيمة الثورة!

ولكن ليست الثورة هي التي هلكت في هذه الهزائم. فقد هلكت بقايا التقاليد مما قبل الثورة، ونتائج العلاقات الاجتماعية التي لم تبلغ بعد من التأزم درجة التناقضات الطبقية الحادة، وهلكت الأشخاص، الأوهام، والتصورات، والمشاريع التي لم يتحرر منها حزب الثورة قبل ثورة شباط (فبراير)، والتي لم يكن من الممكن أن يحرره منها انتصار شباط، بل فقط جملة من الهزائم.

وبكلمة، سارت الثورة إلى الأمام وشقت الطريق لنفسها، لا بمكاسبها المضحكة المبكية المباشرة، بل، بالعكس، بكونها أدت إلى نشوء ثورة مضادة متراصة وقوية، أدت إلى ظهور عدو كان حزب الانقلاب يتحول في سياق النضال ضده بالذات إلى حزب ثوري حقاً.”

الوضع الحالي وخريطة القوى الطبقية والسياسية

برغم أن الثورة المصرية لم تستطع أن تجري تغيير حقيقي في طبيعة النظام، ولم تمس الطبقة الحاكمة في مصر، إلا أنها قد كشفت، عبر مسارها المعقد تحديداً، أوجه النظام المختلفة، كشفت الطبيعة الطبقية وإنحيازات الإخوان والتيارات المشابهة، كشفت زيف وتردي الليبرالية المصرية، وكشفت انتهازية وخيانة كثير من تيارات اليسار، كشفت كذب وحدود كثيرين ممن كانوا رموزاً للمعارضة ورافعي الشعارات الثورية أيام مبارك. أوجدت الثورة واقعاً جديداً ونقلة في وعي الجماهير، يمكن أن تم استثمارها بشكل صحيح، أن تكون قاعدة لإعادة انبعاث الحركة الجماهيرية من جديد على أسس جديدة في الوقت المناسب.

تسيطر حالياً المؤسسة العسكرية على السلطة بشكل مباشر، ببرنامج نيو ليبرالي لا هوادة فيه يستند إلى القمع والعنف المفرط تحت دعاوي مواجهة الإرهاب، يدعمها من القطاعات الأكبر في البورجوازية المصرية، وتهلل لها جوقة من الأحزاب؛ سواء التي كانت تدعي المعارضة في عهد مبارك، أو التي أنشأت من حطام وشظايا الحزب الوطني، وتقف في مواجهتها معارضة ضعيفة مترددة، تمثل ضعف وتردد البورجوازية الصغيرة والقطاعات الليبرالية في البورجوازية المتوسطة، لا تراهن على الجماهير ولا حركتها ولا تلتفت لها الجماهير، تمثل روافد ليبرالية وقومية ويسارية إصلاحية، تنتظر الفتات الذي يلقيه العسكريون من على مائدتهم.

ويبقى الإخوان الطرف الثاني للمشهد، المحتفظ بقدر كبير من قدرته التنظيمية، يتحركون بشعارات الشرعية ومواجهة الانقلاب العسكري، سعياً للضغط على مؤسسات الدولة، سعياً لتقليل خسارته واستعادة بعض من التماسك والاتزان الداخلي والشعبية الجماهيرية. هم الطرف الثاني للصراع، يقدمون للجماهير البديل الوحيد المطروح للسلطة الحالية، لكنها تظل سلطة نفس الطبقة.

هل الإخوان جزء من الطبقة الحاكمة

في إطار مواجهة الدولة وقمعها العنيف للإخوان، يطرح البعض تحليلات بخصوص الطبيعة الطبقية للإخوان المسلمين، ويرون أن هذا القمع دليل أن الإخوان ليسوا جزءً من الطبقة الحاكمة. وفي الحقيقة أن هذا الطرح يدل أولاً على قصور مفاهيمي لدى مطلقيه، حيث يعجزون عن التمييز بين مفهومي الطبقة والنظام. الطبقة هي تصنيف لمجموعات بشرية في المجتمع طبقاً لدورهم في عملية الإنتاج وعلاقاتهم بأدوات الإنتاج، تصنيف للمجموعات طبقاً لدورها في العملية الاقتصادية، بينما النظام هو السلطة السياسية التي تحكم المجتمع لصالح تلك الطبقة أو تلك.

لا تتماهى دائماً الطبقة الحاكمة والنظام، ولا يعبران عن الشيء ذاته في معظم الأحيان، فالنظام رغم أنه يعبر عن المصالح الموضوعية الكلية للطبقة الحاكمة، لكنه لا يعبر بالضرورة عن مصالح كل أجنحتها بشكل خاص، بمعنى أنه قد توجد أجنحة من الطبقة الحاكمة منبوذة من النظام أو تشكل معارضة لها، وقد تعاني مصالح هذه الأجنحة في ظل نظام بعينه من التضييق عليها، لكن هذا لا ينفي عن هذه الأجنحة انتمائها للطبقة الحاكمة.

وحالة الإخوان المسلمين حالة نموذجية في هذا السياق، لكنها ليست حالة وحيدة، فالإخوان المسلمون يمثلون جناح من الرأسمالية المصرية لكنه جناحاً رجعياً سواء على المستوى الأيديولوجي، أو على مستوى طبيعة نشاطه الرأسمالي الذي يتركز في أنشطة ريعية والسمسرة والمضاربات العقارية والاستيراد، لا في أنشطة إنتاجية صناعية أو زراعية أو تعدينية. يشكل الإخوان جناحاً مكروهاً من باقي الأجنحة، وخاصة الجناح الرئيسي؛ المؤسسة العسكرية، لكن هذا لم يغير من طبيعة الإخوان المسلمين ولا من برنامجهم. بالمثل هناك حالة السلفيين الذين يمثلون جناحاً رجعياً آخر من الرأسمالية المصرية، لكنه مدمج في النظام الحالي، وهناك أيضاً قطاعات من البورجوازية الليبرالية في عهد مبارك والتي كانت معارضة للنظام وتتعرض لبعض التضييق، لكن هذا لم ينفِ كونها من الطبقة الحاكمة.

يحاول البعض تعزيز طرحهم أن الإخوان ليسوا جزءً من الطبقة الحاكمة بحجتين رئيسيتين، أن الإخوان جماعة إصلاحية، وأن جمهور الجماعة يضم أعداداً كبيرة من البورجوازية الصغيرة بل وقطاعات من الطبقة العاملة والفلاحين.

هذه الحجج تظهر أزمات أعمق في هذا التحليل، فعلى أي أساس يتم التصنيف السياسي لأي جماعة سياسية؟ هل يتم بناءً على ما تقوله الجماعة عن نفسها؟ أنم يتم بناء على تركيب جمهور هذه الجماعة الطبقي؟

التصنيف السياسي لأي جماعة سياسية يتم بناءً على المصالح السياسية التي تمثلها هذه الجماعة في الواقع، وهو ما يظهر في البرنامج السياسي الذي تطرحه وفي سعيها لوضعه في موضع التطبيق. وبرنامج جماعة الإخوان المسلمين لا يحمل من الإصلاحات سوى توصيف الجماعة لنفسها إنها جماعة إصلاحية، لكنه برنامج اقتصادي نيوليبرالي شديد اليمينية، وبرنامج رجعي فيما يخص الحقوق والحريات سواء لكل المواطنين أو للأقليات الدينية. وفي موضع التطبيق، سواء كان الإخوان الأغلبية البرلمانية، أو كان منهم رئيس الجمهورية، لم يطرح إجراء إصلاحي واحد موضوع التطبيق، بل حافظ الإخوان على أدوات القمع ومؤسسات الدولة القديمة كما هي، وكل ما كانوا يقصدونه بالإصلاحات هو إحلال مقربين من الجماعة محل رجال مبارك، مع استمرار نفس السياسات.

أما بخصوص التركيب الطبقي للجمهور، فلا يعكس سوى مدى انتشار وهيمنة الخطاب، ولا يعكس تقييماً سياسياً للخطاب نفسه، ففي سياقات تاريخية بعينها، يمكن أن يسيطر خطاب يمثل جناح من أجنحة الطبقة الحاكمة على جماهير من الطبقات المضطهدة، يحدث هذا في اللحظات العادية حين يسيطر خطاب الدولة على أغلبية الجماهير، ويحدث في لحظات الانتفاضات الثورية، عندما تجذب أحزاب بورجوازية كبيرة قطاعات واسعة من الجماهير خلفها خاصة في ظل غياب أحزاب عمالية ثورية.

أيضاً عرف التاريخ نماذج مثل الفاشية، والتي كانت موضوعياً في خدمة البورجوازية الكبيرة ومصالح كبار الرأسماليين، لكن ضمت في بينية حركتها – وليس فقط كجمهور – تنويعات كثيرة من البورجوازية الصغيرة بل وقطاعات من الطبقة العاملة في ألمانيا وإيطاليا، هذه المجموعات لم تتبع فقط برنامج قيادتها بل كانت مقتنعة بأنه السبيل الوحيد لحل أزماتها رغم أنه معادٍ لها موضوعياً. ويمكن تطبيق هذا المثل أيضاً على الحجة التي تثار أحياناً بأن مصالح قواعد الجماعة مختلفة عن مصالح قياداتها.

إذن يظل الإخوان المسلمين برغم القمع، وبرغم هيمنة خطابهم على قطاع كبير من الطبقات المضطهدة، جزءً من الطبقة الحاكمة، وممثلي مصالح أحد أجنحتها. وأي محاولة لكسب قطاعات من جمهورهم أو من قواعدهم لا يمكن أن تتم إلا من خلال حركة اجتماعية جماهيرية قوية، تعمل بشكل متمايز ومستقل عن الإخوان وحركتهم.

شرط الجماهير الحالي للانتفاض الثوري

طالما بقى الإخوان في نظر الجماهير الطرف المعارض الحقيقي، الذي يشكل خطراً حقيقياً على النظام، ولم يظهر في أعينها بديلاً للسيسي ونظامه إلا عودة الإخوان المسلمين، تظل أي محاولة لدفع الجماهير للانتفاض ضد نظام السيسي محكوماً عليها بالفشل.

لدى الجماهير الاستعداد لأن تناضل وتخوض المعارك، وهو ما يظهر في استمرار التحركات العمالية والاجتماعية برغم القمع الشديد، شريطة أن تعرف لماذا تناضل وألا يقودها هذا النضال إلى المجهول، أو يلقي بها من جديد إلى أعدائها.

مرة أخرى عن اختيار الشعارات

يعود بنا هذا مرة أخرى للحديث حول اختيار الشعارات وتحديد الأهداف السياسية، ونكتفي هنا بأن نقتبس جزءً من مقال سابق بعنوان ” الثورة بعد منعطف 30 يونيو.. أزمة الشعار والتكتيكات” والذي كتب منذ ما يقرب من العامين:

“إذن فالجماهير تكتشف العدو وطريقة إسقاطه تدريجياً خلال المعركة، ولا تحتاج الجماهير ولن تقبل من طليعتها الثورية في قلب هذه المعركة أن تقدم لها الوعي عن طريق الوعظ، لكن ما تحتاجه الجماهير في الحقيقة هو أن تبلور هذه الطليعة – المغروسة في قلب نضال الجماهير اليومي – في كل لحظة مطالب الحركة الجماهيرية في أهداف وشعارات واضحة، تجعل النضال ممكناً وواقعياً في نظر الجماهير وفي نفس الوقت تفتح أفقاً لتطور النضال والوعي لدرجة أعلى، أو كما يقول لوكاتش عن مفهوم لينين للحزب الثوري “حزب البروليتاريا القائد لا يستطيع أن يؤدي رسالته حقاً إلا إذا سبق دائما بخطوة واحدة الجماهير المناضلة ليدلها على الطريق. بيد أن عليه ألا يسبقها دوماً سوى بخطوة واحدة حتى يبقى دوماً على رأس كفاح الجماهير“، أي أن الطليعة لا يجب أن تطرح شعارات تتجاوز وعي الجماهير بخطوات كبيرة، فتنفصل عن الجماهير وحركاتها، وتصبح شعاراتها غير منطقية أو مقبولة من قبل الجماهير، ولا يجب أن تطرح شعارات متأخرة بشدة عن وعي الجماهير فتتجاوزها الحركة الجماهيرية وتبحث عن قيادة جديدة.

لهذا يمثل اختيار المجموعات الثورية لشعاراتها التكتيكية أهمية بالغة، خاصة للحفاظ على هذا التوازن، الذي يسمح للمجموعات الثورية أن تكون في قيادة الحركة الجماهيرية فعلاً فلا تنفصل عن الحركة وتسبق الجماهير بتغريد منفرد ولا تتجاوزها الحركة وشعاراتها. لا يعني هذا بالطبع أن تسلك المجموعات الثورية سلوكاً انتهازياً وتخفي أهدافها البعيدة عن الجماهير مكتفية بطرح أهدافها الآنية، لكن يعني أن تجتهد المجموعات الثورية لترجمة هذه الأهداف البعيدة في كل لحظة وكل منعطف ثوري في شعارات قابلة للتحقيق ويمكن أن تتبناها الجماهير في هذه اللحظة، وتمثل خطوة في طريق الهدف البعيد عند تحقيقها. وهو ما ظهر في الخبرة التاريخية للبلاشفة في روسيا خلال ثورة 1917؛ فتطورت شعاراتهم التكتيكية بتطور الثورة والحركة الجماهيرية، من “كل السلطة للجمعية التأسيسية المنتخبة” إلى “كل السلطة للسوفيتات“، وفي قلب هذا كله كان يتم تلخيص تصورهم للمجتمع الاشتراكي في شعار “الأرض والخبز والسلام“؛ الأرض للفلاحين الذين يزرعونها ليمتلكوها، والخبز للجماهير التي تعاني من جراء الأزمة الاقتصادية، والسلام للجنود بالخروج من الحرب الإمبريالية التي ورط القيصر روسيا فيها واستمرت فيها الحكومة المؤقتة.

بكلمة أخرى؛ ليس شعاراً ثورياً هو ذاك الشعار الذي لا يجذب خلفه أغلبية الجماهير لتتبناه وتحارب من أجله، فإن كان الشعار صحيحاً على المستوى الاستراتيجي، لكن لم يتحول لشعار لأغلبية الحركة الجماهيرية بأقسامها النشطة والمتقدمة، وبقى شعاراً تحمله المجموعات الثورية فقط دون غيرها، فسيصبح شعاراً غير ملائم على المستوى التكتيكي، ولن يساهم في تقدم الثورة أو تطور وتراكم الوعي لدى الجماهير، بل يمكن أن يؤدي إلى عزلة المجموعات الثورية وتضاؤل نفوذها، لن يصبح أكثر من شعاراً تطهرياً يرفعه الثوريون إرضاءً للضمير.”

ماذا نفعل؟ لازلنا بدون بدائل

مازالت المهمة المطروحة على عاتق الثوريين، هي صياغة البديل، في كل لحظة ومع زيادة حدة الاستقطاب والعنف تصبح المهمة أكثر صعوبة، لكنها تصبح أيضاً أكثر ضرورة وأهمية؛ صياغة بديل للجماهير لا يتذيل أي من طرفي الصراع؛ طرفي الثورة المضادة، بديل يعلن بوضوح رفضه للدولة وقمعها وعنفها ورفضه للإخوان المسلمين الذين يمثلون الوجه الآخر للعملة، بديل يستعد لخوض مسار طويل من المعارك الصغيرة والمحلية بين الجماهير ليبني قواعد جماهيرية حقيقية ويكسب الجماهير لصفوفه ليستند عليها استعداداً للمعارك الكبيرة في مواجهة أعدائها.

Advertisements

مناقشة

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

حمل العدد الأخير من نشرة الثوري

آخر اصداراتنا

أنت الزائر رقم

  • 69,389

%d مدونون معجبون بهذه: