مقالات صديقة

في نقد فانتازيا الممارسة الثورية


سعيد العليمى

المصدر: الحوار المتمدن العدد: 48582015 / 7 / 600:09
المحور: الثورات والانتفاضات الجماهيرية

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=475094

كتب هذا المقال في أوائل شهر مايو / أيار وتأخر صدوره لأسباب خارجة عن إرادة الكاتب.

حين تهيمن الثورة المضادة وتسعى لمصادرة أدوات الصراع الطبقي لصالحها في مجالات الحياة السياسية والنقابية على تباينها فارضة قبضتها الحديدية على المجتمع، تجد قطاعات من البورجوازية الصغيرة تتكيف بجبن مع أوضاع سادة السلطة الجدد، فتلتحق ببطانتهم وتمتدح سياستهم وتمعن في التبرؤ من كل ما يشي بأن كان لها ماض ثوري محاولة أن تنساه، وتخضع تكتيكاتها أي أشكال تنظيمها وأساليب عملها لإكراهات الرجعية الزاحفة، وتسعى في ذات الوقت لمحو ذكرى الثورة من أفئدة الشعب وتيئيسه، ولا تهدف بطبيعة الحال لتهيئة نهوض جديد، وقد كان هؤلاء ممن تركوا “الميدان الثوري” منذ اللحظات الأولى، فبدلاً من تطوير وتنظيم انتفاضات الثورة الجارية آنذاك ساروا في ذيل التعديلات الدستورية والانتخابات الرئاسية والبرلمانية، فأسهموا في إجهاضها، ولطالما حاولوا أن ينشدوا مراثيها الجنائزية أثناء حياتها وقبل استتارها الفعلي. هؤلاء “الإمكانيون” أنكروا أي برنامج أو تكتيك ثوري وطمسوا الأهداف الاشتراكية والديموقراطية الجذرية، وحصروا النضال في “فن الممكن“.

لقد صفيت موجة ثورية – ورغم ذلك عاشت الثورة! فما دام هناك ثوريون مصممون ذوى عزم وشروط موضوعية ملائمة فهناك ثورة ممكنة. ومهما استكان الشعب وخضع في لحظات عارضة لأمزجة “الأمن والاستقرار” فلا يمكن لأي قوة أن تزيل أثر التطورات النفسية الراديكالية التي حدثت زمن الثورة. (لحظة تحرر حققناه ويمكننا استعادته – وانتظروا يناير آخر!).

وكرد فعل على الاتجاه اليميني السابق وفى شروط الجزر الراهن تشكل رد فعل “يساري” ينكر وجود جزر أصلاً ويرى أن الثورة “كامنة” في مكان شعبي ما، وهي لم تكف عن الوجود، وأن هناك شيئاً ميتافيزيقياً يسمى “الوعي الجمعي” مدرك لمهام الثورة وأوضاعها، يعد عدته وأدواته، واعياً أن صداماته المقبلة ستكون مع قوة القمع الأولى: أي المؤسسة العسكرية، وهذا هو سبب سكونه الحالي الظاهر! كما يبرهن على مقولاته بامتناع كثير من الناخبين عن التصويت في الانتخابات الرئاسية الأخيرة التي جرت وفاز فيها الرئيس السيسي، فضلاً عن تواصل الإضرابات الاقتصادية العمالية، وانحسار شعبية الأخير، وتنامي السخط العام. الأمر الذي يضع التكتيك “الهجومي” في المقدمة.

كان هذا الاتجاه اليساري قد دعا لـ”إضراب عام” في ذكرى الثورة في يناير هذا العام، ويدعوا العمال الآن لإضراب عام عمالي جماهيري يلتف حول مطلب حد أدنى للأجور ومطالب أخرى، وسبق له أن دعا الشعب المصري إلى “الزحف إلى الحبشة” و”تدمير سد النهضة”!!، وقام ببعض الوقفات الاحتجاجية الرمزية إحداها في ذكرى الأربعين لرحيل المناضلة شيماء الصباغ في مكان اغتيالها (سبقتها في نفس المكان وقفة اقتصرت على مناضلات ثوريات) وقد صادفت هذه الوقفة يوم تعيين وزير الداخلية الجديد وجدي عبد الغفار وإقالة محمد إبراهيم، فاستفادت من التغيير الوزاري المفاجئ والتشهير العالمي الذي تم بالفعل الإجرامي، وأمام نقابة الصحفيين وسفارة الحبشة، وكوبري قصر النيل دفاعاً عن الحصة المصرية في نهر النيل، وأمام السفارة السعودية شجباً للتدخل السعودي المصري في اليمن، ودعا في أول مايو الحالي في ذكرى عيد العمال العالمي عمال المصانع المضربين، وغيرهم للتجمع في ميدان طلعت حرب من أجل ” بحث سبل إدارة وتصعيد المعركة ضد عصابة النظام ورأس المال“، وحث على كسر قانون التظاهر القمعي متحدياً السلطة، والأحزاب السياسية الشرعية معاً واستنكر فعل من يطلب تصريحاً معلناً أن فعالياته تتم بدونه، وأنه مستعد لمواجهة الرصاص. فهل استجابت قطاعات من الشعب، أو عناصر طليعية من الطبقة العاملة لأي من هذه النداءات المذكورة عاليه أم أن الدعاة لم يسمعوا سوى صدى شعاراتهم ولم يروا غير صورهم لأنهم تجاهلوا أن الحرية هي فهم الضرورة؟!

لقد هاجمت بعض الصحف المغمورة الصفراء تحركات هذا الاتجاه اليساري من مواقع يمينية سلطوية وخليجية وأمنية وحاولت تشويهه من خلال افتراءات كاذبة بأنه صناعة بوليسية مخابراتية أو إخوانية. والحال أن أبرز من فيه هم مناضلون شيوعيون معروفون بمواقفهم الثورية على مدى كامل الأعوام الأخيرة ولا يصدق فيهم ما وصفوا به بحال. وهم ينتمون لمعسكر الثورة أياً ما كان اختلاف تقديرنا معهم حول طبيعة الوضع الراهن وتكتيكاتنا إزاءه الأمر الذي يتعين أن نتجادل حوله بروح رفاقية. إلا أن علينا أن نحاول تبديد وهم بعضهم سريعاً ممن اعتقدوا أنهم استطاعوا فرض أنفسهم، وانتزعوا وهم يعدون على الأصابع حق التظاهر الذي لم يتطلب سوى جسارتهم. فمن ناحية قامت الشرطة كعادتها بتصوير الوقفات، وسجلت الشعارات، وعملت قائمة بالأسماء مما يمكنها في أي وقت من توجيه الاتهامات لهؤلاء المناضلين. من ناحية أخرى، وهذا لا علاقة له بمقاصدهم ونواياهم الثورية التي لا يرقى إليها الشك، يمكن أن يلعبوا دور “عش النمل” أو “مصيدة” للشباب المتململ من مظاهر هيمنة الثورة المضادة فيقدم البعض منهم تضحيات مجانية في مشاهد ثورية مغامرة معزولة جماهيرياً، بل ويمكن دفع بعضهم لمواقف لا يرغبونها من خلال “عملاء الشرطة الاستفزازيين” الذين تتقوم مهمتهم في اختراق مثل هذه الاتجاهات، وتحريض عناصرها على القيام بأفعال تبرر القمع البوليسي ضدهم. من جانب آخر يحتمل أن سلطة الدولة قد “تواطأت” مع بعض هذه الوقفات (خاصة التي جرت حول سد النهضة والتدخل في اليمن) على رمزيتها العددية تاركة إياها تعزيزا لـ”وضعها التفاوضي” مع بعض الأطراف المعنية. لقد حدا التفاخر والغرور البعض من صغارهم إلى الاعتقاد بأنهم فرضوا إرادتهم على السلطة فرضاً، ولا يتطلب الأمر لكسر قانون التظاهر سوى الجسارة الذاتية لحفنة معدودة – ناقدين من يحتجون من الأحزاب الرسمية في “الغرف المغلقة” – ، لكن لم تفلح هذه الجسارة نفسها في فرض الاحتفال بعيد العمال في أول مايو في ميدان طلعت حرب حين احتلته قوات الأمن، فقنعوا بالوقوف احتجاجا أمام نقابة الصحفيين وحسناً فعلوا. والحقيقة أن أي قانون قمعي مثل قانون التظاهر يمكن أن يتحول إلى قصاصة من ورق حين تدوسه الملايين والآلاف لا العشرات ولا ما هو أقل من العشرات.

ويتوجب علينا أن نقول في هذا الصدد أن تعميق التقاليد الثورية وكسر حواجز الخوف وسط “اليسار” المصري، الذي تهيمن عليه بصورة أساسية الاتجاهات اليمينية الذيلية، ضرورة لازمة، حيث أن الأعوام الماضية قد برهنت على أن أبسط المطالب الإصلاحية – التي جرى التراجع عنها – قد اقتضت نضالاً ثورياً وضغوطاً لتحقيقها، وفى وسط سفالات الثورة المضادة بشرطتها وإعلامييها ومواقفها إزاء ثورة 25 يناير يتعين على كل ثوري أن يحرص على تعريف الشعب وطبقاته الكادحة بتلك الأعوام الثورية الحافلة بالحياة وبمغزاها الفعلي، الغنية بدلالاتها ومضامينها، والعظيمة في أهميتها وعواقبها ودروسها فيما يخص المستقبل. غير أن هذا أمر يختلف عن تصور أنه من الممكن طرح نداءات وشعارات إرادية – ذاتية لا تعكس إلا رغبة أصحابها بدون مراعاة موازين القوى. فلا يمكن القفز على واقع الأيام الخاملة بركودها وهمودها بدعوات لفظية لا تتبناها قوة مادية جماهيرية للنضال الجريء السافر الحازم الذي لا يستجيب له أحد، ولن نعيد بعث الثورة من رقدتها بوقائعها النضالية بهذه الطريقة التصورية أي باختلاقها وإعادة مسرحتها. وستظل مثل هذه الدعوات والشعارات صراخاً في البرية، لا صدى لها ما لم تراعِ موازين القوى حسب ما تطرحه، وتجد حاملاً مادياً يحققها في الواقع، ولعل من الضروري التذكير بتلك القاعدة اللينينية التي تقول بأن استجابة الجمهور لندائك الثوري يعنى صوابه واتفاقه مع مزاجها النفسي إذا ما حفزها للتحرك.

لكن الاعتقاد بأننا يجب أن نطرح على الطبقة العاملة في كل وقت مسألة الإضراب العام، بغض النظر عن واقع حركتها الفعلي والمزاج السائد فيها، ومدى تماسك بعض قطاعاتها الواقعي وموازين القوى (وهذه هي الشروط الأولية)، فضلاً عن غياب أي قيادة ثورية (بل حتى عمالية) منهجية منظمة، تتيح لها انجاز ذلك، هو أمر خاطئ كلية، ولا علاقة له بالفهم الماركسي للتكتيك. وليدرس من يرغب في أن يكون ماركسياً جاداً مدى ارتباط التكتيكات اللينينية مثلاً بالظروف التي طرحت فيها، بل وتغييرها الفوري عند تبدل موازين القوى. لم يكن لينين ليستنكف الدعوة لاستغلال أي وسيلة نضالية بدءً من العريضة حتى الانتفاضة المسلحة مروراً بالبرلمان الرجعي شرط أن تتلاءم مع الوضع المعنى وموازين القوى، ولم يهدف إلى الصعود في أي وقت للطابق العاشر دون أن يرتقى الدرج الموصل إليه، أي بخطة بناء تنظيمية سياسية تعين الخطوات الملموسة وتحققها في الواقع، ولم يطلق أبداً شعارات إلا ارتباطاً بقوة اجتماعية تحققها، فلم يدعُ إلى انتفاضة مسلحة فورية مباشرة حين لم يكن في الوسع سوى طباعة وتوزيع منشور، ولم يدعُ العمال للإضراب حين كان الرأسماليون يغلقون المصانع، ولم يدعُ لمواصلة الحرب ضد ألمانيا “دفاعاً عن الوطن” حين كان الجنود يسقطون من الإعياء. وقبلها وقف ماركس عقب هزيمة ثورات 1848 ضد اليساريين الذين توهموا إمكان اختلاق أوضاع ثورية عن طريق “استحضارها” من خيالات الماضي، وصورهم بشكل لاذع في كراسه “رجال المنفى العظام“، كما وقف ضد العمال الداعين لانتفاضة الكومونة عام 1871 ورآها دعوة سابقة لأوانها، بل وفعلاً مغامراً، ولم ينظر إليها مسبقاً كممارسة “تجريبية” يحبذها حتى يتدرب العمال ويجربوا فيها أنفسهم، ويتبينوا منها النواقص والأخطاء، كما اعتقد أحد الرفاق من هذا الاتجاه اليساري.

نحن لا نستعيد واقع الأيام الثورية بتعاويذ تستحضرها، ولا بإعادة مسرحتها واستنساخ ما فعلناه قبلاً. لقد اعتبر بعض هؤلاء الرفاق على الضد من التراث الماركسي اللينيني أن مقومات الوضع الثوري التي عينها الأسلاف الثوريون ماركس وإنجلز ولينين وتروتسكي وعرفوها بوصفها “ماهية الوضع الثوري“، وبرهنت على صوابها التجربة التاريخية للثورات بأنها “وصفات قديمة” لا تنطبق على طبيعة الأوضاع المصرية دون أن يجشموا أنفسهم عناء مناقشتها بجدية! بل وبلغ ببعضهم الاستخفاف حد التهكم على المقدمات الممهدة للوضع الثوري عند تمييزها عن الوضع الثوري ذاته.

ربما كان من المفيد أن نسترجع هنا ما كتبه علي أحمد شريف في مقال معنون: “تعويذة الثورة.. حول دعوات التظاهر والإضراب العام في الذكرى الرابعة لـ 25 يناير” – بصدد الوضع الثوري – الحوار المتمدن – اليسار الثوري :

1. مرة أخرى في ماهية الوضع الثوري

هناك مناضلون ونشطاء يخلطون بين الممهدات الاقتصادية الاجتماعية للوضع الثوري، والوضع الثوري ذاته، فالأخير لا يكتمل إلا بوجود الشرط الذاتي أي الحزب الشيوعي المرتبط بطليعة عمالية ثورية. ومفاد ذلك أن العامل المحدد يقرن بين الاجتماعي والسياسي الذي يتعين بالوعي الطبقي السياسي، وخاصة الطبقة العاملة وحزبها. وواحدة من علاماته المميزة أن تبدأ الطبقة العاملة، أو على الأقل الفصيل الطليعي منها في جذب بقيتها مع حلفائها الطبقيين للبحث عن مخرج، ليس من داخل النظام القائم بطرح مطالب اقتصادية عمالية خاصة بهذا القطاع أو ذاك، وما إلى ذلك، وإنما بالخروج عليه، وعلى أسسه وصولاً للانتفاض ضده. أضف إلى ذلك تململ البورجوازية الصغيرة وفقدها الثقة في أحزابها التقليدية ونزوعها لتغيير ثوري راديكالي، فضلاً عن شيوع اليأس داخل الطبقة الحاكمة وشعورها بأنها لا تستطيع إنقاذ نظامها (راجع: “ماهية الوضع الثوري“، ل. تروتسكي).

ويسود في أوساط المناضلين، والنشطاء تفسير “شعبوي” يرى أن الممهدات الاقتصادية الاجتماعية وواقع الأزمة الطاحنة المحتدمة الشاملة سوف يقود لانفجار شعبي مما سيؤدى لتغيير ثوري يحقق الأهداف المتواضعة لثورة يناير، ولا يدرك هؤلاء أن النقطة التي وصلنا إليها بتجريد الثورة من أسلحتها السياسية التي كسبتها على أرض المعارك المكشوفة، وبالالتفاف على كل مطالبها تقريباً، وعدم قدرتها على تحقيق انتصار راسخ، وبالأحرى عدم قدرتها على رد الاعتداءات عليها يعود في أحد أهم جوانبه إلى تلقائية وعفوية الثورة، وهو نتاج تاريخي طبيعي أدت إليه ظروف موضوعية وذاتية تتعلق بوضع الطبقة العاملة، واليسار الشيوعي، والعولمة الإمبريالية، وأزمة القيادة الثورية على الصعيد العالمي الخ..، إن الجسر الذي يصل بين الممهدات الاقتصادية الاجتماعية، والاستجابة النفسية لم نعبره بعد، والمطلوب إحداث تغييرات في موقف مختلف الطبقات المعنية إزاء الوضع الكارثي الذي نواجهه وخاصة تجاوز الطبقة العاملة لأوضاعها المعيقة، وتعيين أهداف وطرائق ثورية تنتهي بحيازتها للسلطة السياسية.

ولكن حسب لينين فلا اضطهاد الطبقات الدنيا، ولا الأزمة في أوساط الطبقات العليا يمكن أن تولد الثورة، وإنما قد يؤديان لتعفن البلاد ما لم تكن هناك طبقة ثورية قادرة على تحويل حالة الاضطهاد السلبي إلى حالة ايجابية حافزة للتمرد، والانتفاض النشيط. فالثورة مستحيلة دون وضع ثوري، “ولكن لا يؤدى كل وضع ثوري بالضرورة إلى الثورة. فلابد أن يترافق مع جميع التغيرات الموضوعية تغير ذاتي، أي استطاعة الطبقة الثورية القيام بأعمال جماهيرية ثورية لحد تصديع النظام القديم الذي لن يسقط أبداً حتى في فترة الأزمات إن لم تتجه للإطاحة به. وفى كل الأحوال .. لا يمكن “صنع” الثورة، فالثورات تنشأ من الأزمات والانعطافات التاريخية التي نضجت موضوعياً (بصرف النظر عن إرادة الأحزاب والطبقات)، وأن الجماهير بدون تنظيم تكون محرومة من قوة الإرادة، وأن النضال ضد المنظمة العسكرية والإرهابية القوية للدول الممركزة، أمر صعب وطويل النفس” (لينين، “إفلاس الأممية الثانية“).

….

إن ما ينبغي أن نؤكد عليه هنا أن المقدمات الموضوعية الاجتماعية والاقتصادية للوضع الثوري مازالت قائمة، وتضيف إليه وتعمقه السياسات النيو ليبرالية الاقتصادية التي اتخذت، وتتخذ، وسوف تتخذ من قبل الرئيس الجديد وحكومته. غير أن ما تنطوي عليه هذه السياسات أيضا هو الاستماتة التي تبديها سلطة الثورة المضادة في محاولات تقويض عناصر ومقومات بناء الشرط الذاتي الذي يكتمل به الوضع الثوري (راجع التشريعات القمعية عاليه ومساعي السيطرة الشاملة على الحياة السياسية)، وهو ما يرتبط بوعي الطبقة الثورية أي الطبقة العاملة وحلفها الطبقي، وخاصة حينما تبدأ في “إيجاد حلول خارج النظام القائم” وتنتقل من أرض الصراع الاقتصادي المحض، إلى الصراع الطبقي الشامل الذي يضع هدفه الرئيسي الاستيلاء على السلطة السياسية، وتبدى استعداداً للموت من أجل تغيير ظروف حياتها (سوف تتطور مواقفها حتماً بيد أن هذه المواقف غير قائمة اليوم).”

2. تفاقم الأزمة الاقتصادية و”ميكانيكية” تثوير الطبقة العاملة

يتحدث بعض رموز هذا الاتجاه اليساري عن “حدة الأزمة الثورية” و”الطابع الاجتماعي العمالي للثورة العظيمة” و”عدم وجود مخرج رأسمالي من الأزمة الاقتصادية والثورية” وأن “الغضب العمالي المصري يختلف عن أية غضب عمالي آخر في شيء واحد وخطير: الثورة مستمرة“، وفي كل الأحوال ترادف عند رموز هذا الاتجاه الإضرابات الاقتصادية العمالية المطلبية العفوية التي لا تسترشد بأية فكرة سياسية ثورية ماركسية “الثورة“؟! (بدون تساؤل عن أين بلغ نضالها السياسي؟) الأمر الذي يناقض الواقع وكامل التراث الثوري الماركسي ويتغاضى عن تناقضات التطور الثوري للبروليتاريا. فهل هذه الأفكار التي تربط بشكل آلي بين تفاقم الأزمة الاقتصادية، والإضرابات العمالية الاقتصادية غير السياسية، وبين الأزمة الثورية، وتجاوز النظام القائم هي أفكار جديدة؛ وهل يدلل هؤلاء الرفاق أو يبرهنوا على أفكارهم بمقارنة تاريخ بلدان مختلفة، وموجاتها الإضرابية، وبدراسة عينية ملموسة للقطاعات الاقتصادية التي نشبت فيها عندنا (صناعة ثقيلة – خفيفة – خدمات – فلاحية – بورجوازية صغيرة) ولمطالبها اقتصادية، أم سياسية، وفي أي نوع من الصناعات أو المنشآت ظهرت، وما هو طابعها هجومياً أم دفاعياً؟ الواقع إنهم لا يقارنون علمياً بين “إضراباتنا” وأية إضرابات أخرى، ولا يدللون على أطروحاتهم، ولا يضعون حججاً جديدة تناقض ما هو معروف ومستقر عليه في الأدب الماركسي. فأزمات الرأسمالية دورية كانت أم بنيوية بتناقضاتها رافقت النظام الرأسمالي منذ نشأته وحتى الوقت الراهن، ولم يزعم أي من مفكري الماركسية، واقتصادييها إن هذه الأزمات ستقضى على النظام بذاتها، أو أن هناك أزمة يستحيل على الرأسمالية أن تتجاوزها أو أنها تدل بالضرورة على حتمية الثورة وقربها.

ولا يكفى أن يقال لنا أن “الغضب العمالي المصري يختلف عن أية غضب عمالي آخر” فالطبقة العاملة “إما سياسية وإما لا شيء” على حد تعبير ماركس في العائلة المقدسة. ولقد كرس لينين قسماً من أعماله النظرية السياسية لنقد النزعة الاقتصادية العفوية وبيان حدودها فهي جنين الوعي الطبقي فقط وليست وعياً طبقياً ولا ثورياً بعد. والملاحظ على الإضرابات الاقتصادية في مصر أن أعلى ذراها كان تغيير رئيس / أو مجلس إدارة وإعادة تشغيل المصانع المغلقة / دفع الأجور المتأخرة / الحوافز والتثبيت / زيادة الأجور لارتفاع الأسعار، والوجبة وما شابه، أي أنها بالأساس إضرابات دفاعية ضد تدهور الأوضاع القطاعية أو المصنعية، وليست التفافاً طبقياً حتى حول مطلب جامع مثل الحد الأدنى للأجور مثلاً. ليس ذلك فحسب بل إن الطبقة العاملة المصرية في مجملها لا تملك نقابات مستقلة عن سلطة الحكومة تدافع عن مطالبها وتعبر عن مصالحها، وقد فرضت عليها تشريعات عمالية ونقابية تضيرها ولم تتمكن من تغييرها، أضف إلى ذلك أن كافة التشريعات القمعية الصادرة في العامين الأخيرين قد زادت من قيودها، وبلغ بعضها حد اعتبار الإضراب العمالي إرهاباً.

ومن الكاشف لحقيقة الأوضاع أن تحتفل السلطة بعيد العمال الأخير في أكاديمية الشرطة، وألا يستجيب عامل واحد لنداء الثوريين للاحتفال به في ميدان طلعت حرب. وأن يتبرع رئيس اتحاد العمال الأصفر حتى ولو لفظياً بالتنازل عن حق العمال في الإضراب، ويعلن أن العمال لا مطالب لهم. ناهيك عن صدور حكم المحكمة الإدارية العليا باعتبار الإضراب جريمة جنائية مخالفة للشريعة الإسلامية. ماذا فعلت الطبقة العاملة أو بعض قطاعاتها احتجاجاً على هجوم السلطة الطبقية المتواصل عليها كطبقة ؟ هل فرضت الإضرابات الدفاعية “رعباً استثنائياً على الجنرال” كما بشرنا أحد الرفاق؟!

في واحد من كتاباته الهامة (الحركة الشيوعية بفرنسا 1919 – 1939) وفى مقال معنون : “نصوص حول تجذر الجماهير[1] عرض ليون تروتسكي لوجهة نظره النقدية في مقولة كانت سائدة وسط الحركة الشيوعية العالمية آنذاك حول “تجذر” الجماهير، وهى مقولة رأت أن تأزم النظام الرأسمالي اقتصادياً، وتفاقم استغلاله للجماهير، وتزايد معدلات الإفقار يؤدى بشكل حتمي إلى تعميق الوعي الثوري. وقد اعتبر تروتسكي أن التجذر بهذا المعنى هو “خاصية لحالة الجماهير“، وتقرير وجوده من عدمه هي مسألة واقع يخضع للتقدير، ويتطلب تقييمه جدياً استخدام معايير صائبة والبرهنة عليه بالوقائع لا الاستنتاجات. ورأى أن للتجذر علامات وسمات وأنه لا يكفي الحديث عن تنامي الإضرابات وتقديم أرقام بعددها دون تحليلها وتصنيفها ومقارنتها ببعضها في أزمنة مختلفة. ورفض الحديث عن “تجذر الجماهير كصيرورة مستمرة” تتولد آليا وهو ما يعنى الاعتقاد بأن ثورية الجماهير اليوم أكثر من أمس وثوريتها غداً ستكون أكثر من اليوم. واعتبر أن هذه الطريقة الميكانيكية في تصور الأمر لا تعكس السيرورة الفعلية لتطور البروليتاريا، والمجتمع الرأسمالي برمته. وأكد على أن تطور البروليتاريا منظوراً إليه من زاوية كامل الحقبة برمتها يجرى في اتجاه الثورة. لكنه ليس بالضرورة سيرورة أفقية تصاعدية شأنه في ذلك شأن السيرورة الموضوعية لتفاقم تناقضات الرأسمالية. وشدد على ضرورة أن يري الماركسي خط السيرورة في مجمله وفى كل منحنياته الظرفية، الصاعدة منها والهابطة دون أن يتغاضى ولو للحظة عن الاتجاه الأساسي المؤدى إلى الانفجارات الثورية.

كتب تروتسكي “لا تتبدل بتاتاً مشاعر البروليتاريا السياسية على نحو آلي في نفس الاتجاه الواحد. فحركات صعود صراع الطبقات تعقبها حركات انحدار. ويحل التراجع مكان المد حسب تركيب بالغ التعقيد للشروط المادية والأيديولوجية الداخلية والخارجية. وإذا لم يستعمل نشاط الجماهير في اللحظة المطلوبة، أو جرى استعماله على نحو خاطئ، فإنه يؤدى إلى نتيجة عكسية وينتهي بمرحلة انحدار لن تنهض منها الجماهير إلا بسرعة أو بطء متفاوتين، ومرة أخرى بفعل اندفاعات موضوعية جديدة. تتسم حقبتنا بتغيرات بالغة العنف وبمنعطفات في الوضع جد مفاجئة وهى بذلك تفرض من جهة توجيهاً صائباً، وواجبات استثنائية على القيادات“.

طوال الأعوام الأربع الماضية ومع تباين الظروف الموضوعية والذاتية اكتسي نشاط الحركة الجماهيرية مظاهر شديدة التباين في أشكال التنظيم وأساليب العمل، من النضال الاقتصادي والسياسي المكشوف، ومن السير في أوهام الطريق البرلماني، والنضال خارج البرلمان. والحال أن رفاقنا في هذا الاتجاه اليساري يرون العملية الثورية ماثلة في حركة الإضرابات الاقتصادية الجارية ويعتقدون أنها كافية لتوليد وعي جذري بالمهام والمطالب السياسية الثورية. ويفيدنا أحدهم بأن هناك “عشرة آلاف إضراب” وعدا عن ذكر رقم الإضرابات الذي لم يذكر له مصدراً لا توجد أي دراسة تفصيلية عنها يؤسسون عليها استنتاجاتهم، عدد العمال المشاركين نسبة للعدد الكلي للعمال، نوعية القيادات ومواقفها، مطالبها المتنوعة، القطاعات التي ظهرت فيها ووزنها الاقتصادي في نظام البلاد، مستوى وعي المنخرطين فيها، الشعارات التي يطرحونها، مواقفهم من تسييس النضال، مزاجهم النفسي، مدى إدراكهم لضرورة التضامن الطبقي، وجوهرية تجاوز الاكتفاء بالنضال الاقتصادي والانتقال للسياسي. وتبقى مسألة التنظيم الحزبي الماركسي البروليتاري بما يرتبط به من وعي ثوري هي الحلقة المركزية الرئيسية المفقودة. لا يكفي من أجل تحقيق هذا الهدف الجوهري توجيه نداءات التضامن مع العمال، ولا زيارة العمال المضربين تحت زخات المطر، ولا كتابة بضع مقالات، ولا بيانات الدعم المعروضة في التلفاز، ولا الهتافات الزاعقة الصارخة بحياة الثورة والطبقة العاملة. وكلمة لا يكفى لا تعنى أن هذه الأشياء المذكورة غير لازمة.

لقد أصدر المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية تقريره عن الاحتجاجات العمالية لعام 2014 والربع الأول من 2015،[2] وقد رصد مسارها منذ عام 2004 صعوداً وهبوطاً، وعين القطاعات التي تناولها، وبين مناطق تركز هذه الاحتجاجات ومطالبها وسوف نضطر لاقتباسات مطولة لبيان طبيعة الحركة الإضرابية الراهنة وحدودها. يبدأ التقرير بمقدمة يرد فيها ما يحدد نطاقه:

“تطور الاحتجاجات لعمالية منذ 2004

تعد الحركة العمالية المصرية من أبرز العوامل التي أثرت في تطور وبلورة المجال العام المصري في العقد الماضي، فهي بلا شك الحركة الأكثر نمواً، واستمرارية، وانتشاراً، لتضم الملايين من العمال، حيث تشير التقديرات أن عدد من شاركوا بالحركة الاحتجاجية العمالية قبل ٢٠١٠ يتراوح ما بين اثنين وأربعة مليون عامل وعاملة مصريين، وتزايد عدد المشاركين بها منذ ثورة الـ٢٥ من يناير 2011. وهكذا، فمن أجل فهم الحركة العمالية في عام 2014 والربع الأول من 2015، ينبغي علينا تحليل مسارها وتطورها منذ عام ٢٠٠٤، وملاحظة انتشارها وتطورها قبل وبعد اندلاع الثورة المصرية. وقد مرت الحركة بثلاثة قفزات في معدل وانتشار الاحتجاجات في العقد الماضي، أولها كان في عام ٢٠٠٤، حيث تضاعف معدل الاحتجاجات من ٨٦ احتجاج عمالي في عام ٢٠٠٣ إلى ٢٦٦ في عام ٢٠٠٤. ثم ارتفع المعدل في خطوة أخرى من ٢٢٢ احتجاج عام ٢٠٠٦ إلى ٦١٤ احتجاجاً عام ٢٠٠٧، وصولاً إلى عدد ٧٢٨ احتجاجاً في عام ٢٠٠٩؛ أما النقلة الثالثة في معدلات الاحتجاج كانت في عام الثورة حيث تضاعف المعدل مرة أخرى من ٥٣٠ احتجاج في عام ٢٠١٠ إلى حوالي ١٤٠٠ احتجاج في عام ٢٠١١ في تشابك واضح بين مسار الثورة ومسار الحركة العمالية. واستمر الحراك في الارتفاع وصولاً لـ1969 احتجاجاً في عام ٢٠١٢، ومرتفعاً إلى 2239 احتجاجاً في عام ٢٠١٣ في معدلات غير مسبوقة في تاريخ مصر، لينخفض مرة أخرى الى ١٦٥٥ احتجاج في عام ٢٠١٤.

ولا يعد انخفاض معدل الاحتجاجات العمالية في عام ٢٠١٤ مقارنة بالعام السابق دليلاً بالضرورة على انحسار الحركة أو بداية نهايتها، فهو الانخفاض الأول بعد ثلاث سنوات من الصعود المطرد منذ اندلاع ثورة ٢٥ من يناير، ولكنه ليس الأول في خط زمني متأرجح منذ ٢٠٠٤. فقد تلا الارتفاع في عدد الاحتجاجات في ٢٠٠٤ انخفاض نسبي من ٢٦٦ إلى ٢٠٢ احتجاج في ٢٠٠٥ ليتضاعف مجدداً في ٢٠٠٧، كما انخفض معدل الاحتجاجات من ٧٢٨ احتجاجاً في ٢٠٠٩ إلى ٥٣٠ احتجاجا في عام ٢٠١٠ ليمهد بعدها لارتفاع مضطرد في ٢٠١١. ويجب هنا ملاحظة الوزن النسبي للانخفاض في كل حالة ففي عام ٢٠٠٥ كان الانخفاض بمعدل ٢٤ ٪ بينما كان في عام ٢٠١٠ بمعدل ٢٧ ٪ وفي عام ٢٠١٤ انخفض بمعدل ٢٦ ٪ مقارنة بعام ٢٠١٣. فالانخفاض الأخير في عام 2014 هو إذن انخفاضا محدوداً في إطار حركة متماسكة أخذة في التصاعد بشكل عام على مدار العشر سنوات الماضية. يجب أيضاً ملاحظة أن معدلات الاحتجاجات العمالية في الأربع سنوات الأخيرة غير مسبوقة في تاريخ مصر بغض النظر عن التفاوت بين عام وآخر.” (ص 3)

يتبين من العرض السابق أن ذروة الخط البياني الاحتجاجي قد كانت في عام 2013 مع هيمنة الجناح الإخواني من الرأسمالية المصرية الكبيرة على السلطة. ولا يمكن إلا أن نحتمل أن الهبوط اللاحق له صلة بهيمنة الثورة المضادة على السلطة من خلال جناحها البيروقراطي العسكري وتضافر القمع المادي مع القمع التشريعي في مواجهة الاحتجاجات العمالية، والرواج النسبي للميول الشعبية المتطلعة للاستقرار والأمن. من ناحية أخرى يتبين من التوزيع الجغرافي للاحتجاجات أن القاهرة تأتي في المقدمة حيث شهدت 394 احتجاجاً طوال عام 2014، تأتي بعدها بفارق كبير محافظات الإسكندرية والغربية والسويس والشرقية والمنوفية وشهدوا 169، 151، 144، 173، 119 احتجاجاً، على الترتيب. ولا يرد في التقرير بيان عن أية احتجاجات عمالية في محافظات مصر الأكثر فقراً في الجنوب ولو كان تفاقم البؤس يولد ثورة واعية لكانت محافظات الصعيد أولى الطلائع الإضرابية، ولا في محافظتي سيناء ( حيث البترول – المناجم – التعدين) ولا في محافظة مطروح أو الواحات.

ومن زاوية توزيع القطاعات في 2014 يتبين لنا الوضع التالي:

توزيع القطاعات في ٢٠١٤

شكل القطاع الحكومي أكثر القطاعات العمالية احتجاجاً خلال عام ٢٠١٤ والربع الأول من عام ٢٠١٥، حيث مثلت الاحتجاجات العمالية في القطاع الحكومي ٦٣٪ (٢٠١٤) و٦٩٪ (الربع الأول من ٢٠١٥) من إجمالي الاحتجاجات العمالية، والتي بلغت ١٦٥٥ و٢٧٦ احتجاجاً بالترتيب في ٢٠١٤ والربع الأول من ٢٠١٥.

ويأتي عمال القطاع العام وقطاع الأعمال العام في المرتبة الثانية بفارق كبير، ممثلين حوالي ٢١٪ من إجمالي الاحتجاجات العمالية في ٢٠١٤ وحوالي 18,8 ٪ من إجمالي الاحتجاجات العمالية في الربع الأول من ٢٠١٥. وأخيراً يأتي العاملين بالقطاع الخاص ليمثلوا بنسبة 15,6 ٪ من إجمالي الاحتجاجات العمالية في ٢٠١٤ وهو ارتفاع نسبي عن عام ٢٠١٣ حيث كانت نسبة الاحتجاجات في القطاع الخاص ١٢.٥٪ من إجمالي الاحتجاجات العمالية، ثم تعود نسبة احتجاجات القطاع الخاص لتنخفض ثانية في الربع الأول من ٢٠١٥ ممثلة حوالي 11,6 ٪ من إجمالي الاحتجاجات العمالية.

يجب هنا ملاحظة أن جهة الإدارة وصاحب العمل في القطاعات الحكومي والعام والأعمال العام هي جهة واحدة، وهي الحكومة التي تنوب عن الدولة في إدارة مصانع ومنشآت والجهاز الإداري للدولة. وهكذا، فحوالي ٨٤ ٪ من إجمالي الاحتجاجات العمالية موجهة ضد جهة واحدة وصاحب عمل واحد، الحكومة المصرية، مقارنة بحوالي ١٦ ٪ وهي نسبة احتجاجات العاملين بالقطاع الخاص. وذلك بالرغم من أن نسبة العاملين بهذه القطاعات الأكثر احتجاجاً (الحكومي والعام والأعمال العام) لا يزيد بأي حال عن 40 % من عمال المصانع والعاملين بالمنشآت المختلفة في مصر.

من هنا نتساءل، لو أن تركز الاحتجاجات في القطاعات المملوكة للدولة يعني بالضرورة أن حال العاملين بالقطاعات المملوكة للدولة أسوأ من حال العاملين بالقطاع الخاص بصفة عامة؟ الدراسات التي تتناول أحوال العمال في مصر تشير إلى أن العكس هو الصحيح. ففي المتوسط يحصل العاملون لصالح الدولة على أجور أفضل ويتمتعون بأمان وظيفي أكبر. ولكن الواقع العملي الذي تعكسه أرقام الاحتجاجات في إجماليها تثير التساؤلات حول هذه الاستنتاجات، وعلى المستوى التفصيلي كما سنوضح في الفقرات التالية، يظهر بوضوح أن معدل الاحتجاجات التي قام بها العاملون في قطاعات الدولة الثلاث بسبب المطالبة بتحسين أجورهم وانتظام صرف مستحقاتهم المالية وكذلك بسبب شعورهم بعدم الأمان الوظيفي المتمثل في المطالبة بالتثبيت والتعيين، كان مقارباً في نسبته إلى مثيله بالنسبة لعمال القطاع الخاص، مع التفوق العددي الكبير لاحتجاجات العمال في القطاعات المملوكة للدولة مقارنة بنسبتهم إلى إجمالي العمال.” (ص 6)

يلاحظ أن التقرير لم يحدد مفهوماً معينا لما يسميه العمال، ويبدو من سياقه أنه مفهوم يتسع لكل العاملين بأجر، خاصة من يمكن وصفهم بالبروليتاريا الذهنية إضافة إلى البروليتاريا الصناعية، وعمال الخدمات حين يشار إلى الحكومة أو قطاع الأعمال العام أو القطاع العام. وقد رد التقرير ذاته على التساؤل الذي أثاره أعلاه بشأن احتجاجات القطاع الخاص مقارنة بالقطاعات التابعة للدولة فمن ناحية هناك تفتت وتذرير عمال القطاع الخاص، وافتقارهم لمنظمات تعبر عن مصالحهم، حداثة خبراتهم في النضال الاقتصادي، هشاشة مراكزهم القانونية إزاء أصحاب العمل الرأسماليين بسبب تأقيت العمالة وغيرها… الخ

وقد تمثلت المطالب العمالية إجمالاً فيما يلي:

” المطالب

عند نظرنا إلى تنوع المطالب العمالية في العام ٢٠١٤ نجد أنه بطبيعة الحال تصدرت المطالب المالية – أجور متأخرة، مطالب بصرف حوافز، أو مطالب بزيادة الأجور – بنسبة ٤٩ ٪ من إجمالي المطالب، وهو أمر متوقع خاصة في ضوء أهمية الاحتجاجات المطالبة بتطبيق الحد الأدنى للأجور في هذا العام. ونلاحظ أن المطالب المالية تنقسم بين مطالب دفاعية لحق منقوص كتأخر الأجور والحوافز، وبعضها إيجابية مطالبة بزيادة في الأجور. هذه التفرقة ممكن ملاحظتها على باقي التصنيفات للمطالب العمالية، فطالب 12,6 ٪ من العمال المحتجين بتحسين العلاقة التعاقدية في العمل سواء بمنحهم عقود أو بتثبيتهم، كما طالب 16,9 ٪ بتحسين ظروف وضمانات العمل، كما احتج حوالي 4,5 ٪ على الفساد وعدم الكفاءة في أماكن عملهم، و1,5 ٪ مطالبين بالحق في التنظيم النقابي؛ في حين احتج 9,4 ٪ من العمال على الفصل التعسفي و5,7 ٪ على النقل التعسفي.” (ص8)

أما بالنسبة للوسائل التي استخدمت لمحاولة تحقيق هذه المطالب فقد تمثلت في:

” الوسائل

أما بالنسبة لوسائل الاحتجاج التي استخدمها العمال في 2014 والربع الأول من 2015، فقد تعددت ما بين الإضراب والتظاهر والاعتصام وتقديم الشكاوى والبلاغات وإيذاء النفس، خصوصاً من خلال الإضراب عن الطعام. وهكذا، نجد أن أكثر من 35 % من الاحتجاجات العمالية في 2014 لجأت للإضراب كوسيلة للاحتجاج، مقارنة بحوالي 22% فقط في الربع الأول من 2015. ثم تأتي الوقفات الاحتجاجية والتظاهرات في المرتبة التالية، حيث مثلت حوالي 31 % من إجمالي الاحتجاجات في 2014، مقارنة بـ47 % في الربع الأول من 2015. فيما مثل الاعتصام في 2014 حوالي 15 % من إجمالي الاحتجاجات العمالية، يليه إيذاء النفس بنسبة 5 %، مقارنة بنسبة أقل للاعتصام في الربع الأول من 2015 بلغت حوالي 12 % ونسبة أعلى لإيذاء النفس، بلغت 8 % من إجمالي الاحتجاجات العمالية.” (ص 10)

كما أصدر مركز المحروسة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية تقرير الحالة العمالية خلال الربع الأول لعام 2015،[3] وقد ورد في صدره

“شهد الربع الأول من عام 2015 الذي يشمل شهور (يناير – فبراير – مارس) انخفاضاً ملحوظاً في أعداد الاحتجاجات العمالية مقارنة بالربع الأول من العام السابق 2014، حيث شهد الربع الأول من العام الحالي 393 احتجاج عمالي مقارنة بـ1420 احتجاج عمالي بالعام السابق، وجاءت الاحتجاجات العمالية خلال شهر يناير الماضي بـ(114 احتجاج عمالي)، بينما جاءت الاحتجاجات العمالية خلال شهر فبراير الماضي بـ(143 احتجاج عمالي)، وجاءت الاحتجاجات العمالية خلال شهر مارس بـ (136 احتجاج عمالي) من عام 2015.” (ص 6)

وما يزال يتبين مما ورد آنفاً أنه رغم الانخفاض العام للاحتجاجات مقارنة بالربع الأول من عام 2014، إلا أن هناك صعوداً للحركة الاحتجاجية خلال الشهور الأولى من العام الحالي.

كما بين التحليل القطاعي لحالة الاحتجاجات العمالية خلال الربع الأول من هذا العام أنه قد جرى “تنظيم 393 احتجاج عمالي خلال شهور (يناير – فبراير – مارس) بالربع الأول من عام 2015، تصدرت خلاله عمال المصانع والشركات بأغلب الاحتجاجات العمالية بـ (124 احتجاج) وكانت أهم الشركات المحتجة (عمال الحفر بالسويس – شركات صناعية بالسويس – مصنع الألمونيوم – مصنع دلتا للسكر كفر الشيخ – مصنع منظفات – شركة خلاطات الشرقية – عمال الدلتا – شركة سيمو – شركة اليجكت بالكهرباء – مينوتكس للبطاطين – الشركة الهندية للبولي إستر – النصر للبترول بالسويس – عمال المنطقة الحرة – شركة مياه الشرب والصرف الصحي بالغربية – مصانع الملابس الحرة بورسعيد – عمال مصانع الأحذية بباب الشعرية – شركة مياه طنطا – اكسبريس إنترنشونال – شركة الأهرام للمجمعات الاستهلاكية – سيجما – عمال البناء والتشييد – المقاولون العرب – طنطا للزيوت – بل كلر للجلود بالمنوفية – المصرية للكبريت – المصرية للتبريد والتكييف – شركات برج العرب ومدينة السادات – الشبراويشي لمستحضرات التجميل – دلتا للمياه المعدنية – مصر للحرير الصناعي كفر الدوار – يونفرسال – أسمنت حلوان – بتروجيت – شركة الرباط وأنوار السفن – الحديد والصلب بحلوان – عمر أفندي – توزيع كوكاولا – شركة بتروشهد – المشروعات الصناعية – شركة اللؤلؤة للزجاج – مصنع كرتون – شركة أما للعرب للنظافة – شركة سيراميك العين السخنة – السويس للأسمنت – الحديد والصلب المنيا – الحديد والصلب السويس – الاستثمار الزراعي بالإسماعيلية – الزيوت بالسويس – منتجات الألبان بالقناطر – القابضة للتعدين – المياه والشرب كفر الشيخ – النصر العامة للمقاولات حسن علام – مياه الشرب بأرمنت – مصنع زيت الصويا التابع لوادي فود – النصر للسيارات – أوراسكوم – أفكو للزيوت – ايلجكت للكهرباء)، يليها القطاع التعليمي الحكومي والخاص والجامعي بـ(39 احتجاج)، ثم جاءت بقية المؤسسات الحكومية بخلاف التعليمية والطبية وغيرهم بـ(36 احتجاج)، يليها مباشرة القطاع الطبي ويشمل (الوحدات الصحية – الإسعاف – الصيادلة – الأطباء – الممرضين) بـ (35 احتجاج)، ثم قطاع النقل العام والخاص بـ(30 احتجاج)، والعمالة الغير الرسمية بـ(18 احتجاج)، وقطاع التجارة والاقتصاد بـ(17 احتجاج)، وقطاع النظافة والتجميل بـ(15 احتجاج)، وتساوي قطاع الغزل والنسيج والقطاع الزراعي بـ(13 احتجاج) لكلاً منهما، يساويهم في ذلك القطاع الأمني والإعلاميين والصحفيين بـ(11 احتجاج) لكلاً منهما، قطاع المحاجر والتعدين (6 احتجاجات)،كما تساوي احتجاج المحامون وقطاع الآثار والسياحة بـ(5 احتجاجات) لكلاً منهما، والقطاع الثقافي (4 احتجاجات)، و(3 احتجاجات) لكلاً من قطاع الطيران وحملة الماجستير والدكتوراة وذوي الإعاقة، وأخيراً احتجاجات الصيادين باحتجاجين خلال الربع الأول لعام 2015. (ص 8)

وفى هذا التقرير أيضاً يتسع مفهوم الاحتجاجات العمالية للأطباء والصيادلة وحملة الماجستير والدكتوراة والعاملين في أجهزة الأمن والطيارين … الخ مما يعنى غياب أي معيار طبقي في التصنيف. وفي كل الأحوال يتخذ عمال المصانع والشركات الموضع الثاني في إجمالي الحركات الاحتجاجية وإن لم يذكر عدد المشاركين فيها. من ناحية أخرى أورد التقرير بعض البيانات بشأن محافظات لم ترد في التقرير الأول حيث رصد بعض الاحتجاجات “و(7 احتجاجات عمالية) لكلاً من محافظات البحر الأحمر، قنا، الفيوم، والأقصر، وجاءت محافظة بورسعيد بـ(5 احتجاجات)، وتساوت محافظات أسيوط وشمال سيناء والمنيا وأسوان بـ(4 احتجاجات) لكلاً منهما، كما تساوت محافظات جنوب سيناء ومطروح وبنى سويف بـ(3 احتجاجات) لكلاً منهما، واحتجاج عمالي واحد لكلاً من عمال الوادي الجديد والعمالة المصرية بالخارج.” (ص 9)

وقد اتخذت أساليب الاحتجاج الأشكال التالية:

“تنظيم 393 احتجاج عمالي خلال شهور (يناير – فبراير – مارس) بالربع الأول من عام 2015، حيث تصدرت خلاله مجموعة من الأشكال الاحتجاجية العمالية التي أتخذها العمال وسيلة للتعبير عن مطالبهم، جاءت في مقدمة أشكال الاحتجاج تنظيم العمال (106 إضراب عمالي)، يليه تنظيم (102 وقفة احتجاجية)، وجاء تنظيم التظاهر بـ(49 مظاهرة عمالية)، بينما وصلت حالات الاختناق والوفيات بين صفوف الطبقة العاملة في مصر إلي (32 حالة) نتيجة عدم اتخاذ وسائل سلامة وصحة مهنية أثناء العمل، وجاء تنظيم العمال لشكل الاعتصام بـ (22 حالة اعتصام)، بينما تتواصل إهمال الإدارات والمصانع والشركات لاتخاذ الحماية الملائمة لحماية العمال فتؤدي لإصابة (16 حالة) أثناء العمل، ونتيجة تغيب العمال والموظفين عن أعمالهم أو لحصولهم على الرشاوى ومخالفات قانونية تم إحالة (13 حالة) إلي التحقيق معهم، وجاء تقديم طلبات من العمال للمسئولين بـ(8 طلبات)، بينما أصدر آخرون (7 بيانات صحفية) موجهة بشكل أساسي للمسئولين برئاسة الوزراء، وجاء الانتحار كوسيلة معبرة عن ضيق الحال المادي والاجتماعي بين صفوف العمال بـ(6 حالات انتحار)، وتساوت أشكال محاولات الانتحار وتقديم الشكاوي والتجمهر وغلق المنشآت وقطع الطرق بـ(4 حالات لكلاً منهما)، بينما جاءت أشكال تقديم الاستغاثة منها استغاثة عاجلة لرئيس الجمهورية، وإحالة للحبس، واختطاف العمال بـ( حالتين لكلاً منهما )، و(حالة واحدة) لكلاً من الأشكال التالية تقديم بلاغات، إطلاق النيران على صاحب العمل، تحرير محضر، مقتل عامل نتيجة خلافات العمل، إشعال نيران في أماكن العمل، طعن بالسكين لخلافات العمل، رفع “القباب” أمام صاحب العمل، تقاضي رشوة، والشروع في قتل.” (ص 10)

وقد جرت الاحتجاجات كما ورد في التقرير “لأسباب اقتصادية واجتماعية يتصدر في مقدمتها مطلب صرف المستحقات المالية المتأخرة سواء من (المرتبات – الأجور اليومية – الحوافز – البدلات – المنح وغيرها) بـ(75 مطلب)، يليها في المركز الثاني احتجاج العمال ضد عدم صرف الامتيازات المالية وللمطالبة بتحسين الأحوال المادية والوظيفية للعمال بـ(64 مطلب)، وجاء في المركز الثالث احتجاج العمال ضد عدم اتخاذ وسائل آمنه للسلامة والصحة المهنية مما أدى لوفاة وإصابة العديد من العمال بـ(56 مطلب)، وفي المركز الرابع جاءت المطالبة بإبرام عقود العمل والتعيين والتثبيت من خلال عقود عمل دائمة أو مؤقتة والمطالبة بتجديد اتفاقيات العمل الجماعية بـ(49 مطلب)، وفي المركز الخامس جاءت المطالبة بالعودة للعمل وضد الفصل والنقل التعسفي لمناطق نائية عن مكان العمل وخارج المحافظات بـ(25 مطلب)، بينما في المركز السادس تساوت مطالب تجديد تراخيص الأجرة وتحسين الطرق والإجراءات للسائقين، والاحتجاجات ضد قرارات المسئولين، والمطالبة بالحد الأدنى للأجور بـ(21 مطلب) لكل سبب منهم، وفي المركز السابع جاء تنديد العمال بالعمليات الإرهابية ضد ذبح داعش للمصريين في ليبيا وأحداث الدفاع الجوى بـ(18 مطلب)، يليه الاحتجاج تضامناً مع الزملاء المضربين وضد اعتداء الأمن والأهالي على العمال والعكس صحيح بـ(12 مطلب) في المركز الثامن، ثم يأتي في المركز التاسع التحقيق لترك والتغييب عن العمل بـ(17 حالة)، وفي المركز العاشر جاءت المطالب ضد قوانين أو قرارات إدارية أو للمطالبة بإقالة مسئولين بـ(9 مطالب)، وجاءت المطالبة بوقف استيراد المنتجات الصينية وضد العمالة الأجنبية بـ(3 مطالب)، ثم الاحتجاج ضد تأخر انعقاد الجمعية العمومية للشركات بـ(2 مطلب).(ص 14)

لم يقدم رفاقنا في هذا الاتجاه السياسي الذي نناقشه في هذا المقال دليلاً على أن تنامي الإضرابات بطابعها وقطاعاتها ومطالبها وأساليبها الواردة في التقريرين المذكورين عاليه قد عكست تجذراً سياسياً ثورياً صاعداً، أو أن هذه الحركات الاحتجاجية قد تراصت وواجهت الرأسمالية السائدة بوصفها طبقة واعية بذاتها وبدورها التاريخي. رغم أن الاتجاه العام للحركات الاحتجاجية يدل بشكل أصيل على ديناميتها وتناميها التلقائي. وفي كل الأحوال ورغم نقص بعض البيانات في التقريرين وعدم دقة التصنيفات طبقياً إلا أنهما ينقلان المسألة من عوالم التجريد إلى واقع الأحداث والأرقام. فهل تؤكد الإحصاءات والبيانات عاليه ما يقال عن أن “الغضب العمالي المصري يختلف عن أي غضب عمالي آخر في شيء واحد وخطير: الثورة مستمرة[4] وهل يكفى الحديث عن أزمة الرأسمالية العالمية ونضالات الطبقة العاملة الأممية لنتوقع بشكل آلي أن “الظاهرة الإضرابية العمالية المصرية ستتواصل اتساعاً وحدة ومن خلال عدة روافد وستعرف الطبقة العاملة معها لحظة نادرة في تطورها للانتقال إلى مستويات تنظيمية غير مسبوقة ومستويات من الوعي السياسي لم تكن تخطر لأحد على بال باعتبارها التاريخي وبما تتجه إليه بثبات كرأس حربة للثورة المصرية الشعبية التي لا تستطيع إلا الانتصار والإطاحة بسلطة طبقة مالكة وحاكمة تواصل العجز والإفلاس بصورة أيضاً لم تخطر بهذه السرعة على البال“.[5]

من الواضح أن الحركة الإضرابية العمالية تقف على أرض النضالات الاقتصادية المهنية / المصنعية بالدرجة الأولى، كما أنها في شطرها الأعظم إضرابات دفاعية وليست هجومية، وباستثناءات محدودة احتجت سياسياً بعض الفئات العمالية على مجزرة داعش للمواطنين المصريين في ليبيا، وعلى مجزرة الألتراس المدبرة في نادي الدفاع الجوى، والتضامن العمالي مع فئات أخرى والاحتجاج ضد قوى الأمن. وكما يتبين مما ورد عاليه فقد تصدر قائمة المطالب صرف الأجور والمستحقات المتأخرة. وإذا كانت البيانات الواردة عاليه تؤشر لتحولات جارية داخل الطبقة العاملة وتتيح لنا تقديراً نوعياً وكمياً لوجهتها وتفيد بأن الجزر السياسي لم يخنق النضالات الاقتصادية نظراً لتجزئها وارتباطها بأهداف لا تشمل كامل الطبقة العاملة أو غالبيتها على مستوى الدولة بما يمثل تهديداً جدياً مباشراً للأخيرة، إلا أنها أبعد من أن تكون علامة على حدوث تطور جذري في مواقف ووعى الطبقة العاملة الذي تتجلى جذريته عند البحث عن مخرج من خارج لا من داخل النظام. فبعض قطاعاتها المحدودة مازالت تتوجه بمطالبها لرئيس الدولة، وبعضها يتخذ مواقف يائسة بالإضراب عن الطعام في غير سياقه، بل وبالانتحار.

إن الحديث عن الطابع الهجومي والسياسي والثوري لإضرابات اقتصادية / مهنية دفاعية صرف – من الناحية الأساسية – واعتبارها رغم تشتتها بأنها هجوم ثوري ضد الدولة البورجوازية فارضة “رعباً استثنائيا على حكم الجنرال” وتعكس أزمة ثورية حقيقية لا يغير بتاتاً طبيعة هذه الإضرابات – على حد تعبير تروتسكي في مقاله الآنف الذكر. من جانب آخر لا يؤدى تفاقم الاستغلال في حد ذاته وفي كل الأحوال إلى تعميق الوعي الثوري الأمر الذي ينبغي التدليل عليه بالوقائع لا الأحكام العامة. وعلى حد تعبير الكاتب الهندي فيجاي براشاد “البؤس وحده لا يصنع يساراً[6] فهناك 800 مليون هندي يعيشون في حرمان” البؤس وحده لا يصنع نموذجاً سياسياً لمواجهة أسبابه. البؤس من الممكن أن يؤدى إلى العديد من الاتجاهات بما فيها أحضان القادة الشعبويين والذين يستخدمون البؤس لخدمة أجنداتهم الضيقة أو أحضان التشكيلات السياسية التي تبث الانقسام والخلاف (على أرضية التعصب الديني) وتلوم مجموعة من الفقراء على معاناة مجموعة أخرى من الفقراء. ولكن ليس البؤس هو ما حافظ على بقاء الحركة الشيوعية لكنها عدة عوامل أخرى” ومن الغريب أن يتفاقم الاستغلال والقمع في الوقت الذي يجرى الحديث فيه عن تنامي وعى الطبقة العاملة الثوري وإرعابها للسلطة.

وإجمالاً هناك عدم تناسب فادح بين تصورات هذا الاتجاه السياسي والواقع الفعلي يقرب من الفانتازيا. وربما كان من الضروري التأكيد على ما يعرفه الكثيرون ولا يتصدون لتحقيقه بجدية حتى الآن وهو ما يمثل الحلقة الرئيسية في الوضع الراهن: إنشاء حزب ماركسي يمثل الطبقة العاملة المصرية.

معنى الوهم والنزعة الحركية والنضال الهجومي

لاحظ ماركس في كتابه “الثامن عشر من بروميير، لويس بونابرت” دور الخيال الثوري في انجاز المهام التاريخية الفعلية حيث تلفعت زعامات الثورتين الانجليزية والفرنسية إما بالعباءة التوراتية أو بالأردية الرومانية، تسامياً بواقع النظام البورجوازي الفعلي ورغبة في إسباغ هالات البطولة عليه رغم ما هو عليه من قلة البطولة. لكن كانت هناك على الأقل موجات ثورية قائمة تساندها طبقة ثورية صاعدة لها مفكريها وقادتها. أما “الفانتازيا” أو “الفنطاسيا” فهي نوع من التوهم وتتجلى في كونها “قوة نفسانية ومدركة للصور الحسية مع غيبة طينتها“. وفي الحالة التي نناقشها حضور”صورة” الثورة رغم غياب “طينتها” أي مادتها في تحقق شرطها الذاتي، أو تعويض “نقص” الواقع بالخيال. على النحو الذي بيناه في القسم الأول من هذا المقال حيث عرضنا لماهية الوضع الثوري، وعدم التلازم الحتمي الآلي للأزمة الاقتصادية مع الأزمة الثورية. وأشرنا إلى أن الطبقة العاملة مازالت تقف على أرض النضال الاقتصادي غير واعية بعد برسالتها التاريخية في تقويض النظام الرأسمالي، وأن المهمة الأساسية هي تنظيمها ثورياً بشكل واعٍ بما يتلاءم مع واقع الدولة البوليسية وتقنياتها، نظراً لافتقارها لأدواتها وأهمها حزبها الماركسي، وقيادته الثورية مع خضوع حركتها النقابية في معظمها للقيادات العمالية الصفراء. من جانب آخر خضعت الثورية البورجوازية الصغيرة وحركتها العفوية أو المنظمة للقمع المادي والتشريعي من قبل الدولة العسكرية – البوليسية . وفى العموم لم تعد هناك حركة شعبية ملايينية تماثل ما حدث في السنوات الثلاث الأولى للثورة .

كتب لينين: “إن الخطر الأكبر، وربما الخطر الوحيد، هو بالنسبة للثوري الحقيقي، الإفراط في الثورية ونسيان الحدود والشروط فيما يخص تطبيق الأساليب الثورية تطبيقاً ملائماً وموفقاً. ففي هذا المجال أكثر مما في غيره، كسر الثوريون الحقيقيون رقابهم، حين كانوا يأخذون في كتابة كلمة “الثورة” بأحرف ضخمة، في اعتبار الثورة شيئاً شبه إلهي، في تضييع رؤوسهم، في فقدان القدرة على التفكير مع الحد الأقصى من رباطة الجأش وصفاء الذهن، على التقدير والتثبت في أية لحظة وفي أية ظروف وفي أي مجال للنشاط يجب معرفة العمل الثوري، وفي أية لحظة وفي أية ظروف وفي أي مجال للنشاط يجب معرفة الانتقال للعمل الإصلاحي.[7] وتظل المشكلة الأساسية لدى هؤلاء الرفاق جانب عدم إدراك واقع حركة المد والجزر كما هي عليه بالفعل موضوعياً، هو أنهم يتجاهلون موازين القوى، ولا يأخذونها بالاعتبار، رغم أنها محور الماركسية والتكتيك الماركسي، ويستبدلونها بكلمات وجمل أبية عن الثورة والماركسية والشعب والطبقة العاملة وغيرها ….

ولا يمكن إنكار أن تشكيل لجنة شعبية للتضامن العمالي كان خطوة ايجابية لمساندة إضراب عمال الفايبر في الإسكندرية كما فعلوا في يناير الماضى، وكما فعلوا مع اعتصام عمال المشروعات الهندسية في طلعت حرب، ولا شك في أهمية الوقفات والاحتجاجات والسلاسل التي حدثت في ذكرى أربعين شيماء الصباغ، أو إعراباً عن موقف من بناء سد النهضة، أو التدخل السعودي المصري في اليمن (مع التأكيد على التحفظات التي أبديناها سابقاً) خاصة أنها أتت في جو هبوط النضال الثوري والخمود والارتباك في صفوف “اليسار” وفي مرحلة هجوم مادي عسكري / بوليسي وتشريعي قمعي ضد قوى الثورة، وما ترافق مع ذلك من تشاؤم وظهور علامات اللامبالاة بالنشاط السياسي. غير أن المغالاة في قيمتها بالشكل الذي جرى التعبير عنه من رفاقنا في هذا الاتجاه مسألة أخرى. إن المهمة الأساسية في اللحظة الراهنة هي التوجه للطبقة العاملة وتنظيمها من خلال الدعاية والتحريض. ولا يكفى لإنجاز هذه المسألة لا بيانات التضامن، ولا الزيارات المصنعية. ويعلم رفاقنا حق العلم أن تحرر الطبقة العاملة لا يمكن أن يتم إلا بها ومن صنعها ومن خلال فصيلها المتقدم الثوري الواعي المنظم، ولا يمكن أن يستبدل بها مجموعة قليلة صدامية من المثقفين الثوريين. ومن يطمح لتولى دور سياسي قيادي، إنما يجب عليه أن يحدد ويعين بعد تأمل المهمات السياسية بشكل دقيق.

إن النزعة الحركية أو النشاطية على ما يصفها المناضل الشيوعي العمالي الراحل منصور حكمت هي تجلٍ أساسي لأسلوب العمل الشعبوي وتتمثل في “عمل محدود وقصير النظر في العمل السياسي والتنظيمي. التظاهرات، الاعتصام، الإضراب، تقليل العمل وغيرها … (إنها التوجه) الذي يحول مثل هذه الخطوات والأشكال النضالية إلى هدف بحد ذاته بصورة منفصلة عن سياق نضال تنظيمي وطبقي دائم، وعن إطار برنامج نضالي محدد“. أضف إلى ذلك أن جعل “التكتيك الأساسي في هذه المرحلة هو التظاهرات” يعنى تحويلها من شكل نضالي إلى تكتيك تنظيمي. ويواصل “طبقاً لهذه الرؤية… لا يصب هدف التظاهرات ولا مكانتها ولا دورها في مسار تقدم وارتقاء النضال الثوري للمرحلة المعنية، وليست هناك صلة لهذا الشكل النضالي بالأشكال الأخرى ولم يتم تفحصها بعمق جدياً قط. لقد كان الهدف منها البروز التنظيمي وأحياناً التحريض… عبر التظاهرات” وتعد تلك الحركية الموصوفة فلسفة وجود هذا النمط من التنظيمات. إذ يتم تعريف النضال والممارسة طبقاً لها. ويشي إطارها الضيق القاصر على أعضاء التنظيم بانفصالها عن الطبقة العاملة واغترابها عن الفكرة الأساسية الماركسية حول تحرر الطبقة العاملة بقواها الذاتية. فضلاً عن تذيلها للحركة العفوية أينما ظهرت هنا أو هناك، و”النفخ في النضال العفوي والتهليل له“. ولا ينبغي من جانب آخر اتخاذ موقف اللامبالاة من النضالات العفوية وإنما “تنظيم أي احتجاج جماهيري حول المسائل الأساسية للنضال الطبقي في كل مرحلة معينة“. النزعة الحركية تتضمن عملاً محدوداً موشى بالمزركشات لكنه “عابر وسطحي بدل الممارسة الحزبية والطبقية والعميقة والشاملة“. هي “ضجيج يصم الأذان من أجل لا شيء“. عمل محدود وقصير النظر يحول الطاقة عن العمل الثوري الواقعي وهو “تنظيم وإعداد البروليتاريا للثورة الاجتماعية وتجييش قوة الطبقة للانتفاضة البروليتارية المظفرة“. [8]

وقد انتقد القائد الشيوعي الإيطالي أماديو بورديجا النزعة الحركية[9] أيضاً لأنها تبالغ في أهمية الدوافع الذاتية في الصراع الطبقي وتتجاهل التقدير الواقعي لموازين القوى وتهمل الإعداد النظري السياسي التنظيمي وهى بذلك تعتبر الحركة غاية في ذاتها، وكأنها تكتيك بلا إستراتيجية. ويلاحظ أن بورديجا ينتقد هذه النزعة في حزب عمالي / فلاحى هو الحزب الشيوعي الإيطالي وله قاعدة طبقية وليس مجرد حلقة مثقفين ثوريين مغتربين طبقياً. وينتقد أيضاً فكرة الربط الآلي بين تفاقم الأزمة الاقتصادية وتثوير الطبقة العاملة. ويشدد بورديجا على أهمية النظرية الثورية وضرورة تغلغلها في طليعة الطبقة العاملة حتى تتمكن من استكمال شروط الوضع الثوري وقيادة الجماهير الكادحة باتجاه التفكير السياسي المستقل والنشاط السياسي المستقل .

إن تحويل الأزمة الثورية إلى حرب طبقية ولثورة يفترض مسبقاً الانهيار الموضوعي للإطار السياسي الاجتماعي للرأسمالية. مع ذلك فليس هذا ممكنا إذا لم نكن قد كسبنا الكتلة الأعظم من العمال الذين تغلغلت فيهم النظرية الثورية التي نشرها الحزب…

وفى موضع آخر يكتب

لم تتحول أزمة الرأسمالية بعد إلى أزمة ثورية في المجتمع، إلى حرب طبقية ثورية، لأن الحركة العمالية مازالت منسحقة تحت ثقل الهزائم التي عانتها خلال الأعوام الثلاثين الماضية“.

ويرتبط بالنزعة الحركية لدى رفاقنا ذلك النزوع إلى العمل الصدامي الذي أشرنا إليه في بداية المقال. وقد ظهر تاريخياً في ألمانيا عام 1920 تحت عنوان نظرية النضال الهجومي أو نظرية الهجوم[10] وقد اعتقد أنصار هذه النظرية أن على الحزب أن يطبق على الدوام تكتيك الهجوم، دون حساب ما إذا كانت تتوفر المقدمات الموضوعية الضرورية للهجوم الثوري، وما إذا كانت جماهير الكادحين الواسعة تدعم الحزب. وقد عارض لينين هذه النظرية بالتكتيك القائل بالاستعداد بصبر وأناة للثورة، وبكسب أغلبية الطبقة العاملة إلى جانب الحركة الشيوعية.

إن خداع الذات وإيهامها يسبب أضراراً فادحة تتجاوز طارحها وهى أشد من ذلك في هذا الظرف الراهن العصيب الذي تجاوز فيه إرهاب الدولة وقمعها وانفلاتها كل الحدود. ولعل ما حدث في الأول من مايو يكون درساً نستوعب ما فيه. إن النقاش مع رفاقنا هو نقاش مع شيوعيين “يساريين“، وأخطائهم هي أخطاء ماركسيين، ولعل تحليلها يساعدنا جميعا على أن نتضافر لنخرج الثورة من مأزقها الموضوعي التاريخي.


[1]  “نصوص حول تجذر الجماهير“، من كتاب “الحركة الشيوعية بفرنسا” ( 1919 – 1939) ليون تروتسكي. منشورات مينوي، باريس 1967. موقع الحوار المتمدن.

[2]  “تقرير الاحتجاجات العمالية لعام 2014” الصادر في أول مايو 2015 عن المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية.

[3]  “تقرير الحالة العمالية خلال الربع الأول لعام 2015“، مركز المحروسة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية.

[4]  “إضرابات العمال تفرض رعباً استثنائياً على حكم الجنرال“، عدلي محمد أحمد، موقع الحوار المتمدن.

[5]  “الإضرابات العمالية رأس حربة لثورة 25 يناير المصرية“، عدلي محمد أحمد، موقع الحوار المتمدن.

[6]  “الهند: البؤس وحده لا يصنع يساراً“، فيجاي براشاد، جريدة مدى مصر الالكترونية، 6 / 5 / 2014.

[7] مقال “حول أهمية الذهب اليوم وبعد انتصار الاشتراكية التام“، من كتاب “ضد الجمود العقائدي والانعزالية في الحركة العمالية“، مجموعة مقالات، لينين، دار التقدم، موسكو، بدون تاريخ، الترجمة العربية، ص 265.

[8]بصدد خطر النزعة الأكسيونية في الخلايا الحزبية“، منصور حكمت، جريدة كميونيست، لسان حال الحزب الشيوعي الإيراني، العدد 6 الصادر في 21 آذار 1984، موقع الحوار المتمدن .

[9]مقال النزعة الحركية / النشاطية“، أماديو بورديجا، مجلة باتاجليا كميونيستا، 7 نوفمبر 1952، مترجم للانجليزية، الانترنت .

(Activism – Amadeo bordiga – battaglia comunista November 7, 1952).

[10] من “كتاب ضد الجمود العقائدي“، مرجع سابق، ص 320، ملاحظة رقم 81 .

Advertisements

مناقشة

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

حمل العدد الأخير من نشرة الثوري

آخر اصداراتنا

أنت الزائر رقم

  • 74٬551

Advertisements
%d مدونون معجبون بهذه: