نصوص ماركسية, وحدة الترجمة

الانقطاع والثورة في إيران


مقدمة اليسار الثوري

منذ أيام قليلة، توصلت إيران إلى اتفاق حول برنامجها النووي مع مجموعة بي 5+1 P5+1 (الدول الخمس دائمة العضوية بمجلس الأمن+ ألمانيا) في محادثات استمرت منذ 2006 حتى توقيع الاتفاق، الأمر الذي بموجبه يتم تقليص نشاطها النووي إلى ثلث نشاطها الحالي والسماح بمراقبته في مقابل ذلك يتم رفع العقوبات الدولية المفروضة على إيران، لا يتحدث المقال المترجم هنا عن الاتفاق وإنما يمثل محاولة لفهم طبيعة النظام الإيراني وعلاقته بالمنظومة العالمية منذ الثورة الإيرانية، وهي أمور لن يمكن فهم ما يحدث الآن إلا بفهمها واستيعابها.

تلقي الحالة الإيرانية الضوء بوضوح من جديد حول حدود تجارب الاستقلال الوطني التي تتبناها مجموعات البورجوازية الصغيرة وممثليها دون أن تطرح طبيعة النظام الاجتماعي على طاولة البحث:

فمن ناحية، يظهر من جديد استحالة عزلة الدول البورجوازية عن المنظومة الدولية وضرورة إدماجها التي يفرضها النظام الاقتصادي العالمي، فإن كون هذه المنظومة عالمية يجعل لا سبيل للخلاص منها إلا ثورة اجتماعية عالمية، وأنه أياً ما كانت درجة استقلال الدول ففي الحقيقة يظل هذا الاستقلال اسمياً نظراً لطبيعة توازنات القوى الدولية الأمر الذي يجعل العزلة خياراً غير ممكن التحقق خاصة مع تبني الدول المعنية لسياسات السوق بدرجة أو بأخرى، فدولة مثل إيران استطاعت عبر سنوات بناء منظومة داعمة لهذا الاستقلال ودرجة من النفوذ السياسي في المنطقة المحيطة، إلا أن هذا لم يفعل سوى أن حافظ لها على قدرة على مناورة الدول الكبرى من أجل شروط أفضل للاندماج من جديد في النظام، وبالتالي مساحة أكبر للنفوذ والهيمنة.

من ناحية أخرى؛ مثلما يؤثر الوضع الدولي والطبيعة العالمية للنظام الرأسمالي على هذه العملية ويجعل الاندماج من جديد في النظام العالمي أمراً حتمياً، تلعب أيضاً طبيعة النظام الاجتماعي والاقتصادي في الدولة المعنية دوراً حاسماً في هذه العملية، فالأنظمة الرأسمالية حتى وإن تزينت بإصلاحات جزئية، مهما كانت هذه الإصلاحات جذرية، تجد نفسها مجبرة على التراجع في الواقع الفعلي تدريجياً عن شعارات الاستقلال الوطني الشعبوية برغم أنها تظل ترفعها وتستخدمها للتغطية على طبيعتها. وحدها الأنظمة التي تمثل الطبقة العاملة المنظمة في قيادة الجماهير، هي التي يمكنها أن تحقق قدر من الاستقلال يتسع تدريجياً بقدر قدرتها على المقاومة، وبقدر ما تكون تجربتها ملهمة لنضالات دول أخرى تتمكن من الانضمام إليها ومساندتها في مواجهة النظام العالمي.

في هذا المقال الطويل الذي كتب في 2009 على خلفية الاحتجاجات التي أعقبت انتخابات الرئاسة وفوز أحمدي نجاد بفترة ثانية، يستعرض الكاتب مراحل تطور وتحولات النظام والقوى الاجتماعية في إيران، مقدماً لنا صورة بانورامية قد تساعدنا على فهم ما حدث وما يحدث حالياً في إيران.

يتعرض المقال لطبيعة الثورة الإيرانية، والقوى الفاعلة فيها، ويفسر لنا كيف تغير النظام هناك على خلفية الثورة، وهل مثل وصول الخميني للحكم انتصارا للثورة أم أن شيئاً آخر هو ما حدث في الواقع، ويمكن أن يفسر في المقارنة مع الحالة المصرية لماذا لم يستطع تنظيم مثل الإخوان المسلمين لعب ذات الدور الذي لعبته المجموعات الإسلامية في إيران، كاشفاً لنا كيف استفاد الخميني من حالة السيولة التي حدثت بعد الثورة الإيرانية وكيف حافظ النظام الحاكم بعد الثورة هناك على جوهره مع تعدد أوجهه منذ ذلك الحين، وهل مثل حقاً نظاماً ثورياً مقاوماً للامبريالية، وهل بدأ اندماجه في المنظومة مع الاتفاقية المبرمة أم قبل ذلك، بالإضافة إلى تحليل للطبيعة السياسية للنظام والكتل الاجتماعية التي استند عليها، كاشفاً مرة أخرى عن أن أي نظام لا يستطيع الاستمرار دون ظهير اجتماعي داعم لهذا الاستمرار، وهو جوهر الأزمة البنوية للثورة المصرية إذ لم يمتلك أي من التنظيمات – حتى الرجعية الكبيرة العدد منها – ذات النفوذ وذات القدرة على كسب ظهير اجتماعي داعم لمشروعه السياسي، كما يقدم، عبر عرض التجربة الإيرانية، رداً على ادعاءات أن استمرار الإخوان المبنية على ما يسمى بشرعية الصندوق كان سيمثل خطوة في اتجاه الديموقراطية.


الانقطاع والثورة في إيران

بيمان جافاري


Peyman Jafariبيمان جافاري، من أصول إيرانية، يُدرس حالياً السياسة الدولية في جامعة أمستردام، ويعد رسالته للدكتوراة حول التاريخ السياسي والاجتماعي لإيران في عهد الثورة الإسلامية، وهو عضو في “التيار الاشتراكي الأممي الهولنديDutch International Socialist Tendency وهي مجموعة تشكل جزءاً من “التيار الاشتراكي الأممي International Socialist Tendency (IST)

نشر هذا المقال في مجلة “الاشتراكية الأممية”International Socialism Journal، عدد 124. ونشر على الموقع الإليكتروني بتاريخ 30 سبتمبر 2009:

http://isj.org.uk/rupture-and-revolt-in-iran/

الترجمة للعربية وحدة الترجمة بـ”اليسار الثوري


رجل دين شيعي إيراني يحمل صور ة يظهر فيها الخُميني وخامنئي

عجلت تداعيات الانتخابات الرئاسية في 12 يونيو 2009 بأكبر أزمة سياسية في إيران منذ ثورة عام 1979. أعطت النتائج الرسمية الرئيس الحالي، محمود أحمدي نجاد، 63 في المائة من الأصوات، مقابل 34 في المائة لمنافسه الرئيسي، الإصلاحي مير حسين موسوي. عندما تم طعن موسوي على هذه النتائج، هزت القوى الشعبية المؤسسة السياسية. تدفق الآلاف إلى شوارع المدن الرئيسية في إيران للمطالبة بإلغاء نتيجة الانتخابات وتوسيع نطاق الحقوق الديموقراطية.

حفزت الاحتجاجات والقمع الحكومي جدالاً حيوياً في قلب اليسار الراديكالي الدولي. أدت التحليلات المعيبة، وتفسير الأحداث في إيران على أنها مجرد صراع بين فصيلين من الطبقة الحاكمة، واعتبار أن الاحتجاجات مؤامرة إمبريالية، إلى اصطفاف بعض اليساريين مع أولئك الذين كانوا يسحقون الحركة الاحتجاجية.

كانت هناك، بالطبع، أسباب وجيهة لانتقاد دعوة الغرب المنافقة من أجل الديموقراطية وحقوق الإنسان في إيران؛ على سبيل المثال، دعمهم للديكتاتوريات في المنطقة واحتلالهم للعراق وأفغانستان. وليس من المستغرب نظراً لسجل الولايات المتحدة في تشجيع “الثورات الملونة” في دول مثل أوكرانيا وجورجيا، أن تقابل التظاهرات الإيرانية بردود أفعال متشككة، وخاصة في الشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية. غير أن هذا الموقف خاطئ تماماً.

لحسن الحظ، كانت ردود أفعال الغالبية العظمى من اليسار الراديكالي مختلفة، قابلوا الاحتجاجات بحماس وأمل، محافظين على معارضة الإمبريالية مع تقديم التضامن والدعم للقوى السياسية الراغبة في أخذ حركة الاحتجاج في اتجاه ديموقراطي، مناهض للرأسمالية ومعادي للإمبريالية.

كانت الأزمة التي أعقبت الانتخابات نتاج وجود تصدع غير مسبوق في الطبقة الحاكمة من جهة وتعبئة ضخمة من أسفل من جهة أخرى. يهدف هذا المقال إلى وضع هذين التطورين في منظور تاريخي وتقديم فهم للفرص والمخاطر التي تواجه اليسار الثوري.

الثورة والثورة المضادة

في كلمته لتدشين ولاية أحمدي نجاد الثانية، وصف المرشد الأعلى علي خامنئي الاحتجاجات بأنها “كاريكاتير” من “التحرك العظيم” لعام 1979.[1] وكانت هذه الملاحظة هامة سياسياً لأنها أقرت باندلاع حركة جماهيرية بعد الانتخابات الرئاسية واعترفت بأن ما كان على المحك هو إرث ثورة عام 1979. كانت المظاهرات تستعيد القدرة التحررية للثورة بتكرار شعاراتها؛ وأولئك الذين هاجموها كانوا أيضاً ينسبون الثورة لأنفسهم، متنكرين في زي المدافعين عنها ضد “الليبرالية” والانحرافات “الغربية“. كان الجانبان في واقع الأمر يشيران إلى شيئين مختلفين – الثورة والثورة المضادة – والذين طالما قدمهما قادة الجمهورية الإسلامية دائماً على أنهما الشيء ذاته. هؤلاء القادة كانوا قادرين على تمويه التحول من واحدة إلى أخرى نظراً لمشاركتهم في الثورة، ولأن التعبئة الجماهيرية كانت سمة خاصة من سمات الثورة المضادة. ولكن حملة القمع التي تعرض لها الملايين من الإيرانيين الذين رددوا مطالب وشعارات عام 1979كانت بمثابة تذكير قوي بأن النظام القائم ولد من رحم الثورة المضادة. لكي نتمكن من تقدير دلالة هذه المفارقة، لابد من مراجعة أحداث 1977 – 1983 بإيجاز.

كانت الحركة الثورية التي برزت في عام 1977 تتويجاً لقرن من الاحتجاجات، التي كان لها ثلاثة لحظات بارزة.[2] الأولى، الثورة الدستورية (1906 – 1911)، التي قادها التجار ورجال الدين والمثقفين (من بينهم الاشتراكيين الإيرانيين الأوائل) وتحدت كل من الاستبداد المحلي (سلالة قاﭼار) والإمبريالية (روسيا وبريطانيا).[3] بدأت اللحظة الثانية مع ازدهار الحركة العمالية، والمنظمات النسائية وحزب تودة الموالي لموسكو في أربعينات القرن العشرين، وانتهت بالانقلاب المدعوم من الولايات المتحدة وبريطانيا ضد حكومة مصدق القومية. كانت جريمته هي تأميم شركة النفط الأنجلو – إيرانية التي أسماها ونستون تشرشل “جائزة من دنيا الخيال تتجاوز أكثر أحلامنا جموحاً” بسبب الأرباح الضخمة التي حققتها لبريطانيا.[4] بعد سقوط مصدق أنشأ الشاه نظاماً استبدادياً بدعم عسكري ومالي من الولايات المتحدة، التي دربت جهاز الخدمة السرية الخاص به؛ السافاك، لقمع القوى القومية العلمانية والشيوعية.كنتيجة لهذا القمع كان رجال الدين، برئاسة روح الله الخُميني، هم أصحاب الدور المركزي في الاحتجاجات من 1963 – 1964، وبرز الإسلام السياسي (الإسلاموية) كقوة هامة في العقدين التاليين دون أن يصبح أبداً مهيمناً، حتى خلال السنوات الأولى من الثورة.

جذور اللحظة الثالثة، ثورة 1979، تكمن في التناقضات السياسية والاجتماعية التي خلقها حكم الشاه.[5] والتي برزت على السطح في 1977 – 1979 كنتيجة للتخفيف النسبي للقمع الذي أعطى المعارضة فرصة للاحتجاج والركود الاقتصادي عبئ الطبقات الأدنى. من المهم الإشارة إلى أن الثورة صنعها تحالف واسع من القوى المتنوعة اجتماعياً وأيديولوجياً. كما كتب أبراهاميان، إذا كانت “الطبقة الوسطى التقليدية” من البازاريين[أ] التجار ورجال الدين قد “أمدت المعارضة بتنظيم منتشر على المستوى القومي، فإن الطبقة الوسطى الحديثة هي التي أشعلت شرارة الثورة، غذتها، وسددت ضرباتها النهائية“، في حين أن “الطبقة العاملة المدينية” كانت “قوتها الضاربة الرئيسية“.[6]

نظم الطلاب والمثقفين ورجال الدين الاحتجاجات من مطلع عام 1977. لعبت البورجوازية التجارية دوراً هاماً من خلال تقديم الدعم المالي، كما فعل الفقراء في المناطق الحضرية (من “البروليتاريا الرثة“) بتوفير الجماهير في الشوارع، لكن حركة الإضراب في الأشهر الأخيرة من عام 1978، وخاصة في مجال صناعة النفط، هي التي قصمت ظهر النظام. وعلى الرغم من أسطورة الاصطفاف الإسلامي، عملت كل الأطياف المستلهمة من الأيديولوجيا الإسلامية: حركة الخُميني الإسلامية من رجال الدين، والحركة الإسلامية للمثقف الراديكالي علي شريعتي من غير رجال الدين، والاشتراكية الإسلامية للمـﭽاهدين، والليبرالية الإسلامية لمهدي بازرﮔـان والإسلام التقليدي لرجال الدين. كما كان هناك العديد من القوى العلمانية تتبعها جماهير: الشيوعيين والليبراليين والقوميين.

استقبل الملايين من الإيرانيين سقوط نظام الشاه في فبراير 1979 كـ”ربيع الحرية“. تم بيع سيل من المطبوعات الجديدة ومناقشتها على الأرصفة. عقدت اجتماعات عامة في الشوارع والجامعات وأماكن العمل تناولت السياسة والدين والفلسفة والفن. نمت الأحزاب الاشتراكية بسرعة وتأسست أحزاباً جديدة. احتلت الجماعات المضطهدة مثل النساء والأقليات القومية مركز الصدارة وطالبت بحقوق متساوية. استولى الفلاحون على الأراضي. تأسست نقابات مستقلة وتطورت لجان الإضراب إلى الشورات Shoras (مجالس عمالية)؛ استولى بعضها على الإنتاج في المصانع التي فر مديروها. تواصلت الإضرابات بعد الثورة. كان هناك 350 معركة في عام 1979.[7] في كل مكان كان هناك حماس للتحرر وشعور بأن هناك إمكانية لمستقبل مختلف.

بشكل عام كانت رؤية الحركة الثورية رؤية للاستقلال عن الهيمنة الأجنبية والعدالة الاجتماعية والحرية. ليس صحيح ما يدعيه بعض الليبراليين واليساريين، بأن شعار آزادي Azady (الحرية) لم يمتلك إلا مجرد محتوى مناهض للإمبريالية مناسباً لتحرك يشوبه نقص التطلعات ديموقراطية. هذا الادعاء يتجاهل الصدى التاريخي للكلمة، الذي يعود إلى الثورة الدستورية ومعارضة دكتاتورية الشاه. “الاستقلال والحرية والجمهورية الإسلامية” – الشعارات التي أصبحت شعبية في الأسابيع الأخيرة من الثورة – بينت أنه بالنسبة للعديد من الناس لا يوجد تناقض بين هذه العناصر الثلاثة. إلا أن الخُميني كان له رؤية مغايرة للمستقبل وتعريف محدد للـ”جمهورية إسلامية“. في غضون عام 1970 كان قد وضع تفسير جديد لعقيدة ولاية الفقيه الشيعية، ينص على أن مفسراً أعلى للشريعة الإسلامية يجب أن يقود المؤمنين سياسياً ودينياً. أبقى هو وحلفائه المقربين هذه الفكرة في خلفية المشهد وركزوا بدلاً من ذلك على مكافحة الفقر والإمبريالية. حتى أن الخُميني وعد بأن رجال الدين ستقتصر وظيفتهم على الإرشاد الديني تاركين السياسة للأشخاص العاديين. بالرغم من ذلك فقد بدأ بعد الثورة تركيز كل السلطات في يد مجموعة من رجال الدين وإسلاميين من غير رجال الدين. كانت الوسائل الرئيسية هي المجلس الثوري الذي أنشئه الخُميني كمركز موازٍ لسلطة الحكومة المؤقتة برئاسة بازرﮔـان الليبرالي الديني، والحزب الجمهوري الإسلامي وفيلق الحرس الثوري الإسلامي، الذين تم تجنيد معظم أعضاءه من المناطق الحضرية والريفية الفقيرة.

كان الخُميني، الذي كان منفياً إلى باريس حينما بدأت الثورة تنتشر، رمزاً بالنسبة للكثيرين على وحدة القوى المتنوعة للثورة في أيامها الأولى. لدى عودته استخدم نفوذه لتأسيس دوره المهيمن في دولة ما بعد الثورة. لم يكن ليتمكن من فعل ذلك إلا عن طريق المناورة بين القوى المختلفة بطرق دفعت الكثيرين لإساءة فهم المصالح الطبقية التي يمثلها.

في البدء تحالف الخُميني مع القوى البرجوازية المحيطة بحكومة بازرﮔـان المؤقتة لتهميش اليسار في الجامعات وقمع الشورات، التي تم إحلال الجمعيات الإسلامية محلها. تحرك أنصار الخُميني أيضا ضد منظمات اليسار، مانعين أو مهاجمين لمظاهراتهم ومقراتهم الرئيسية. تعرضت حقوق النساء للهجوم وتم فرض الحجاب الإجباري. عصابات حزب الله (أنصار الله) أرهبت المعارضين. كان اعتداء الحرس الثوري على الحركة القومية الكردية في نهاية عام 1979 بقصد استعراض قوته. وبحلول ذلك الوقت، قامت الثورة المضادة باقتلاع كافة المنظمات القاعدية أو وضعها تحت سيطرة الجمهورية الإسلامية.

الاستيلاء على السفارة الأمريكية في نوفمبر 1979 من قبل طلاب من أتباع الخميني، والذين احتجزوا موظفيها كرهائن لمدة 444 يوماً، مكنه من الظهور بمظهر معادي للإمبريالية ليواصل تهميش اليسار، بينما تحول في الوقت نفسه ضد حلفائه البورجوازيين وأجبر بازرﮔـان على الاستقالة من منصبه كرئيس للوزراء. كما قدم إلهاءً عن السلطة الرسمية واسعة النطاق التي منحت لرجال الدين من خلال إدراج ولاية الفقيه في الدستور، الذي طرح للتصويت في ديسمبر ووافقت عليه الأغلبية. عقب ذلك في مطلع عام 1980، بدأ الخُميني في تطهير الجامعات من اليسار، مجرياً هذه “الثورة الثقافية” بالتحالف مع الرئيس المنتخب حديثاً، الليبرالي الديني بني صدر. وجاء الغزو العراقي في سبتمبر 1980 كهدية من السماء لأنصار الخُميني. فاستخدموا التعبئة العامة للحرب لتوطيد سلطتهم والاستيلاء على المركز الأخير للسلطة – الرئاسة – بشن هجوم على الرئيس بني صدر.

ارتبك اليسار تماماً أمام هذا التتابع للأحداث. مقاتلو اليسار الإسلامي من المجاهدين اصطفوا مع بني صدر ثم بدءوا حملة من الاغتيالات. وعندما وجدوا أنفسهم غير مكافئين لجيش الخُميني فروا إلى العراق وانضموا لهجوم صدام حسين ضد إيران. واصل الشيوعيون من حزب توده وجناح “الأغلبية” لمنظمة فدائيين العلمانية المقاتلة الدعم غير المشروط للخُميني. المنظمات اليسارية الأخرى، مثل جناح “الأقلية” لمنظمة فدائيين، واجهت علناً الجمهورية الإسلامية إلا أنهم تعرضوا للنفي. في عام 1983 حان دور كل من توده و”أغلبية” منظمة فدائيين ليتم حظرهم. تم القبض على المئات من أعضائهم. نحو 12000 من معارضي الجمهورية الإسلامية إما أعدموا أو قتلوا في خلال الصراعات المسلحة بيت عامي 1981 – 1985، وآلاف آخرين أعدموا في صيف عام 1988.

ومع ذلك، لم تنجز الثورة المضادة بالقمع فقط. فقد خلقت أيضاً قاعدتها الاجتماعية الخاصة. فشل اليسار الإيراني في إدراك هذا قادهم إلى إساءة فهم طبيعة الجمهورية الإسلامية والتقليل من شأن قوتها. قبل العودة إلى هذه المسألة سوف اتفحص أولاً أخطاء اليسار الإستراتيجية التي سمحت للإسلاميين بالتقدم.

مأساة اليسار

بالرغم من اتسامهم بالشجاعة والتضحية بالذات، فإن اليساريين لم يتمكنوا من منع أنصار الخُميني من الاستيلاء على السلطة. التفسير الشائع حتى الآن في صفوف اليسار الإيراني يلقي اللوم على الإمبريالية. وفقاً لإحدى الروايات:

“كافة موارد البورجوازية الدولية والوطنية، المدارة بواسطة وكالة المخابرات المركزية الامريكية، تم حشدها لنقل السلطة إلى الخُميني كممثل لرجال الدين الرأسماليين، لحماية وإنقاذ الدولة البورجوازية … وكانت هذه واحدة من أهم (إن لم يكن أكثرها أهمية) عوامل وضع الخميني على رأس الحركة الجماهيرية.”[8]

هذا التفسير ليس فقط خاطئاً؛ لكنه أيضاً منع اليسار من بحث أخطائه واستخلاص الدروس للمستقبل.

ارتكب اليسار خطأين إستراتيجيين. إستراتيجية حرب العصابات للمنظمات اليسارية منعتها من بناء منظمة وطنية متجذرة في نضالات العمال اليومية، على الرغم من محاولة بعض الناشطين تعويض هذا بعد الثورة من خلال إنشاء “جبهات العمال” إلى جانب جبهات “الطلاب” و”النساء“. عندما انقلب الخميني على الشورات والحركة العمالية لم يعتمد فقط على استخدام القوة. فقد تطلع أيضاً إلى تأثير أتباعه الإسلاميين. افتقر اليسار إلى الموارد التنظيمية لمواجهة هذه الهجمات، لربط الشورات معاً وتعزيز تطورها.

الخطأ الإستراتيجي الآخر الذي ارتكبه الجزء الأكبر من اليسار (توده وجناح “الأغلبية” لفدائيين) هو دعم الخميني دون قيد أو شرط، والنظر له باعتباره ممثل البورجوازية “التقدمية“؛ أي المناهضة للإمبريالية. بدلاً من تنظيم الطبقة العاملة كقوة مستقلة، شجعوها على إتباع الخُميني. هذا المنطق النابع من نظرية “المرحلتين” الستالينية، التي ترى أن البورجوازية الوطنية يجب أن تكمل أولاً الكفاح من أجل الاستقلال والديموقراطية، وبعد ذلك فقط يمكن لليسار إطلاق المرحلة الثانية من الثورة الاشتراكية. جادل حزب توده بأن الانتقال بين المرحلتين يمكن أن يتم بسلاسة إذا اتخذت الدولة الجديدة طريق “التطور غير الرأسمالي” عن طريق استنساخ رأسمالية الدولة في الاتحاد السوفيتي والانضمام لمعسكره.

مثل توده ومنظمات حرب العصابات وجهان لعملة واحدة: كلاهما استعاض بقوى أخرى عن الطبقة العاملة، ونحى الصراع الطبقي إلى المركز الثاني. جادل توده بأنه يجب دعم الجمهورية الإسلامية لأنها “مناهضة للإمبريالية“. عارض باقي اليسار ذلك على أساس أنها “دمية” الإمبريالية.

في حين أدرك توده أن الخميني يتمتع بشعبية بين الطبقات الدنيا، فإنه لم يفعل شيئاً لتحدي سطوته. ما كان يمكن تحقيق ذلك إلا من خلال بناء حركة عمالية مستقلة في القلب منها اليسار الثوري، وهذه يمكنها جذب فقراء الحضر والطبقة المتوسطة الدنيا بعيداً عن أنصار الخُميني. استهان اليسار “الماركسي” بشعبية الخُميني وشن هجوماً مفتوحاً على الجمهورية الإسلامية في الفترة من منتصف عام 1980 فصاعداً، تم سحقه في وقت لاحق.

صاغ أحد مؤرخي الثورة الإيرانية الأمر كالتالي:

“في حين أن عدداً من المنظمات الماركسية (توده وغيرهم) فسرت الاستقلال السياسي لجمهورية إيران الإسلامية على أنها علامة على وجود اتجاه محتمل نحو التفاهم مع الاتحاد السوفييتي، فإن الغالبية الساحقة نفت ما هو واضح وحاولت تصوير النظام الجديد بوصفه دمية مستترة للإمبريالية. وقد هزم الماركسيين من قبل الإسلاميين لأنهم رفضوا قبول الطبيعة المستقلة للقيادة الجديدة في ظاهرها، وهو عنصر لعب دوراً هاما في عدم قدرة الحركة على التكيف، وأدى في نهاية المطاف إلى سقوطها.”[9]

افتقر اليسار أيضاً لإستراتيجية لربط النضال من أجل الحقوق الديموقراطية بالثورة الاشتراكية (إستراتيجية الثورة الدائمة). حتى أنهم طوروا وجهة نظر يقف فيها الاثنان في تعارض. ظهرت العواقب الكارثية لهذا المنطق لأول مرة في مارس 1979 عندما تظاهر الآلاف من النساء ضد سياسات الخُميني الجديدة القائمة على التمييز على أساس النوع الاجتماعي، ولاسيما المرسوم الذي فرض ارتداء الحجاب. أيد اليسار حقوق المرأة بالكلام، ولكنه لم يتخذ خطوات ملموسة للدفاع عنها، ودعا أنصاره للامتناع عن تلك الاحتجاجات لأن معظم المشاركات كانوا من الطبقات المتوسطة والعليا. وأخيراً، زاد من ضعف اليسار التشرذم والعصبوية. أنشأت كل منظمة من المنظمات جبهتها الخاصة للطلاب والنساء والعمال بدلاً من توحيد العمال والطلاب والنساء الثوريين وغير الثوريين للنضال من أجل الأهداف المشتركة مثل حرية التعبير والتنظيم.

الشعبوية الإسلامية

كتب لينين، عاكساً وضع الأيام المظلمة التي تلت الثورة الروسية عام 1905: “كان على المرء معرفة كيفية التراجع، وأن يتعلم أيضاً كيفية العمل بشكل قانوني في أكثر البرلمانات رجعية، في أكثر النقابات العمالية رجعية، الجمعيات التعاونية والتأمينية والمنظمات المماثلة“.[10] لسوء الحظ، فإن اليسار الإيراني لم يتراجع مثل البلاشفة؛ فقط تكسر إلى أجزاء أصغر من أي وقت مضى أصبح يهيمن عليه من اسماهم لينين، في ذات المقطع، “المتشدقين بالعبارات“. لم تكن وحشية النظام الجديد السبب الوحيد. الأكثر أهمية كان فشل اليسار في إجراء تقييم واقعي لتوازن القوى الجديد، وتطوير إستراتيجيته وتكتيكاته وفقاً لذلك. تعديل مثل هذا في الاتجاه كان يتطلب من اليسار فهم طبيعة الثورة المضادة.

كان الرأي الشائع في اليسار الإيراني أن المكونات الرئيسية للكتلة الإسلامية بقيادة الخُميني كانت رجال الدين والبورجوازية الصغيرة التقليدية.[11] دفع هذا لتوقعين مختلفين. اعتقد توده أن تباين المصالح الاقتصادية سيضع البورجوازية الصغيرة ضد البورجوازية الكبيرة وينقلها أقرب إلى الطبقة العاملة والاتحاد السوفييتي. توقع بقية اليسار أن الطبقة الوسطى التقليدية لن تكون قادرة على قيادة دولة واقتصاد حديثين، وسوف تصطف مع البورجوازية ضد الطبقة العاملة. أصبح هذا هو الرأي السائد بعد هجمات الخُميني على اليسار والشورات، التي تم تفسيرها على أنها كثورة مضادة بورجوازية.[12] هذا النمط من التحليل دفع كثير من الماركسيين الإيرانيين لأن يعزوا عدم استقرار النظام إلى التناقض القائم بين المصالح الاقتصادية “الحديثة” للبورجوازية والنظام السياسي – الديني “ما قبل الحديث” لرجال الدين المتجسد في ولاية الفقيه.

هذه النظريات بالغت في تقدير أثر “تحالف المسجد والبازار“. والأهم أنها تجاهلت الدور الحاسم للطبقة الوسطى الجديدة في كل من الثورة وتشكل الجمهورية الإسلامية.[13] جذب الإسلام السياسي أعداداً كبيرة من الطلاب والمثقفين والمحامين والأطباء والمهندسين والمهنيين، ليس بوصفه مشروع ديني، ولكن كمشروع سياسي.

قدم توني كليف تفسيراً موجز لدور المثقفين في البلدان النامية:

“الإنتليجنتسيا حساسون للتأخر التقني لبلدانهم. برغم مشاركتهم في العالم العلمي والتقني للقرن العشرين، إلا أنهم مقيدون بتخلف أممهم. وتعزز “بطالة المثقفين” المستوطنة في هذه البلدان هذا الشعور… إنهم يشعرون بعدم الأمان، وانعدام الجذور، والافتقار إلى القيم المؤسسية … (إنهم) يجمعون بين الحماس الديني والقومية المتشددة … يهتمون كثيراً باتخاذ تدابير لجذب أمتهم للخروج من الركود، ولكن قليلاً جداً بالديموقراطية. أنهم يجسدون محرك للتصنيع، لتراكم رأس المال، لتحقيق طفرة على المستوى الوطني… كل هذا يجعل رأسمالية الدولة الشمولية هدفا جذابا جدا للمثقفين.”[14]

لم يكن نشوء المجموعة المحيطة بالخُميني مجرد تعبير عن رأس المال التجاري الطفيلي القائم على البازار التقليدي، كما أشار كريس هارمان في مقال هام عن الحركات الإسلامية. شكلت الطبقة الوسطى الجديدة العمود الفقري التنظيمي للكوادر الإسلامية في الثورة وجهاز الدولة. لم يكن الأمر مجرد ثورة مضادة بورجوازية تقليدية. قام الإسلاميون “بإعادة تنظيم ثورية للملكية والسيطرة على رأس المال داخل إيران حتى وإن لم يمسوا بعلاقات الإنتاج الرأسمالية، بوضع رأس المال واسع النطاق الذي كان مملوكاً للمجموعة المحيطة بالشاه في يد الدولة والهيئات شبه الحكومية التي أداروها بأنفسهم “.[15]

الخميني يلقي خطبة في مجموعة من أنصاره سنة 1979

الخميني يلقي خطبة في مجموعة من أنصاره سنة 1979

ثورة أنصار الخُميني المضادة تختلف عن الثورة المضادة البورجوازية التقليدية في الجوهر إذ أنها لم تحاول استعادة النظام السياسي والاجتماعي السابق. بل خلقت واحداً جديداً، بينما حافظت على العلاقات الرأسمالية للإنتاج الاجتماعي. أشارت فال مقدم إلى هذه الظاهرة عندما كتبت أن الفترة بين عامي 1979 و1983 لم تتضمن ثورة واحدة وإنما اثنتان.[16] بسبب الاستمرارية بين المرحلتين، بتوجهات مختلفة، يمكننا الحديث أيضاً عن “ثورة دائمة منحرفة“.[17] تم استخدام هذا المصطلح لأول مرة من قبل كليف لوصف الثورات في الصين (1949) وكوبا (1959)، لكنه ينطبق أيضا على بعض الثورات الأخرى في البلدان المتخلفة. حيث تتشارك جميعاً في الخصائص التالية: (أ) النظام الاجتماعي الذي يتحلل تحت الضغوط الخارجية والأزمات الداخلية؛ (ب) هبات ثورية من أسفل؛ (ج) التوازن بين السلطة البورجوازية وقوى الطبقة العاملة. (د) طبقة وسطى كبيرة نسبياً وراديكالية. في هذه الحالات تقدم الطبقة الوسطى القيادة للحركات الثورية وتخلق دولة تفرض التصنيع بشكل فوقي.

بالنظر إليها من منظور عالمي وتاريخي، هذا النوع من الثورات يماثل “ثورة تخلفrevolution of backwardness من ذلك النوع الذي ينشأ في البلدان المتأثرة بالتطور المركب المتفاوت.[18] هذه البلدان هي شاهد على ما اسماه تروتسكي في وصفه الكلاسيكي لروسيا “رسم لمراحل مختلفة في آن واحد” للتطور ويؤدي إلى “الجمع بين خطوات منفصلة، مزيج من الأشكال البالي مع أكثرها معاصرة“.[19] نظرية التطور المركب المتفاوت لا تجد صعوبة في فهم جمع الخُمينية للعناصر “التقليدية” و”الحداثية“، على عكس نظرية التحديث الليبرالية ونسخها “الماركسية” التي تصور الرأسمالية باعتبارها عملية أحادية الاتجاه، تقدمية وتقود إلى التجانس. كما توضح “تفرد” الخُمينية من خلال إظهار أنها عالمية ومحددة في نفس الوقت.

تاريخياً ظهرت “ثورات التخلف” في أشكال مختلفة، اعتماداً على التركيب المعين للقوى القومية والدولية.[20] أحد أشكالها، الذي ساد في أمريكا اللاتينية والشرق الأوسط، هو الشعبوية. الخُمينية، أو الحركات الإسلامية بشكل عام، هي شكل معين من أشكال الشعبوية. كما آمل أن أثبت لاحقاً، فهي تشارك في الخصائص العامة للشعبوية كحركة سياسية، وأيديولوجية، وإستراتيجية للتنمية الاجتماعية والاقتصادية، وشكل من أشكال الحكم.[21] إلا إن لديها أيضاً خصائصها المميزة.

بحسب تعريف أبراهميان، فالشعبوية هي:

“حركة [سياسية] من الطبقة المتوسطة المالكة تحشد بواسطتها الطبقات الدنيا، وخاصة فقراء المدن، بشعارات راديكالية موجهة ضد الإمبريالية، والرأسمالية الأجنبية، والمؤسسة السياسية. تستخدم الحركات الشعبوية، في تعبئة “عامة الناس”، الشخصيات العامة والرموز الكاريزمية، التشبيهات، واللغة المستقرة في الثقافة الجمعية. تعد الحركات الشعبوية برفع كبير في مستوى المعيشة وجعل البلاد مستقلة تماماً عن القوى الخارجية. والأهم من ذلك، في هجومها الوضع الراهن بخطاب راديكالي، وتمتنع عمدا عن تهديد البرجوازية الصغيرة ومبدأ الملكية الخاصة. لذلك فالحركات الشعبوية، تؤكد حتماً على أهمية إعادة البناء الثقافي والوطني بديلاً عن الثورة الاقتصادية -الاجتماعية.”[22]

كان محور شعبوية الخُميني هو صياغة تحالف متعدد الطبقات، تهيمن عليه الطبقة الوسطى:

“نحن مع الإسلام، لسنا مع الرأسمالية والإقطاع، ولسنا مع مغتصبي الأرض، ولكن مع الحفاة، الطبقات المحرومة. الإسلام ينبع من الجماهير، وليس من الأغنياء. كان شهداء الثورة الإسلامية جميعاً من أفراد الطبقات الدنيا والفلاحين والعمال الصناعيين، وتجار البازار وأصحاب المتاجر.”[23]

وفق الخُميني بين هذه العناصر المتناقضة بالتحدث عن شعب مسلم غير متمايز (أمة) أو “المحرومين“، والذين ضمن فيهم أيضاً البازاريين! ومع ذلك، فبمجرد ما اتخذت الحركة الخُمينية طابعاً مؤسسياً، فقد تفككت إلى فصائل سياسية مختلفة عاكسة المصالح الطبقية المختلفة، واختلاف التوجهات الأيديولوجية والدينية.

من الناحية الأيديولوجية، لا تمثل الخُمينية عودة إلى الماضي أو رفضاً تاماً للعالم الحديث. لقد قامت على “القدرة على التكيف الأيديولوجي والمرونة الفكرية، بجانب الاحتجاجات السياسية ضد النظام القائم، وبجانب القضايا الاجتماعية والاقتصادية التي تمثل وقود المعارضة الجماهيرية للوضع الراهن“.[24] لقد كانت ثورية ومحافظة في ذات الوقت. تبنت ماضياً أسطورياً وأرادت تحويل المجتمع. بذلك لم تكن الخُمينية استمراراً للإسلام التقليدي لرجال الدين إنما إعادة تفسير تقدم إجابةً إسلاميةً للقضايا السياسية والاجتماعية والاقتصادية الحديثة. أقيم هذا المشروع في وقت مبكر منذ ستينات القرن العشرين بواسطة الخُميني ورجال دين راديكاليين آخرين، وأيضا بواسطة الإسلاميين من غير رجال الدين أمثال علي شريعتي، الذي جذبت محاضراته العديد من الطلاب والمثقفين الناقدين لانقسام رجال الدين. تساءل علي أكبر هاشمي رافسنجاني، والذي كان معاوناً وثيقاً للخُميني آنذاك، مجادلاً التقليديين بعد الثورة: “أين في التاريخ الإسلامي تجدون برلماناً ورئيس ومجلس وزراء؟ في الواقع، فإن 80 بالمائة مما نقوم به الآن لا سابقة له في التاريخ الإسلامي“.[25]

لم يكن لدى قادة الجمهورية الإسلامية إستراتيجية واضحة للتنمية الاجتماعية والاقتصادية بعد الثورة. بعضهم فضل تدخل الدولة، في حين دافع آخرون عن اقتصاد السوق الحر. جعلت الحاجة الفورية لإنقاذ الاقتصاد من الانهيار وبعدها تعبئة جميع الموارد للحرب مع العراق تيار مؤيدي تدخل الدولة يهيمن. كان لهذا مجموعتان من الأهداف: إعادة توزيع الثروة والبرامج الاجتماعية لاسترضاء الطبقات الدنيا، واستعادة تراكم رأس المال لبناء اقتصاد حديث. نتيجة لذلك هيمنت احتكارات الدولة الرأسمالية على الاقتصاد، مثل الصناعات والبنوك المؤممة، والتكتلات الضخمة تحت إشراف البونيادات bonyads (مؤسسات شبه حكومية).

اكتسبت الدولة في الجمهورية الإسلامية استقلال ذاتي نسبي عن الطبقات الاجتماعية، تماما مثل الأنظمة الشعبوية الأخرى التي غالباً ما ترتبط بالبونابرتية. طبقاً لتحليل ماركس في كتاب “الثامن عشر من برومير لويس بونابرت“، هذا هو الوضع الذي يدعي قائداً كاريزمياً وقوفه فوق الانقسامات الطبقية وتمثيله “للشعب” من خلال جهاز الدولة والمنظمات الجماهيرية الموازية. ولأن الاستقلال النسبي لدولة بونابرتية يعتمد على توازن القوى بين البورجوازية والطبقة العاملة، فهو غير مستقر بطبيعته. بيد أن هذا يتغير عندما تخلق بيروقراطية الدولة قاعدتها الاجتماعية والاقتصادية المستقلة الخاصة من خلال سيطرتها على وسائل الإنتاج وتصبح هي نفسها طبقة. طبقاً لتفسير كليف هذا ما حدث للاتحاد السوفييتي في نهاية عشرينيات القرن العشرين.[26] نشأت الجمهورية الإسلامية من لحظة بونابرتية (1979 – 1983)، إلا أنها وسعت بيروقراطية الدولة فيما بعد، معطية إياها السيطرة على أجزاء كبيرة من الاقتصاد، أهمها عائدات النفط. أثناء قيامها بذلك، أمدت الحركة الإسلامية أفراد الطبقة الوسطى الجديدة بقابلية الترقي ومكنتهم من الجمع بين التدين والتقدم المادي.

بعد الثورة مباشرة شغل أعضاء الطبقة الوسطى الجديدة الإسلاميين 130 ألف وظيفة أصبحت شاغرة بعد مغادرة المديرين والفنيين المحليين والأجانب للبلاد.[27] ارتفع عدد الوزارات من 20 وزارة توظف 304 ألف موظف عام في عام 1979 إلى 26 وزارة توظف 850 ألفاً.[28] وسع تأميم الصناعة، واستحداث منظمات شبه حكومية متنوعة، ونمو الجيش، من شريحة الإدارة البيروقراطية. ولهذا السبب فإن طبقة بيروقراطية الدولة، أو بورجوازية الدولة، تلعب دوراً هاماً في إيران. أثرت الدولة في التشكيل الطبقي أيضاً بطرق أخرى، بسبب دورها المركزي في تراكم رأس المال. نمت بورجوازية جديدة – الملالي المليونيرات – في الفجوات بين القطاع العام، والبونيادات والبازار.

تجسد الدور التاريخي لرجال الدين أثناء هذه التطورات، والوضع القوي الذي حققوه، في شكل محدد من أشكال الحكم السياسي، هو ليس جمهورية ديموقراطية ولا ديكتاتورية ثيوقراطية. إنه مزيج معقد من العنصرين (أنظر الشكل التالي).أصبح الخُميني المرشد الأعلى وفقاً لعقيدة ولاية الفقيه المنصوص عليها في الدستور. ترسخت قوة رجال الدين بمجلس الخبراء، الذي ينتخب ويشرف على المرشد الأعلى؛ وبمجلس صيانة الدستور، الذي يقبل أو يرفض المرشحين للمناصب السياسية، ويتحقق من التوافق بين التشريع البرلماني والشريعة الإسلامية؛ وبمجلس تشخيص مصلحة النظام، الذي تم إنشاؤه في عام 1988 للتوسط في النزاعات بين مجلس صيانة الدستور والبرلمان. بالتوازي مع هذه المؤسسات، وإن في علاقة تابعة، توجد مؤسسات الجمهورية: الرئاسة والبرلمان ومجالس المدن. يتم انتخاب مسؤوليها، ولكن يجب أولاً أن تتم الموافقة عليهم من مجلس صيانة الدستور.كما يتم انتخاب أعضاء مجلس الخبراء.

يتيح لنا التحليل في هذه الشروط التعرف على نقاط القوة ونقاط الضعف في الجمهورية الإسلامية. ارتكب اليسار الإيراني خطأً فادحاً في أوائل ثمانينات القرن العشرين باعتباره الجمهورية الإسلامية نظام ضعيف عتيق يمكن التغلب عليه بسهولة أو إبرام الصفقات معه، فأيديولوجيته، وإستراتيجيته الاجتماعية والاقتصادية، وسلطته السياسية جعلته أكثر مرونة مما اعتقد الكثيرون. في ذات الوقت فقد حمل منذ البداية تناقضات داخلية ضخمة في الحقول الثلاثة، الأمر الذي خلق صراع على السلطة بين فصائل النخبة وأدى إلى تآكل شرعيتها وقاعدتها الاجتماعية في المجتمع. هذه العملية خلقت فرصاً للحركات الاجتماعية لتنتظم وفقاً لمصالحها الخاصة.

صعود وأفول الشعبوية (1983 – 1989)

ما أن عززت الجمهورية الإسلامية سلطتها بواسطة قمع المعارضة الليبرالية والاشتراكية، حتى أصبحت منقسمة إلى فصيل يساري وفصيل يميني. كانت القضية المركزية هي التوجه الاقتصادي، إلا أن المسائل الدينية والثقافية لعبت دوراً كذلك.

كانت التكتل داخل النظام المعروف باسم “اليسار الإسلامي” هو القوة المهيمنة في ثمانينات القرن العشرين. انحدر غالبية أعضائها من الطبقة الوسطى الجديدة التي تجذرت، ولكنها ضمت أيضاً رجال الدين الشعبويين. حازت الأغلبية في البرلمان، وشغل العديد من أعضاءها القياديين مناصباً حكومية. كرئيس للوزراء، كان حسين موسوي الوجه المحبوب لهذا الفصيل حيث نفذ سياسات اقتصادية شعبوية لحماية الطبقات الدنيا من آثار الأزمة الاقتصادية والحرب، التي أدت بحلول عام 1988إلى خفض نصيب الفرد من الدخل القومي إلى نصف مستوى ما قبل الثورة. كان يجادل قائلاً “إن طريق الإسلام هو تحقيق العدالة الاجتماعية“، وأن “أمن الثورة يكمن في القضاء على الفقر وخدمة المعدمين… يجب ألا يحكم رأس المال وينبغي أن يكون الفقراء أولوية النظام وليس الميسورين“.[29]

دعمت الحكومة المنتجات الأساسية، فرضت رقابة على الأسعار ونظام تحصيص، وقدمت برامج البونيادات الاجتماعية. استفاد واحد من كل أربعة إيرانيين، 12,4 مليون نسمة، من المساعدة الاجتماعية لمؤسسة المضطهدين وذوي الاحتياجات الخاصة، مؤسسة الشهداء، لجنة إغاثة الإمام ومؤسسة 15 خُرداد.[ب][30] على الرغم من بقاء انعدام المساواة في إيران إلى حد كبير، زادت نسبة حصة الدخل التي تحصل عليها الأسر الفقيرة ومتوسطة الدخل (جدول رقم 1).

علاوة على ذلك، استفاد قسم كبير من السكان من الإنفاق الحكومي على التعليم والرعاية الصحية والبنية التحتية وبرامج الرعاية الاجتماعية، كما يتضح في صعود مؤشر التنمية البشرية الإيرانية من 0,559 في 1980 إلى 0,671 في عام 1990 (ارتفع كذلك من 0,735 في 2000 إلى 0,770 في عام 2005 (مشابه لمؤشرات التنمية البشرية في تركيا )).[31] ارتفعت نسبة الأسر الحضرية التي تملك ثلاجة من 36,5 في 1977 إلى 92,4 في عام 1989. وارتفعت نسبة الأسر الريفية الحاصلة على الكهرباء من 16,2إلى 71,2 في ذات الفترة.[32] علاوة على ذلك، تلقى ما يقرب من 220 ألف من الأسر الفلاحية 850 ألف هكتار من الأراضي بعد الثورة. “شكلوا، إلى جانب ما يقرب من الـ 660 ألف أسرة التي حصلت على أراضي في وقت مبكر أثناء الثورة البيضاء،[جـ] طبقة ريفية رئيسية استفادت ليس فقط من هذه الخدمات الاجتماعية الجديدة ولكن أيضاً من التعاونيات التي تدعمها الدولة وجدران وقائية من الرسوم الجمركية. هذه الطبقة أعطت النظام قاعدة اجتماعية ريفية“.[33]

جدول رقم 1 : توزيع الدخل[34]

  1977 1986 1991
معامل جيني([د]) 0,515 0,466 0,456
نصيب الـ 40 % الدنيا من السكان 11,36 % 12,71 % 13,43 %
نصيب الـ 40 % المتوسطة من السكان 31,32 % 36,51 % 36,64 %
نصيب الـ 40 % الأعلى من السكان 57,32 % 50,78 % 49,92 %

كما حظيت الجمهورية الإسلامية أيضاً بدعم من قطاعات من فقراء الريف والحضر من خلال إشراكهم في المنظمات والحملات الجماهيرية. أرسلت جهادي سازانديجي Jahade Sazandegi (جهاد التعمير)،[هـ] على سبيل المثال، الآلاف من الشباب إلى المناطق الريفية لمساعدة الفقراء بالسكن الرخيص أو المجاني. ومثلت عضوية الحرس الثوري والجناح شبه العسكري له، الباسيج، للكثير من الشباب الفقراء وسيلة لتحقيق المكانة الاجتماعية والمنافع المادية.

تم الجمع بين السياسات الاقتصادية الشعبوية وأساليب رأسمالية الدولة للتحول لاقتصاد صناعي. واصلت الحكومة في واقع الأمر إستراتيجية إحلال الواردات التي اتبعتها إدارة بهلوي السابقة ولكن أسمتها، على حد تعبير الخميني، خود كفائيkhod kafa’i  (الاكتفاء الذاتي). أدى هذا لوضع التجارة الخارجية تحت سيطرتها بتراخيص الاستيراد والرسوم الجمركية وتنظيم النقد الأجنبي.

على الرغم من بعض النجاحات المعتدلة في التصنيع، تعثرت إستراتيجية رأسمالية الدولة للحكومة بمرور ثمانينات القرن العشرين. جزئياً كان ذلك بسبب أعباء الحرب مع العراق، خاصة مع التراجع الحاد لأسعار النفط في عام 1986. ولكن كان أيضاً بسبب أن الاقتصاد الإيراني أصبح معزولاً عن السوق العالمي، الذي سمح بالواردات الوسيطة والرأسمالية وبتصدير النفط والغاز، برغم استمراره معتمداً عليه. [35]

فشل رأسمالية الدولة دعم موقف اليمين الإسلامي، الذي فضل سياسات السوق الحر. كان مؤيديه بشكل رئيسي رجال الدين التقليديين وبورجوازية البازار التجارية. كان حصنهم السياسي هو مجلس صيانة الدستور المحافظ، الذي “أثار اعتراضات على 102 من أصل 370 مشروع قانون اقترحت من قبل البرلمان الأول و118 من أصل 316 مشروع قانون مررها البرلمان الثاني بحجة كونها غير إسلامية أو غير دستورية“.[36] في نهاية المطاف، شلت الصراعات بين الفصائل حزب الجمهورية الإسلامية، مما اضطر الخميني إلى حله في مايو 1987. كما شلت جمعية علماء الدين المجاهدين (جامعه روحانیت مبارز)، بانفصال مجموعة من رجال الدين المنتميين لليسار الإسلامي وتشكيلهم مجمع علماء الدين المجاهدين (مجمع روحانيون مبارز). كان من بينهم القادة المستقبليين للإصلاحيين مثل خاتمي وكاروبي.

سعى المرشد الأعلى الخميني للحفاظ على التوازن بين الفصيلين. لكنه غالباً ما انحاز نحو اليسار، معلناً قبل الانتخابات البرلمانية عام 1988 أن على الشعب “أن يصوت للمرشحين الذين يعملون من أجل الحفاة وليس دعاة الإسلام الرأسمالي“. في خطبة صلاة الجمعة التي ألقاها في 1 يناير 1988 منح الحكومة، التي يسيطر عليها اليسار، مطلق الحرية في مباشرة شؤون الدولة، مؤكدا أن الحكومة هي “واحدة من وصايا الإسلام الأساسية، ولها الأولوية على كافة الوصايا الثانوية الأخرى، حتى الصلاة، والصيام، والحج“.[37] وقدم مفهوم المصلحة (النفعية)، مجادلاً أن جميع المسائل يجب أن يحكم عليها بمعيار ما هو أفضل للدولة الإسلامية. إذا كان أي شخص يعتقد أن الخُمينية تعني أسلمة السياسة، فينبغي على هذا إقناعه بأنها تعني العكس تماماً.

توقيت شعبوية الخُميني الجديدة لم يكن من قبيل المصادفة.كانت محاولة لكسب دعم شعبي. ولكن في الوقت نفسه، تحت ضغط من تراجع الإيرادات النفطية وسخط البورجوازية التجارية، قدمت حكومة موسوي بعض التنازلات للفصيل اليميني المؤيد للسوق. أعيد فتح بورصة طهران في سبتمبر 1988 وفي أبريل عام 1989 أعلنت الحكومة سياسة للخصخصة.

كان الحماس في صفوف سكان للجمهورية الإسلامية يتلاشى سريعاً بعد عقد من الحرب المدمرة التي خلفت 300 ألف من الإيرانيين قتلى و700 ألف جرحى.[38] هرب ما يقدر بنحو 1,6 مليون شخص من ديارهم على طول الحدود مع العراق. كان انتهاء الحرب مع العراق في أغسطس 1988 متبوعاً بوفاة الخميني في يوليو 1989، يعني زوال اثنين من العوامل الرئيسية التي قد حشدت غالبية السكان حول الجمهورية الإسلامية. اختير علي خامنئي من قبل مجلس الخبراء ليكون المرشد الأعلى الجديد، لكنه افتقر إلى سلطة الخميني في وسط كل من عامة الشعب ورجال الدين. بدون التأثيرات الجاذبة للحرب ولسلطة الخميني، اشتد الصراع بين الفصائل.

كان النظام يواجه أيضاً مشكلة فالشرعية الأيديولوجية. فبعد عشر سنوات من “الأسلمة“، كان لا يزال هناك فجوة ضخمة بين الأيديولوجيا الرسمية والعديد من القيم الاجتماعية والاتجاهات في المجتمع ككل؛ فجوة أدت العلمنة لزيادتها في العقود التالية. كانت الاختلافات الأيديولوجية بين الإسلاميين أنفسهم مستعصية الحل وبدأت تقودهم في اتجاهات متباينة.

مثلت نهاية الحرب نقطة تحول هامة، كثير من الإسلاميين الملتزمين الذين غادروا أسرهم الفقيرة للجيش عادوا ليجدوا استمرار الفجوة الضخمة بين خطاب العدالة الاجتماعية وواقع صعود طبقة جديدة من رجال الدين الأغنياء والبازاريين. صور محسن مخملباف خيبة الأمل هذه ببراعة في فيلمه الزواج المبارك (1989)، وفيه يعود حاﭼـي، وهو جندي شاب، من الحرب محملاً بندوب نفسية ويجد صعوبة في التكيف مع الوضع الجديد. في المشهد الافتتاحي تلتقط الكاميرا الشعارات الثورية على الحائط عبر علامة سيارة مرسيدس. ويظهر أن السائق هو حماه المستقبلي، رجل دين غني.يقف حاﭼـي يقف في حفل زفافه، غاضباً من نفاق المتدينين الأغنياء، “ليرحب” بالضيوف بهذه الكلمات الساخرة: “أولئك الذين جاءوا يرتدون جوارب مختلفة على أقدامهم [لأنهم فقراء]، موضع ترحيب! أيضاً أولئك الذين جاءوا في سيارات مختلفة، موضع ترحيب!“.

على مدى العقد اللاحق تبنى بعض هؤلاء الإسلاميين، مثل المخرج مخملباف، إصلاح النظام، في حين تحول آخرون لمحافظين جدد. المشاريع السياسية المتنوعة التي بدأت في السنوات التالية؛ تحرير رفسنجاني الاقتصادي، الإصلاحات السياسية لخاتمي والشعبوية الجديدة لأحمدي نجاد، يمكن اعتبار كل مها كاستجابة قسم من الطبقة الحاكمة لأزمة الشرعية التي يواجهها النظام.

تحرير الاقتصاد (1989 – 1997)

علي أكبر هاشمي رفسنجاني

علي أكبر هاشمي رفسنجاني

لا أحد في الطبقة الحاكمة فهم أفضل من رفسنجاني، الذي انتخب رئيساً في عام 1989، أن الهاوية الاقتصادية التي تواجه الجمهورية الإسلامية كانت تعني أنه لو أرادت النجاة لا يمكن أن يستمر العمل بالطريقة المعتادة. صعوده إلى السلطة عكس نشأة فصيل سياسي جديد، اليمين الإسلامي الحديث (“البراغماتيين“)، ومجموعة اجتماعية جديدة من التكنوقراطيين والأغنياء المحدثين. شاركوا اليمين التقليدي (“المحافظين“) السياسات المؤيدة للسوق، ولكن بدلاً من الاعتماد الرئيسي على الاقتصاد البازاري فضلوا اقتصاداً حديثاً على قاعدة الصناعة. كانت لديهم أيضاً توجهات اجتماعية وثقافية أقل صرامة وسعوا لتحسين العلاقات مع الغرب.

لاقت دعوة رفسنجاني لإعادة الإعمار بعد الحرب قبولاً أولياً لدى الشعب. أحل شعاري توسعه towse’eh (تنمية) وإصلاحات islahat  (الإصلاحات)، محل خود كفائي khod kafa’i  (الاكتفاء الذاتي)، شعار الثمانينات الأخاذ، وهو ما يعني في الأساس توجيه الاقتصاد نحو السوق الحر. مثل استقبال بعثة البنك الدولي / صندوق النقد الدولي في إيران في يونيو 1990 رمز هذا التحول. اتبعت إصلاحات رفسنجاني كثيراً وصفات هذه المؤسسات لـ”إعادة الهيكلة” الاقتصادية: تحرير التجارة الخارجية، إلغاء تنظيم الأسعار ورفع الدعم، الخصخصة، رفع القيود، الاقتراض الأجنبي، تشجيع الاستثمار الأجنبي، إنشاء مناطق للتجارة الحرة، تنشيط بورصة طهران، وإعادة تنظيم الخدمات المصرفية والمالية.

بهذه السياسات المؤيدة للسوق، كان رفسنجاني يعيد توجيه الجمهورية الإسلامية في اتجاه البورجوازية من خلال منحهم فرص جديدة لتحقيق الأرباح. صنع رفسنجاني وعائلته وأقاربه أنفسهم ثروة بالتأكيد. الصحفي الاستقصائي كليبنيكوف ذكر في عام 2003 كيف نشأت مجموعة جديدة من الرأسماليين بعد الثورة:

“حولت ثورة عام 1979 عشيرة رفسنجاني إلى باشوات تجاريين. ترأس أحد أخوته أكبر منجم للنحاس في البلاد، وتولى آخر السيطرة على شبكة التلفزيون المملوكة للدولة، أصبح أحد أصهاره حاكم إقليم كرمان، في حين أدار احد أبناء عمومته هيئة تهيمن على نشاط تصدير الفستق في إيران المقدر بـ 400 مليون دولار؛ تقلد أحد أبناء أشقائه وواحد من أبناء رفسنجاني مناصب رئيسية في وزارة النفط، ابنٌ آخر ترأس مشروع بناء مترو طهران (أنفق فيه ما يقدر بـ 700 مليون دولار حتى الآن). اليوم، تعمل الأسرة من خلال مؤسسات متعددة وشركات صورية، ويعتقد أنها تسيطر على واحدة من أكبر الشركات الهندسية للنفط الإيراني، ومصنع تجميع لسيارات دايو، وأفضل شركة طيران خاصة في إيران … يمتلك الابن الأصغر ياسر رفسنجاني، مزرعة خيول مساحتها 30 فدان في حي لواسان الراقي بشمال طهران، حيث يصل ثمن الفدان لأكثر من 4 ملايين دولار. فقط من أين حصل ياسر على ثروته؟رجل أعمال تلقى تعليمه في بلجيكيا، ويدير شركة كبيرة للاستيراد والتصدير تشمل أغذية الأطفال، والمياه المعبأة والآلات الصناعية.”[39]

أفاد هذا التحرير البازاريين كذلك :

“أسد الله أسجرولادي يصدر الفستق، والكمون، والفواكه المجففة والجمبري والكافيار، ويستورد السكر والأجهزة المنزلية؛ تقدر ثروته من قبل المصرفيين الإيرانيين بنحو 400 مليون دولار. تلقى اسجرولادي القليل من المساعدة من شقيقه الأكبر، حبيب الله، الذي وكان مسئولاً، كوزير للتجارة في الثمانينات، عن توزيع رخص التجارة الخارجية المربحة.”[40]

قدم رفسنجاني للطبقات المتوسطة والعاملة “صفقة اقتصادية” كمقابل دعمهم السياسي؛ وهي النزعة الاستهلاكية. سمح للبازاريين بإغراق السوق الإيرانية بالمنتجات المستوردة وبرر ذلك بقوله: “لماذا يجب أن تمنع عن نفسك الأشياء التي حللها الله؟… نِعمة الله هي للشعب والمؤمنين. الزهد وترك الاستهلاك المقدس سيخلق الحرمان وانعدام الدافع للإنتاج والعمل والتطوير“.[41]

بالرغم من ذلك، ففي الواقع قوض التحرير الاقتصادي التأييد في قلب الطبقة العاملة وفقراء الحضر. رفعت سياسات رفسنجاني مؤشر الأسعار الاستهلاكية من 23 في عام 1993 إلى 60 في عام 1994.[42] ارتفع الدين الخارجي من 7,6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في 1990 إلى 58,2 في المائة في عام 1995، وفي عام 1994 اضطرت الحكومة لخفض الواردات بالمقارنة بمستوياتها في عامي 91 – 1992. زادت الفجوة بين الأغنياء والفقراء، وسرحت الشركات المخصخصة عمالها، مما أدى إلى ارتفاع معدل البطالة. عانت شرائح المجتمع الأفقر بسبب خفض الدعم.

تفككت العلاقة الشعبوية للثمانينات بين الدولة والطبقات الدنيا. تم التضييق حتى على وصول الاتحاد النقابي الرسمي، “دار العمال“، إلى أروقة السلطة وتم استبعاده بشكل متزايد.[43] زاد الاستياء بين الطبقات الدنيا، مما أدى إلى ما لا يقل عن سبعة احتجاجات عنيفة ما بين عامي 1991 و1995.[44] طبقاً لبايات:

“اندلعت الاحتجاجات العنيفة في طهران في أغسطس 1991 وفي شيراز وآراك في عام 1992 من قبل واضعي اليد على الأراضي بسبب هدم مآويهم أو الإخلاءات القسرية. اندلعت اضطرابات أشد درامية في مدينة مشهد في 1992 ومدينة إسلام شهر بإقليم طهران في عام 1995. في مشهد، اندلعت الاحتجاجات بسبب رفض البلدية لمطالب واضعي اليد على الأراضي في المدينة بتقنين وضع تجمعاتهم السكنية. هذا الاضطراب واسع النطاق، والذي فشل الجيش في قمعه، خلف أكثر من اثني عشر قتيل. أعمال الشغب التي استمرت ثلاثة أيام في إسلام شهر، وهو تجمع سكاني غير رسمي كبير في جنوب إقليم طهران، في إبريل 1995 جاءت مدفوعة بإجراءات الاقتصادية التقشفية لما بعد الحرب – لاسيما الزيادة في أجرة الحافلات وأسعار الوقود – في ظل الرئيس رفسنجاني.”[45]

على الرغم من سياسات رفسنجاني المؤيدة للسوق، إلا أن إيران لم تتحول إلى الـ”ليبرالية جديدة“، كما أنها لم تدمج تماماً في الرأسمالية العالمية كما يدعى يساريين أحياناً. وعلى الرغم من نية تقليص القطاع الحكومي بنسبة 8 في المائة، نما بنسبة 3 في المائة في أوائل التسعينات.[46] تم نقل إدارة 48 شركة فقط لمساهمين. أحيطت العملية برمتها بالفساد والاحتيال حيث بيعت شركات بثمن بخس لناس ذوي اتصالات بالحكومة. مما يذكرنا بما حدث في بلدان نامية أخرى، تحولت الخصخصة إلى ما اسماه جوزيف ستجليتز بيع بالرشوة “briberisation“. حافظت طبقة بيروقراطية الدولة على دورها المركزي في الاقتصاد، وفتحت للقطاع الخاص المحلي والأجنبي الباب حيثما تطلبت مصالحها القيام بذلك، وأبقته مغلق حيثما لم تتطلب. أعربت البورجوازية النامية في القطاع الخاص عن استيائها من امتيازات الشركات المملوكة للدولة ونشاط البونيادات لكن في نفس الوقت اعتمدت على الدولة لحمايتها من الصناعات الأجنبية وطمحت في الحصول على عائدات النفط في شكل دعم للعملة الأجنبية والقروض المخفضة. وبهذا فإن ما نشأ في إيران، قياساً على مفاهيم ديفيد هارفي بخصوص الصين، “ليبرالية جديدة ذات خصائص إيرانية“، أو على حد تعبير كاوه إحساني، “رأسمالية دولة ليبرالية جديدة“.[47] لم يختفِ الدور المركزي للدولة في الاقتصاد، كان ببساطة موجهاً بعيداً عن توفير حماية للفقراء باتجاه تعزيز تراكم رأس المال.

أوجدت إدارة رفسنجاني عدة مئات من الشركات شبه الحكومية.”قسم المشتريات في وزارة ما سيعمل كشركة، لبيع مستلزمات مكتسبة بأموال الوزارة للوزارة، من أجل الربح. ثم يتم توزيع الأرباح على المساهمين، الذين كان معظمهم من العاملين في نفس الوزارة“.[48] أولئك الذين تحكموا في هذه العملية كان في إمكانهم تحقيق أرباح ضخمة. حالة مؤسسة المقهورين والمعاقين هي حالة كاشفة. كان توجهها الرئيسي مساعدة “القطاعات المحرومة” في المجتمع من خلال الأنشطة الخيرية لكنها في ذات الوقت أنمت مصالحاً اقتصادية ضخمة. حسب التقديرات المتحفظة فقد كان لها 800 فرع ووظفت 700 ألف شخص، وبلغت أرباحها 430 مليون دولار بين عامي 1990 و1995. تم استخدام جزء كبير منها لشراء الأسهم أو الشركات التي تمت خصخصتها. تدفقت بعض الأرباح أيضا إلى الحرس الثوري وبعض البازاريين. كان الفساد جزءً لا يتجزأ من هذه العملية. تم إدانة شقيق المدير في عام 1995 باختلاس 450 مليون دولار.

سياسات رفسنجاني الاقتصادية كثفت صراع الفصائل السياسية. دعم المرشد الأعلى خامنئي واليمين التقليدي رفسنجاني في البداية. ساعده مجلس صيانة الدستور المحافظ في تهميش فصيل اليسار في البرلمان برفض ترشيح أعضائهم للانتخابات البرلمانية لعام 1992. إلا أنهم أداروا ظهورهم لرفسنجاني في عام 1994. بعض البازاريين وحلفائهم من القوى اليمينية استاءوا من السياسات التي أضرت بالاقتصاد التقليدي، مثل زيادة الضرائب ونمو المراكز التجارية الحديثة. الأهم من ذلك، خشيَّ خامنئي أن يؤدي تنامي الاستياء بين الطبقات الدنيا وزيادة قوة رفسنجاني الشخصية إلى زعزعة النظام وتهديد مركزه.

استثمر خامنئي بكثافة في بناء قاعدة داعمة بين قادة الحرس الثوري. وأقام صلات مع جيل أصغر سناً من الإسلاميين الذين لعبوا دوراً ثانوياً أثناء الثورة ولكنهم لعبوا دوراً قيادياً خلال الحرب مع العراق. هؤلاء شكلوا نواة لفصيل الجديد ظهر بعد عقد من الزمن كقوة سياسية؛ المحافظين الجدد. بدأ خامنئي أيضاً في تقويض حكومة رفسنجاني، مستخدماً نفوذه بين المحافظين في البرلمان ومجلس صيانة الدستور. بالإضافة إلى ذلك سعى إلى دعم شخصي بين السكان على نطاق أوسع. كان العنصر الأساسي في إستراتيجيته هو الوعد باستعادة “القيم الإسلامية” ومكافحة “الهجمة الثقافية” للغرب. كثفت الشرطة الأخلاقية سيطرتها على قواعد الزي، كما أنزلت أطباق استقبال الأقمار الصناعية، التي كانت قد أصبحت شعبية في ذلك الوقت، من فوق أسطح المنازل ودمرتها.

أتت محاولة حشد البلاد حول قيم محافظة بنتائج عكسية. كان المجتمع قد تغير بحلول منتصف التسعينات، وأصبح أقل تقبلاُ للخطاب المحافظ. أتت سياسات النظام في الفصل بين الجنسين بنتائج متناقضة. بعد أن تم دفع النساء بعيداً عن الحياة العامة في أوائل الثمانينات، بدأت مشاركتهن في سوق العمل والتعليم في الزيادة. وبحلول عام 1996 كانت نسبة النساء العاملات قد وصلت إلى مستويات ما قبل الثورة. نسبة مشاركة الإناث في الجامعات، التي كانت 12 في المائة فقط قبل الثورة، بلغت 40 في المائة بحلول عام 1996. تمكنت النساء من التقدم من خلال مثابرتهن الفردية والنضالات الجماعية التي وحدت النساء المتدينات والعلمانيات على حد سواء حول أهداف ملموسة.

كان المجتمع يتمدن ويتعلمن سريعاً. بحلول منتصف ثمانينات القرن العشرين كان 61 في المائة من السكان يعيشون في المدن. أظهر استطلاع أن 6 في المائة فقط من الشباب الإيرانيين الذين يشاهدون التلفزيون بانتظام يشاهدون البرامج الدينية. بين المهتمين بالقراءة، فقط 8 في المائة كانوا مهتمين بالأدب الديني. ما يقرب من 80 في المائة من الشباب كان لهم موقف “محايد” أو “سلبي” تجاه رجال الدين وكان 86 في المائة لا يواظبون على الصلوات اليومية.[49] هذا لم يعني أن الشباب أصبحوا مناهضين للدين أو حتى أقل تديناً. الأغلبية الساحقة كانت تجد سبل للجمع بين المعتقدات الدينية الشخصية والممارسات الاجتماعية التي تتجاهل قواعد رجال الدين المحافظين. تطور آخر كان ظهور “المفكرين الدينيين الجدد” بين المفكرين الإسلاميين. سروش، كديوار وشاباستاري وآخرين جادلوا بأن الإسلام يجب أن يفسر وفقاً للوقت والمكان، وأنه متوافق مع الديموقراطية. مسار تفكيرهم يشهد على التناقضات الضخمة للحركة الإسلامية. من المفارقات، أن سروش والإسلاميين الآخرين الذين أمضوا الكثير من الوقت في دراسة ماركس وفيبر ومفكرين سياسيين آخرين من أجل محاربة تأثيرهم في الجامعات تأثروا هم أنفسهم بهم. كانت هناك أيضاً دلائل على إحياء الحركات الطلابية والعمالية، وهو الأمر سأعود للحديث عنه أدناه.

بحلول منتصف تسعينات القرن العشرين كانت كل هذه التغييرات قد خلقت مجتمع ديناميكي واعٍ بذاته ومقاوم اصطدم على نحو متزايد بالنظام السياسي الجامد وقيمه المحافظة. قرب انتهاء ولاية رفسنجاني الثانية كرئيس (93 – 1997) أصبح من الواضح أن سياسته للتحرير الاقتصادي لم ترسخ النظام على النقيض من ذلك زعزعت التحالف الطبقي الشعبوي الذي يستند إليه.

من النشوة إلى خيبة الأمل: الإصلاحات السياسية (1997 – 2005)

شكلت الانتخابات الرئاسية مايو 1997 بداية مرحلة جديدة بعد فوز المرشح الإصلاحي محمد خاتمي فوزاً ساحقاً، حاصلاً على 70 في المائة من الأصوات. في خطابه الافتتاحي في يوم 4 أغسطس 1997 أوضح برنامجه الإصلاحي، والذي اعتبره عقد “بين الرئيس والأمة“:

“حماية حرية الأفراد وحقوق الأمة، وتوفير الظروف اللازمة لتحقيق الحريات الدستورية، وتعزيز وتوسيع مؤسسات المجتمع المدني ومنع أي انتهاك للسلامة الشخصية، والحقوق والحريات القانونية [هي التزام الرئيس]. إن نمو الشرعية يوفر إطاراً مواتياً لتحقيق الاحتياجات والمطالب الاجتماعية… في مجتمع ملم جيداً بحقوقه ويحكمه القانون، فإن حقوق وحدود المواطنين معروفة.”[50]

تم استقبال رسالة خاتمي، أن على السياسيين احترام الناس، جيداً من قبل الناخبين، الكثير منهم كره كل من المسافة المتنامية بينهم وبين النخبة السياسية الثرية (التي يمثلها رفسنجاني)، والهجمة المحافظة في السنوات السابقة. كانت رسالة خاتمي جذابة للبعض في النخبة الحاكمة الذين رأوا الإصلاحات السياسية ضرورية أيضاً لتنظيم صراع الفصائل الداخلي. لذا كان مشروع خاتمي الإصلاحي رداً على كل من الضغوط من الأسفل والتناقضات في الأعلى. منطقه التوحيدي كان لإدارة التغيير داخل الجمهورية الإسلامية، وليس لتحويله. يبدو هذا أكثر وضوحاً إذا نظرنا إلى فكرته المركزية، “التنمية السياسية” (توسيعي سياسي towse’e-ye siyasi) تم تطوير هذا المفهوم في أوائل تسعينات القرن العشرين بواسطة مؤسسة فكرية يقودها سعيد حجاريان، العقل الاستراتيجي للإصلاحيين. جادل حجاريان أن التنمية السياسية كان مصيري، “أولاً لأنه كان شرطاً مسبقاً للتنمية الاقتصادية، وثانياً لأنه يمكنه احتواء تداعيات النمو الاقتصادي؛ التفاوت والاضطرابات الاجتماعية“.[51]

أوجدت إصلاحات خاتمي فضاءً سياسياً أكثر انفتاحاً نسبياً للصحف والكتب والأفلام الناقدة. ازدهرت المنظمات الطلابية والنسائية ووسعت أنشطتها. للمرة الأولى منذ أوائل الثمانينات نظم مناضلي العمال المستقلين الاجتماعات والمسيرات، وأصدروا النشرات.

كان رد فعل المحافظين غاضباً. استخدموا دعم المرشد الأعلى خامنئي والمناصب القيادية في القضاء والقوات المسلحة ومجلس صيانة الدستور لتقويض الحكومة. في أبريل 1998، أخبر رئيس الحرس الثوري رجاله في مدينة قم أنه حذر “السيد مُهاجرانيو أن “طريقته [السماح بحرية الصحافة] تهدد الأمن القومي“، مضيفاً “سأستمر في اقتلاع أعداء الثورة من كل مكان. يجب علينا قطع رؤوس البعض وقطع ألسنة آخرين“. بعد بضعة أشهر لقيَّ عدد من المثقفين والمعارضين السياسيين مصرعهم. وأغلق القضاء الجريدة الإصلاحية البارزة “سلام” وعندما نظم نحو 500 طالب مظاهرة في يوليو 1999 تعرضوا لحملة قمع عنيفة بواسطة حزب الله. في الأيام التي أعقبت ذلك نظم الطلاب مظاهرات في 22 مدينة.

انتفاضة الطلبة في يوليو 1999 مثلت نقطة تحول. تضررت صورة خاتمي كمدافع عن الحقوق الديموقراطية عندما فشل في الدفاع عن الطلاب ضد المحافظين، الأسوأ من ذلك أنه دعا شعارات الطلاب بـ”الغوغائية، والاستفزازية، وخطراً على الأمن القومي“.[52] أدرك المحافظون أن السماح بفضاء سياسي للإصلاحيين من شأنه أن يطلق العنان للحركات الاجتماعية التي لن يمكنهم لا هم ولا الإصلاحيين السيطرة عليها. تبين لاحقا أن 24 قائداً من الحرس الثوري حذروا خاتمي أنهم سيتخذون إجراءات بأنفسهم إن لم يوقف “العنف” ضد النظام.[53]

عقب مظاهرات يوليو 1999 أمر القادة الإصلاحيين أتباعهم بتجنب المظاهرات والتركيز على الفوز في الانتخابات البرلمانية لعام 2000 والانتخابات الرئاسية عام 2001. وعلى الرغم من اعتراض مجلس صيانة الدستور على 10 ٪ من المرشحين الإصلاحيين، فازوا بـ 189 من مقاعد البرلمان الـ 290 وانتخب خاتمي كرئيس للبلاد لولاية ثانية. كثف المحافظون هجماتهم المضادة، أغلقوا المزيد من الصحف واعتقلوا مفكرين إصلاحيين. أدى ذلك إلى خيبة أمل متزايدة بين المثقفين والناشطين الذين دعموا خاتمي. في حين أصبحت الأغلبية منهم غير مبالين، أقلية كانت تتجذر، أصبحت تنجذب على نحو متزايد للسياسة الماركسية متطلعة نحو النضال من أسفل لتوفير طريق للمضي قدماً. كانوا يطالبون الآن من خاتمي الالتزام بوعوده أو الاستقالة.

عكست انتخابات المجالس البلدية عام 2003 خيبة أمل متزايدة تجاه الإصلاحيين. كان الإقبال العام منخفض بالنسبة لإيران، 48 في المائة، وفي طهران شارك 12 ٪ فقط من الناخبين. مكن انخفاض نسبة الإقبال المحافظين الجدد من الفوز بأغلبية في مجلس مدينة طهران وانتخاب محمود أحمدي نجاد رئيساً جديداً للبلدية. كان الأمر حتى أسهل للمحافظين الجدد للفوز في الانتخابات البرلمانية لعام 2004، وذلك لأن مجلس صيانة الدستور منع ترشيح 2400 من الإصلاحيين، بينهم تقريباً كافة البرلمانيين الموجودين حينها في المجلس.استمر تآكل القاعدة الانتخابية لخاتمي مما مكن أحمدي نجاد من الفوز في الانتخابات الرئاسية لعام 2005.

سعيد حاجاريان وخاتمي

سعيد حاجاريان وخاتمي

كان هناك سببين رئيسيين لفشل الإصلاحيين. أشار الاستراتيجي الإصلاحي سعيد حجاريان لكلاهما: “بينما كان الإصلاحيين ذوي المقاعد في المجلس غالباً يفكرون بالموائمات، كان أولئك خارجه؛ القواعد، يفكرون في تحدي النظام بطريقة متطرفة… كان ينبغي لنا إيجاد توازن بين التحدي والموائمات وهذا ما لم نفعله“. وأضاف أن التحالف الانتخابي الإصلاحي مثل مصالح الطبقة الوسطى الجديدة، وتساءل: “إذاً ما هي علاقتنا بالطبقة العاملة؟[54]

واصل الإصلاحيون “الموائمة” لأنهم كانوا يخشون أن الحركة من الأسفل سوف تفلت من سيطرتهم وتتحدى النظام برمته. أوضح خاتمي هذا بجلاء بينما كان يغادر منصبه: “إننا مقتنعون أن الاشتباكات الداخلية والظروف الفوضوية هي السم القاتل لوجود البلاد وسيادة الجمهورية الإسلامية“. لنفس السبب سحب جناح اليمين الجديد بقيادة رفسنجاني التأييد العلني لخاتمي، خوفاً من أن يضر عدم الاستقرار السياسي بمصالح البورجوازية. يدعم هذا الادعاء، المراقب المتخصص في القطاع الخاص الإيراني، الغير ماركسي، مدير “عطية بهار للاستشارات المالية والاستثمارية” الواقعة بطهران. حيث علق قائلاً أن رجال الأعمال المحليين والأجانب تنفسوا الصعداء مع نهاية الأزمة السياسية بعد فوز المحافظين في الانتخابات البلدية في عام 2003.[55]

اعترف حجاريان في مايو 2005:

“خلال فترة خاتمي الأولى، كان القطاع الخاص ركيزة الحركة الإصلاحية الأساسية، لكن هذا لم يعد صحيحاً. القطاع الخاص معني بالاستقرار والنظام أكثر من الإصلاح الديموقراطي، وبعض عناصره عقدت الآن صلات مع المحافظين… القطاع الخاص هو الآن جزء من المشكلة التي تواجه الديموقراطية في إيران.”[56]

لم يلتفت إلى قصده معظم المثقفين التقدميين الذين تأثروا من المناخ المعادي للماركسية في جميع أنحاء العالم الذي ظهر بعد سقوط “الشيوعية“. تحولوا بصورة جماعية نحو القوة السحرية لـ”المجتمع المدني“، الذي هو نفسه، بطبيعة الحال، نطاق تعمل داخله الانقسامات الطبقية بطرق معقدة، من خلال الأيديولوجيات والمؤسسات، والأهم من ذلك، من خلال فعل السوق الرأسمالي نفسه. لقد ابتلعوا أسطورة الليبرالية القائلة أن البورجوازية هي مانحة الديموقراطية للشعب الممتن، متجاهلين الدور التاريخي للطبقة العاملة.[57] حسب إشارة بايات، “الأمتعة الفكرية التي حملها المفكرين الإصلاحيين احتوت ببساطة على الكثير من هابرماس وفوكو وقدر غير كافٍ من ماركس وجرامشي“.[58] كانوا يبحثون في جميع الأماكن الخاطئة عن وكلاء الديموقراطية.

هذا يشير إلى السبب الثاني لفشل حركة الإصلاح: أنها ظلت قاصرة على الطبقة الوسطى. مع ذلك، وخلافاً لاقتراح حجاريان، فقد كان لها علاقة مع الطبقة العاملة؛ علاقة تميزت بالعداء. استكمل خاتمي تحرر رفسنجاني الاقتصادي عن طريق التقليص من نظام الإعانات والحماية الاجتماعية وزيادة معدل الخصخصة. وفقاً للبيانات التي قدمتها منظمة الخصخصة التي أنشئها خاتمي، بلغت قيمة الخصخصة ما يزيد عن 16 مليار دولار من 1991 حتى 2007. أكثر من 25 في المائة من هذا المبلغ تم تحقيقه خلال فترة رئاسة رفسنجاني، تحقق 43,3 في المائة خلال فترة رئاسة خاتمي و 30,7 خلال السنة الأولى الكاملة لرئاسة أحمدي نجاد. وفقاً لمكتب الإحصاءات البرلماني، عاش 50 في المائة من سكان الريف و20 في المائة من سكان الحضر تحت خط الفقر الإيراني.[59] وتشير البيانات الصادرة عن البنك الدولي عام 2006 أن حصة العُشر الأغنى من الدخل القومي كانت 33,7 في المائة، مقارنة بـ 2 في المائة حصة العُشر الأفقر. تمتع أغنى 20 في المائة بنحو 50 في المائة من الدخل القومي، في حين تلقى أفقر 20 في المائة فقط 5,1 في المائة.[60] المستويات العالية من التفاوت شكلت مصدراً خاصاً لسخط الطبقات الدنيا في بلد كانت تحاول نخبته السياسية إضفاء الشرعية على حكمها من خلال خطاب العدالة الاجتماعية.

في فبراير 2000 أعفت حكومة خاتمي جميع المؤسسات التي توظف خمسة موظفين أو أقل من إتباع قانون العمل. بعد ذلك بعامين تم توسيع هذه السياسة لتشمل الشركات التي توظف عشرة أو أقل من العمال.[61] مما أثر على ما يقارب نصف عدد العاملين في أماكن العمل الصغيرة. اتخذت الحكومة أيضاً تدابير للحد من تأثير “دار العمال“، مما دفع بعض أعضائها لتأسيس حزب العمل الإسلامي. نشرت الصحيفة اليومية لـ”دار العمال” بيانا ضد وزير العمل في يناير 2003، والذي طالب ضمن أمور أخرى بـ”الاعتراف بالحق القانوني للعمال في الإضراب“، و”معارضة العولمة باعتبارها شكلاً جديداً من أشكال الاستغلال” و”وقف الخصخصة“.[62] صوت العمال بأعداد كبيرة لخاتمي. يمكن للمرء أن يتصور مدى خيبة الأمل والإحباط التي أصابتهم بعد ثماني سنوات من حكمه.[63]

صعود الحركة الاجتماعية

كما رأينا، جاءت الإصلاحات السياسية لخاتمي جزئياً استجابة لضغوط من أسفل، وبالتالي، فتحت مساحة يمكن فيها للطلاب والنساء والعمال خلق شبكات جديدة والنضال من أجل مطالبهم الخاصة. بالنسبة للعالم الخارجي، لعبت الحركة الطلابية الدور الأكثر وضوحاً. في تسعينات القرن العشرين استخدم الطلاب اتحاد الطلبة الرسمي (دفتر تحکیم وحدت‎ Daftare Tahkime Vahdat، مكتب تعزيز الوحدة) في تنظيم النشاط في حرم الجامعات. مثل الإسلاميين الآخرين الذين طوروا أفكاراً إصلاحية، أصبح أعضاء قياديين في هذه المنظمة أنصاراً نشطين لخاتمي ومنهم من انتقل إلى اليسار بعد أصابتهم بخيبة الأمل منه. بروز النشاط الطلابي مجدداً وفر الظروف الملائمة لنمو شبكات الطلاب المستقلة والاشتراكية في الجامعات.

للأسف، تبنى بعض اليساريين في الحرم الجامعي موقف عصبوي تجاه الطلاب الذين تطلعوا نحو الإصلاحيين. كنتيجة كانوا عاجزين، على الرغم من تحديهم الشجاع للسلطات، عن تطوير حركة طلابية واسعة للدفاع عن الحقوق الديموقراطية ضد الهجمة المحافظة. أدى هذا النهج العصبوي لتكتيكات جعلت من السهل على السلطات مضايقة واعتقال نشطاء اليسار، الذين أضعفتهم أيضا الانقسامات المتعددة. بدأ بعض النشطاء الطلابيين إعادة تقييم هذه التجربة التي فتحت الطريق أمام سياسة اشتراكية غير عصبوية في الجامعات.

الحركة التي ربما كانت الأكثر انتشاراً ونشاطاً هي حركة حقوق المرأة. كان للثورة أثر متناقض بشكل عميق على مكانة المرأة في المجتمع. حاول نشطاء حقوق المرأة استخدام هذه التناقضات ليطالبوا بالإصلاحات. يجادلون أنه من العبث، على سبيل المثال، أنه بينما يكون تقدير المرأة صائباً بما فيه الكفاية لانتخاب الرئيس، إلا أنه ليس صائباً بما يكفي لاستخدامه في المحكمة حيث لا يسمح لهن أن يكن قاضيات. كانت ناشطات حقوق المرأة الاشتراكيات العلمانيات ناجحات في إقامة منصات مشتركة مع النسويات الإسلاميات. وقد أتاح هذا ظهور حركة واسعة، شاركت فيها آلاف النساء وفازت ببعض الإصلاحات. على سبيل المثال، في أغسطس 2006 أطلق نشطاء حقوق المرأة حملة المليون توقيع “لدعم تغيير القوانين التمييزية ضد المرأة“، والتي تستهدف جمع مليون توقيع من خلال حملات طرق الأبواب، وعقد الاجتماعات واستخدام الإنترنت.

بدأت الحركة العمالية العودة ببطء مع أواخر التسعينات. حفز هذا جزئياً الانتعاش النسبي للاقتصاد. العديد من العمال الذين عززوا صفوف البورجوازية الصغيرة في ثمانينات القرن العشرين وجدوا وظائف في قطاعات الصناعات والخدمات التي كانت تتسع. وفقاً لنعماني وبهداد، ارتفعت حصة الطبقة العاملة من السكان القادرين على العمل من 24,6 في المائة في عام 1986 إلى 31,1 ٪ في عام 1996. ينبغي أن تكون الأرقام أعلى في الواقع، إذ تستبعد العاملين في التعليم والرعاية الصحية. أصبحت الطبقة العاملة أيضاً أقل تجزؤاً نسبياً إذ ارتفعت حصة العاملين في مؤسسات القطاع الخاص الكبيرة (50 موظفاً أو أكثر) من 35,3 في المائة في 1986 حتى 40,2 في المائة في عام 1996. تصبح هذه النسب أعلى إذا تضمنت العاملين بالقطاع العام، والذي يمتلك أكبر المؤسسات. هذا الاتجاهات للأرقام مستمرة منذ ذلك الحين.

تم رصد 90 حالة احتجاج عمالي في الصناعات الكبيرة وحدها في عام 1998، بما في ذلك الإضرابات في منشأة أصفهان للصلب، بهشهر للمنسوجات، ومصنع همدان لتصنيع الزجاج، والعديد من الإضرابات والمظاهرات قام بها العمال في صناعة النفط في مصفاة عبادان. سجل استقصاء واحد 266 إضراب من أبريل 1999 إلى أبريل عام 2000. حوالي نصفهم بسبب عدم دفع الأجور و10 في المائة بسبب تسريح العمال. في عام 1999، تحت ضغط من القواعد العمالية، اضطرت “دار العمال” لتنظيم احتفال عام بعيد العمال. اغتنم بعض العمال الفرصة للاحتجاج ضد خطط تعديل قانون العمل. في عام 2000 شهدت احتجاجات مماثلة مشاركةً أكبر. على مدى السنوات التالية تحول الاحتفال بعيد العمال إلى رمز للتحدي، إذ تم تنظيمه بوتيرة مستمرة من قبل العمال أنفسهم.

منذ 2004 أعطى عدد من الإضرابات البارزة الحركة العمالية الصاعدة ملمحاً قومياً. حدث أولها في يناير عام 2004 مع مذبحة خاتون آباد، وهي مدينة صغيرة حيث كان عمال البناء يبنون مصنعاً لصهر النحاس. قبيل افتتاح المصنع تم تسريح الجميع باستثناء 250 منهم. حاصر العمال الذين انضمت إليهم أسرهم، المبنى. أعقب ذلك مقتل عديد من العمال وإصابة 300 خلال اشتباكات مع قوات الأمن التي فتحت عليهم النار. خلال الشهر ذاته كان هناك إضراب مهم آخر لعمال “إيران خودرو[ز] مطالبين بالتأمين الوظيفي، ووضع حد للعقود مؤقتة، وأجور إضافية للنوبات المسائية. اشتعل الإضراب بسبب وفاة اثنين من العمال في العشرينات من العمر بسبب نوبات قلبية. في مايو ويونيو 2005 أضرب العمال مرة أخرى بعد حادث مماثل، ثم مرة أخرى في نهاية 2005 وفي مارس 2006. منذ ذلك الحين ظلت “إيران خودرو” موقع مهم للاحتجاجات.

نضال العمال الأكثر شهرة عالمياً هو نضال اتحاد عمال شركة حافلات طهران والضواحي، الذي أنشئ في عام 2004 كاتحاد مستقل. العديد من أعضائه، بما في ذلك رئيسه أوسانلو، تم الاعتداء عليهم جسدياً وسجنهم.

مع 140 إضراب تم رصدها في أكتوبر 2005، تلاها 120 في نوفمبر، أصبح واضحاً أنه بحلول نهاية رئاسة خاتمي، أصبحت صلابة العمال مصدر قلق كبير للحكومة وأرباب العمل، خاصة أن الاحتجاجات أصبحت تتسيس. ففي عام 2005 ذكرت وكالة رويترز، “احتشد آلاف العمال الإيرانيين حاملين اللافتات في طهران، بمناسبة عيد العمال موجهين انتقادات حادة لخطط الخصخصة الطموحة للجمهورية الاسلامية. ردد العمال هتافات “أوقفوا الخصخصة، أوقفوا العقود المؤقتة”“.

مهزلة الشعبوية الجديدة (2005- )

إصلاحات خاتمي السياسية، وتكثيف الصراعات بين الفصائل داخل النظام، وصعود الحركات الاجتماعية والتهديدات الإمبريالية، أنعشت المحافظين الجدد، متجسدين في أحمدي نجاد. في الحملة الانتخابية لعام 2005 أعاد أحمدي نجاد إحياء الخطاب الشعبوي للثمانينات، مهاجماً “مافيا النفط” الأغنياء. روجت دعايته الانتخابية صورته باعتباره “رجل الشعب” البسيط الذي سيفي بوعده لوضع “أموال النفط على طاولة الشعب“.

هذا، إلى جانب المستويات العالية لامتناع الناخبين، سمح له بهزيمة رفسنجاني في الجولة الثانية حاصلاً على 62 في المائة من الأصوات. مثلت النتيجة “لا” ضد إيران النخبة الغنية والفاسدة، و”نعم” من أجل العدالة الاجتماعية والاستقلال الوطني. أثارت تهديدات البيت الأبيض ووجود القوات الأمريكية على الحدود الإيرانية المشاعر القومية وأقنعت الكثير من الناخبين أن إيران بحاجة لرئيس يمكنه الدفاع عن البلاد. متذكرين أن جورج بوش قد أدرج إيران في “محور الشر” في عام 2002. قدمت الولايات المتحدة لأحمدي نجاد خدمة عظيمة بإنكارها حق إيران في تطوير الطاقة النووية، وهو الأمر الذي أصبح مسألة كرامة وطنية بين الإيرانيين من كل التوجهات السياسية. كان صعود نجاد إيذاناً بصعود رجال الأمن. ولكونه صنع مشواره السياسي جزئياً من خلال الحرس الثوري، فتح ممرات السلطة للجيش. تسعة وزراء من مجموع 21 وزير من مجلس وزرائه الأول كانوا أعضاء أو أعضاء سابقين في الحرس الثوري أو الباسيج. أكثر من النصف من حكام الأقاليم الـ 30 الذين تم تعيينهم جاءوا من هذه المنظمات.[64]

بمجرد تسلم أحمدي نجاد الرئاسة، فإن وعوده بإحياء السياسات الاقتصادية الشعبوية للثمانينات لم تقترب بأي شكل من الوفاء بها. استهدفت سياساته جزء من الفقراء بطريقة زبائنية. خلال أول عامين لحكمه تم تسليم ما يقدر بـ 10 مليون دولار نقداً من قبل مكتب الرئاسة([65]) في الوقت الذي كان التأثير الكلي لسياساته الاجتماعية والاقتصادية يضر بالطبقات الدنيا. تبين إحصاءات البنك المركزي الإيراني أنه في الفترة من مارس 2005 إلى مارس 2007 لم ترتفع النفقات الاجتماعية؛ مثل نفقات التعليم والرعاية الصحية والرعاية الاجتماعية والإسكان، على الإطلاق أثناء تعديلها لمواجهة التضخم، بينما ارتفعت عائدات النفط بشكل كبير.([66]) خلقت السياسات المالية لأحمدي نجاد فقاعة إسكان، مما جعل من المستحيل على الطبقات العاملة والمتوسطة شراء منزل، في حين استفاد الأغنياء. حاولت الحكومة تقليل الضغط من خلال توفير قروض رخيصة للمتقاعدين، والأزواج الشباب ومشتريي المنازل والمشروعات الزراعية، إلا أن هؤلاء كانوا بالفعل مثقلين بالديون. أصبح عبء أسر الطبقة العاملة لا يطاق تقريباً عندما بلغ التضخم ذروته بمعدل 29 في المائة في سبتمبر 2008. تضاعفت تكاليف المعيشة للأسرة الحضرية تقريباً في السنوات الأربع السابقة، بمعدل ارتفاع أسرع من الأجور. الأجر الشهري التقديري للعامل هو 233 دولار، وهو أقل بكثير من خط الفقر. وصلت التقديرات الرسمية للبطالة لما يقرب من 13 في المائة في عام 2009 لكن وفقاً لأحد وزراء لأحمدي نجاد؛ محمد عباس، وصلت لأربعة ملايين، أي ما يساوي 18 في المائة، وربما كان هذا تقديراً متحفظاً.

لا شيء يثبت خواء شعبوية أحمدي نجاد أفضل من مصير سياسة الخصخصة في ظل حكومته. خصخصت حكومة أحمدي نجاد بين عامي 2006 – 2007 أكثر مما فعل رفسنجاني بين عامي 1989 – 1997. وحتى الأكثر كشفاً هو الطريقة التي تمت بها الخصخصة ومن استفاد منها. وقد خلص تحقيق برلماني عن منظمة الخصخصة إلى أن العديد من أنشطتها “لا يمكن اعتبارها خصخصة. بعد أن تم نقل ملكية بعض الشركات، سرح المشتريين العمال، غيروا التقسيم وضاربوا على الأراضي بعد أن باعوا الأصول“.[67] غالباً ما تم شراء الشركات التي تم خصختها من قبل مؤسسات حكومية، أو البونيادات أو الحرس الثوري. أحد الأمثلة الحديثة هو “خصخصة” مركز طهران الدولي للمعارض. بعد بضعة أسابيع فقط من إعادة انتخاب أحمدي نجاد ذكرت جريدة “اعتماد ملي” أن منظمة الخصخصة نقلت ملكية 95 في المائة من أراضي مركز المعارض وممتلكاته إلى منظمة الأمن الاجتماعي للقوات المسلحة، دون أن يكون لدى مشترين آخرين القدرة على تقديم مزايدات. مثال آخر هو “خصخصة” الشركة الوطنية للصناعات النحاسية الإيرانية في عام 2007 بسعر 1,1 مليار دولار. في هذه الحالة كان المشترون شركات أخرى مملوكة للدولة، بما في ذلك صناديق تقاعد شركات الصلب والإذاعة المملوكة للدولة.

حاول أحمدي نجاد تمويه كل هذا من خلال تقديم الخصخصة باعتبارها تدعم “العدالة الاجتماعية“. خصصت حكومته 40 في المائة من الأصول المطروحة للخصخصة لذوي الدخل المنخفض تحت عنوان “أسهم العدالة“. طبقاً لأحد التقديرات، نحو خمسة ملايين مستفيد بين العُشر الأفقر من السكان كان من المفترض أن يتم تنظيمهم في 337 تعاونية ليتلقوا تقريباً ثلاثة مليار دولار من أسهم الشركات المملوكة للدولة :

“كما أظهرت التجربة الروسية، فإن هذه التعاونيات يمكن بسهولة أن تتشكل من قبل ذوي الصلات الجيدة. جميع أصحاب الدخول المنخفضة سيكونون على استعداد لبيع أسهمهم الصغيرة للأفراد (أو الشركات) مقابل مبلغ كافٍ لتجمع ثروات من الأجزاء والقطع.”[68]

كانت الخصخصة طريقا أحادي الاتجاه فقط لتحقيق الربح من قبل الأقسام المميزة لطبقة بيروقراطية الدولة، بما في ذلك أولئك في البونيادات وفي الحرس الثوري.

كما أمن أحمدي نجاد أيضا المصالح الرأسمالية للجهاز العسكري. كما ذكرت مجلة الإيكونوميست في عام 2007:

“ليس من قبيل المصادفة أن في العامين الماضيين قد ازدهرت المصالح التجارية للحرس الثوري (الباسدران).ذراعهم الهندسية، والمعروف باسم (قرب)، تم منحه أجزاء مميزة من مشاريع الدولة الكبرى، بما في ذلك بناء خطوط أنابيب الغاز وقسم جديد لمترو طهران. يقول سعيد ليلاز، وهو مسئول حكومي سابق واقتصادي خاص حالياً في طهران، ببساطة إن الحرس الثوري هو “نومنكلاتوراحـ إيران؛ طبقة جديدة تشكلت من خلال الهيمنة على الاقتصاد”. في غضون عشرة أشهر من انتخاب السيد أحمدي نجاد، قدر ليلاز قيمة العقود المدنية التي منحت للحرس، والتي مرر الكثير منها دون إقامة مناقصة تنافسية، زادت بمقدار ثلاث مرات في الفترة من 4 مليار دولار لـ 12 مليار دولار.”[69]

وفقاً لدراسة مستفيضة، “من جراحة العين بالليزر والبناء لصناعة السيارات والعقارات، وسع الحرس الثوري نفوذه في كل قطاعات السوق الإيرانية تقريباً“.[70] فإن العملية التي استطاعت من خلالها قطاعات من بيروقراطية الدولة تنمية مصالحها الاقتصادية الخاصة بدأت بالفعل في أواخر الثمانينات، وتسارعت تحت حكم رفسنجاني وخاتمي. شهدت نفس الفترة ظهور البورجوازية التي تعمل في مساحة غامضة بين القطاع الحكومي والبونيادات والقطاع الخاص، مع عمل بعض أعضائها في القطاع الخاص بشكل تام. احتلت المنافسة من أجل السيطرة على الموارد الاقتصادية صدارة المشهد إبان حكم أحمدي نجاد وغذت صراعات الفصائل القائمة.

فَقد في الترجمة: معنى تداعيات الانتخابات

هذا الوضع شكل الخلفية التي جرت عليها الانتخابات الرئاسية في 12 يونيو 2009. شهدت الأسابيع التي سبقت ذلك الحملات الانتخابية الأكثر حيوية منذ الأيام الأولى للثورة. كانت المناظرات التلفزيونية الحية بين المرشحين الأربعة أحد العوامل الحاسمة التي رفعت درجة الحرارة السياسية في الأسابيع الأخيرة للانتخابات. دعا أحمدي نجاد المرشحين الآخرين بأتباع الرئيس السابق القوي أكبر هاشمي رفسنجاني، الذي وصفه بأنه فاسد. جادل موسوي أن أحمدي نجاد قد خرب الاقتصاد، خلق الفقر وعزل إيران دولياً. كما اتهم أحمدي نجاد بجر البلاد نحو الديكتاتورية. وعد موسوي بالحريات والحقوق السياسية للنساء والأقليات. كان الضرر لصورة الرئيس كبير في هذه المناظرات،التي صور فيها حالة الاقتصاد على أنه معافى، على سبيل المثال، عن طريق التهوين من ارتفاع معدل التضخم الذي كان ملموساً بالنسبة لكثير من الإيرانيين. قدم هذا دفعة اللحظة الأخيرة لحملة موسوي، جالباً عشرات الآلاف إلى الشوارع ورافعاً التوقعات بأن يتمكن من الوصول إلى الدور الثاني.

كانت نتائج الانتخابات الرسمية صادمة. مُنح أحمدي نجاد نسبة 63 في المائة تقريباً، بفارق كبير عن الـ 34 في المائة التي حصل عليها موسوي. تحليلات ما بعد الانتخابات عثرت على أدلة تشير إلى التلاعب بالنتائج.[71] ولكن بعض من اليسار العالمي ادعى أن نتائج الانتخابات خالية من التلاعب. كان جزءً مركزياً من الأدلة هو استطلاع للرأي أجرته المنظمة غير الحكومية الأمريكية “غدٌ خالٍ من الإرهاب” قبل ثلاثة أسابيع من الانتخابات. حيث أظهر أحمدي نجاد متقدماً بهامش يزيد عن 2 إلى 1.[72] إلا أن هذا يتجاهل حقيقة أن 51 في المائة فقط من المشاركين كان اختيارهم واضح (34 في المائة لأحمدي نجاد، و14 في المائة لموسوي، و2 في المائة لكاروبي و1 في المائة لرضائي). أجابت نسبة الـ 49 في المائة المتبقية إما بـ”لا أعرف” (27 في المائة) أو امتنعوا عن إعطاء إجابة على الإطلاق (22 في المائة). الأكثر إزعاجاً من حقيقة أن بعض اليساريين أصبحوا مهووسين بالتكهنات حول تزوير الانتخابات هو حقيقة أن البعض رفض ببساطة الاحتجاجات التي طالبت بإلغاء نتيجة الانتخابات وإجراء انتخابات حرة ووصفوها بـ”زعزعة إمبريالية للاستقرار“.[73] تم وصف المتظاهرين بـ”النخب الليبرالية في الشوارع“، الذين يعارضون احمدي نجاد لأنه “يحوز على ولاء الناخبين من الفقراء ومن الطبقة العاملة وفي المناطق الريفية، الذين يدافع عن تنميتهم“. هكذا ابتذلت الأزمة السياسية لسؤال مؤيد أم مناهض للإمبريالية ومؤيد أم مناهض لـ الليبرالية الجديدة.

هذه الجدالات تجاهلت كلياً الحقائق السياسية والاقتصادية في إيران. عكست تداعيات الانتخابات الانقسام الحقيقي داخل الطبقة الحاكمة الإيرانية. كما ناقشنا أعلاه، بينما حافظ نجاد على ولاء قطاع من الطبقات الأدنى، فإن بقاء الفقر، انعدام المساواة، معدلات البطالة العالية، والقمع السياسي قد قللت من شعبيته. في ذات الوقت، لم يرى الناخبين موسوي كنيو ليبرالي متشدد. مثل بقية فصائل اليسار الإسلامي كان قد انتقل إلى اليمين في التسعينات، متقبلاً دور السوق الحرة. مع ذلك، كان مرتبطاً بقوة باقتصاديات المساواة للثمانينات. كان اختيار الإصلاحيين لموسوي مرشحاً لهم خطوة تكتيكية، إذ كانوا مدركين لفشلهم في جذب أصوات العمال والطبقات الدنيا في عهد خاتمي.

اختير بعناية موقع أول ظهور علني لموسوي في الحملة الانتخابية. ألقى خطابه في نازي آباد، حي الطبقة العاملة في جنوب طهران، حيث تم استقباله بصيحة “مير حسين غاريمان؛ حامي مستضعفين” (“السيد حسين البطل داعم المضطهدين“). وقال أن “في هذا العالم الفوضوي، استقلال الجمهورية الإسلامية يمثل إنجازاً كبيراً”، وأضاف أن “قبل الثورة كان هناك مستشارين عسكريين أجانب في كل قطاع من بلدنا واعتُبرت إيران حلقة مركزية في نظام التأمين لمصالح الغرب في المنطقة“. وفي محاولة لإدعاء لعبه دوراً في نجاح إيران في تطوير تكنولوجيا نووية قال أن هذا لم يكن ممكناً بدون “الاستقلال” و”الدفاع المقدس” ففي مواجهة الغزو العراقي، الذين لعب فيهما دوراً مركزياً. وجادل مشيراً إلى تراث الخُميني أن الإسلام الحقيقي ينتمي إلى الفقراء، مضيفاً “إننا نعارض أولئك الأغنياء الذين يتفاخرون بممتلكاتهم بينما يعاني المجتمع من مشكلات عديدة.. لم يرغب الإمام [الخُميني] في تعكير العلاقات بين أصحاب الأعمال وموظفيهم، لكنه لم يرغب في أن يصبح السوق كل شيء أيضاً“.

اجتذب وعد موسوى بـ”مستقبل خال من الفقر” ناخبين من الطبقة العاملة، إلا أن العمال لم يكونوا غير مبالين برسالة أنهم سيحصلون تحت رئاسته على المزيد من الحقوق الديموقراطية. كان لديهم خبرة مباشرة مع القمع كلما نظموا المظاهرات والإضرابات. كما كان لدى العديد منهم تجربة جمع أطفالهم من مكاتب الشرطة لانتهاكهم “القواعد الأخلاقية“. لذلك عندما اندلعت الاحتجاجات، اجتذبت ليس فقط الطبقة الوسطى ولكن أيضا الكثير من العمال الذين كانوا يسعون لمتنفس لإحباطهم المتراكم وغضبهم. كما ذكر روبرت فيسك من قلب الاحتجاجات، لم يكن المشاركين مجرد “سيدات شمال طهران الراقيات العصريات الشابات. كان الفقراء هنا أيضاً، وعمال الشوارع والسيدات في أواسط العمر مرتديات الشادور[ط] الكامل“.[74]

لم تكن الاحتجاجات عن الصدام بين المتدينين وغير المتدينين، كما أوضح عديد من المشاركين في الاحتجاجات بوعي من خلال الشعارات التي فضحت الأكاذيب التي روجها كلا من أحمدي نجاد والمحافظين الجدد في الغرب. هتفوا “الله أكبر” و”بالشادور وبلا شادور، فليسقط الديكتاتور“. أيضاً لم تكن الخط الفاصل بين مؤيدي ومعارضي الإمبريالية. فلم تطالب الاحتجاجات بالتدخل الأجنبي أو إهدار استقلال إيران الذي ينظر إليه بوصفه إنجاز لثورة 1979، ولا تزال تعتز به الأغلبية الساحقة. خرافة أخرى هي أنه ثمة انقسام حاد بين المناطق الحضرية والريفية. صحيح أن أحمدي نجاد وخامنئي لديهم دعم أكبر في المناطق الريفية ولكن صحيح أيضاً أن ما يقرب من 70 في المائة من السكان يعيشون في المناطق الحضرية (وهي المدن التي يقطنها أكثر من 5000 نسمة).

جانب من مظاهرات يونيو 2009 في طهران

جانب من مظاهرات يونيو 2009 في طهران

لا يكمن مغزى تداعيات الانتخابات في هذه التناقضات المزعومة. كان ينبغي بالأحرى تفسيرها بوصفها نقلة نوعية جعلت الانقسامات داخل الطبقة الحاكمة في إيران، التي كان يتم تنظيمها سابقاً من خلال الانتخابات، غير قابلة للسيطرة وحولت السخط إلى تعبئة جماهيرية من أسفل.

دلت أزمة ما بعد الانتخابات أيضا على ظهور تحالف بين أحمدي نجاد، والمرشد الأعلى خامنئي وقادة الحرس الثوري، الذي تحركوا باتجاه تركيز كل القوة السياسية في أيديهم، وإزاحة الإصلاحيين من مراكز السلطة.كان لذلك نتائج جوهرية بالنسبة لطبيعة الجمهورية الإسلامية، لأن التوترات المستمرة التي كانت موجودة دوماً بين المؤسسات المنتخبة وغير المنتخبة يتم الآن حلها عن طريق إعطاء الأخيرة السلطة المطلقة. برر ذلك الناصح الديني لأحمدي نجاد، آية الله مصباح يزدي المحافظ المتشدد، قائلاً: “عندما يؤيد الرئيس من قبل الولي الفقيه [خامنئي]،فإن طاعة الرئيس تماثل طاعة الله“. قاوم هذا الاتجاه موسوي والإصلاحيين الآخرين، فضلاً عن عديد من آيات الله،[ي] أكثرهم أهمية هو منتظري،[ك] الذي قال إن الشعب فقط يمكنه إضفاء الشرعية على السلطة السياسية.

ما هو على المحك في إيران ليس فقط طبيعة النظام السياسي، ولكن أيضاً توزيع السلطة بين أقسام الطبقة الحاكمة. يرتبط الصراع السياسي بين رفسنجاني وأحمدي نجاد أكثر بالصراع الاقتصادي بين البورجوازية الناشئة في القطاع الخاص والاحتكارات التي تسيطر عليها الدولة والبونيادات والحرس الثوري. كان هذا سبب اصطفاف رفسنجاني مع موسوي أثناء وبعد الانتخابات مباشرة. مع ذلك، فقد تردد في دعمه خشية أن تنمو الاحتجاجات خارج نطاق السيطرة وتدمر أي إمكانية للتوصل إلى اتفاق مع خامنئي. اهتمام رفسنجاني لم يكن بالديموقراطية ولكن فتح عائدات النفط وقنوات جديدة لجني الأرباح، أمام الطبقة الرأسمالية في إيران. جذور موسوي الراسخة في المؤسسة السياسية – كان رئيساً للوزراء عندما أُعدم الآلاف من الاشتراكيين في الثمانينات – والتزامه تجاه الجمهورية الإسلامية واقتصاد السوق الحر أيضاً استبعداه من أن يكون حليفاً للطبقة العاملة.

ومع ذلك، فإن تداعيات الانتخابات ليس ببساطة بصدد تصدع الطبقة الحاكمة. كشف الصدام بين الفصائل المختلفة من الطبقة الحاكمة عن قوى اجتماعية لا يسيطر عليها أي منهم. في الأسابيع الأولى التي أعقبت انتخابات 12 يونيو اندلعت احتجاجات شبه عفوية في طهران وأصفهان وشيراز وتبريز ومشهد وبابول ورشت وأرومية والمدن الرئيسية الأخرى للمطالبة بإلغاء نتائج الانتخابات. وفي يوم الاثنين 15 يونيو استجاب أكثر من مليون شخص لدعوة حزب موسوي لمسيرة، على الرغم من أنها لم تحصل على إذن. في الواقع، ظهر موسوي فقط ليلقي خطاباً بعد أن أبلغه مستشاريه باحتشاد مئات الآلاف.

في الأيام التي تلت ذلك، طالبت الحركة موسوي بقيادتها، لكنها استمرت في السير عندما أحبطهم. لقد وقفوا ببسالة راسخة ضد قمع الدولة، مرددين، “الدبابات والبنادق والباسيج لن تؤثر بعد الآن“، واستمرت صيحاتهم حتى الليل مرددين “الله أكبر” من الأسطح؛ مستلهمين شعارات ثورة 1979. وهتف المتظاهرون أيضاً، “يا شعب، لماذا أنتم صامتين؟، أصبحت إيران مثل فلسطين” و “لا تخافوا كلنا يد واحدة“. أكثر من مليون شخص خرجوا في مسيرة يوم 18 يونيو في طهران يرتدون السواد حداداً على الأيام السابقة. في نفس اليوم أكثر من 200 ألف تظاهروا في شيراز. حجم المظاهرات خلق شعوراً جديداً من الثقة بالنفس. وكانت البعض يهتف، “آخري هفته، أحمدي رفته” (“بحلول نهاية الأسبوع، سيرحل أحمدي نجاد“). قال كبار السن إن الأجواء ذكرتهم بأيام الثورة.

في 19 يونيو تغير الوضع. أيد آية الله خامنئي أحمدي نجاد خلال صلاة الجمعة، وأعلن أن السلطات لن تتسامح مع المظاهرات بعد الآن. كان ذلك بمثابة ضوء أخضر للحرس الثوري لقمع الاحتجاجات بعنف. في الأيام التالية تحدى الآلاف من الشباب الباسيج وقوات الأمن. قُتل العشرات واعتُقل أكثر من 2000، تعرض بعضهم للاغتصاب والعنف. لمزيد من إرهاب الحركة الاحتجاجية نظمت السلطات محاكمات صورية ضد حوالي 100 من المفكرين الإصلاحيين والصحفيين والسياسيين الذين اعتبروا قادة حركة الاحتجاج. على الرغم من كل هذا فقد استمرت الاحتجاجات، وإن كان على نطاق أصغر.

لم تختفِ أسباب السخط الجماهيري وتداعيات الأزمة التي أعقبت الانتخابات ستستمر في زعزعة استقرار الحكومة. إذا ما اختارت مواصلة حملة القمع، فإنها تخاطر بتعميق أزمة الشرعية. مزيد من الناس سيصلون إلى نتيجة أنه لا يمكن تغيير مصيرهم من خلال الانتخابات ويصبحون أكثر جذرية. لقد تكشفت طبيعة النظام السياسي بشكل كبير. في الوقت نفسه، فإن الظروف الاجتماعية والاقتصادية تزداد سوءً. قبل شهرين من الانتخابات رفعت الحكومة رواتب بعض العاملين في القطاع العام والمتقاعدين. بعدها بشهر واحد، صُدم هؤلاء العمال إذ اكتشفوا أن شيكات رواتبهم أشارت أن أجورهم انخفضت إلى نفس المستوى الذي كانت عليه قبل الانتخابات.[75]

ليس هناك شك في أن كافة أنواع القوى السياسية ستحاول دفع الحركة في اتجاه يفيد مصالحها الطبقية الخاصة. القوى الغربية أيضاً ستحاول الاستفادة من الأزمة السياسية في إيران لتمرير مصالحها الخاصة في المنطقة. باراك أوباما لم يسحب برنامج الترويج لـ”الديموقراطية” الذي دشنته الولايات المتحدة في عهد جورج بوش. القادة الحاليين من البورجوازية ومن الطبقة الوسطى للاحتجاجات – موسوي ورفسنجاني – سيحاولون استخدام الحركة كرافعة لتعزيز مواقفهم ضد الفصائل الأخرى.

النضال المؤيد للديموقراطية يمكن أن يتحرك إلى الأمام فقط إذا بدأت حركة الطبقة العاملة في تحدي المنطق الرأسمالي للجمهورية الإسلامية. مع ذلك، هذا لا يعني، أن على الماركسيين الثوريين الامتناع عن الاحتجاجات الحالية حتى تظهر حركة طبقة عاملة نقية. فكما كتب ماركس وإنجلز في البيان الشيوعي “يؤيد الشيوعيون، في كل قطر من الأقطار، كل حركة ثورية ضد النظام الاجتماعي والسياسي القائم. وفي كل هذه الحركات يضعون في المقدمة مسألة الملكية، باعتبار أنها المسألة الأساسية في الحركة، مهما كانت الدرجة التي بلغتها هذه المسألة في تطورها“. وبعبارة أخرى، يجب على الطبقة العاملة كسب الهيمنة من خلال لعب دور قيادي في النضال من أجل الديموقراطية وأخذ الحركة في اتجاه معادٍ للرأسمالية. هذه هي باختصار، إستراتيجية الثورة الدائمة التي يمكن أن تسلح جيل جديد من الاشتراكيين في إيران لبناء حركة ثورية.


المراجع

  • أبراهاميان، آرفاند، 1982، “إيران بين ثورتين” (جامعة برنستون).
  • أبراهاميان، آرفاند، 1993، “الخُمينية: مقالات عن الجمهورية الإسلامية” (جامعة كاليفورنيا).
  • أبراهاميان، آرفاند، 2008، “تاريخ إيران الحديث” (جامعة كامبردج).
  • أبراهاميان، آرفاند، 2009، “لماذا نجت الجمهورية الإسلامية“، تقرير الشرق الأوسط 250،

www.merip.org/mer/mer250/abrahamian.html

  • آفاري، جانيت، 1996، “الثورة الدستورية الإيرانية 1906 – 1911: الديموقراطية القاعدية والديموقراطية الاجتماعية وجذور النسوية” (جامعة كولومبيا).
  • أميد، جواد، وأمجد حاجخاني، 2005، “التجارة والتصنيع والشركات في إيران: تأثير سياسات الحكومة في الأعمال” (IB Taurus أي بي توروس للنشر).
  • بيات، آصف، 1987، “العمال والثورة“،(Zed Books زد للنشر).
  • بيات، آصف، 1997، “سياسات الشارع: حركات الفقراء في إيران“، (الجامعة الأمريكية في القاهرة).
  • بيات، آصف، 2002، “النشاطوية والتنمية الاجتماعية في منطقة الشرق الأوسط“، المجلة الدولية لدراسات الشرق الأوسط، 34،

www.merip.org/mer/mer226/226_bayat.html

  • بيات، آصف، 2007، “جعل الإسلام ديموقراطياً: الحركات الاجتماعية والاتجاه ما بعد الإسلامي“، (جامعة ستانفورد).
  • بهداد، سهراب، 2000، “من الشعبوية إلى الليبرالية: المأزق الإيراني“، في “اقتصاد إيران: معضلات دولة إسلامية”، تحرير بارفين علي زاده (IB Taurus أي بي توروس للنشر).
  • بهشتي، محمد ب.، عام 2003، “التنمية الاقتصادية في إيران والتغيير الهيكلي في الموارد البشرية“، في “إيران تجابه العولمة: المشاكل والآفاق“، تحرير علي محمدي، (Routledge Curzon للنشر).
  • بهروز، مازيار، 2000، “المتمردون أصحاب القضية: فشل اليسار في إيران” (IB Taurus أي بي توروس للنشر).
  • كليف ، توني، 1963، “الثورة الدائمة المنحرفة“، الاشتراكية الأممية، عدد 12، (السلسلة الأولى)،

www.marxists.org/archive/cliff/works/1963/xx/permrev.htm

  • كليف، توني، 1988، “رأسمالية الدولة في روسيا“، (Bookmarks بوكماركس للنشر)،

www.marxists.org/archive/cliff/works/1955/statecap/

  • كولاس، أليخاندرو، 2004، “إعادة اختراع الشعبوية: الاستجابات الإسلامية للتنمية الرأسمالية في المغرب المعاصر“، سلسلة “المادية التاريخية“، الجزء 12، رقم
  • احساني، كاوه، 2006، “إيران: التهديد الشعبوي للديموقراطية“، تقرير الشرق الأوسط 241،

www.merip.org/mer/mer241/ehsani.html

  • احساني، كاوه، 2009، “النجاة عبر السلب: خصخصة السلع العامة في الجمهورية الإسلامية“، تقرير الشرق الأوسط 250،

www.merip.org/mer/mer250/ehsani.html

  • احتشامي، آنوش، ومحجوب الزويري، عام 2007، “إيران وصعود محافظيها الجدد: سياسة الثورة الإيرانية الصامتة“، (IB Taurus أي بي توروس للنشر).
  • فارهاديان، مهدي، 2004، “ما وراء عصر إصلاح خاتمي: الطالبانية الاقتصادية أو تحرير الاقتصاد“، مجلة تحليل إيران الفصلية، المجلد 1، العدد
  • فيسك، روبرت، 2009، “يوم إيران المصيري“، جريدة الإندبندنت، 16 يونيو 2009،

www.independent.co.uk/opinion/commentators/fisk/robert-fisk-irans-day-of-destiny-1706010.html

  • حبيب زاده، أفشين، 2008، “مشارکت سیاسی طبقه کارگر” (المشاركة السياسية للطبقة العاملة) (Kavir كوير للنشر).
  • هارمان، كريس، 1994، “النبي والبروليتاريا“، الاشتراكية الدولية 64،

http://pubs.socialistreviewindex.org.uk/isj64/harman.htm

  • هيرو، ديليب، 2005، “إيران اليوم” (Politicos بوليتكوس للنشر).
  • كارباسيان، أكبر، 2000، “الثورة الإسلامية وإدارة الاقتصاد الإيراني“، مجلة البحوث الاجتماعية، مجلد 67، عدد 2،

http://findarticles.com/p/articles/mi_m2267/is_2_67/ai_63787346/

  • كيشافارزيان، آرانج، 2007، “البازار والدولة في إيران: سياسة سوق طهران” (جامعة كامبردج).
  • كيشفارزيان، ارانج، 2009، “ولاء النظام وتمثيل البازار في ظل الجمهورية الإسلامية الإيرانية: معضلات مجتمع التحالف الإسلامي“، المجلة الدولية لدراسات الشرق الأوسط
  • خاﭼهبور، بيجان، 200، “الإصلاحات السياسية المحلية ونشاط القطاع الخاص في إيران“، مجلة البحوث الاجتماعية، الجزء 67، عدد 2،

www.iranchamber.com/government/articles/political_reform_private_sector_iran.php

  • خوجاسته، رحيمي وشيباني، 2005، ” گرد هماي روشنفكران براي دموكراسي” (جمع المثقفين من اجل الديموقراطية)، جريدة شرق، 18 مايو عام 2005.
  • خسروي، خسرو، 2001، ” جامعه شناسی انتخابات إیران” (سوسيولوجيا الانتخابات الإيرانية)، مجلة الدراسات الاجتماعية، أرقام 17 و18.
  • كينزر، ستيفن، عام 2003، “كل رجال الشاه: انقلاب أمريكي وجذور الإرهاب في الشرق الأوسط“، (Wiley ويللي للنشر).
  • كليبنيكوف، بول، عام 2003، “ الملالي المليونيرات“، مجلة فوربس (يوليو 2003)،

www.forbes.com/forbes/2003/0721/056_print.html

  • كني باز، باروخ، 1977، “تروتسكي والماركسية وثورة التخلف“، في “تنويعات الماركسية“، تحرير شلومو أفنيري، (مؤسسة أورشليم فان لير).
  • لينين، فلاديمير إيليتش، 1966، “الشيوعية اليسارية: مرض طفولي“، الأعمال الكاملة، المجلد 31، (دار التقدم)

www.marxists.org/archive/lenin/works/1920/lwc/

  • مالم، أندرياس، وشورى إسماعيليان، 2007، “إيران على شفا الهاوية: صعود العمال وتهديدات الحرب“، (Pluto بلوتو للنشر).
  • مارشال، فيل، 1988، “الثورة والثورة المضادة في إيران“، (Bookmarks بوكماركس للنشر).
  • ماتن، كامران، 2006، “التطور المركب المتفاوت و”ثورة التخلف”: الثورة الدستورية الإيرانية، 1906 – 1911“، في “100 عام من الثورة الدائمة: نتائج وتوقعات“، تحرير بل دن وهوغو راديس (Pluto بلوتو للنشر) .
  • ميرزاي، مرتضى محمد، عام 2002، ” تراژدی شوراها” (مآساة المجالس)، (روزنه للنشر).
  • معادل، منصور، 1993، “الطبقة والسياسة والأيديولوجيا في الثورة الإيرانية“، (جامعة كولومبيا).
  • مقدم، فال، 1989، “ثورة أم ثورتان؟ الثورة الإيرانية والجمهورية الإسلامية“، سوشياليست ريجستر (السجل الاشتراكي)، عدد 25،

http://socialistregister.com/index.php/srv/article/view/5560/2458

  • مسلم، مهدي، 2002، “الكتل السياسة في إيران ما بعد الخُمينية“، (جامعة سيراكيوز).
  • نعماني، فرهاد، وسهراب بهداد، 2006، “الطبقة والعمل في إيران: هل الثورة جوهرية؟” (جامعة سيراكيوز).
  • بارسا، ميساغ، 1989، “الأصول الاجتماعية للثورة الإيرانية“، (جامعة روتجرز).
  • بيتراس، جيمس، 2009، “الانتخابات الإيرانية: خدعة “الانتخابات المسروقة”“، 18 يوليو 2009،

http://petras.lahaine.org/articulo.php?p=1781&more=1&c=1

  • بويا، مريم، 1987، “إيران 1979: عاشت الثورة! .. عاش الإسلام؟“، في “بروفات ثورية“، تحرير كولن باركر، (Bookmarks بوكماركس للنشر).
  • رازي، مازيار، 2009، “لماذا لا ينبغي للماركسيين الثوريين دعم الأصوليين الإسلاميين“،

www.pishtaaz.com/english/fundamentalism2.htm

  • روشيماير، ديتريش وإيفلين هوبر ستيفنز وجون دي ستيفنز، 1992، “التنمية الرأسمالية والديموقراطية“، (Polity بوليتي للنشر).
  • سعيدي، علي، 2001، “السلطة الكاريزمية السياسية والاقتصاد الشعبوي في إيران ما بعد الثورة“، مجلة العالم الثالث الفصلية، المجلد 22، عدد
  • صالحي أصفهاني، جواد، 2009، “الثروة النفطية والنمو الاقتصادي في إيران“، في “إيران المعاصرة: الاقتصاد والمجتمع والسياسة“، تحرير علي غيساري (جامعة أكسفورد).
  • ساليث، توراب، 2007، “الطبيعة الطبقية للنظام الإيراني“، مجلة نقد، المجلد 35، عدد 3،

www.informaworld.com/openurl?genre=article&issn=0301%2d7605&volume=35&issue=3&spage=435

ملخص المقال بقلم الكاتب متاح على،

http://www.indymedia.ie/article/83485

  • ساليث ، توراب ، 2009، “في الذكرى الـ30 للثورة الإيرانية“، وهي متاحة على

http://www.critiquejournal.net/torab-iranrev.html

  • تروتسكي، ليون، 1977 [1930]، “تاريخ الثورة الروسية” (Pluto بلوتو للنشر)،

http://www.marxists.org/archive/trotsky/works/1930-hrr/

  • ويهري، فريدريك وآخرين، 2009، “صعود الباسدران: تقييم الأدوار المحلية لفيالق الحرس الإسلامي الثوري الإيراني“، (Rand راند للنشر).

الهوامش

[1]خطاب المرشد الأعلى لإيران في حفل تنصيب الرئيس أحمدي نجاد“، وكالة الطلبة الإيرانية الجديدة، 4 أغسطس 2009.

[2] انظر أبراهاميان، 1982 و 2008، لعرض سريع عن هذه الفترة.

[3] انظر آفاري، 1996. وماتين 2006، الذي قدم تحليلاً ممتازا ًمن منظور التطور المركب المتفاوت.

[4] كينزر، 2003، ص 39.

[5]انظر بويا، 1987؛ مارشال، 1988؛ بارسا، 1989، ومعادل، 1993.

[أ] البازاريين: bazaari  اللقب الذي كان يطلق على التجار والعاملين بالأسواق التقليدية في إيران؛ البازار bazaar. (المترجم)

[6] أبراهاميان، 1982، ص 533 – 535.

[7] انظر بيات 1987، عن الشورات.

[8] رازي، 2009.

[9] بِهروز، 2000، ص 104.

[10] لينين 1966، ص 28.

[11] انظر، على سبيل المثال، ساليث 2007.

[12] قدمت راهي كارﮔـر (طريق العمل)، وهي واحدة من أصغر المنظمات في عام 1979، تحليلاً أكثر صحة، بالرغم من إشكاليته (أنظر أدناه)، اعتبرت فيه الجمهورية الإسلامية شكلاً من أشكال الدولة البورجوازية البونابرتية.

[13] كيشافارازيان، 2007 و2009.

[14] توني كليف، 1963.

[15] هارمن 1994، ص 45.

[16] مقدم 1989.

[17] توني كليف، 1963.

[18] كيني-باز 1977.

[19] تروتسكي 1977، ص 27، 28.

[20] ما اسماه جرامشي الثورة السلبية وأسماه ماركسيين آخرين ثورات بورجوازية فوقية هي أمثلة محددة. الثورة الروسية عام 1917 هي مثال للإستراتيجية التي يتبناها الاشتراكين أنصار الثورة الدائمة.

[21] انظر كولاس 2004، لتطبيق هذه الحجة على الحركة الإسلامية في الجزائر والمغرب وتونس.

[22] أبراهيميان، 1993، ص17.

[23] سعيدي، 2001، ص 224.

[24] أبراهيميان، 1993، ص 2.

[25] اقتباس لدى ابراهميان 1993، ص 15.

[26] أنظر، كليف، 1988.

[27] هارمن، 1994، ص 44.

[28] أبراهيميان، 2008، ص 169.

[29] مسلم، 2002، ص120.

[ب] 15 خُرداد حسب التقويم الفارسي هو ذكرى تظاهرات الخامس من يونيو 1963 ضد اعتقال الخُميني من قبل الشاه. (المترجم)

[30] سعيدي 2001، ص232.

[31] وفقاً لتقرير التنمية البشرية الصادر عن البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة متاح على الرابط التالي

http://hdr.undp.org/en/countries/profiles/IRN

[32] صالحي أصفهاني 2009، ص20.

[جـ] الثورة البيضاء: مصطلح يطلق على سلسلة الإصلاحات التي قام بها الشاه محمد رضا بهلوي سنة 1963، لتقوية نفوذ نظام وتقوية الطبقات التي يعتمد على دعمها وتحديث المجتمع الإيراني، كان جزء من هذه الإصلاحات هو الإصلاح الزراعي وتوزيع الأراضي على الفلاحين للقضاء على نفوذ كبار الملاك. (المترجم)

[33] أبراهيميان 2009.

[34] بهشتي، 2003 جدول 8 – 1. معامل جيني، الذي يتراوح بين الصفر والواحد، هو مقياس لعدم المساواة. انخفاض المعامل يعني مساواة أكثر في توزيع الدخل.

[د] مقياس التشتت الإحصائي الخاص بالدخل القومي. (المترجم)

[هـ] جهادي سازانديجي Jahade Sazandegi : بدأت بمجموعة من المتطوعين في 1979 للمساعدة في الحصاد، ثم تطورت لتقوم ببناء الطرق وشق الترع وبناء المدارس ..الخ. في عام 2001 تم دمجها بوزارة الزراعة لتصبح وزارة جهاد الزراعة. (المترجم)

[35] أنظر أمين وهادجيخاني، 2005.

[36] مسلم 2002، ص62.

[37] مسلم 2002، ص 74.

[38] هيرو، 2005، ص 233.

[39] كلبينكوف، 2003.

[40] كليبنكوف، 2003.

[41] مسلم 2002، ص 144.

[42] نوماني وبهداد، 2006، ص 52.

[43] انظر حبيب زاده، 2008.

[44] للاطلاع على وصف مفصل انظر ميرزاي، 2002، ص 69 – 74.

[45] بايات، 2002، ص 4.

[46] خاﭼيهبور، 2000، ص 583.

[47] إحساني، 2009.

[48] كارباسيان، 2000، ص 637.

[49] بايات، 2007، ص 61.

[50] جريدة إطلاعات، 5 أغسطس 1997.

[51] بايات، 2007، ص 95.

[و] عطا الله مهاجراني؛ صحفي إيراني وسياسي إصلاحي إيراني، كان وزيراً للثقافة في حكومة خاتمي من 1997 إلى 2000. (المترجم)

[52] ايران تايمز، 16 يوليو 1999.

[53] هيرو، 2005، ص 311.

[54] جريدة وقایع اتفاقیه، 22 يوليو 2004.

[55] فارهاديان، 2004.

[56] خوجستيه رحيمي وشيباني، 2005.

[57] لهدم هذه الأسطورة أنظر: رويشميير وآخرون، 1992.

[58])بايات 2007، ص 134.

[59] www.baztab.com، بتاريخ 6 فبراير 2005.

[60] المعلومات متوفرة على موقع www.devdata.worldbank.org.

[61] مالم وإسماعيليان، 2007، ص 56.

[62] حبيب زاده 2008، ص 102 – 112.

[63] أظهر استطلاع للرأي أن العاملين في المنشآت التي تضم أقل من خمسة عمال صوتوا بأغلبية ساحقة لصالح خاتمي. انظر خسروي، عام 2001، ص 6.

[ز] إيران خودرو؛ كبرى شركات تصنيع السيارات الإيرانية، تأسست في عام 1962، وتم تأميمها مع الثورة الإيرانية. (المترجم)

[64] احتشامي وزويري، 2007.

[65] جريدة الأوقات الآسيوية (آسيا تايمز)، 24 أغسطس 2007.

[66] جريدة سرمايه، 18 أغسطس 2009.

[67] جريدة سرمايه، 18 أغسطس 2009.

[68] إحساني، 2006.

[حـ] نومنكلاتورا Nomenklatura: (في الاتحاد السوفييتي السابق) قائمة المناصب المؤثرة في الحكومة والصناعة التي شغلها المعينين بالحزب الشيوعي. (المترجم)

[69] إيكونيمست، 19 يوليو 2007.

[70] وهري وآخرين، 2009، ص 55.

[71] www.chathamhouse.org.uk/files/14234_iranelection0609.pdf.

[72] متوفر على الرابط التالي http://www.terrorfreetomorrow.org.

[73] بتراس، 2009.

[ط] عباءة نسائية تغطي الجسم بالكامل. (المترجم)

[74] فيسك، 2009.

[ي] آية الله: لقب ديني يُستخدَم من قبل الشيعة لمن يبلغ درجة الاجتهاد في الفقه الإسلامي عند الشيعة. (المترجم)

[ك] آية الله حسين علي منتظري (1922 – 2009): رجل دين شيعي إيراني وأحد المدافعين عن الديموقراطية الإسلامية وحقوق الإنسان، كان نائباً للمرشد الأعلى الخُميني من عام 1985 ومختاراً من قبل مجلس الخبراء لخلافته حتى أزيح من منصبه بسبب خلافه مع الخُميني في 1989، كان محور الخلاف هو رفضه سياسة القمع تجاه المعارضين، وتبنيه لتأويل مختلف لولاية الفقيه يلعب فيه المرشد الأعلى دور الناصح والمستشار وليس الحاكم المطلق. (المترجم)

[75] جريدة سرمايه، 30 يونيو 2009.

Advertisements

مناقشة

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

حمل العدد الأخير من نشرة الثوري

آخر اصداراتنا

أنت الزائر رقم

  • 68,316

%d مدونون معجبون بهذه: