نصوص ماركسية, وحدة الترجمة

الطابع الطبقي لإسرائيل


موشيه ماتشوفر
أكيفا أور


أكيفا أور

أكيفا أور

موشيه ماتشوفر

موشيه ماتشوفر

موشيه ماتشوفر (1936 – ) عالم رياضيات وفيلسوف، وأكيفا أور (1931 – 2013) كاتب وسياسي، من مؤسسي المنظمة الاشتراكية الإسرائيلية (ماتسبن Matzpen) وهي منظمة اشتراكية ثورية معادية للصهيونية نشطت في الستينات والسبعينات.

نشر هذا المقال بشكل مستقل عام 1969، ثم نشر كفصل في كتاب “إسرائيل الأخرى: الحُجة الجذرية في مواجهة الصهيونية“، ويقدم محاولة لتحليل الطابع الطبقي للمجتمع الإسرائيلي، ويكشف دور الإمبريالية في دعمه ومساندته، كما يكشف عقم الرهان على الطبقة العاملة الإسرائيلية في هذا الوضع لاحداث تغيير ثوري، وأن هذا غير ممكن الحدوث إلا إذا حدثت تغييرات ثورية في المنطقة تفقد الكيان الصهيوني أهميته بالنسبة للإمبريالية وبالتالي دعمها ومساندتها، كما يطرح ضرورة اخضاع كل النضال الثوري داخل المجتمع الاسرائيلي إلى استراتيجية النضال ضد الصهيونية.

النص المترجم هو بحسب ما أعادت نشره مجلة “انترناشيونال سوشياليست ريفيو” في العدد 23 (مايو – يونيو 2002)

http://www.isreview.org/issues/23/class_character_israel.shtml


مقدمة انترناشيونال سوشيالست ريفيو

جنود في الجيش الصهيوني ومستوطنين أمام إحدى المستوطنات في 2009

جنود في الجيش الصهيوني ومستوطنين أمام إحدى المستوطنات في 2009

إن مقال “الطابع الطبقي للمجتمع الإسرائيلي“، والذي نشر للمرة الأولى في 1969، يمثل تحليل ماركسي رائد عن طبيعة الطبقة العاملة في إسرائيل. إن كاتبيه، العضوان في المنظمة الاشتراكية الإسرائيلية الغير نشطة حالياً، وضعا أيديهما على نقطة تفرد المجتمع الإسرائيلي؛ “يمول بواسطة الإمبريالية بدون أن يُستغل بواسطتها“. برغم أنه حدث العديد من التغيرات داخل إسرائيل وعلى المستوى العالمي، فإن هذا المقال يبقى نقطة بدء هامة لأي مناقشة لديناميات المجتمع الإسرائيلي.

تعزز مليارات الدولارات في المعونة الأمريكية وتحويلات المنظمات الصهيونية مستوى معيشة على غرار النموذج الشمال أمريكي لمعظم الإسرائيليين اليهود. هذه الموارد توفر فرص العمل، والقروض منخفضة الفائدة للإسكان، ومزايا أخرى لا يستطيع اقتصاد الدولة بمفرده أن يتحملها.

بالإضافة لهذا، فإن الطبقة العاملة الإسرائيلية تشكلت عبر عملية استعمار الأراضي الفلسطينية وإزاحة العمل الفلسطيني. وبدلاً من أن تربط تحسين ظروفها بالصراع ضد حكام إسرائيل، تبحث عن تحسين حالتها على حساب الفلسطينيين.

هذه القوى الهائلة تقف في طريق الوعي الطبقي للطبقة العاملة اليهودية الإسرائيلية، لذا فإن أي إستراتيجية اشتراكية للتحرر الفلسطيني لا يمكنها حالياً أن تعتمد على العمال الإسرائيليين لاستخدام قوتهم لتحدي الدولة الصهيونية.

لقد تغير المجتمع الإسرائيلي منذ النشر الأول لهذه الدراسة. على سبيل المثال، اعتمدت إسرائيل بشكل متزايد على أكثر من 000 200 عامل متعاقد غير يهودي (من دول مثل رومانيا والفلبين والصين) لاستبدال الفلسطينيين في أدنى درجات قوى العمل. وتعرض العمال الإسرائيليين إلى العديد من الهجمات النيوليبرالية على الأمان الوظيفي وشبكة الضمان الاجتماعي مثل التي تعرض لها عمال دول أخرى في العقد الأخير.

لكن جوهر الحجة التي صيغت في “الطابع الطبقي للمجتمع الإسرائيلي” مازالت صامدة. آرييل شارون والأحزاب اليمينية الدينية تستحوذ على الدعم الأعظم من العمال اليهود ذوي الأصول الشرق أوسطية (الشرقيون). برغم أن هؤلاء العمال يواجهون تمييزاً على يد نخبة الدولة ذوي الأصول الأوروبية (الأشكينازي)، لكنهم يتوحدون مع هذه النخبة للدفاع عن مزاياهم كإسرائيليين في مواجهة مطالب الفلسطينيين، برغم أنهم قد ينخرطوا في نضالات اقتصادية.

ومع تصاعد المقاومة اليوم، تواجه العنصرية الصهيونية (تقريباً نصف المواطنين الإسرائيليين يدعمون الطرد الجماعي للفلسطينيين من المناطق المحتلة) بالتزامن أزمة اقتصادية في قلب إسرائيل. أكثر من 10 % من العمال الإسرائيليين متعطلين عن العمل، ومعدل النمو الاقتصادي كان سالب 5 % في 2001؛ وهو أسوأ معدل منذ 1953. لكن طالما مازال العمال الإسرائيليون يضعون الصهيونية أولاً، فإن حكام إسرائيل سيستمرون في الهروب من مواجهة اللوم عن هذه المشاكل.

يترتب على ذلك، كما يؤكد الكاتبان، أنه فقط “تقدم ثوري” في العالم العربي يمكنه أن يتحدى دور إسرائيل ككلب حراسة في المنطقة. “بمجرد أن ينتهي هذا الدور والامتيازات المرتبطة به، سيكون النظام الصهيوني، والمعتمد كما يفعل الآن على هذه الامتيازات، مفتوحاً لتحديات جماهيرية من داخل إسرائيل نفسها“.

نشرت هذه النسخة في “إسرائيل الأخرى: الحُجة الجذرية في مواجهة الصهيونية” The Other Israel: The Radical Case Against Zionism تحرير آري بوبر (جاردن سيتي، نيويورك، آنكور بوكس، 1972)


الطابع الطبقي لإسرائيل

يضم المجتمع الإسرائيلي، مثل كل المجتمعات الطبقية الأخرى، مصالح اجتماعية متصارعة، مصالح طبقية تؤدي إلى صراع طبقي داخلي. لكن المجتمع الإسرائيلي ككل مشتبكاً، طيلة السنوات الخمسين الأخيرة، في صراع خارجي مستمر: الصراع ما بين الصهيونية والعالم العربي، وبالتحديد الفلسطينيين. أي من هذين الصراعين الأساسي وأيهما التابع؟ وما هي طبيعة هذه التبعية ودينامياتها؟ هذه هي الأسئلة التي يجب على كل شخص معني بالمجتمع الإسرائيلي وبالسياسة أن يجيب عنها.

بالنسبة للثوريين داخل إسرائيل، هذه الأسئلة ليست أكاديمية. فالإجابات التي يتوصلون إليها تحدد إستراتيجية النضال الثوري. أولئك الذين يعتبرون الصراع الطبقي الداخلي هو الصراع الأساسي، يركزون جهودهم على الطبقة العاملة الإسرائيلية، ويعطون أهمية ثانوية للنضال ضد الطابع الاستعماري والقومي والتمييزي للدولة الصهيونية. هذا الموقف يرى الصراع الخارجي كنتيجة للصراع الداخلي. علاوة على هذا، ستؤدي الديناميات الداخلية للمجتمع الإسرائيلي، في هذا المنظور، إلى ثورة داخل إسرائيل، بدون اعتماد هذا بالضرورة على ثورة اجتماعية في العالم العربي.

لقد أوضحت خبرة البلدان الرأسمالية الكلاسيكية غالباً أن الصراعات والمصالح الداخلية تسود على الصراعات والمصالح الخارجية. برغم من ذلك فإن هذه النظرية فشلت في الصمود في حالات خاصة بعينها. على سبيل المثال، في بلد مُستعمَر تحت الحكم المباشر لسلطة أجنبية، فإن دينامية المجتمع الـمُستعمَر لا يمكن استنباطها ببساطة من الصراعات الداخلية لهذا المجتمع، بما أن الصراع مع القوة المستعمرة يكون هو السائد. إسرائيل ليست دولة رأسمالية كلاسيكية، ولا مستعمرة بالشكل الكلاسيكي. إن سماتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية متفردة لدرجة إن أي محاولة لتحليلها عبر تطبيق نظريات أو نماذج تم استنباطها لمجتمعات مختلفة ستكون محاولة كاريكاتورية. على العكس يجب أن يستند التحليل إلى السمات والتاريخ الخاصين للمجتمع الإسرائيلي.

إن السمة الحاسمة الأولى للمجتمع الإسرائيلي هي أن أغلبية السكان إما مهاجرين أو أبناء مهاجرين. في 1968، كان تعداد البالغين اليهود (أي أكبر من 15 سنة) في إسرائيل 1,689,286، منهم 24 % فقط ولدوا بإسرائيل و4 % فقط من والدين ولدوا بإسرائيل.[1] المجتمع الإسرائيلي اليوم(أ) مازال مجتمع مهاجرين ولديه عديد من السمات المطابقة لمثل هذه المجتمعات. في مجتمع كهذا، مازالت الطبقات ذاتها، ناهيك عن الوعي الطبقي، في مرحلة تشكل. عملية الهجرة تنتج خبرة وذهنية أن المهاجر “يبدأ صفحة جديدة في الحياة“. كقاعدة، فإن المهاجر قد غير وظيفته، ودوره الاجتماعي وطبقته. في حالة إسرائيل، فإن أغلب المهاجرين أتوا من البورجوازية الصغيرة، سواءً أتوا من المناطق الحضرية في أوروبا الوسطى والشرقية، أو من البلدات والمدن في العالم العربي. يتطلع المهاجر الجديد إلى تغيير موقعه في المجتمع. علاوة على ذلك، فإنه يرى كل المواقع المميزة في المجتمع الجديد قد شغلت بالمهاجرين السابقين، وهذا يحفز طموحه أن يتسلق السلم الاجتماعي عبر العمل الطويل والشاق. يعتبر المهاجر الدور الاجتماعي الحقيقي الذي يشغله انتقالياً. نادراً ما كان والده عاملاً، وهو شخصياً يحيا على أمل أنه سيكون بدوره مستقلاً يوماً ما، أو على الأقل أن ابنه سيكون قادراً أن يفعل ذلك. لا يتواجد في إسرائيل الوعي الطبقي والفخر اللذان يوجدان في البروليتاريا البريطانية والفرنسية، ويظهران شاذين بالنسبة لكثير من العمال الإسرائيليين. لو سُئل عامل إنجليزي عن أصوله، على الأغلب سيجيب تلقائياً بمصطلحات طبقية (“أنا من الطبقة العاملة“) وسيشرح توجهاته نحو الآخرين بمصطلحات تحمل نفس المفاهيم الطبقية، بينما سيستخدم العامل الإسرائيلي التصنيفات العرقية وسينظر لنفسه وللآخرين من حيث كونهم “بولنديين” أو “شرقيين“، وهكذا. معظم الناس في إسرائيل مازالوا ينظرون إلى موقعهم الاجتماعي انطلاقاً من أصولهم العرقية والجغرافية، ومثل هذا الوعي الاجتماعي هو بوضوح حاجز يعوق الطبقة العاملة عن لعب دور مستقل، فضلاً عن دور ثوري يهدف إلى تحويل شامل في المجتمع.

لا يمكن أن تلعب طبقة عاملة دوراً ثورياً في مجتمع بينما تسعى أغلبية أعضائها إلى تحسين وضعها بشكل فردي، داخل إطار المجتمع القائم، عن طريق ترك صفوف طبقتهم، هذه الحقيقة تتعزز عندما لا تدرك البروليتاريا ذاتها كطبقة اجتماعية مستقرة لديها مصالحها الجمعية الخاصة ونظامها القيمي الخاص في تضاد مع تلك التي يملكها النظام الاجتماعي القائم. إن الاندفاع نحو تحويل شامل لا يبزغ بسهولة في مجتمع من المهاجرين الذين غيروا للتو حالتهم الاجتماعية والسياسية والذين مازالوا يعيشون في ظروف تنقل اجتماعي عالية. هذا لا يعني أن الطبقة العاملة الإسرائيلية لا يمكنها أن تصبح قوة ثورية في المستقبل؛ إنه يعني فقط أن النشاط السياسي الحالي داخل هذه الطبقة لا يمكن أن ينطلق من نفس الافتراضات والتوقعات التي تنطبق على دولة رأسمالية كلاسيكية.

موشيه دايان

موشيه دايان

لو أن تفرد الطبقة العاملة الإسرائيلية كان فقط في حقيقة أنها كانت تتشكل في أغلبيتها من مهاجرين، لكان مازال من الممكن افتراض أنه عبر الوقت والدعاية الاشتراكية الصبورة يمكنها أن تلعب دوراً مستقلا،ً وربما ثورياً. في مثل هذه الحالة لن يختلف العمل التربوي الصبور عن العمل المشابه في أي مكان آخر. لكن ، المجتمع الإسرائيلي ليس مجرد مجتمع من المهاجرين، إنه مجتمع من المستوطنين. هذا المجتمع، متضمناً طبقته العاملة، تشكل عبر عملية استعمار. هذه العملية التي كانت مستمرة لمدة 80 عاماً، لم تجرِ في الفراغ لكن في بلد يقطنها شعب آخر. لم يتوقف أبدأ الصراع الدائم بين مجتمع المستوطنين والسكان الأصليين؛ العرب الفلسطينيين الذين يتم طردهم، وقد شكل هذا الصراع البنية الحقيقية للمجتمع والسياسة والاقتصاد الإسرائيليين. يعي الجيل الثاني من القادة الإسرائيليين هذا بشكل تام. يعلن الجنرال دايان في خطبة شهيرة له، أثناء دفن روي روتبيرج، وهو عضو بأحد الكيبوتزات قتل بواسطة المقاومة الفلسطينية سنة 1956:

“إننا جيل مستوطنين، وبدون الخوذة المعدنية والمدفع لا نستطيع أن نزرع شجرة أو نبين منزلاً. دعونا لا نجفل بسبب المئات الآلاف من العرب التي تحيط بنا والتي تشتعل كراهية. دعونا لا نُدِر رؤوسنا بعيداً خشية أن ترتجف أيدينا. إنه قدر جيلنا، إنه بديلنا للحياة، أن نكون مستعدين ومسلحين، أقوياء وقساة، خشية أن يسقط السيف من قبضتنا وتنتهي حياتنا.”[2]

هذا التقييم الصريح يقف في تناقض واضح مع الأسطورة الصهيونية الرسمية حول “جعل الصحراء تزدهر“، وقد أبرز دايان هذا عندما استكمل كلامه بأن الفلسطينيين لديهم حجة جيدة جداً حيث “أننا نزرع حقولهم أمام أعينهم بالذات“.

عندما صاغ ماركس العبارة الشهيرة، أن “شعباً يضطهد شعباً آخر، لا يمكنه أن يكون حراً“، لم يكن يعني هذا كمجرد حكم أخلاقي. كان يعني أيضاً أنه في مجتمع يضطهد حكامه شعباً آخر، فإن الطبقة المستغَلة والتي لا تعارض الاضطهاد بقوة، تصبح لا محالة شريكة فيه. حتى عندما لا تجني هذه الطبقة بشكل مباشر أي شيء من هذا الاضطهاد، فإنها تصبح عرضة لوهم أنها تشارك حكامها مصلحة عامة في إطالة أمد هذا الاضطهاد. مثل هذه الطبقة تميل للسير في أثر حكامها عوضاً عن تحدي حكمهم. وعلاوة على ذلك يصبح هذا حتى أكثر صحة عندما لا يحدث الاضطهاد في بلاد بعيدة، بل “في الوطن“، وعندما يشكل الاضطهاد والمصادرة على المستوى القومي الشروط الحقيقية لنشوء ووجود المجتمع المضطهِد.

عملت المنظمات الثورية في قلب المجتمع اليهودي في فلسطين منذ العشرينات، وراكمت خبرة جديرة بالاعتبار من مثل هذا النشاط العملي؛ هذه الخبرة تمنح برهاناً واضحاً على عبارة أن “شعباً يضطهد شعباً آخر، لا يمكن أن يكون حراً“. في سياق المجتمع الإسرائيلي فإن هذا يعني أنه طالما تظل الصهيونية مهيمنة سياسياً وأيديولوجياً داخل هذا المجتمع، وتشكل إطار العمل المسلم به للسياسة، لا توجد مهما حدث فرصة أن تصبح الطبقة العاملة الإسرائيلية طبقة ثورية. إن خبرة 50 عاماً لا تحتوي على مثلاً واحداً لعمال إسرائيليين تم تعبئتهم على قضايا مادية أو نقابية لتحدي النظام الإسرائيلي ذاته؛ إنه من المستحيل تعبئة حتى أقلية من البروليتاريا بهذه الطريقة. على النقيض، فإن العمال الإسرائيليين يقدمون ولاءاتهم القومية طيلة الوقت تقريباً على ولاءاتهم الطبقية. وبرغم أن هذا يمكن أن يتغير في المستقبل، فإن هذا لا يلغي حاجتنا لتحليل لماذا كان الأمر على هذه الحالة طيلة الخمسين عاماً الأخيرة.

عامل حاسم ثالث هو السمة العرقية للبروليتاريا الإسرائيلية. معظم الشريحة الأكثر عرضة للاستغلال بين الطبقة العاملة الإسرائيلية هم مهاجرون من آسيا وأفريقيا.[3] في النظرة الأولى قد يبدو كما لو أن مضاعفة الانقسامات الطبقية بواسطة الانقسامات العرقية يمكن أن تزيد من حدة الصراع الطبقي الداخلي في قلب المجتمع الإسرائيلي. كان هناك ميل ما في هذا الاتجاه، لكن العامل العرقي عمل بشكل رئيسي في الاتجاه المعاكس خلال العشرين عاماً الماضية.

حسن عديد من المهاجرين الآسيويين والأفارقة من مستوى معيشتهم عن طريق تحولهم إلى بروليتاريين في مجتمع رأسمالي حديث. إن سخطهم لم يوجه ضد وضعهم كبروليتاريين لكن ضد وضعهم كـ”شرقيين“، أي ضد حقيقة أنه يُنظَر إليهم بازدراء، وأحياناً حتى يتم ممارسة التمييز ضدهم، على يد هؤلاء ذوي الأصول الأوروبية. اتخذ الحكام الصهيونيين إجراءات محاولين أن يدمجوا المجموعتين معاً. لكن، برغم من هذه الإجراءات، ظلت الاختلافات واضحة وفي الحقيقة كانت تكبر وتنمو.[4] في منتصف الستينات، كان ثلثي هؤلاء الذين يقومون بالأعمال التي لا تتطلب مهارات هم شرقيون؛ كان 38 % من الشرقيين يعيشون ثلاثة أفراد أو أكثر في غرفة، بينما كان 7 % فقط من الأوروبيون يعيشون كذلك؛ وفي الكنيست، فقط 16 عضواً من المائة وعشرين عضواً كانوا شرقيين قبل سنة 1965، و21 فقط بعدها.

إذن، لماذا لم تنجح إسرائيل في “توحيد” مجتمعها اليهودي وتطوير مهارات اليهود الشرقيين في العمل؟ تكمن الإجابة في طبيعة الدولة الإسرائيلية: مع نمو الاقتصاد، خُلق طلب كبير على العمال المهرة. كانت الطريقة البينة لتلبية هذا الاحتياج إما إطلاق حملة هائلة لتعليم العدد الضخم من اليهود الشرقيين غير المهرة ونصف المهرة، أو تجنيد عمال يهود مهرة من الخارج. أدت ديناميات كلاً من الرأسمالية والصهيونية إلى الحل الثاني، لذا أبدت الوضع المتدني لليهود الشرقيين في المجتمع الإسرائيلي.

بالإضافة إلى الميل العام للمجتمعات الرأسمالية للحفاظ على الانقسامات الطبقية السائدة، فإنه استيراد العمال المهرة أرخص في هذه الحالة من خلقهم في الوطن. علاوة على هذا، بعيداً عن القيمة الجوهرية للهجرة اليهودية لإسرائيل من وجهة النظر الصهيونية، فإن حركة ترقي واسعة لليهود الشرقيين يمكن أن تخلق في نفس الوقت مشكلة للصهيونية: وهي أن الفراغ الذي سينشأ في الطبقة العاملة الغير ماهرة ونصف الماهرة لن يملأه سوى العمل العربي، الذي سيهمن وقتها على الأقسام الحيوية في البروليتاريا الإسرائيلية. هذا بالطبع لن يكون مقبولاً من قبل القيادة الصهيونية.[5] لذا، لا شك في أنه طالما ظل المجتمع الإسرائيلي رأسمالي ويهودي بشكل كامل، ستتطابق الانقسامات العرقية بشكل كبير مع الانقسامات الطبقية.

لكن مثل هذه الانقسامات والاختلافات يترجمها الشرقيون بمصطلحات عرقية؛ فلا يقولون “أنا مُستغَل ويتم التمييز ضدي لأني عامل“، لكن “أنا مُستغَل ويتم التمييز ضدي لأني شرقي“.

أضف إلى ذلك، أن العمال الشرقيين، في السياق الحالي للمجتمع الإسرائيلي الاستعماري، يشكلون مجموعة سيكون ما يعادلها هم “البيض الفقراء” في الولايات المتحدة أو الأقدام السوداء الجزائريين.(ب) مثل هذه المجموعات تستاء من أن يتم تصنيفها مع العرب والسود والسكان الأصليين من أي نوع، والذين يعتبرهم المستوطنون “أدنى” منهم. ويكون رد فعلهم هو الاصطفاف مع أكثر العناصر شوفينية وعنصرية ونزوعاً للتمييز في المؤسسة؛ معظم مؤيدي حزب حيروت شبه الفاشي هم مهاجرون يهود من آسيا وأفريقيا، وهذا يجب أن يوضع في اعتبار أولئك الذين تستند إستراتيجيتهم الثورية للمجتمع الإسرائيلي على تحالف مستقبلي بين العرب الفلسطينيين واليهود الشرقيين، إما على أساس ظروف استغلالهم المشتركة أو على أساس تقاربهم الثقافي كنتيجة لتحدر اليهود الشرقيين من بلاد عربية.

مع كل ما سبق، فإنه من الضروري أن نلاحظ موجات الغضب الدورية التي تجتاح مجتمع اليهود الشرقيين. كان أكثرها أهمية هو الاحتجاج العنيف قصير العمر في حيفا مباشرة قبل حرب السويس في 1956،(ﺟ) والحركة التي بدأت قبل حرب يونيو 1967. تجددت هذه الموجات في 1970 مع تشكيل مجموعة الفهود السوداء الإسرائيلية.(د) ومن المشجع أن هؤلاء الفهود السود قد بدءوا يفهمون بعض جوانب العلاقة بين مصاعبهم الاقتصادية والطبيعة الصهيونية الرأسمالية لإسرائيل.

إن المجتمع الإسرائيلي ليس فقط مجتمع من المستوطنين تشكل بعملية استعمار لبلد مأهول بالفعل، إنه أيضاً مجتمع يستفيد من امتيازات فريدة من نوعها. إنه يتمتع بتدفق للموارد المادية من الخارج بطرقة لا مثيل لها في الكم والكيف؛ في الحقيقة، لقد حُسب أنه في 1968 تلقت إسرائيل 10 % من كل المساعدات التي مُنحت للدول النامية.[6] إن إسرائيل هي حالة خاصة في الشرق الأوسط؛ إنها تمول بواسطة الإمبريالية دون أن تُستغَل اقتصادياً بواسطتها. كان هذا هو الوضع دائماً في الماضي: الإمبريالية استخدمت إسرائيل لأغراضها السياسية ودفعت مقابل هذا دعماً اقتصادياً. مؤخراً كتب أوسكار جاس، وهو اقتصادي أمريكي عمل لفترة كمستشار اقتصادي للحكومة الإسرائيلية:

“الشيء المميز في عملية النمو هذه … هو عامل تدفق رأس المال … خلال السبعة عشر عاماً 49 – 1965، تلقت إسرائيل واردات البضائع والخدمات أكثر بـ 6 مليار دولار مما صدرت. طيلة 21 عاماً 48 – 1968، كان فائض الواردات بزيادة 7.5 مليار دولار. هذا يعني فائض للفرد بحوالي 2650 دولار خلال الأحد وعشرون عاماً، لكل شخص يعيش في إسرائيل في نهاية عام 1968 (في حدود ما قبل يونيو 1967). ومن هذا الدعم المقدم من الخارج … فقط 30 % جاء لإسرائيل تحت شروط تطالب بتدفق حصص المساهمين أو الربح أو رأس المال ثانية إلى الخارج. إنها حالة بلا نظير في أي مكان آخر، وتحد بشدة من أهمية التطور الاقتصادي الإسرائيلي كنموذج للدول الأخرى.”[7]

رئيسة الوزراء الإسرائيلية جولدا مائير في لقاء مع الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون، بالبيت االأبيض، 18 سبتمبر 1970

رئيسة الوزراء الإسرائيلية جولدا مائير في لقاء مع الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون، بالبيت االأبيض، 18 سبتمبر 1970

تم تغطية 70 % من عجز الستة مليارات هذا بـ”تحويلات صافية أحادية الاتجاه لرأس المال“، والتي لم تكن خاضعة لشروط تحكم بعائدات على رأس المال أو مدفوعات لحصص المساهمين. كانت تتكون من تبرعات تم جمعها بواسطة منظمة “النداء اليهودي الموحد(ﻫ) وتعويضات من الحكومة الألمانية، ومنح من حكومة الولايات المتحدة. وأتى 30 % من “تحويلات طويلة المدى لرأس المال“؛ سندات مالية للحكومة الإسرائيلية، وقروض من حكومات أجنبية، واستثمارات رأسمالية. تستفيد الأخيرة في إسرائيل من الإعفاءات الضريبية والأرباح المضمونة بموجب قانون “تشجيع الاستثمارات الرأسمالية“؛[8] مع ذلك، فإن هذا المصدر الرأسمالي إلى حد ما للاستثمارات يأتي بعد التحويلات أحادية الاتجاه وقروض التحويلات طويلة المدى بكثير.

طيلة المدة من 1949 إلى 1965، أتت التحويلات الرأسمالية (كلا الشكلين معاً) من المصادر التالية: 60 % من اليهود على مستوى العالم، 28 % من الحكومة الألمانية، و12 % من حكومة الولايات المتحدة. من التحويلات أحادية الاتجاه، 51,5 % من اليهود على مستوى العالم، 41 % من الحكومة الألمانية، 7,4 % من حكومة الولايات المتحدة. من تحويلات رأس المال طويلة المدى، أتى 68,7 % من اليهود على مستوى العالم، 20,5 % من حكومة الولايات المتحدة، و11 % من مصادر أخرى. خلال الفترة 49 – 1965، كان متوسط صافي الادخار للاقتصاد الإسرائيلي هو صفر، متراوحاً بين + 1 و – 1 في بعض الأوقات. ومع ذلك كان معدل الاستثمار في نفس المدة حوالي 20 % من الناتج القومي الإجمالي. لم يكن من الممكن أن يأتي هذا من الداخل لأنه لم يكن هناك ادخار داخلي في قلب الاقتصاد الإسرائيلي؛ لقد أتى بأكمله من الخارج في شكل الاستثمارات الرأسمالية أحادية الاتجاه وطويلة المدى. بعبارة أخرى، فإن نمو الاقتصاد الإسرائيلي كان يعتمد بأكمله على تدفق رأس المال من الخارج.[9]

ومنذ 1967، ازداد هذا الاعتماد على رأس المال الأجنبي. كنتيجة لتغير الموقف في الشرق الأوسط، ارتفعت نفقات التسليح. طبقاً لوزير الخزانة الإسرائيلي، في 1970، كانت نفقات التسليح تقدر بـ 24 % من الناتج القومي الإجمالي لسنة 19770، وهو ما كان ضعف النسبة الأمريكية في 1966، وثلاثة أضعاف النسبة البريطانية، وأربعة أضعاف النسبة الفرنسية.[10] وضع هذا ضغطاً إضافياً على المصادر الداخلية لأموال الاستثمار وعلى ميزان المدفوعات، وكان يجب أن يتم تعويضه بزيادة ملائمة في تدفق رأس المال. في 67 – 1968 تم الدعوة لثلاث “مؤتمرات للمليونيرات” في إسرائيل؛ وتم دعوة الرأسماليين الأجانب للمشاركة في زيادة تدفق رأس المال والمساهمات الأجنبية في المشروعات الصناعية والزراعية. في سبتمبر 1970، عاد وزير الخزانة الإسرائيلي، بنحاس سابير، من رحلة لجمع الأموال استمرت 3 أسابيع في الولايات المتحدة الأمريكية، ولخص الوضع وقتها كالآتي:

“لقد وضعنا لأنفسنا هدف جمع 1000 مليون دولار من اليهود على مستوى العالم في العام القادم، بمساعدة “النداء اليهودي الموحد” وحملة “سندات تنمية إسرائيل” التي تمولها الوكالة اليهودية. هذا المبلغ أكبر بـ 400 مليون دولار من المبلغ الذي جمع في عام 1967 والذي كان عاماً قياسياً … خلال الزيارة الحالية فريق الولايات المتحدة للبحث الاقتصادي لإسرائيل، شرحنا لهم أنه حتى لو أننا نجحنا في جمع كل ما نتوقعه من “النداء اليهودي الموحد” وحملة “سندات تنمية إسرائيل” سيكون مازال لدينا عجز ملايين الدولارات عن احتياجاتنا. بعد إضافة احتياجاتنا في التسليح، أخبرنا الولايات المتحدة أننا سنحتاج ما بين 400 و 500 مليون دولار سنوياً”.[11]

ويظهر من هذا أن الاعتماد الإسرائيلي على الولايات المتحدة تغير بشكل واضح منذ حرب 1967. لم يعد جمع التبرعات بين اليهود على مستوى العالم (باستغلال عواطفهم ومخاوفهم) كافياً لدعم ميزانية التسليح التي تزايدت بشكل هائل. إن المبلغ الذي يأتي من التبرعات بمتوسط تقريبي 500 مليون دولار، يجب الآن مضاعفته، وفوق هذا طُلب من الولايات المتحدة بشكل مباشر 500 مليون دولار إضافية. ومن الجلي أن استعداد حكومة الولايات المتحدة لإرسال هذا المبالغ يعتمد على ما تحصل عليه في المقابل. في حالة إسرائيل الاستثنائية فإن العائد ليس ربحاً اقتصادياً.[12]

بنى رأس المال البريطاني أيضاً روابط متينة مع إسرائيل.[13] 20 % من الواردات الإسرائيلية تأتي من بريطانيا، وتضاعفت التجارة تقريباً منذ حرب يونيو. شاركت شركة ليلاند البريطانية الهستدروت (والذي يملك حصة تقدر بـ 34 %) في إنتاج الحافلات، ومع رأس مال إسرائيلي خاص في إنتاج السيارات والجيب.

أدت المشاركة المتزايدة لرأس المال الأجنبي في إسرائيل إلى تغيرات معينة في قلب الاقتصاد نفسه، والتي جرت تحت ضغط متزايد نتج عن مستوى الإنفاق العسكري. تم جعل الاقتصاد أكثر “كفاءة” طبقاً للمعايير الرأسمالية الأمريكية: تم إصلاح الضرائب، وتم جعل ظروف الاستثمار أكثر “ليبرالية“، وأرسل جنرالات الجيش إلى كليات إدارة الأعمال في الولايات المتحدة ثم عينوا مسئولين عن المشروعات الصناعية. في الفترة ما بين 68 – 1969، كان هناك تجميد إجباري للرواتب، وتم حتى بيع بعض المشروعات العامة لرأس المال الخاص، على سبيل المثال : الـ 26 % حصة الدولة في مصفاة بترول حيفا.

هذا التدفق للموارد من الخارج لم يتضمن الملكيات التي استولت عليها المؤسسة الصهيونية في إسرائيل من اللاجئين الفلسطينيين كـ”ملكيات مهجورة“. هذا يتضمن الأراضي؛ الزراعية وغير الزراعية، فقط 10 % من الأراضي التي سيطرت عليها الهيئات الصهيونية في إسرائيل قبل 1967 تم شرائها قبل 1948. إنها تتضمن أيضاً العديد من المنازل، ومدن هجرت بأكملها مثل يافا، واللد، ورام الله، حيث تم مصادرة ملكيات كثيرة بعد حرب 1948.

لا يصل التدفق الهائل لرأس المال إلى أيدي البورجوازية الصغيرة الإسرائيلية، لكن إلى أيدي الدولة، أيدي المؤسسة الصهيونية،[14] وهذه المؤسسة ظلت تحت سيطرة بيروقراطيات أحزاب العمل منذ العشرينات. حدد هذا الطريقة التي استخدم بها كل رأس المال المتدفق والملكيات الـمُستولى عليها. الاعتمادات المالية التي يتم تحصيلها في الخارج تمر عبر الوكالة اليهودية والتي تشكل، مع الهيستدروت والحكومة، ضلعاً من المثلث الذي يحكم المؤسسات. كل الأحزاب الصهيونية من مابام إلى حيروت، ممثلة في الوكالة اليهودية. وهي تمول قطاعات الاقتصاد الإسرائيلي، على وجه الخصوص القطاعات غير المربحة في الزراعة مثل الكيبوتزات، وأيضاً توزع اعتمادات مالية للأحزاب الصهيونية، لتمكنهم تشغيل صحفهم ومشروعاتهم الاقتصادية. تقسم الاعتمادات المالية تبعاً لشكل التصويت للأحزاب في الانتخابات السابقة، وهذا النظام من المساعدات يُمكن الأحزاب الصهيونية من أن تعيش طويلاً بعد اختفاء القوى الاجتماعية التي خلقتها.

كان الغرض من هذا النظام، تاريخياً، هو تقوية عملية الاستعمار، طبقاً لأفكار أحزاب العمل الصهيونية، وتقوية قبضة البيروقراطية على المجتمع الإسرائيلي. أثبت هذا نجاحاً، حيث أنه ليست الطبقة العاملة الإسرائيلية فقط التي تقع تنظيمياً واقتصادياً تحت السيطرة التامة لبيروقراطية “العمل“، لكن أيضاً البورجوازية الإسرائيلية. تاريخياً، شكلت البيروقراطية معظم المؤسسات والقيم والممارسات في المجتمع الإسرائيلي بدون أي معارضة ناجحة من الداخل، وتتعرض فقط للقيود الخارجية المفروضة عليها من قبل الإمبريالية ومقاومة العرب. يذهب معظم التدفق الهائل للموارد إلى مشروعات الهجرة والاسكان والتوظيف الضروريان لمواجهة تدفق المهاجرين الذي رفع تعداد اليهود من 0,6 مليون في 1948 إلى 2,4 مليون في 1968.

اقترنت هذه العملية بالقليل نسبياً من الفساد الفردي، لكن بالكثير من الفساد السياسي والاجتماعي. كان لتدفق الموارد تأثير حاسم على ديناميات المجتمع الإسرائيلي، بالنسبة للطبقة العاملة الإسرائيلية فقد شاركت، بشكل مباشر وبشكل غير مباشر، في هذا التحويل لرأس المال. ليست إسرائيل دولة تتدفق فيها المساعدات الأجنبية بأكملها لجيوب القطاع الخاص، إنها دولة تدعم فيها المساعدات المجتمع بأسره. لا يتلقى العامل اليهودي نصيبه بشكل نقدي، لكن يحصل عليه في شكل الإسكان الجديد والرخيص نسبياً، والذي لم يكن من الممكن إنشائه بتجميع رأس المال محلياً، يحصل عليه في شكل توظيف في قطاع الصناعة، والذي لم يكن من الممكن أن يبدأ أو يستمر في العمل بدون المساعدات الخارجية، ويحصل عليه في شكل مستوى معيشة عام لا يتناسب مع إنتاجية المجتمع. نفس الشيء ينطبق بوضوح على أرباح البورجوازية الإسرائيلية والتي تحكم البيروقراطية نشاطها الاقتصادي وجنيها للأرباح عن طريق المساعدات ورخص الاستيراد والإعفاءات الضريبية. بهذه الطريقة، يُخاض الصراع بين الطبقة العاملة الإسرائيلية وأصحاب الأعمال؛ كلاً من البيروقراطيين والرأسماليين، ليس فقط من أجل فائض القيمة المنتج بواسطة العمال، لكن أيضاً من أجل النصيب الذي تتلقاه كل مجموعة من هذا المصدر الخارجي للمساعدات.

ما هي الظروف السياسية التي تمكن إسرائيل من تلقي مساعدات خارجية بهذه الكميات وبهذه الشروط التي لا نظير لها؟ تمت الإجابة على هذا السؤال مبكراً في 1951 بواسطة جريدة هآرتس اليومية:

“منحت إسرائيل دوراً ليس بعيداً عن دور كلب الحراسة. يمكن للمرء أن يخشى أن تتبنى سياسة عدائية ضد الدول العربية لو كان هذا سيتناقض مع مصالح الولايات المتحدة وبريطانيا. لكن لو فضل الغرب لسبب أو لآخر أن يغمض عينيه، فيمكن الاعتماد على إسرائيل لتعاقب بقسوة تلك الدول المجاورة التي يتجاوز سوء أدبها تجاه الغرب الحد المسموح به”[15]

تأكد هذا التقييم لدور إسرائيل في الشرق الأوسط عدة مرات، ومن الواضح أن سياسات إسرائيل الخارجية والعسكرية لا يمكن أن تستخلص فقط من ديناميات الصراع الاجتماعي الداخلي. تأسس الاقتصاد الإسرائيلي بأكمله على الدور السياسي والعسكري الخاص الذي تقوم به الصهيونية، ومجتمع المستوطنين، في الشرق الأوسط بأكمله. لو نُظر لإسرائيل بمعزل عن بقية الشرق الأوسط، لن يكون هناك تفسير لحقيقة أن 70 % من تدفق رأس المال إليها ليس بغرض الربح الاقتصادي ولا خاضعاً لاعتبارات الربحية. لكن ستُحل المشكلة في الحال عندما تُدرس إسرائيل كمكون في الشرق الأوسط. لا تغير حقيقة أن جزء كبير من هذه الأموال يأتي من تبرعات يجمعها الصهيونيون من اليهود على مستوى العالم، من كونها مساعدة من الإمبريالية. ما يهم بالأحرى هو حقيقة أن وزارة الخزانة في الولايات المتحدة مستعدة لأن تعتبر هذه الاعتمادات المالية، التي تم جمعها في الولايات المتحدة لتحويلها إلى دولة أخرى، كـ”تبرعات خيرية” تؤهل للحصول على إعفاءات على ضريبة الدخل. هذه التبرعات تعتمد على النية الطيبة لوزارة الخزانة في الولايات المتحدة، ومن المعقول فقط افتراض أن هذه النية الطيبة لن تستمر لو تبنت إسرائيل سياسة مبدئية ضد الإمبريالية.

هذا يعني أنه برغم وجود صراعات طبقية في المجتمع الإسرائيلي، إلا أنها مقيدة بحقيقة أن المجتمع بأكمله يُدعم من الخارج. هذه الحالة المتميزة مرتبطة بدور إسرائيل في المنطقة، وطالما هذا الدور مازال مستمراً فهناك احتمال ضئيل لاكتساب الصراع الداخلي سمة ثورية. من ناحية أخرى، فإن تقدم ثوري في العالم العربي يمكن أن يغير هذا الموقف. بتحرير نشاط الجماهير في جميع أنحاء العالم العربي يمكن تغيير ميزان القوى، سيجعل هذا من الدور السياسي العسكري التقليدي لإسرائيل شيئاً عفا عليه الزمن، ولذا يقلص من فائدته بالنسبة للإمبريالية. في البداية، سيتم على الأرجح استخدام إسرائيل لسحق هذا التقدم الثوري في العالم العربي، لكن بمجرد فشل هذه المحاولة، سينتهي الدور السياسي العسكري لإسرائيل في مواجهة العالم العربي. بمجرد أن ينتهي هذا الدور والامتيازات المرتبطة به، سيصبح النظام الصهيوني، الذي يعتمد كما يفعل الآن على هذه الامتيازات، مفتوحاً للتحديات الجماهيرية من داخل إسرائيل نفسها.

هذا لا يعني أنه لا يوجد شيء ليفعله الثوريون في قلب إسرائيل، سوى الجلوس وانتظار نشأة الظروف الخارجية الموضوعية التي لا يملكون أي تأثير عليها. إنه يعني فقط أنه يجب عليهم تأسيس نشاطهم على إستراتيجية تُقر بالملامح الفريدة للمجتمع الإسرائيلي، بدلاً من تلك التي تعيد إنتاج التعميمات الخاصة بتحليل الرأسمالية الكلاسيكية. إن المهمة الرئيسية للثوريين الذين يقبلون هذا التحليل هي أن يوجهوا عملهم نحو شرائح السكان الإسرائيليين الذين يتأثرون حالياً من النتائج السياسية للصهيونية، والذين يجب عليهم أن يدفعوا ثمنها. هذه الشرائح تضم الشباب الإسرائيلي، والذين يطلب منهم شن “حرب أبدية يفرضها عليهم القدر“، والعرب الفلسطينيين الذين يعيشون تحت الحكم الإسرائيلي.[16] هذه الشرائح تشترك في توجه ضد الصهيونية يجعلها حلفاء محتملين في النضال الثوري داخل إسرائيل، والنضال الثوري في جميع أنحاء الشرق الأوسط. أي شخص يتابع عن قرب النضالات الثورية في قلب العالم العربي، يعي العلاقة الجدلية بين النضال ضد الصهيونية في قلب إسرائيل والنضال من أجل الثورة الاجتماعية في قلب العالم العربي. هذه الإستراتجية لا تعني أنه يجب تجاهل النشاط في قلب الطبقة العاملة الإسرائيلية؛ إنها تعني فقط أن هذا النشاط ذاته يجب أن يخضع للإستراتيجية العامة للنضال ضد الصهيونية.


الهوامش

[1] الكتاب الإحصائي السنوي للحكومة الإسرائيلية، 1969.

(أ)  وقت كتابة هذه الدراسة في بداية السبعينات. (المترجم)

[2] موشيه دايان، في جريدة “دافار“، 2 مايو 1956.

[3] الأغلبية الساحقة من أولئك الذين هاجروا قبل 1948 كانوا من أصول أوروبية؛ بين 1948 و1951 كانت النسب تقريباً متساوية؛ ومن بعدها فإن أغلبية المهاجرين أتوا من خارج أوروبا. بحلول عام 1966 كان نصف سكان إسرائيل فقط من أصول أوروبية.

[4] أنظر الكتاب الإحصائي السنوي .. (القدس، 1969).

[5]هناك خطر عظيم في توظيف أعداد كبيرة من (العرب) في الاقتصاد الإسرائيلي، خطر لا علاقة له بالأمن: إنهم قنبلة موقوتة… بعض فروع الاقتصاد تصبح بالفعل معتمدة على العمل العربي من الأقاليم المحتلة، والعمال اليهود يهجرون قطاعات كاملة من الاقتصاد“. (حاييم ﭼيفاتي، وزير الزراعة، في يدعوت أحرونوت، 20 مايو 1970)

(ب) الأقدام السوداء Pied Noirs: مصطلح يطلق على ذوي الأصول الفرنسية أو الأوروبية المولودين في شمال أفريقيا وقت الاحتلال الفرنسي له. (المترجم)

(ﺟ) التسمية الغربية لما نسميه نحن بالعدوان الثلاثي. (المترجم)

(د)  حزب الفهود السود (1966 – 1982): مجموعة ثورية اشتراكية تشكلت في الولايات المتحدة، وتبنى توجهاً لمواجهة عنف ووحشية الشرطة ضد الأقليات باستخدام السلاح، بالإضافة إلى توجه للعمل الاجتماعي لصالح هذه الأقليات. (المترجم)

[6]لوموند“، 2 يوليو، 1969.

[7] دورية الكتابات الاقتصادية Journal of Economic Literature، ديسمبر 1969، ص 1177.

(ﻫ) النداء اليهودي الموحد United Jewish Appeal: منظمة لجمع التبرعات للحركة الصهيونية في أمريكا، تأسست في 1939. (المترجم)

[8] أقر هذا القانون في 1959.

[9] هذه الأرقام مأخوذة من كتاب “النمو الاقتصادي لإسرائيلThe Economic Development of Israel، ن. هاليفي و ر. كالينوف-مالول، نشر بواسطة بنك إسرائيل وفريدريك أ. بريجر سنة 1968.

تم استبعاد التصنيف “مصادر أخرى“، المذكور ضمن “تحويلات رأس المال طويلة المدى“، من الأرقام لكلاً من التحويلات طويلة المدى وأحادية الاتجاه مجموعين معاً.

[10] بروفيسور د. باشينكين في “معاريف“، 30 يناير 1970.

[11]يدعوت أحرونوت“، 30 سبتمبر 1970. من ضمن مجموع يقدر بـ 1034 مليون دولار لمساعدات الولايات المتحدة العسكرية للدول الأخرى، في ماعدا فيتنام خلال 1970، تتلقى إسرائيل 500 مليون دولار.

[12] عرض سابير ميزانية 70 – 1971، مبكراً في ديسمبر 1970؛ كان 40 % منها مخصصاً لأغراض عسكرية. هذا يتضمن شراء الأسلحة، والتي تم تغطيتها جزئياً بالـ 500 مليون دولار التي وعد بها نيكسون؛ وتطوير صناعة السلاح والأبحاث العسكرية؛ والنفقات اليومية لعمليات الأمن القومي.

[13] أنظر “لماذا تشتري هذه الدولة المنتجات البريطانية“، جريدة التايمز، لندن، 28 مارس 1969.

[14] يستخدم مصطلح “المؤسسة الصهيونية” تقليدياً للدلالة على المجموعة الحاكمة الموجودة في المنظومة المتداخلة للمؤسسات الصهيونية.

[15] جريدة “هآرتس“، 30 سبتمبر 1951.

[16] تم مناقشة حركة المعارضة في إسرائيل، وبالتحديد بين طلاب الجامعات، في مقال أكيفا أور، “إسرائيل: المعارضة تنمو“، جريدة”بلاك دوارف“، 12 يونيو 1970.

Advertisements

مناقشة

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

حمل العدد الأخير من نشرة الثوري

آخر اصداراتنا

أنت الزائر رقم

  • 68,316

%d مدونون معجبون بهذه: